اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

كيف غيّرت الحربان العالميتان الأدب والسينما؟ من شعر الخنادق إلى أفلام الذاكرة

جندي يكتب رسالة في بلجيكا خلال الحرب العالمية الأولى في صورة ترمز إلى أثر الحرب في الأدب والذاكرة الإنسانية
جندي يكتب رسالة قرب جبهة ميسين في بلجيكا خلال الحرب العالمية الأولى؛ صورة تاريخية من مقتنيات المكتبة الوطنية في اسكتلندا عبر Wikimedia Commons.
حين خرج الكاتب من الخندق، ودخلت الكاميرا إلى الحرب: كيف غيّرت الكارثتان الكبيرتان الطريقة التي يروي بها الإنسان نفسه والعالم؟

لم تنتهِ الحرب العالمية الأولى حين سكتت المدافع في نوفمبر/تشرين الثاني 1918، كما لم تنتهِ الحرب العالمية الثانية باستسلام ألمانيا واليابان سنة 1945. بقي شيء منهما يعمل طويلًا في اللغة والصورة والخيال. فالمدن يمكن إعادة بنائها، والجيوش تعود إلى ثكناتها، والحدود ترسم من جديد، لكن الإنسان الذي شاهد الخندق، والمحرقة، والقصف الجوي، والمدن المحترقة، والمقابر الجماعية، لم يعد قادرًا على النظر إلى العالم بالطريقة نفسها التي كان ينظر بها إليه قبل الحرب.

لهذا لا تبدو الحربان العالميتان مجرد موضوعين من موضوعات الأدب والسينما. إنهما من الأحداث التي غيّرت الأدوات نفسها التي يروي بها الإنسان تجربته. بعدهما تغير معنى البطل، واضطربت الثقة بالعقل والتقدم، وتكسرت الحكاية المستقيمة، ودخلت الصدمة والذاكرة والعبث والذنب والنجاة إلى قلب الرواية والقصيدة والفيلم. وتحولت الكاميرا بدورها من جهاز يسجل الجنود والاستعراضات إلى عين قادرة على صناعة الدعاية، ثم إلى وسيلة تواجه المجتمع بصور ماضيه التي ربما كان يفضّل نسيانها.

قبل الحرب: حين كان التقدم يبدو وعدًا لا تهديدًا

دخلت أوروبا القرن العشرين وهي تحمل قدرًا كبيرًا من الثقة بالقوة الصناعية والعلمية. كانت القطارات أسرع، والمدن أكبر، والاتصالات أكثر تطورًا، والآلة تبدو علامة على المستقبل. ولم تكن الثقافة الأوروبية خالية بالطبع من التشاؤم والتمرد قبل سنة 1914؛ فالحداثة الأدبية والفنية كانت قد بدأت بالفعل في التشكيك في الأشكال الموروثة، وكان كتّاب وفنانون كثيرون يبحثون عن لغة جديدة قبل اندلاع الحرب.

ولهذا سيكون من التبسيط القول إن الحرب العالمية الأولى «اخترعت» الحداثة. الأدق أنها منحت أسئلتها قوة مأساوية هائلة. فما كان قبلها قلقًا فكريًا أو جماليًا أصبح بعد سنوات الخنادق أزمة ثقة كاملة. التكنولوجيا التي وعدت بتحسين حياة الإنسان أثبتت أنها تستطيع أيضًا إنتاج المدفع الرشاش والغاز السام والمدفعية الثقيلة وقتل الآلاف خلال ساعات.

وهنا وقع الانكسار الكبير: إذا كان التقدم يؤدي إلى هذا الخراب، فما معنى التقدم؟ وإذا كانت الدول الحديثة والعلم والتنظيم الصناعي تستطيع تعبئة ملايين البشر لقتل ملايين آخرين، فهل ما زال ممكنًا الحديث بثقة عن حضارة تسير باستمرار نحو الأفضل؟


الحرب العالمية الأولى: موت صورة الحرب الجميلة

كانت للحروب القديمة تقاليد أدبية راسخة: الفارس، والبطولة، والمجد، والتضحية، والنصر. لكن حرب الخنادق جعلت كثيرًا من هذه الصور تبدو عاجزة أمام الواقع. لم يعد المقاتل دائمًا فارسًا يواجه خصمه وجهًا لوجه؛ قد يكون جسدًا ينتظر أيامًا في الوحل ثم تقتله قذيفة أطلقها إنسان لا يراه.

ومن هنا جاءت أهمية شعراء الحرب البريطانيين مثل ويلفرد أوين وسيغفريد ساسون وإسحاق روزنبرغ وروبرت غريفز وغيرهم. لم يكن اكتشافهم أن الحرب مؤلمة أمرًا جديدًا في ذاته، لكن الجديد كان إصرارهم على اقتلاع الحرب من اللغة البلاغية التي تحيطها بالمجد وإعادتها إلى مستوى الجسد: الطين، والغاز، والجروح، والخوف، والانتظار، وصوت المدفعية، والموت الذي لا يحمل بالضرورة خاتمة بطولية.

أصبحت المسافة بين الخطاب الرسمي وتجربة الجندي إحدى القضايا الأساسية في أدب الحرب. في الخلف تُقال كلمات مثل الشرف والتضحية والوطن، وفي الخندق يوجد إنسان يريد أن ينجو من الليلة التالية. هذا التناقض بين اللغة والواقع سيظل من أكثر موضوعات أدب الحرب استمرارًا حتى يومنا هذا.

ولعل ما يجعل هذه التجربة قريبة من قارئنا المعاصر أنها لم تختفِ بانتهاء الحربين العالميتين. فالأدب لا يزال يعود كلما اندلعت حرب جديدة إلى المشكلة نفسها: كيف تستطيع اللغة أن تتحدث عن الخراب من دون أن تحوله إلى مشهد مألوف؟ وقد تناول «الورّاق الجزائري» هذا السؤال من زاوية عربية معاصرة في قراءة «شعرية الحرب وتفكيك الخراب عند عبد المنعم المحجوب»، حيث لا تصبح الحرب حادثة عسكرية فحسب، بل قوة تتسلل إلى المدينة والجسد والذاكرة واللغة نفسها.

من الخندق إلى الرواية: جيل عاد ولم يعد كما كان

أنتجت الحرب الأولى أيضًا صورة الإنسان العائد من الحرب وهو غير قادر تمامًا على العودة إلى حياته السابقة. قد يعود الجسد إلى البيت، لكن جزءًا من صاحبه يظل في مكان آخر. ومن هنا دخلت تجربة الجندي السابق، والجرح النفسي، والذاكرة المقتحمة، والشعور بالغربة عن المجتمع المدني إلى الرواية الحديثة بقوة.

وفي أعمال إرنست همنغواي وإريك ماريا ريمارك وغيرهما نجد عالمًا لم تعد فيه الكلمات الكبيرة مقنعة كما كانت. رواية «وداعًا للسلاح» مثلًا لا تستطيع فصل الحب عن الحرب، لأن الحرب تتدخل في أكثر التجارب خصوصية. أما «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» فتقلب السؤال من «كيف ينتصر الجندي؟» إلى سؤال أشد مرارة: ماذا يبقى من شاب أُرسل إلى الحرب قبل أن يكتشف الحياة أصلًا؟

لم تعد البطولة بعد ذلك سهلة. وقد يكون أحد أهم آثار الحرب على الأدب أنها نقلت مركز الاهتمام من المنتصر إلى الضحية، ومن القائد إلى الجندي العادي، ومن الخريطة العسكرية إلى الجسد الإنساني الموجود تحت القصف.

الحرب والحداثة: لماذا أصبحت الرواية نفسها أكثر تشظيًا؟

حين يتشظى العالم، يصبح من الطبيعي أن تتعرض الحكاية المستقيمة نفسها للشك. ولهذا يصعب فصل المناخ الذي صنعته الحرب الأولى وما أعقبها عن ازدهار تقنيات أدبية تعتمد التقطيع، وتعدد الأصوات، واضطراب الزمن، وتيار الوعي، والانتقال بين الذاكرة والحاضر.

في أعمال فرجينيا وولف، على سبيل المثال، لا تكمن الحرب دائمًا في المعركة ذاتها، بل في آثارها التي يحملها الناس إلى الحياة اليومية. شخصية سيبتيموس في «السيدة دالاواي» مثال واضح على رجل انتهت الحرب من حوله لكنها لم تنته داخله. المدينة تعيش يومها، الحفلات مستمرة، الناس يلتقون ويتبادلون المجاملات، غير أن الماضي يقتحم وعي الجندي السابق ويمنعه من العودة إلى الزمن الطبيعي.

أما «الأرض اليباب» لت. س. إليوت، التي ظهرت بعد الحرب بسنوات قليلة، فقد أصبحت واحدة من أبرز صور عالم الحداثة المتشظي. وليس من الدقة اختزال القصيدة إلى أنها «قصيدة عن الحرب»، لكنها ابنة مناخ ثقافي اهتز فيه الإيمان بالتماسك، وصارت الشظايا والصور المتقطعة واللغات المتجاورة أقرب إلى التعبير عن روح العصر من البناء الكلاسيكي المغلق.

ثم جاءت الحرب الثانية: لم يعد السؤال كيف يموت الإنسان فقط

إذا كانت الحرب العالمية الأولى قد كشفت قدرة الصناعة الحديثة على قتل البشر جماعيًا، فإن الحرب العالمية الثانية دفعت السؤال إلى منطقة أكثر ظلمة. المحرقة، ومعسكرات الإبادة، والقصف الواسع للمدن، والحرب الشاملة ضد المدنيين، والقنبلتان الذريتان، والتهجير الهائل؛ كل ذلك جعل الثقافة بعد سنة 1945 تواجه حقيقة يصعب استيعابها: يمكن لمجتمع حديث، منظم، متعلم، أن يستخدم الإدارة والعلم والقطارات والمصانع في مشروع إبادة.

لهذا لم يعد الأدب بعد الحرب الثانية منشغلًا فقط بموت الجندي في الجبهة. دخلت إلى مركز الكتابة أسئلة أخرى: كيف يشهد الناجي على ما حدث؟ هل يمكن وصف التجربة من دون تشويهها؟ هل يستطيع من لم يكن هناك أن يفهم؟ ماذا يفعل الإنسان بشعوره بالنجاة حين يكون الآخرون قد ماتوا؟ ومن يملك حق رواية آلام الضحايا؟

أدب الشهادة: حين تصبح الكتابة مقاومة للنسيان

هنا اكتسبت المذكرات والشهادات الشخصية مكانة غير مسبوقة. لم يعد الكاتب يتعامل مع الحرب بوصفها مادة يتخيلها من بعيد، بل ظهر نوع من الكتابة يقوم على مسؤولية الشاهد: «كنت هناك، وهذا ما رأيته».

تأتي أعمال بريمو ليفي وإيلي فيزيل وغيرهما في هذا السياق. قيمة هذه النصوص لا تكمن في أنها تقدم مجرد معلومات عن المعسكرات؛ فالوثائق والأرقام تستطيع أن تفعل ذلك. قوتها أنها تعيد الفرد إلى مكانه بعد أن حاولت آلة الإبادة تحويل البشر إلى أرقام.

عندما يقول الناجي اسمه، ويتذكر أباه أو أمه أو رفيقه أو قطعة خبز أو ليلة في معسكر، فهو يعيد للشخص المفرد ما حاول نظام الإبادة أن يسلبه منه: الوجه والقصة والذاكرة.

ولهذا أصبح التذكر نفسه فعلًا أخلاقيًا. لم يعد الأدب بعد الحرب مجرد سؤال عن جمال العبارة، بل أصبح في بعض أكثر نصوص القرن العشرين قسوة سؤالًا عن واجب الشهادة.

لكن ماذا تفعل السينما بالحرب؟

دخلت السينما الحرب العالمية الأولى وهي فن حديث العهد نسبيًا. ولم تكن بعد قد امتلكت كل لغتها الفنية اللاحقة، لكنها اكتشفت أثناء الحرب قدرة جديدة وخطيرة: الصورة المتحركة تستطيع أن تجعل الإنسان البعيد يشعر أنه يرى الحرب بعينيه.

كانت الأخبار المصورة والتسجيلات والمواد الدعائية تعرض أمام جمهور واسع. وأصبح فيلم مثل «معركة السوم» سنة 1916 حدثًا جماهيريًا ضخمًا في بريطانيا. للمرة الأولى صار ملايين الأشخاص قادرين على رؤية صور مرتبطة بجبهة يقاتل فيها أبناؤهم وأزواجهم وإخوتهم.

لكن الكاميرا لم تكن عينًا بريئة. منذ البداية ظهر السؤال الذي سيلاحق سينما الحرب إلى اليوم: هل ما نراه تسجيل للحقيقة أم صناعة لصورة تريد الدولة أن نراها؟

في زمن الحرب لا تُستخدم السينما فقط لإخبار الناس بما يجري، بل أيضًا للحفاظ على المعنويات، وتشجيع التجنيد، وتصوير العدو بطريقة معينة، وإقناع الجمهور بأن التضحيات ضرورية. وبذلك ولدت علاقة معقدة بين الحرب والصورة: الكاميرا تستطيع أن تكشف الواقع، لكنها تستطيع أيضًا أن تختاره وتعيد ترتيبه.

السينما بين الحربين: من البطولة إلى الشك

بعد الحرب العالمية الأولى بدأ المخرجون يعودون إلى التجربة من مسافة زمنية أكبر. وهنا تحولت الحرب من مادة للأخبار والدعاية إلى موضوع للتأمل والنقد.

جاء فيلم «All Quiet on the Western Front» سنة 1930 ليضع المشاهد مع شبان يدخلون الحرب تحت تأثير الخطاب الحماسي، ثم يكتشفون واقعها. لم تعد المسألة استعراض شجاعة عسكرية، بل تفكيك الطريقة التي تستطيع بها اللغة أن تدفع جيلًا كاملًا نحو الموت.

ثم جاء جان رينوار في «La Grande Illusion» سنة 1937 ليقدم واحدًا من أكثر أفلام الحرب إنسانية. الحرب موجودة، لكن الفيلم مهتم أيضًا بالطبقات والحدود والصداقة والتغير التاريخي. العدو ليس دائمًا وحشًا مجردًا؛ فقد يكون إنسانًا تشترك معه في أشياء أكثر مما تسمح لك الحرب بالاعتراف به.

وهذه خطوة مهمة في تطور سينما الحرب: حين يتوقف الفيلم عن السؤال «من البطل؟» ويبدأ بالسؤال «ما الذي تفعله الحرب بالبشر؟».

الحرب العالمية الثانية: حين أصبحت السينما جزءًا من الجبهة

في الحرب الثانية أصبحت العلاقة بين الدولة والسينما أكثر تنظيمًا واتساعًا. استُخدمت الأفلام الإخبارية والوثائقية والروائية والرسوم المتحركة والأفلام القصيرة لنقل التعليمات، ورفع المعنويات، وتشجيع الإنتاج، والتحذير من التجسس، وتفسير الحرب للجمهور.

لم يكن المطلوب دائمًا فيلمًا يصرخ بشعارات مباشرة؛ فالدعاية الأكثر فاعلية قد تتخفى داخل حكاية ممتعة. ولهذا كانت السينما في بريطانيا وأمريكا وألمانيا والاتحاد السوفيتي وغيرها جزءًا من معركة الصورة إلى جانب معركة السلاح.

في الولايات المتحدة ظهرت سلسلة «Why We Fight» لتفسير الصراع من منظور الحلفاء وتحفيز الجنود والجمهور. وفي بريطانيا قدّمت الأفلام صورة المجتمع المتماسك في وجه الخطر، بينما استخدمت ألمانيا النازية السينما ضمن جهاز دعائي شديد التنظيم سبق الحرب واستمر خلالها.

وهكذا لم تعد الشاشة تعكس الحرب فقط؛ لقد أصبحت واحدة من ساحاتها.

بعد 1945: السينما تنظر إلى الركام

لكن انتهاء الحرب بدّل وظيفة الصورة مرة أخرى. في إيطاليا المدمرة ظهرت الواقعية الجديدة، ولم يكن من المصادفة أن تتجه الكاميرا إلى الشوارع والأحياء والفقر والناس العاديين. فيلم «روما، مدينة مفتوحة» لروبرتو روسيليني، الذي ظهر سنة 1945، بدا كأنه يخرج مباشرة من أنقاض الاحتلال والمقاومة.

لم تعد الاستوديوهات المغلقة وحدها كافية لعالم دُمّر فعلًا. صار للشارع الحقيقي، والوجه العادي، والجدار المتشقق، والبطالة والجوع قيمة جمالية وأخلاقية جديدة.

حتى حين ابتعدت السينما عن موضوع الحرب المباشر، ظل أثر الحرب ظاهرًا في الأفلام التي تناولت الجريمة والاغتراب والرجال العائدين من الجبهة والقلق الاجتماعي. فالحرب لم تنتهِ حين توقفت المعارك؛ دخلت إلى البيوت، والعلاقات، وصورة الرجل والمرأة، ومفهوم الأمن، والخوف من المستقبل.

المحرقة على الشاشة: المشكلة الأخلاقية للصورة

أمام المحرقة ظهرت للسينما مشكلة أكثر تعقيدًا. كيف يمكن تمثيل حدث بهذه القسوة؟ وهل إعادة بناء المعسكرات والموت في فيلم روائي تساعد على التذكر أم تحول الألم إلى فرجة؟

لا توجد إجابة واحدة. بعض المخرجين لجأوا إلى الوثيقة، وبعضهم إلى الشهادة المباشرة، وبعضهم إلى الدراما الروائية. فيلم «Night and Fog» لألان رينيه واجه آثار المعسكرات والمواد الأرشيفية، بينما بنى كلود لانزمان في «Shoah» عملًا ضخمًا على شهادات الناجين والشهود بدل إعادة تمثيل الإبادة بصورة درامية تقليدية.

وفي السينما الروائية أصبحت «قائمة شندلر» واحدة من أشهر محاولات تقديم المحرقة لجمهور عالمي واسع. وقد ناقش «الورّاق الجزائري» العلاقة بين التاريخ وإعادة البناء السينمائي في مقالة «قائمة شندلر Schindler's List: ما الحقيقة وما الذي صنعته السينما؟». فالسؤال هنا لا يقتصر على صحة الوقائع، بل يمتد إلى الطريقة التي تتحول بها الكارثة التاريخية إلى قصة وشخصيات وصور يتذكرها الجمهور.

عازف البيانو: الحرب من نافذة شخص واحد

قد تقدم كتب التاريخ الحرب في صورة جيوش وحدود ومعارك وأعداد ضخمة، لكن الفن يحتاج غالبًا إلى باب أصغر يدخل منه إلى الكارثة. وهذا ما يفسر قوة القصص الفردية.

في فيلم «The Pianist» لا نرى الحرب من مقر قيادة ولا من دبابة تتقدم نحو العدو. نراها إلى حد بعيد عبر تجربة فلاديسلاف شبيلمان: موسيقي يحاول ألا يموت. ومن خلال فرد واحد نشاهد وارسو وهي تفقد وجهها خطوة بعد أخرى.

وقد تناولنا بالتفصيل في مقالة «The Pianist – عازف البيانو: ما الحقيقة وراء قصة فلاديسلاف شبيلمان؟» كيف تحولت مذكرات ناجٍ حقيقي إلى عمل سينمائي. والأهم في هذا السياق أن الفيلم يعيد تعريف البطولة: البطل ليس بالضرورة من يهزم جيشًا، بل قد يكون من يتمسك بما بقي من إنسانيته بينما يتهاوى العالم من حوله.

هل يجوز أن نضحك أمام المحرقة؟

ربما يبدو السؤال صادمًا، لكنه يكشف مقدار التغير الذي أصاب فن الحرب. فيلم «Life Is Beautiful» لم يواجه المعسكر بمنطق الفيلم الحربي المعتاد، بل أدخل الكوميديا والحب الأبوي والخيال إلى واحدة من أحلك مناطق التاريخ.

وهنا تنشأ معضلة أخلاقية وفنية: هل تخفف الكوميديا من الجريمة أم أنها قد تصبح وسيلة لحماية إنسانية الضحية من عالم يريد سحقها؟

ناقشنا هذه المفارقة في مقالة «Life Is Beautiful — الحياة جميلة: هل يمكن للكوميديا أن تواجه المحرقة؟». وما يجعل الفيلم مهمًا في تاريخ تمثيل الحرب أنه يثبت أن الذاكرة لا تتخذ شكلًا واحدًا. قد تأتي في شهادة قاسية، أو فيلم أبيض وأسود، أو صمت طويل، أو حتى ضحكة يعرف المشاهد أنها محاطة بالموت.

هيروشيما: حين دخل احتمال نهاية العالم إلى المخيلة

أضافت القنبلة الذرية بعدًا لم تعرفه الحروب السابقة بهذه الصورة: لم يعد السؤال كم إنسانًا يستطيع السلاح أن يقتل، بل هل وصلت البشرية إلى القدرة على تدمير مدن كاملة في لحظات، وربما تدمير نفسها؟

دخل هذا القلق إلى الأدب والسينما والفلسفة والسياسة. وأصبحت صورة السحابة الذرية جزءًا من ذاكرة القرن العشرين، ثم غذّت في العقود التالية أدب نهاية العالم والخيال العلمي وأفلام الحرب الباردة.

وفي «Hiroshima mon amour» لألان رينيه تتشابك ذاكرة هيروشيما مع ذاكرة حب شخصي وفقد فردي. وهنا تظهر إحدى أهم الأفكار التي ورثها الفن من الحربين العالميتين: التاريخ الكبير لا يعيش منفصلًا عن الذاكرة الخاصة. المدينة والجسد، الحرب والحب، الكارثة العامة والجرح الشخصي؛ كلها قد توجد في اللحظة نفسها.

كيف تغيّر مفهوم البطل؟

لعل هذا من أعمق التحولات التي أحدثتها الحربان في الأدب والسينما. البطل القديم كان يتحرك عادة نحو النصر. أما بطل القرن العشرين فقد يكون إنسانًا يعرف أنه لا يستطيع تغيير مجرى التاريخ، ومع ذلك يحاول الاحتفاظ بحد أدنى من الكرامة.

قد يكون جنديًا يرفض الكذب عن الحرب. قد يكون ناجيًا يكتب شهادته. قد يكون أبًا يحمي طفله. قد يكون موسيقيًا مختبئًا في بناية مهدمة. وقد يكون شخصًا يحمل ذنب النجاة لأنه بقي حيًا حين مات الآخرون.

إنه تحول من بطولة الانتصار إلى بطولة الاحتمال، ومن قوة الجسد إلى هشاشته، ومن القائد إلى الإنسان العادي.

المرأة أيضًا خرجت من هامش قصة الحرب

لم تعد الحرب في الأدب والسينما قصة رجال يحملون السلاح فقط. الحربان دفعتا ملايين النساء إلى أدوار جديدة في المصانع والمستشفيات والخدمات العامة والمقاومة وإدارة الحياة اليومية في غياب الرجال.

صحيح أن كثيرًا من الروايات والأفلام القديمة أعادت بعد انتهاء الحرب النساء إلى الأدوار التقليدية، لكن التجربة كانت قد كشفت أن تقسيم الأدوار السابق لم يكن طبيعيًا أو ثابتًا كما كان يبدو.

ومع مرور الوقت بدأ الأدب والسينما يستعيدان شهادات النساء وتجارب المدنيين والمهجّرين والأطفال والممرضات والعاملات والمقاومات، وأصبحت الحرب تُرى من زوايا كانت الرواية العسكرية الرسمية تميل إلى تجاهلها.

من الحرب بوصفها معركة إلى الحرب بوصفها ذاكرة

بعد عقود من انتهاء الحربين ظل الأدب والسينما يعودان إليهما. وهذه العودة لا تعني أن الفن عاجز عن العثور على موضوعات جديدة. السبب أعمق: كل جيل يعيد سؤال الماضي من زاوية مختلفة.

جيل قريب من الحرب يسأل: ماذا حدث؟ الجيل التالي يسأل: لماذا حدث؟ ثم يأتي جيل لم يعشها فيسأل: كيف نتذكر شيئًا لم نشهده؟ وبعد ذلك يظهر سؤال أكثر قلقًا: ماذا يحدث عندما يموت آخر الشهود؟

عندها يصبح الكتاب والفيلم والأرشيف والصورة والرسالة القديمة جزءًا من الذاكرة البديلة. هنا نفهم دلالة صورة الجندي التي تفتتح هذه المقالة: رجل في حرب عالمية يكتب على ورقة صغيرة. ربما كان يكتب لأسرته، وربما لم يكن يعلم أنه يشارك، من حيث لا يدري، في بناء أرشيف ضخم من التجارب الفردية التي ستستخدمها الأجيال اللاحقة لفهم ما تعجز الإحصاءات وحدها عن تفسيره.

الحقيقة التاريخية والحقيقة الفنية

لكن علينا الحذر من الاعتقاد بأن الرواية أو الفيلم وثيقة محايدة. الكاتب يختار، والمخرج يختار. هناك شخصية تظهر وأخرى تختفي، حادثة تمتد لعشر دقائق وأعوام كاملة تمر في ثوانٍ، موسيقى تضاف، وزاوية تصوير تجعلنا نتعاطف مع شخص دون آخر.

الحقيقة الفنية ليست كذبًا بالضرورة، لكنها ليست التاريخ نفسه. وقد تكون الرواية شديدة الصدق في التعبير عن خوف الجندي مع أنها اخترعت الجندي، كما قد يكون الفيلم مستندًا إلى شخصية حقيقية ثم يغيّر ترتيب الأحداث أو يدمج شخصيات متعددة لأسباب درامية.

ولهذا فإن القراءة الواعية لأدب الحرب وسينما الحرب تحتاج دائمًا إلى مستويين: أن نسأل أولًا ماذا حدث تاريخيًا، ثم نسأل ماذا فعل العمل الفني بما حدث، ولماذا اختار هذه الصورة بالذات؟

الحرب والدعاية: المعركة التي تخوضها الكلمات والصور

تعلمت الدول في الحربين العالميتين أن السيطرة على تفسير الحدث لا تقل أهمية دائمًا عن الحدث نفسه. ليست المعركة فقط من يسيطر على الأرض، بل من يحدد معنى الموت، ومعنى الهزيمة، ومعنى التضحية.

لهذا تنتج الحرب قاموسها: بطولة، خيانة، تضحية، عدو، نصر، شهداء، تحرير، دفاع. وقد يستخدم كل طرف الكلمات ذاتها تقريبًا لوصف نفسه وخصمه بصورة معكوسة.

وهنا تأتي قيمة الأدب والفن حين يرفضان الاكتفاء بالقاموس الجاهز. فالقصيدة الجيدة قد تعيد للقتيل اسمه بعد أن تحول في البيان العسكري إلى رقم، والفيلم الجيد قد يضعنا داخل بيت مدني لا يظهر أصلًا على خريطة العمليات.

وبهذا المعنى لا يقف الفن خارج الحرب تمامًا، لكنه يستطيع أن يقاوم إحدى أخطر نتائجها: تحويل الإنسان إلى مفهوم مجرد.

هل صنعت الحرب أدبًا عظيمًا وسينما عظيمة؟

السؤال في ذاته يحمل فخًا أخلاقيًا. نعم، خرج من الحربين بعض أهم أدب القرن العشرين وبعض أكثر أفلامه تأثيرًا. لكن ذلك لا يعني أن الكارثة كانت ضرورية لإنتاج الفن، أو أن جمال العمل يمنح الخراب أي تبرير.

الحرب لم تحدث لكي يكتب عنها همنغواي أو ريمارك أو بريمو ليفي، ولم تقع المحرقة لكي يصنع مخرج بعد عقود فيلمًا مؤثرًا. الفن يأتي بعد الكارثة ويحاول أن ينقذ منها معنى، لكنه لا يعوض خسارتها.

وربما تكون عظمة كثير من أدب الحرب وسينما الحرب في أنها ترفض أصلًا تحويل المأساة إلى شيء جميل بالمعنى السهل. إنها تستخدم الجمال ضد النسيان، لا لتجميل الموت.

ما الذي بقي من الحربين في فننا اليوم؟

بقي أكثر مما نظن. بقيت شخصية الناجي، والجندي المصاب بالصدمة، والمدينة المدمرة، والطفل الذي يرى ما لا ينبغي لطفل أن يراه، والإنسان الذي يعود من الحرب ولا يستطيع العودة إلى حياته. بقي الشك في الرواية الرسمية، والخوف من الدعاية، والسؤال عن حدود تمثيل الألم.

وبقي أيضًا الشكل المتشظي الذي يعكس ذاكرة لا تستطيع سرد تجربتها من البداية إلى النهاية بهدوء. كثير من الأعمال المعاصرة التي تتناول حروبًا أخرى، من آسيا إلى إفريقيا والعالم العربي وأوروبا، تستخدم في الحقيقة لغة فنية تشكل جانب كبير منها خلال مواجهة القرن العشرين للحربين العالميتين.

لم تعد الحرب في أفضل الأدب والسينما استعراضًا للأسلحة ولا خريطة تتغير عليها الألوان. إنها اختبار لما يبقى من الإنسان حين تنهار القوانين التي كان يظن أنها تحميه.

حين يصبح الفن ذاكرةً ثانية للبشر

الوثيقة تخبرنا أن معركة وقعت في يوم معين، وأن مدينة قُصفت، وأن عددًا من البشر قتلوا أو هُجّروا. لكن الرواية والقصيدة والفيلم تسأل سؤالًا آخر: كيف كان الشعور بأن تكون هناك؟

هذه ليست حقيقة أقل أهمية، لكنها حقيقة من نوع مختلف. إنها لا تحل محل التاريخ، بل تمنحه وجهًا وصوتًا وارتجافة.

ولهذا ربما كان الأثر الأعمق للحربين العالميتين على الأدب والسينما أنهما أجبرتا الفن على إعادة تعريف مهمته. لم يعد يكفي أن يحكي الفنان قصة جميلة أو يصنع بطلًا منتصرًا. أصبح عليه أن يسأل كيف يمكن للكلمات والصور أن تواجه حدثًا يتجاوز قدرة اللغة نفسها على الوصف.

ومنذ ذلك الوقت صار الفن واحدًا من الأماكن التي يذهب إليها البشر حين يخشون أن تتحول المأساة إلى رقم في كتاب، أو تاريخ على نصب تذكاري، أو صورة قديمة لا يعرف أحد أسماء أصحابها.

قد تنتهي الحرب في الوثائق بتوقيع اتفاق أو إعلان استسلام. أما في الأدب والسينما فإنها تستمر ما دام هناك شخص يحاول أن يفهم لماذا حدث كل ذلك، وما دام هناك ناجٍ يريد أن يتذكر، وإنسان آخر يريد أن يعرف.

إذا كانت الحروب تنتهي عندما يصمت السلاح، فلماذا تظل الروايات والأفلام تعيدها أمامنا بعد عشرات السنين: هل لأن الإنسان يريد أن يتذكر، أم لأنه لا يزال يخشى أن يكرر الحكاية نفسها؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق