كيف يمكن لإنسان أن يرى الكون كله في نقطة لا يتجاوز قطرها بضعة سنتيمترات؟
هذا هو السؤال الذي وضع خورخي لويس بورخيس في قلب قصته "الألف"، لكنه لم يقدمه على هيئة لغز علمي ينتظر حلًا. في قبو بيت قديم بشارع غاراي في بوينس آيرس، يرى الراوي نقطة صغيرة يستطيع من خلالها أن يشاهد الأماكن كلها في اللحظة نفسها، من كل الزوايا، من غير أن تتراكب الأشياء أو يحجب بعضها بعضًا. يرى البحار والصحارى والمدن والوجوه والمرايا والحشرات والنجوم، ويرى جسده وذكرياته والمرأة التي أحبها، كأن العالم توقف عن أن يكون سلسلة من الأشياء المتباعدة وأصبح حاضرًا كله دفعة واحدة.
الألف عند بورخيس ليس مكانًا حقيقيًا يمكن البحث عنه على خريطة، ولا مفهومًا علميًا قدمه الكاتب بوصفه حقيقة. إنه اختراع أدبي يجمع في صورة واحدة فكرة الحرف الأول العبري، والتأملات الصوفية في الكل واللامتناهي، ورموز الرياضيات الحديثة لللانهاية. لكن وظيفته الأعمق في القصة هي أن يضع الإنسان أمام ما لا يستطيع وعيه أو لغته احتماله: رؤية كل شيء في وقت واحد.
ولو كانت القصة تكتفي بهذا الاختراع لكانت حكاية جميلة عن جسم خارق. لكن بورخيس يفعل شيئًا أكثر إزعاجًا. إنه يمنح الراوي الكون كله، ثم يجعله عاجزًا عن الاحتفاظ به. فالمشكلة لا تبدأ عندما يرى الألف، بل بعد أن يراه: كيف يمكن وصف مشهد متزامن بلغة لا تستطيع الكلام إلا كلمة بعد كلمة؟ وكيف يمكن لذاكرة بشرية أن تحمل ما لا نهاية له؟ وهل معرفة كل شيء تمنح الإنسان معنى أكبر، أم تسلب الأشياء قدرتها على إدهاشه؟
ما الألف الذي رآه بورخيس في القبو؟
نشرت قصة "El Aleph" أول مرة سنة 1945 في مجلة Sur الأرجنتينية، ثم أصبحت بعد أربع سنوات القصة التي تحمل المجموعة المنشورة بالعنوان نفسه. وكان بورخيس قد بنى قبلها عالمًا أدبيًا تتكرر فيه المرايا والمتاهات والمكتبات والكتب المستحيلة والزمن الدائري، لذلك لم تظهر فكرة نقطة تحتوي الكون من فراغ. إنها تنتمي إلى سؤال ظل يعود لديه بأشكال مختلفة: ماذا يحدث عندما يحاول العقل المحدود أن يتصور اللامحدود؟
في القصة يخبر كارلوس أرخنتينو دانيري الراوي بأن الألف موجود تحت درج القبو، وأنه "أحد نقاط الفضاء التي تحتوي جميع النقاط". لا يطالبه بإيمان فلسفي طويل. عليه فقط أن يستلقي في موضع محدد، ويرفع نظره نحو درجة بعينها من السلم.
المفارقة مقصودة. الشيء الذي يفترض أن يحتوي الكون لا يقع في معبد، ولا في قمة جبل، ولا خلف أبواب مكتبة أسطورية. إنه في قبو منزلي ضيق، بين الصناديق والأكياس والغبار.
هذه المسافة بين ضخامة الفكرة وتفاهة المكان جزء من طريقة بورخيس في صنع العجيب. فهو لا يحتاج إلى بناء عالم منفصل عن حياتنا كي يدخل المستحيل. يكفي أن يغير قاعدة واحدة في غرفة عادية. وفجأة يصبح القبو أوسع من الأرض.
حين ينظر الراوي يرى كرة صغيرة شديدة اللمعان. تبدو في أول الأمر متحركة، لكنه يدرك أن الحركة ليست في الجسم نفسه، بل في العدد الهائل من المشاهد التي تظهر داخله. كل شيء حاضر في مكان واحد من غير أن يصغر الكون لكي يناسب الكرة.
وهنا ينبغي الانتباه إلى الفارق بين الألف وبين شاشة تعرض صور العالم. الشاشة تختار صورة بعد صورة، ويمكن أن تقسم المشهد إلى نوافذ. أما الألف فيلغي هذا الترتيب. الصحراء والبحر والليل والنهار ووجه الإنسان وداخل جسده كلها موجودة في آن واحد.
إنه ليس أرشيفًا للعالم.
إنه العالم من دون المسافات التي تجعل العالم قابلًا للفهم.
لماذا سماه بورخيس "الألف"؟
اختيار الاسم ليس زينة غامضة. في خاتمة القصة يلفت الراوي بنفسه إلى أن الألف هو اسم الحرف الأول من الأبجدية العبرية، ثم يفتح الباب أمام أكثر من تقليد ثقافي وفكري.
الحرف الأول يحمل بطبيعته فكرة البداية. وقبل أن يدخل القارئ في أي تفسير صوفي، تكفي هذه المرتبة لكي تجعله صالحًا لتمثيل أصل تنبثق منه أشياء كثيرة. لكن بورخيس يتجاوز المعنى الأبجدي، ويشير إلى القبّالة اليهودية وإلى "عين سوف"، أي تصور الإلهي غير المحدود الذي لا تستطيع الحدود البشرية الإحاطة به.
ولا ينبغي تحويل القصة لهذا السبب إلى نص قبّالي مقنع. بورخيس معروف بطريقة مختلفة في التعامل مع المذاهب والكتب والأساطير: يأخذ منها إمكانات للخيال والتفكير، يضعها بجوار مصادر أخرى قد تنتمي إلى عصور وحقول لا علاقة مباشرة بينها، ثم يصنع من اجتماعها جهازًا أدبيًا جديدًا.
ولهذا يضع إلى جانب القبّالة إشارة لا تقل أهمية إلى الرياضيات.
في نظرية المجموعات استخدم عالم الرياضيات الألماني جورج كانتور الحرف العبري ألف للدلالة على أحجام مجموعات لا نهائية. هنا تصبح المفارقة أكثر قربًا من عالم بورخيس: اللانهاية ليست مجرد رقم كبير جدًا. يمكن لمجموعتين لا نهائيتين أن تقفا في علاقات لا تعمل بالطريقة المألوفة نفسها التي نتعامل بها مع مجموعة من خمسة أشياء أو عشرة.
كان هذا النوع من التفكير مغريًا لكاتب يحب المفارقات التي تهدم بداهة الحس اليومي. والبحث الأكاديمي في العلاقة بين بورخيس وكانتور لم يبدأ من تشابه لفظي عابر، لأن القصة نفسها تشير إلى الأعداد المتعدية في خاتمتها.
لكن من الخطأ أن نقول إن الألف "هو" نظرية كانتور، كما سيكون من الخطأ أن نقول إنه رمز قبّالي خالص. بورخيس لا يحوّل مفهومًا سابقًا إلى قصة مصورة. إنه يجمع الحرف، واللانهاية الرياضية، والتجربة الصوفية، وأسطورة المرآة التي تعكس العالم، ثم يضيف إليها عنصرًا لا تمنحه هذه المصادر وحدها: رجلًا ينظر إلى كل شيء وهو يحمل في داخله حبًا مهزومًا وذاكرة ناقصة.
الكون كله... ولكن لماذا يبدأ بامرأة ميتة؟
من السهل أن نتذكر "الألف" بسبب الكرة المضيئة وننسى أن القصة تبدأ بالموت.
بياتريس فيتربو ماتت.
وفي صباح موتها يلاحظ الراوي أن إعلانًا تجاريًا في المدينة قد تغير. يبدو التفصيل تافهًا أمام الموت، لكنه يجرحه لأن العالم بدأ يتغير بعد بياتريس من دون أن يطلب إذنه. الكون لا يقف احترامًا لفقده الشخصي. اللافتة تتبدل، الأيام تمر، المدينة تتحرك، وصورة المرأة التي يريد تثبيتها في ذاكرته تدخل منذ اللحظة الأولى في حرب خاسرة مع الزمن.
لهذا فإن ظهور الألف لاحقًا ليس منفصلًا عن بداية القصة.
الرجل الذي يريد الاحتفاظ بامرأة فقدها سيجد نفسه فجأة أمام شيء يحتفظ بكل شيء.
هذه إحدى أكثر طبقات القصة إنسانية. فالألف قد يبدو انتصارًا كاملًا على النسيان: لا شيء يضيع، وكل مكان حاضر، وكل صورة ممكنة للرؤية. لكنه يكشف للراوي حقيقة لا يريدها. من بين ملايين المشاهد يرى رسائل من بياتريس إلى كارلوس أرخنتينو تكسر الصورة التي صنعها لحبه.
المعرفة الكاملة لا تحمي القلب.
بل قد تكون أقسى أشكال فقدان الوهم.
كان يستطيع قبل الألف أن يحتفظ ببياتريس كما يريد أن يتذكرها. أما بعد أن رأى أكثر مما ينبغي، فلم تعد الذاكرة وحدها ملكه. دخلت إليها أشياء لم يخترها.
هنا يختلف الألف عن حلم الإنسان المعتاد في معرفة الحقيقة. نحن نفترض غالبًا أن المزيد من المعرفة سيجعل حياتنا أوضح. قصة بورخيس تقترح احتمالًا آخر: ربما يقوم جزء من قدرتنا على العيش على أننا لا نرى كل شيء.
نحن نختار زاوية.
نتذكر وننسى.
نرى وجهًا ولا نرى في اللحظة نفسها جميع وجوه صاحبه عبر السنين. نعيش في غرفة ولا نستحضر معها كل غرفة عرفناها. ونتقدم في الزمن لأن الماضي لا يقف بكامل تفاصيله داخل الحاضر.
لو اختفى هذا النقص، ربما اختفى معه شيء أساسي من إنسانيتنا.
مشكلة الألف ليست الرؤية بل اللغة
حين يصل الراوي إلى اللحظة التي ينبغي فيها وصف ما رآه، يعلن عجزه.
وهذه ليست مجاملة من الكاتب للقارئ ولا وسيلة لرفع الغموض. إنها المشكلة التقنية والفلسفية الكبرى في القصة.
الألف يعرض كل شيء في وقت واحد.
أما اللغة فتعمل بالتتابع.
لكي أقول: بحر، ثم صحراء، ثم وجه، ثم نجمة، لا بد أن تأتي كلمة بعد أخرى. حتى لو رأيت الأشياء الأربع في اللحظة نفسها، سأضطر عند الكتابة إلى ترتيبها. بمجرد أن أروي التجربة أكون قد غيرت طبيعتها.
ولهذا تأتي الفقرة الأشهر في القصة على هيئة تدفق متلاحق يبدأ فيه الراوي بتكرار فعل الرؤية: رأيت هذا، ورأيت ذاك، ورأيت غيره. لا يستطيع إعادة إنتاج التزامن، فيحاول تعويضه بالسرعة والتراكم.
لكن مهما طالت القائمة فهي محكومة بالفشل.
ليس لأن الكاتب يفتقر إلى الكلمات، بل لأن الوسيط نفسه لا يستطيع أداء المهمة.
قد يكون هذا مفتاحًا مهمًا لقراءة بورخيس كله. الأدب عنده لا يثبت قوة اللغة فقط، بل يكشف حدودها أيضًا. الكتاب قادر على اختراع مكتبة لا نهائية ونقطة تحتوي الكون، لكنه حين يحاول أن يحتوي ذلك الكون حقيقةً يصبح كتابًا محدود الصفحات مثل أي كتاب آخر.
وهذا التوتر بين التجربة واللغة نجده، بصورة مختلفة، في تجارب أدبية تنشغل بالموت ومحاولة إعطائه شكلًا يمكن قوله؛ وهو ما يجعل قراءة مثل "جدارية" محمود درويش وحواره مع الموت قريبة من السؤال من جهة مختلفة: ماذا تستطيع اللغة أن تفعل أمام تجربة أكبر من قدرة الإنسان العادية على الإحاطة؟
لكن بورخيس يضيف مفارقة ساخرة. الشخص الذي يملك الألف فعلًا ليس شاعرًا عظيمًا قادرًا على استيعاب هذه الرؤية، بل كارلوس أرخنتينو دانيري، الكاتب الذي يسخر الراوي من شعره المتخم والاستعراضي.
لديه الكون كله، ثم يستخدمه في مشروع شعري يريد أن يصف الأرض تفصيلًا.
وهنا تصبح السخرية جارحة.
يمكن أن يمتلك الإنسان أعظم مادة في الوجود ولا ينتج منها أدبًا عظيمًا.
الرؤية ليست هي الكتابة.
والمعلومة ليست هي المعرفة.
والإحاطة بالأشياء ليست هي فهمها.
هل كان بورخيس يتنبأ بالإنترنت؟
من المغري جدًا، بعد ظهور محركات البحث والخرائط الرقمية والأقمار الصناعية والشبكات الاجتماعية، أن نقول إن بورخيس تنبأ بعالمنا.
فنحن نحمل اليوم أجهزة صغيرة تمنحنا صور مدن بعيدة، وأخبار قارات أخرى، ووجوه الملايين، وخرائط الشوارع، ومكتبات كاملة، وأرشيفات ضخمة. وخلال دقائق يستطيع الإنسان الانتقال من صورة مجرة إلى بث مباشر من شارع في مدينة لم يزرها قط.
التشابه مع الألف واضح، لكنه يصبح مضللًا إذا أخذناه حرفيًا.
بورخيس لم يصف الإنترنت، ولم يقدم مخططًا تقنيًا لمستقبل المعلومات. ما فعله أعمق من النبوءة التقنية وأقدم منها: وضع الإنسان أمام حلم ثقافي متكرر، هو حلم جمع العالم كله في نقطة أو كتاب أو مرآة أو مكتبة أو عقل.
لهذا بقيت القصة قابلة للعودة في زمن الإنترنت.
نحن لا نملك ألف بورخيس لأن ما نراه على الشبكة ليس كل شيء، وليس متزامنًا، وليس بلا تحريف أو اختيار. لكننا نعيش للمرة الأولى قريبين من تجربة كان معظم البشر في الأزمنة السابقة سيعدونها مستحيلة: أن نجلس في غرفة صغيرة ونشعر بأن العالم كله قابل للاستدعاء أمامنا.
وهنا تظهر الصلة الأهم.
ماذا نفعل بهذا الكم؟
هل يجعلنا أكثر فهمًا للعالم، أم أكثر تعرضًا لشظاياه؟
كارلوس أرخنتينو يمتلك نافذة على الكون، لكنه لا يصبح بفضلها أعمق إنسان في القصة. والراوي يرى كل شيء للحظات، لكنه لا يخرج حاملًا نظامًا نهائيًا يفسر الحياة.
حتى التجربة الكلية تصل إليه مشوشة بالحب والغيرة والشماتة والخوف.
المتلقي يظل إنسانًا.
وهذا ربما أقرب ما في "الألف" إلى تجربتنا الرقمية: المشكلة لم تعد دائمًا في نقص المعلومات، بل في أن وفرتها لا تمنحنا تلقائيًا طريقة لفهمها.
وفي قراءة أخرى منشورة في "الوراق الجزائري" عن "الفيل الأزرق" وحدود الحقيقة والإدراك يظهر سؤال قريب من جهة مختلفة: إذا كانت التجربة التي نراها قوية ومقنعة، فهل يكفي ذلك لكي نعرف طبيعتها؟ الرؤية وحدها لا تنهي الشك دائمًا.
هل الألف حقيقي داخل القصة نفسها؟
هنا يرفض بورخيس أن يمنح القارئ راحة النهاية المغلقة.
الراوي يرى الألف. وصفه يبدو حاسمًا. التجربة تهزه إلى درجة البكاء. ومع ذلك، في الخاتمة، يفتح باب الشك في ما رآه، ويقترح إمكان أن يكون ألف شارع غاراي "ألفًا زائفًا"، ثم يستدعي أخبارًا وحكايات عن مرايا وأماكن وأشياء أخرى قيل إنها تحتوي صورة الكون.
فهل يعود بنا إلى نقطة الصفر؟
ليس تمامًا.
السؤال المهم ليس أن نقرر كما لو كنا محققين ما إذا كانت الكرة موجودة ماديًا داخل عالم القصة. فالراوي نفسه لا يسمح ببناء يقين بسيط. بورخيس يحب الوثيقة والحاشية والكتاب المنسوب إلى مؤلف والمرجع الذي يبدو قابلًا للتحقق، ثم يخلط الحقيقي بالمتخيل حتى تصبح عادة القارئ في تصديق اللغة الأكاديمية جزءًا من اللعبة.
هذا الأسلوب يمنح المستحيل هيئة التقرير.
وبدل أن يقول: "كان هناك شيء سحري"، يبني شبكة من الأسماء والكتب والمراجع والتقاليد تجعل الخيال يبدو كأنه مسألة ما زال الباحثون يختلفون عليها في أرشيف قديم.
لكن الشك في الألف يؤدي أيضًا وظيفة أخرى.
فلو ثبت وجود نقطة واحدة تحتوي الكون، لتحولت القصة إلى حكاية عن معجزة تم اكتشافها. أما حين تظهر إمكانية وجود ألف آخر، أو ألف حقيقي وآخر زائف، تتغير طبيعة الفكرة كلها. لم يعد لدينا شيء واحد نملكه، بل نمط متكرر في خيال البشر: الرغبة في وجود موضع يجتمع فيه العالم.
المرآة الكاملة.
الكتاب الكامل.
الخريطة الكاملة.
النقطة الكاملة.
وراء هذه الصور رغبة واحدة تقريبًا: ألا يبقى شيء خارج المعرفة.
الألف والذاكرة: لماذا نحتاج إلى النسيان؟
بعد رؤية الكون كله يخاف الراوي من فكرة غريبة: أن تصبح جميع الوجوه مألوفة له، وأن يفقد العالم قدرته على مفاجأته.
ثم يحدث ما ينقذه.
يبدأ النسيان.
قد يبدو النسيان في الحياة اليومية عيبًا في الذاكرة، لكن عالم بورخيس يجعلنا نراه أحيانًا بوصفه ضرورة. الذاكرة المطلقة ليست دائمًا نعمة. من يتذكر كل تفصيل قد يصبح أسيرًا لكل تفصيل.
النسيان ينتقي، ويخفف، ويفصل بين الأزمنة، ويسمح لصورة جديدة بالدخول من دون أن تحمل معها الكون كله.
ولهذا فإن النهاية الفعلية لقصة الألف ليست رؤية كل شيء.
إنها فقدان ما رأيناه.
حتى بياتريس نفسها، التي بدأت القصة بمحاولة الراوي الدفاع عن ذكراها ضد تغيّر العالم، تبدأ ملامحها في التآكل مع السنين. الكون الذي بدا للحظة محفوظًا كاملًا يعود إلى القانون الإنساني القديم: الأشياء تمر، والصور تتغير، والذاكرة تعيد الكتابة.
هنا يصبح الألف أكثر مأساوية مما يبدو.
لقد منح الراوي نقيض الموت للحظة واحدة: حضورًا كاملًا لكل شيء.
ثم أعاده إلى الزمن.
هل رؤية الكون كله تعني فهمه؟
هذه ربما الخدعة الأكبر التي تكشفها القصة.
نحن نخلط بسهولة بين أن نرى وأن نفهم.
لو امتلك الإنسان صورة لكل شارع وكل وجه وكل كتاب وكل حرب وكل ولادة، فقد يبدو أنه أصبح قريبًا من المعرفة المطلقة. لكن ماذا تقول هذه الصور عن سبب وجود العالم؟ ماذا تمنحه من معيار يختار به بين المهم وغير المهم؟ ماذا تخبره عن الحب أو العدالة أو الموت؟
الألف يعرض الأشياء.
ولا يشرحها.
يرى الراوي الحرب والحب والجسد والمرض والبحر والحشرات والرسائل والنجوم في حشد واحد. الأشياء جميعًا متجاورة من غير أن تمنحه التجربة تفسيرًا واحدًا يجمعها.
ولهذا لا أظن أن قلب القصة هو "الكون موجود في نقطة"، مع أن هذه هي العبارة التي تعلق في الذاكرة.
قلبها الأعمق هو الفارق بين الكل والمعنى.
قد تحصل على الكل ولا تحصل على تفسيره.
وقد ترى الإنسان من كل الزوايا، ومع ذلك تبقى عاجزًا عن الإجابة عن أبسط أسئلته.
هنا يصبح الألف صورة مضادة لفكرة الموسوعة الكاملة. المعرفة ليست عملية إضافة مستمرة فقط. نحن نحتاج أيضًا إلى العلاقات والاختيار والسياق والتأويل. وإلا أصبح كل شيء حاضرًا بالقوة نفسها، فتحولت كثرة المعلومات إلى شكل آخر من أشكال العمى.
الألف الذي يستطيع الأدب وحده أن يصنعه
لا يمكننا النزول إلى قبو شارع غاراي ورؤية النقطة التي وصفها بورخيس.
حتى داخل القصة نفسها تُهدم الدار.
لكن هناك مفارقة بقيت بعد الهدم: الألف الذي ربما اختفى من القبو استمر داخل النص.
وبهذه الطريقة يحقق الأدب نسخة مختلفة من المعجزة التي يقول إنه عاجز عنها.
بورخيس يخبرنا أن اللغة لا تستطيع نقل الكون المتزامن لأن الكلمات تأتي متتابعة، ثم يستخدم هذه اللغة الناقصة نفسها ليزرع في خيال ملايين القراء صورة شيء لم يروه قط.
لا يجعلنا نرى جميع نقاط الكون حقيقة.
يجعلنا نتخيل معنى أن نراها.
وهذا فرق جوهري.
الأدب لا يحتاج إلى أن يكون نسخة من التجربة كي يكون قادرًا على توسيع حدودها. أحيانًا تكفي صفحة لكي نواجه سؤالًا أكبر من الصفحة، وشخصية متخيلة لكي نعيد النظر في حقيقة عشنا معها، ونقطة صغيرة في قبو لكي ننظر بطريقة مختلفة إلى المعرفة والذاكرة والزمن.
بعد ثمانين عامًا من ظهور القصة، أصبح الوصول إلى المعلومات أسهل بما لا يقارن بعالم بورخيس سنة 1945. ومع ذلك لم تختف المشكلة التي صنع منها قصته.
ربما ازدادت وضوحًا.
لدينا صور أكثر، وخرائط أكثر، وأخبار أكثر، وكتب أكثر قربًا من أيدينا. نستطيع أن نرى أماكن لم نزُرها وأشخاصًا لن نلتقيهم وأحداثًا تقع في اللحظة نفسها على أطراف الأرض.
لكن السؤال الذي يتركه الألف ليس: كم يستطيع الإنسان أن يرى؟
السؤال هو: كم يستطيع أن يفهم مما يرى، وكم يستطيع أن يحتمل منه، وما الذي سيبقى في ذاكرته بعد أن تمر الصور كلها؟
في قبو بورخيس كان الكون كله داخل نقطة.
أما المفارقة التي تبقى بعد إغلاق القصة فهي أن الإنسان، مهما اتسعت نافذته على الكون، يظل مضطرًا إلى النظر إليه بعينين اثنتين، وذاكرة محدودة، وقلب له تاريخه الخاص.
ولو أتيح لك أن تنظر في ألف بورخيس مرة واحدة فقط، هل كنت ستختار أن ترى الكون كله، أم أن بعض الأشياء تستحق أن تبقى خارج مجال رؤيتنا؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق