كيف انتقل الجندي في الأدب والسينما من صورة الرجل الذي يتقدم نحو الخطر إلى صورة الإنسان الذي ينبغي أن نسأل عما فعله الخطر به؟ السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يقود إلى واحد من أعمق التحولات التي أحدثتها الحروب الكبرى في المخيلة الحديثة. فالحرب لم تغيّر الحدود والجيوش وحدها، بل غيّرت أيضًا اللغة التي نصف بها الشجاعة والهزيمة والنجاة. قبل أن يصبح الجندي المصدوم نفسيًا، أو الناجي الجائع، أو المدني المحاصر، أو الأسير، أو العائد العاجز عن العودة إلى حياته شخصية مركزية في الرواية والفيلم، كانت البطولة العسكرية تملك قاموسًا أكثر وضوحًا: الإقدام، التضحية، الواجب، الشرف، النصر، والموت في سبيل قضية أكبر من الفرد.
لم تختف هذه الكلمات بعد الحربين العالميتين، ولم تصبح البطولة العسكرية فجأة فكرة مستحيلة. ظل الأدب والسينما قادرين على الاحتفاء بالشجاعة، وظلت المجتمعات تتذكر جنودًا ومقاومين ومنقذين بوصفهم أبطالًا. لكن شيئًا حاسمًا تغير: لم تعد البطولة كافية وحدها لفهم الحرب. دخل سؤال آخر إلى الحكاية: ما الثمن الذي دفعه البطل كي يصبح بطلًا؟ وماذا لو كان الرجل الذي عاد بالأوسمة قد عاد أيضًا بالخوف والكوابيس والشعور بالذنب؟ وماذا لو كان أكثر الناس استحقاقًا لأن يكونوا في قلب الحكاية أولئك الذين لم ينتصروا على أحد، بل حاولوا فقط ألا يُسحقوا؟
هذا التحول هو أحد الخيوط التي تناولتها مقالة كيف غيّرت الحربان العالميتان الأدب والسينما؟ من شعر الخنادق إلى أفلام الذاكرة، لكن صورة البطل تستحق أن نتوقف عندها وحدها، لأنها تكشف كيف انتقلت الثقافة الحديثة من النظر إلى الحرب من أعلى، حيث الجنرالات والخرائط والانتصارات، إلى النظر إليها من مستوى الجسد الذي يرتجف تحت القصف.
قبل الانكسار: البطل الذي يعرف لماذا يموت
لم تخترع الحضارات الحديثة صورة المحارب البطل. منذ الملاحم القديمة ارتبطت الحرب بالبطولة وبالقدرة على مواجهة الموت، وكان المقاتل يمثل في كثير من النصوص قيم الجماعة التي ينتمي إليها. الشجاعة ليست مجرد صفة شخصية هنا، بل علاقة بين الفرد والقبيلة أو المدينة أو الوطن. يموت الإنسان، لكن موته يكتسب معنى لأن الجماعة ترويه وتحفظه.
حتى في بدايات الحرب العالمية الأولى سنة 1914، ظهرت في بريطانيا وغيرها قصائد ونصوص تحمل قدرًا واضحًا من الحماسة الوطنية. بدا الذهاب إلى الجبهة، في بعض الخطابات المبكرة، امتحانًا للرجولة والواجب وفرصة لإثبات الإخلاص للوطن. لم يكن ذلك كله دعاية مصطنعة؛ فعدد من الشباب صدقوا بالفعل أنهم يدخلون حربًا ذات معنى واضح، وأن التجربة ستكون قصيرة نسبيًا وأن الشجاعة الفردية ما تزال قادرة على أن تمنح المعركة شكلًا مفهومًا.
لكن الجبهة الغربية سرعان ما صنعت واقعًا يصعب إدخاله في هذا القالب. حرب الخنادق لم تقدم للمقاتل دائمًا خصمًا يراه وجهًا لوجه. قد يعيش أيامًا في الطين والبرد والقمل ورائحة الجثث، ثم تقتله قذيفة أطلقت من مكان بعيد. وقد يظل ينتظر ساعات طويلة بلا حدث، ثم يتحول المكان خلال لحظات إلى فوضى من المدفعية والغاز والرشاشات.
هنا بدأت أزمة الصورة البطولية. ليست المشكلة أن الجنود توقفوا عن إظهار الشجاعة، بل أن الشجاعة نفسها لم تعد قادرة على السيطرة على طبيعة الحرب. يمكن للرجل أن يكون شجاعًا إلى أقصى الحدود ثم يموت بسبب مصادفة عمياء. ويمكن أن ينفذ واجبه كاملًا، ثم يعود إلى البيت عاجزًا عن النوم. ويمكن أن يبدو سليم الجسد بينما تكون الحرب قد بقيت تعمل داخله.
صدمة القصف: حين أصبح الجندي جريحًا من دون جرح ظاهر
الصورة التي تتصدر هذه المقالة تختصر جانبًا من هذا التحول. لا يظهر فيها هجوم ولا علم مرفوع ولا لحظة انتصار. هناك جنود جرحى في محطة إسعاف سنة 1917، وفي مقدمة المشهد وجه شارد يكاد يسحب عين المشاهد بعيدًا عن كل شيء آخر. إنه وجه لا يحتاج إلى حركة كي يقول إن شيئًا حدث لا تستطيع اللغة العسكرية التقليدية أن تشرحه بسهولة.
خلال الحرب العالمية الأولى شاع مصطلح "صدمة القصف" لوصف مجموعة من الأعراض التي ظهرت لدى بعض الجنود: الارتعاش، والشلل، واضطراب النوم، وفقدان الذاكرة، والقلق، والعجز عن الكلام أو الاستجابة، وغيرها. لم يكن الفهم الطبي آنذاك مستقرًا، وتغيرت التفسيرات خلال الحرب وبعدها. كما أن من الخطأ مساواة "صدمة القصف" بصورة آلية بالتشخيص الحديث لاضطراب ما بعد الصدمة؛ فالمصطلحان ولدا في سياقين طبيين مختلفين. لكن الأهمية الثقافية لما حدث كانت هائلة.
فالجندي الذي كان يُنتظر منه أن يجسد الصلابة أصبح قادرًا على الانهيار من دون إصابة جسدية ظاهرة. وهنا ظهر صراع قاس بين تفسيرين: هل هو مريض يحتاج إلى العلاج، أم جبان فشل في أداء واجبه؟ هذا السؤال لم يكن طبيًا فقط. كان سؤالًا عن معنى الرجولة والطاعة والبطولة نفسها.
وفي فيلم King and Country لجوزيف لوزي، الذي ظهر سنة 1964 وعاد إلى أجواء الحرب العالمية الأولى، تصبح هذه المعضلة مركز الحكاية. جندي يحاول الابتعاد عن الجبهة ويُتهم بالفرار، لكن الفيلم يضع المشاهد أمام السؤال الذي حاولت المؤسسات العسكرية طويلًا تبسيطه: أين ينتهي الخوف الطبيعي وتبدأ الجريمة العسكرية؟ وهل يستطيع القانون أن يقيس ما تحمله نفس بشرية بعد شهور من الدم والطين والموت؟
إن ظهور هذه الشخصية في الأدب والسينما يعني أن الضحية لم تعد دائمًا شخصًا منفصلًا عن الجندي. أصبح من الممكن أن يكون الإنسان مقاتلًا وضحية للحرب في الوقت نفسه. وهذه الفكرة وحدها كانت كافية لزعزعة التقابل القديم بين بطل منتصر وضحية ضعيفة.
ويلفرد أوين: الشعر يسحب البطولة من المنصة إلى الخندق
ربما لا يوجد مثال أوضح على هذا الانقلاب من تجربة الشاعر البريطاني ويلفرد أوين. خدم أوين في الحرب وعانى أعراضًا شُخّصت آنذاك بوصفها صدمة قصف، وتلقى العلاج في مستشفى كريغلوكهارت في اسكتلندا، حيث التقى سيغفريد ساسون. ثم عاد إلى الجبهة وقُتل في نوفمبر/تشرين الثاني 1918، قبل الهدنة بأيام قليلة.
المهم في شعره ليس مجرد موقفه من الحرب، بل ما فعله بصورة الجندي. الجسد عند أوين ليس تمثالًا معدًا للنصب التذكاري. إنه جسد متعب، يعرج، يختنق بالغاز، يفقد أطرافه، يخاف، ويتبلد أحيانًا كي يستطيع الاستمرار. وبذلك انتقل الشعر من سؤال "كيف يموت البطل؟" إلى سؤال أكثر إزعاجًا: "ماذا تفعل الحرب بالإنسان قبل أن يموت؟"
في قصائده لا تعود الكلمات الكبيرة مثل المجد والشرف قادرة على إغلاق المشهد. المعنى يأتي من التفاصيل التي تقاوم البلاغة: التعب، التنفس، الثياب، الطين، الدم، والذاكرة التي تعيد المشهد ليلًا. وكأن القصيدة تقول إن الحديث عن الحرب لا يكون صادقًا ما لم يمر أولًا عبر جسد الفرد.
ومن هنا يمكن فهم الصلة بين هذا التحول وبين ما تناولناه بتوسع في مقالة أدب الخنادق: كيف كتب الجنود الحرب العالمية الأولى من الداخل؟. فقد أعطت الكتابة من الجبهة سلطة جديدة للتجربة الفردية. لم يعد الجنرال وحده يملك رواية الحرب؛ الجندي الذي ينتظر في حفرة موحلة يملك روايته أيضًا، وربما كانت روايته أكثر قدرة على كشف المسافة بين الشعارات والواقع.
ريمارك: جيل لم يمت كله، لكنه خسر شبابه
بعد الحرب، ظهرت الرواية بوصفها مساحة مثالية لاستكمال ما بدأه شعر الخنادق. ففي رواية "كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" لإريك ماريا ريمارك، المنشورة سنة 1929، لا يذهب الشبان الألمان إلى الحرب بوصفهم وحوشًا أو شخصيات شريرة. يبدأون طلابًا دفعتهم لغة وطنية حماسية إلى التجنيد، ثم يكتشفون عالمًا يستهلك أعمارهم وأصدقاءهم وقدرتهم على العودة إلى ما كانوا عليه.
قوة الرواية لا تأتي فقط من تصوير الموت، وإنما من تصوير ما يحدث للناجين المؤقتين. إنهم أحياء، لكن حياتهم القديمة أصبحت بعيدة. المدرسة التي خرجوا منها، والمنازل التي يعودون إليها في الإجازة، والكلمات التي يستخدمها المدنيون للحديث عن الحرب، كلها تبدو تنتمي إلى عالم آخر.
هنا يتغير تعريف الخسارة. ليس الميت وحده هو من خسر. قد يعود الإنسان من الجبهة وهو يشعر أن الحرب أخذت منه القدرة على الانتماء إلى حياته السابقة. وهذا النوع من الضياع سيصبح لاحقًا واحدًا من أكثر موضوعات أدب الحرب استمرارًا.
حين حول لويس مايلستون الرواية إلى فيلم All Quiet on the Western Front سنة 1930، لم يكن أمام الجمهور الأمريكي بطل ينتمي إلى جيش بلاده، بل شبان ألمان حاربوا في الجانب الذي كان عدوًا للولايات المتحدة قبل سنوات قليلة. وكانت هذه خطوة مهمة في تطور فيلم الحرب: صار ممكنًا أن يرى المشاهد إنسانية الجندي الآخر من غير أن يحتاج الفيلم إلى تبرئة النظام السياسي أو إنكار الصراع العسكري.
العدو على الخريطة يمكن أن يبقى عدوًا، لكن الفرد في الخندق يصبح صاحب جسد وخوف وأم وأصدقاء. وهذه الإنسانية لا تحل الخلاف التاريخي، لكنها تمنع الحكاية من اختزال البشر إلى قطع تتحرك فوق خريطة.
البطل لا يختفي، لكنه يفقد احتكاره للحكاية
من الخطأ مع ذلك القول إن الحرب العالمية الأولى قتلت فكرة البطولة نهائيًا. المجتمعات ظلت تحتاج إلى قصص الشجاعة والتضحية، وفي الحرب العالمية الثانية خصوصًا ظهرت وقائع كثيرة للمقاومة والإنقاذ والقتال ضد الاحتلال والنازية أعادت للبطولة قوة أخلاقية واضحة. لم يكن إنقاذ إنسان من الاضطهاد أو مقاومة نظام إبادة مجرد وهم دعائي.
لذلك لا ينبغي قراءة التحول بوصفه انتقالًا من "البطل الكاذب" إلى "الضحية الحقيقية". هذه ثنائية أخرى لا تقل تبسيطًا. الذي حدث أعمق من ذلك: فقد البطل احتكاره للسرد.
إلى جانبه ظهر الجريح، والممرض، واللاجئ، والأسير، والأرملة، والطفل، وسكان المدن المقصوفة، واليهودي المطارد، والسجين في المعسكر، والعائد الذي لا ينام، والإنسان الذي لم يطلق رصاصة واحدة لكنه عاش سنوات داخل الحرب. لم تعد أهمية الشخصية تقاس بمقدار تأثيرها في نتيجة المعركة، بل بمقدار ما تكشفه تجربتها عن معنى الحرب.
وعندما تصبح حياة إنسان يحاول العثور على الخبز أو مكان آمن للاختباء مادة تساوي في قيمتها السردية مشهد احتلال مدينة، نكون أمام تغيير حقيقي في تصور البطولة.
الحرب الثانية: حين انتقلت الضحية إلى قلب التاريخ
وسعت الحرب العالمية الثانية هذا التحول إلى مدى يصعب مقارنته بما سبق. فالحرب لم تكن مواجهات بين جيوش فقط. القصف الجوي للمدن، والاحتلال، والترحيل، والعمل القسري، والمجازر، والمحرقة، ومعسكرات الاعتقال والإبادة، واللجوء، والتجويع، جعلت ملايين المدنيين داخل قلب التجربة لا على هامشها.
وهنا تغير السؤال مرة أخرى. لم يعد الأمر متعلقًا بما يحدث للجندي حين تتحول الحرب إلى آلة صناعية للموت، بل بما يحدث لمفهوم الإنسان نفسه عندما تستطيع دولة حديثة أن تستخدم الإدارة والقطارات والسجلات والمعسكرات والتكنولوجيا لتنظيم الاضطهاد والقتل على نطاق واسع.
بعد 1945 أصبحت شهادة الناجي جزءًا أساسيًا من الذاكرة الحديثة. كتابات بريمو ليفي وغيرها من شهادات الناجين لم تكن بحثًا عن بطولة بالمعنى العسكري. سلطة الشاهد تأتي من شيء آخر: لقد كان هناك، ورأى، وبقي حيًا، ثم حمل مسؤولية أن يقول ما حدث.
بهذا المعنى ولدت صورة جديدة للبطل، وإن كان كثير من الشهود أنفسهم لا يستخدمون هذا الوصف. البطولة هنا ليست هزيمة عدو في مبارزة، بل حماية ذاكرة الضحايا من الاختفاء. أن تتذكر اسم شخص قُتل، أن تصف قطعة خبز، أو سريرًا، أو رحلة قطار، أو وجه رفيق، يمكن أن يصبح فعلًا مضادًا للآلة التي حاولت تحويل الأشخاص إلى أعداد.
هل النجاة بطولة؟
يصل هذا السؤال إلى السينما بقوة شديدة في The Pianist. وقد ناقشنا في قراءة مستقلة القصة الحقيقية وراء فلاديسلاف شبيلمان وفيلم The Pianist. وما يهمنا هنا أن شبيلمان لا يشبه نموذج بطل الحرب التقليدي. لا يقود جيشًا، ولا يحرر المدينة، ولا يغير مسار المعركة. في أجزاء طويلة من الحكاية يعتمد بقاؤه على الاختباء، والصمت، ومساعدة الآخرين، والمصادفة.
لو نظرنا إليه بعين الملحمة العسكرية القديمة فقد يبدو سلبيًا. لكن هذه السلبية الظاهرة هي تحديدًا ما يجعل شخصيته شديدة الأهمية. فحين يُسلب الإنسان الحق في الطعام والمكان والحركة والصوت، تصبح المحافظة على الحياة نفسها معركة.
لا يعني هذا أن كل نجاة بطولة، ولا أن الناجي أكثر استحقاقًا من الذي قُتل. مثل هذا الحكم سيكون قاسيًا على الضحايا أنفسهم. النجاة ليست جائزة تمنح للأقوى أو الأفضل، وقد تعتمد أحيانًا على ظروف لا يتحكم الإنسان فيها. لكن الأدب والسينما تعلما بعد الكوارث الكبرى أن بقاء الجسد حيًا يمكن أن يحمل قصة لا تقل أهمية عن قصة المقاتل المنتصر.
والأصعب يبدأ بعد ذلك. فالنجاة من الحدث لا تعني الخروج منه. لهذا تتصل صورة الضحية بصورة العائد اتصالًا وثيقًا، وهو ما تناولته مقالة الناجون بعد الحرب: لماذا تصبح العودة إلى الحياة أصعب من النجاة؟. العودة إلى المنزل قد تكون نهاية الحرب في السجل العسكري، لكنها في حياة الفرد قد تكون بداية مواجهة أخرى مع الذاكرة والذنب والفقد والغربة.
السينما وتغيير موضع الكاميرا
يظهر تحول مفهوم البطولة في السينما أحيانًا بمجرد السؤال: أين توضع الكاميرا؟
في الفيلم البطولي التقليدي تميل الصورة إلى متابعة الفاعل: الرجل الذي يهاجم، يقود، يتخذ القرار، ينقذ الآخرين أو يحسم المعركة. لكن سينما الحرب التي تشكك في البطولة تنقل الكاميرا إلى من يقع عليه الفعل. نرى الوجه الذي ينتظر القذيفة بدل المدفع الذي يطلقها. نبقى مع الجندي بعد انتهاء الهجوم. ندخل البيت الذي خسر أصحابه، أو نراقب الناجي وهو يبحث عن الطعام بين الأنقاض.
حتى الإيقاع يتغير. المعركة السريعة قادرة على إنتاج الإثارة؛ أما الانتظار الطويل في خندق أو مخبأ فيمنح المشاهد نوعًا آخر من التجربة. يصبح الزمن نفسه عبئًا. لا يسأل المشاهد من سينتصر فقط، بل كم يستطيع الإنسان أن يحتمل.
وفي Paths of Glory لستانلي كوبريك سنة 1957، تنقلب صورة البطولة من خلال الصراع بين الجنود والآلة العسكرية التي يفترض أنهم يخدمونها. الجنود الذين يفشل هجومهم ليسوا مجرد وحدات في خطة عسكرية، والمحاكمة التي تلي ذلك تكشف كيف يمكن للمؤسسة أن تحتاج إلى مذنبين حين تفشل قرارات من هم أعلى منهم.
هنا لا يصبح الجندي ضحية للعدو وحده. قد يصبح ضحية الأوامر، والطموح، والتراتبية، والقواعد التي تحول الموت إلى مسألة إدارية. وتلك خطوة أخرى في تفكيك الصورة القديمة: البطولة لم تعد مواجهة بين شجاع وجبان، ولا الحرب مواجهة بسيطة بين خير وشر داخل كل فرد. هناك أنظمة كاملة تنتج القرارات التي يدفع ثمنها أشخاص قد لا يملكون أي سلطة عليها.
الجسد بدل الوسام
من أكثر التحولات دلالة في أدب الحرب وسينماها انتقال الاهتمام من الوسام إلى الجسد. الوسام يلخص الحكاية: هذا الإنسان أظهر شجاعة. أما الجسد فيعقّدها: ماذا حدث ليده؟ لماذا لا يستطيع النوم؟ لماذا يخاف من صوت مفاجئ؟ لماذا لا يستطيع أن يشرح لأسرته ما عاشه؟
الجسد يرفض النهاية السهلة. يمكن للحرب أن تنتهي رسميًا، لكن طرفًا مبتورًا لا تعيده الهدنة. ويمكن توقيع السلام، لكن الكابوس لا يقرأ المعاهدات. ومن هنا أصبحت آثار الحرب جزءًا من معناها، لا مجرد نتيجة تأتي بعد الحكاية.
ولهذا أيضًا تغيرت صورة الجريح. في السرد البطولي القديم يمكن للجرح أن يكون علامة شرف، دليلًا على أن صاحبه اقترب من الموت ولم يتراجع. أما الأدب الحديث فيستطيع أن يرى الجرح بوصفه خسارة لا تحتاج إلى تزيين. قد يكون الإنسان شجاعًا، لكن ألمه لا يصبح جميلًا بسبب شجاعته.
هذه نقطة أخلاقية مهمة. فاحترام تضحية الجندي لا يقتضي تحويل عذابه إلى زينة وطنية. ويمكن للمجتمع أن يعترف بالشجاعة وفي الوقت نفسه أن يسأل لماذا كان هذا الإنسان مضطرًا إلى دفع ذلك الثمن.
من البطولة الجسدية إلى البطولة الأخلاقية
عندما اتسعت صورة الضحية، لم يمت مفهوم البطولة بقدر ما تغير مكانه. ظهرت أشكال من البطولة لا تحتاج إلى سلاح.
الممرض الذي يبقى مع الجرحى تحت القصف، والمدني الذي يخفي مطاردًا، والأسرة التي تتقاسم طعامها، والأسير الذي يحاول الحفاظ على كرامته، والكاتب الذي يشهد على ما رآه، والإنسان الذي يرفض المشاركة في جريمة؛ جميعهم يستطيعون دخول المجال الأخلاقي للبطولة من أبواب مختلفة.
وهذا التحول مهم لأنه يفصل البطولة عن القدرة على ممارسة القوة. في المخيلة العسكرية القديمة يكون البطل غالبًا قويًا لأنه قادر على الفعل. أما أدب الكوارث فيعرف أن الإنسان قد يكون بلا قوة تقريبًا، ومع ذلك يحتفظ بقرار أخلاقي صغير.
قد لا يستطيع إنقاذ المدينة، لكنه يستطيع ألا يخون شخصًا. قد لا يستطيع إيقاف القتل، لكنه يستطيع حماية طفل. قد لا يستطيع تغيير التاريخ، لكنه يستطيع أن يشهد عليه بعد ذلك.
وهنا يصبح الفعل الصغير أكثر ثقلًا، لأن البطولة لا تأتي من ضخامة النتيجة فقط، بل من نوع الاختيار الذي اتخذه الإنسان داخل شروط تكاد تلغي قدرته على الاختيار.
لكن كلمة "الضحية" نفسها ليست بريئة من المشكلة
هناك خطر في الطرف الآخر أيضًا. حين نحاول التحرر من أسطورة البطل، قد نقع في اختزال الإنسان في صورة الضحية. والضحية، إذا تحولت إلى هوية كاملة، يمكن أن تفقد الشخصية الفردية مثلما كانت تفقدها في الدعاية العسكرية.
الجندي المصدوم ليس صدمته فقط. والناجي من المعسكر ليس المعسكر وحده. واللاجئ ليس لحظة خروجه من البيت فحسب. والمرأة في الحرب ليست مجرد شخص ينتظر عودة الرجال. والطفل ليس رمزًا جاهزًا للبراءة المهدورة.
الأدب الجيد يعيد إلى هؤلاء تعقيدهم. يسمح لهم بالخوف والغضب والأنانية والحب والسخرية والرغبة والشك والتناقض. لا يحتاج الضحية إلى أن تكون كاملة أخلاقيًا كي تستحق التعاطف، مثلما لا يحتاج البطل إلى أن يكون بلا ضعف كي يستحق الاحترام.
ومن هنا تظهر قيمة الأعمال التي ترفض الأدوار الجاهزة. لا تسأل فقط: من البطل ومن الضحية؟ بل كيف يمكن للشخص نفسه أن يحمل شيئًا من الاثنين؟ الجندي قد ينقذ رفيقه ثم ينهار. الناجي قد يشعر بالامتنان لأنه بقي حيًا وبالذنب لأنه بقي حيًا في الوقت نفسه. الإنسان قد يكون شجاعًا في لحظة وخائفًا في لحظة أخرى من دون أن يصبح واحد الوصفين حقيقة نهائية عنه.
الحرب الحديثة كسرت البطولة ذات النهاية النظيفة
في الحكاية البطولية التقليدية تكون للنهاية وظيفة واضحة. ينتصر البطل أو يموت، وفي الحالتين تحصل قصته على شكل مكتمل. أما الحرب الحديثة فكثيرًا ما تنتج نهايات لا تغلق شيئًا.
يعود الجندي، لكن صديقه لا يعود. تتحرر المدينة، لكن البيت دُمّر. ينجو السجين، لكن أسرته اختفت. تنتهي المعركة، لكن الإنسان لا يعرف ماذا يفعل بالصور التي يحملها معه. ولهذا دخلت الذاكرة إلى بنية أدب الحرب نفسها.
الحدث لم يعد يبقى في الماضي. يعود على شكل حلم، أو صوت، أو رائحة، أو جملة، أو شيء صغير يعيد فجأة فتح الزمن. ولهذا استخدمت الرواية الحديثة تقنيات التذكر المتقطع واضطراب الزمن وتعدد الأصوات؛ فالتجربة التي لا يستطيع الإنسان ترتيبها زمنيًا بسهولة لا تستجيب دائمًا لحكاية تبدأ في نقطة وتنتهي في أخرى.
والحرب بهذا المعنى لا تغير موضوع الأدب فقط، بل تغير شكله. عندما تصبح الذاكرة مجروحة، يصبح السرد نفسه معرضًا للتشقق.
لماذا نستمر في حب صورة البطل؟
رغم كل ما فعله أدب القرن العشرين وسينماه لتفكيك البطولة العسكرية، لم تختف جاذبية البطل المقاتل. والسبب ليس دائمًا سياسيًا أو دعائيًا. الحكاية تحتاج بطبيعتها إلى شخص يفعل شيئًا، والجمهور يبحث عن معنى وسط الفوضى. البطل يوفر مركزًا للحكاية ويمنح الكارثة اتجاهًا أخلاقيًا: هناك خطر، وهناك من يقف ضده.
المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الحاجة السردية إلى تشويه للحرب نفسها. فالمعركة الحقيقية أكثر فوضى من السيناريو، والرصاصة لا تعرف من هو بطل الفيلم. الموت لا يصل دائمًا في اللحظة التي تمنح الشخصية خاتمتها المناسبة، والإنسان الشجاع قد يموت بلا كلمة أخيرة ولا موسيقى.
ولهذا تواجه سينما الحرب مأزقًا دائمًا. كلما جعلت المعركة أكثر إثارة، خاطرت بأن تجعل الحرب جذابة بصريًا. وكلما منحت البطل لحظة انتصار مبهرة، خاطرت بأن تجعل العنف طريقًا إلى اكتمال الشخصية. ليس الحل أن تصبح الأفلام خالية من الجمال أو التشويق، بل أن تكون واعية بما يصنعه الجمال من معنى.
يمكن للكاميرا أن تصور الشجاعة من دون أن تجعل القتل ممتعًا، وأن تصور التضحية من دون أن تتعامل مع الجسد الممزق بوصفه زينة بصرية، وأن تجعل المشاهد قريبًا من المقاتل من دون أن تنسى الإنسان الموجود على الجانب الآخر أو المدني الذي لا يحمل سلاحًا أصلًا.
هل تحولنا فعلًا من الجندي إلى الضحية؟
ربما يكون العنوان نفسه بحاجة إلى مراجعة بعد هذه الرحلة. لم ينتقل الأدب والسينما ببساطة من الجندي إلى الضحية، لأن الجندي قد يكون ضحية، والضحية قد تقوم بفعل بطولي، والبطل قد يكون في الوقت نفسه إنسانًا محطمًا.
الأدق أن نقول إن الحروب الكبرى كسرت احتكار نموذج واحد للبطولة.
بعد الحرب العالمية الأولى أصبح من الصعب تجاهل الجندي الذي لا يستطيع العودة إلى نفسه. وبعد الحرب العالمية الثانية أصبح من المستحيل حصر الحرب في الجبهة بعدما دخل المدنيون والناجون والمعتقلون والمهجرون إلى قلب الذاكرة. ومع الحروب اللاحقة واصلت الرواية والسينما توسيع العدسة حتى صار السؤال عن الحرب سؤالًا عن المجتمع كله، لا عن المقاتلين وحدهم.
وهكذا تغيرت صورة البطل من شخص يقهر الخوف إلى شخص قد يعترف به، ومن رجل يهزم خصمه إلى إنسان يحاول ألا يسمح للحرب بأن تسلب منه ما بقي من إنسانيته.
ليست هذه بطولة أقل من القديمة بالضرورة، وليست أكثر منها بصورة تلقائية. إنها بطولة مختلفة؛ أقل يقينًا، وأشد وعيًا بالهشاشة، وأقرب إلى الإنسان الذي لا يستطيع التحكم في التاريخ لكنه يحاول أن يقرر كيف يعيش داخله.
حين يصبح الاعتراف بالهشاشة جزءًا من الشجاعة
لعل أعمق ما غيرته الحروب الكبرى هو أنها جعلت الثقافة تشك في الفكرة القائلة إن الألم يصبح ذا معنى لمجرد أننا أطلقنا عليه اسم التضحية.
قد تكون التضحية حقيقية ونبيلة، وقد يكون الدفاع عن الآخرين ضرورة أخلاقية، وقد يظهر البشر في الحرب أشكالًا استثنائية من الشجاعة. لكن الاعتراف بهذا كله لا يلزمنا بأن نجعل الحرب نفسها نبيلة. البطولة صفة يمكن أن تنتمي إلى الإنسان، لا إلى الحرب التي أجبرته على إظهارها.
وهنا تقع المسافة الأساسية بين تمجيد البطل وتمجيد المعركة. نستطيع أن نحترم من خاطر بحياته لإنقاذ غيره، وفي الوقت نفسه نشعر بالفزع من الظروف التي جعلت هذا الإنقاذ ضروريًا. نستطيع أن نقرأ قصة جندي بشجاعة من غير أن نتمنى أن تتكرر الحرب التي صنعت قصته.
وربما لهذا بقيت صورة الجندي الشارد في محطة الإسعاف سنة 1917 أقوى، بعد أكثر من قرن، من كثير من صور الاستعراض العسكري. ليس أمامنا رجل يحمل سلاحه في وضعية النصر، بل إنسان يبدو كأن الحرب مرّت من خلاله وتركت شيئًا لا نراه.
في تلك النظرة يلتقي البطل والضحية. الرجل كان جنديًا، وربما قاتل وأطاع الأوامر وأظهر شجاعة لا نعرف عنها شيئًا. لكنه في الصورة ليس رمزًا مجردًا للوطن أو الجيش أو النصر. إنه فرد. جسد له حدوده، وذاكرة لها حدودها، وإنسان يستطيع التاريخ أن يجرحه.
وهذا، في النهاية، هو التحول الكبير الذي صنعه أدب الحرب وسينماها: لم يعد السؤال الوحيد ماذا فعل الإنسان في الحرب، بل ماذا فعلت الحرب بالإنسان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق