اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

محمود درويش: حياته وشعره وأشهر قصائده

 

بورتريه بالألوان المائية للشاعر الفلسطيني محمود درويش، بنظارته ومعطفه على كتفه، أمام خلفية هادئة من أشجار الزيتون والتلال.

من شاعر المقاومة إلى شاعر الوجود

بقلم: الورّاق الجزائري

يصعب الحديث عن محمود درويش بوصفه شاعرًا كتب عن فلسطين فحسب؛ فقد بدأ من الجرح الفلسطيني، لكنه لم يبقَ أسير التعبير المباشر عنه، بل جعل منه مدخلًا إلى أسئلة أوسع تتصل بالوطن والمنفى والهوية والحب والموت ومعنى أن يكون الإنسان حاضرًا في عالم يعمل على محوه. ولهذا لا تكمن أهمية تجربته في شهرة عدد من قصائده أو في تحول أبياتها إلى عبارات تتناقلها الأجيال وحده، وإنما في المسافة الطويلة التي قطعها شعره من صوت الفتى الذي يثبت اسمه في وجه سلطة تنكره، إلى صوت الشاعر الناضج الذي يسأل نفسه: ما الاسم؟ وما الوطن؟ وما الذي يبقى منا بعد أن ينتهي كل شيء؟

لقد ارتبط اسمه مبكرًا بلقب "شاعر المقاومة"، وكان اللقب مفهومًا في سياقه؛ إذ منحت قصائده الفلسطينيين لغة قوية يواجهون بها محاولات الإلغاء، وأعادت إلى اللاجئ والفلاح والأسير أسماءهم وصورهم وحقهم في الكلام. غير أن هذا اللقب، على وجاهته، لا يحيط بالتجربة كلها. فدرويش لم يكتفِ بتطوير أدواته الفنية، بل ظل يراجع الموقع الذي يتكلم منه، ويتخفف من النبرة التي تفرضها صورة الشاعر الجماهيري، ويبحث عن قصيدة تحتفظ بفلسطين من غير أن تتحول إلى بيان سياسي. ومن هنا تبدو سيرته الشعرية سلسلة من التحولات المتصلة، لا مراحل يلغي بعضها بعضًا؛ فالنبرة الجديدة كانت تنمو عادة من سؤال تركته المرحلة السابقة مفتوحًا.


من البروة إلى المنفى: السيرة التي أنجبت سؤال الهوية

ولد محمود سليم درويش في 13 مارس/آذار 1941 في قرية البروة، قرب عكا في الجليل، ونشأ في أسرة ريفية كانت علاقتها بالأرض جزءًا من حياتها اليومية. لم تكن القرية، في وعي الطفل، شعارًا سياسيًا؛ بل كانت البيت والحقول وشجر الزيتون ورائحة الخبز وألفة الوجوه. لكن نكبة 1948 حوّلت هذا العالم الملموس إلى ذاكرة حيث لجأت الأسرة إلى لبنان، ثم عادت متسللة لتجد أن البروة قد دُمِّرت، فلم تعد إلى بيتها، بل استقرت في قرى أخرى داخل الجليل. وهكذا عرف درويش، منذ طفولته، مفارقة أن يكون قريبًا من مسقط رأسه وممنوعًا منه، وأن يحضر في وطنه بصفته غائبًا عن أرضه وحقوقه.

هذه التجربة المبكرة تفسر حضور البيت والطريق والوثيقة والحدود في شعره، لكنها لا تختزلها في تفسير سيري بسيط. فالبيت الضائع أصبح، مع الزمن، أكثر من منزل محدد؛ صار صورة للاستقرار الذي لا يبلغه المنفي، كما أصبحت العودة نفسها موضع سؤال: هل يعود المرء حقًا إذا وصل إلى المكان بعد أن غيره التاريخ وغيرته السنون؟ لذلك لم يكن المنفى عند درويش مسافة تفصل بين بلدين، بل علاقة مضطربة بالزمن أيضًا؛ إذ يحمل المنفي مكانه القديم في الذاكرة، ثم يكتشف أن الذاكرة تحفظ ما لا يستطيع الواقع إعادته.

أتم درويش تعليمه في الجليل، وعاش شبابه في ظل الحكم العسكري المفروض على الفلسطينيين داخل إسرائيل. بدأ كتابة الشعر مبكرًا، وعمل في الصحافة الثقافية، وارتبط بالحزب الشيوعي الإسرائيلي وكتب في صحيفتي "الاتحاد" و"الجديد". وقد أتاحت له هذه البيئة الاطلاع على الأدب العربي والعالمي، لكنها لم تحمه من الملاحقة؛ فقد تعرض للاعتقال والإقامة الجبرية وقيود الحركة بسبب نشاطه وشعره. وفي ذلك المناخ لم تكن القصيدة ترفًا جماليًا، لأن قول الاسم الفلسطيني أو استعادة صورة القرية كان يحمل معنى الاعتراض على لغة رسمية تريد اختصار الإنسان في رقم ووثيقة.


غادر فلسطين سنة 1970 إلى موسكو، ثم انتقل إلى القاهرة عام 1971، حيث عمل في صحيفة "الأهرام" وانفتح بصورة مباشرة على المشهد الثقافي العربي. وبعد ذلك أقام في بيروت، وعمل في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وفي الصحافة الثقافية، وأسهم في تحرير مجلة "شؤون فلسطينية"، ثم أسس مجلة "الكرمل" عام 1981. وعندما اجتاحت إسرائيل بيروت سنة 1982 خرج منها إلى منفى جديد، وتنقل بين تونس وباريس ومدن أخرى قبل أن يعود إلى فلسطين ويقيم في رام الله في التسعينيات. غير أن العودة لم تغلق دائرة المنفى؛ فقد عاد إلى جزء من الوطن، لا إلى البروة، وظل يشعر بأن الغياب يسكن العائد مثلما يسكن الراحل.


البدايات: حين كانت القصيدة إعلانًا للوجود

ظهرت الملامح الأولى لتجربة درويش في "عصافير بلا أجنحة"، ثم اتضحت بقوة في "أوراق الزيتون" و"عاشق من فلسطين" و"آخر الليل" و"العصافير تموت في الجليل". كانت القصيدة في هذه المرحلة قريبة من الحدث، واضحة في خصومتها، قوية الإيقاع، تستفيد من النداء والتكرار والجملة القصيرة التي تصلح للإلقاء والحفظ. وحضرت فيها مفردات القرية الفلسطينية: الزيتون والبرتقال والتراب والخبز والأم والطيور. إلا أن هذه المفردات لم تؤد وظيفة الزينة؛ فقد كانت تستعيد حياة مهددة بالمحو، حتى غدا وصف التفاصيل البسيطة نوعًا من تثبيت الحق في المكان.

تمثل قصيدة "بطاقة هوية" هذه اللحظة خير تمثيل. ففيها يقف المتكلم أمام سلطة تطلب منه أن يعرّف نفسه، لكنه يقلب موقع الاستجواب، فيتحول من شخص مطالب بتقديم بياناته إلى صوت يكشف ما فعلته السلطة بأرضه وحياته. ومن هنا اكتسبت عبارة "سجل أنا عربي" قوتها؛ فهي لا تقدم معلومة عن الأصل القومي، بل تنتزع الاعتراف بإنسان أراد النظام الإداري أن يحوله إلى رقم. وقد جعل وضوح القصيدة وإيقاعها منها نصًا جماهيريًا واسع الانتشار، غير أن شهرتها صنعت تحديًا فنيًا للشاعر: كيف يتجاوز القصيدة التي صنعت صورته من غير أن يتنكر للناس الذين وجدوا أصواتهم فيها؟

لم يرفض درويش قصائده الأولى، لكنه أدرك أن تكرار النبرة نفسها يحولها إلى صيغة جاهزة. وكانت في تلك البدايات، على أي حال، عناصر ستتطور لاحقًا: التداخل بين المرأة والوطن، والقلق من فقدان البيت، والتوتر بين صوت الفرد وصوت الجماعة. ففي "عاشق من فلسطين" تتقاطع الحبيبة مع الأرض، ويصبح الحب طريقة لقول الانتماء، بينما تنقل "ريتا والبندقية" الصراع إلى المسافة الحميمة بين عاشقين؛ فالحب يريد أن يرى الآخر فردًا، غير أن البندقية تعيده إلى موقعه داخل الحرب. لا تقدم ريتا دلالة مغلقة، بل تبقى امرأة وذكرى ورمزًا للحب الذي يقاطعه التاريخ في آن واحد.

أما قصيدة "إلى أمي"، المعروفة بمطلعها "أحن إلى خبز أمي"، فتبلغ أثرها من طريق مختلف. فالوطن لا يظهر فيها بوصفه خريطة أو خطابًا سياسيًا، بل يتجسد في الخبز والقهوة ولمسة الأم. وحين اتسع حضور القصيدة بالغناء، وجد فيها كثير من العرب، فلسطينيين وغير فلسطينيين، صورتهم الخاصة عن الغربة. تكشف القصيدة أن درويش كان، حتى في أكثر مراحله اتصالًا بالشأن العام، قادرًا على بلوغ المعنى الوطني من باب شخصي شديد البساطة؛ فالتفصيل المنزلي لا يصغر أمام التاريخ، بل يمنح الخسارة وجهًا يمكن لمسه.

بوستر بالألوان المائية للشاعر الفلسطيني محمود درويش مع مقطع من قصيدة "مديح الظل العالي"، وخلفه حقول قمح وسماء ملبدة بالغيوم.


اتساع القصيدة: من صوت المقاومة إلى أسئلة التاريخ

حين خرج درويش إلى العالم العربي تغير موقعه من التجربة، واتسعت قراءاته، وأصبح مطالبًا بأن يكتب فلسطين من خارجها. لذلك أخذت قصيدته، منذ السبعينيات، تبتعد عن المواجهة الخطابية المباشرة وتتجه إلى بناء أطول وأكثر تركيبًا، كما يظهر في "أحبك أو لا أحبك" و"محاولة رقم 7" و"تلك صورتها وهذا انتحار العاشق". لقد تعددت الأصوات، ودخل السرد والحوار والأسطورة والتناص التاريخي، ولم يعد السؤال مقصورًا على ما وقع للفلسطيني، بل امتد إلى أثر الاقتلاع في الذاكرة واللغة والزمن.

لا يعني هذا التحول أن القضية تراجعت، بل إن طريقة حضورها تغيرت. ففي القصيدة المبكرة كان الخصم واضحًا، وكانت الهوية جوابًا حاسمًا في وجه الإنكار؛ أما في المرحلة التالية فقد صار الشاعر يختبر ما تفعله الهزيمة بالإنسان وباللغة التي يصف بها نفسه. ومن هنا لم يعد الوطن أرضًا مسلوبة فحسب، بل صار أيضًا وطنًا تحمله الذاكرة، وصورة تتنازعها الروايات، ووعدًا قد تستخدمه السياسة من غير أن تحققه. وقد أتاح هذا الاتساع لدرويش أن يحمي فلسطين من التحول إلى شعار متكرر، وأن يربطها بتاريخ طويل من الغزاة والمنفيين والعائدين.

تظهر هذه النقلة بوضوح في قصائد مثل "أحمد الزعتر" و"مديح الظل العالي". ففي الأولى يتداخل الفرد بالمخيم والجماعة، فلا يبقى أحمد شخصية منفردة ولا يذوب تمامًا في الرمز؛ إنه يحمل ملامح إنسان محدد، لكنه يتسع ليجسد خبرة المحاصرين. أما "مديح الظل العالي"، التي ولدت من حصار بيروت وخروج المقاومة الفلسطينية منها، فلا تكتفي بتسجيل الحدث أو تمجيد البطولة. إنها تمزج الغضب بالرثاء، وتضع صورة المقاتل بين الصمود والانكسار، فيما يوحي الظل العالي بأن الجسد قد يُدفع إلى الرحيل، لكن معناه لا يسقط بالضرورة مع الهزيمة العسكرية.

ومع "أحد عشر كوكبًا" بلغ توظيف التاريخ درجة أكثر نضجًا حيث استعاد درويش سقوط الأندلس لا ليهرب من فلسطين إلى ماض بعيد، بل ليرى الحاضر في مرآة أخرى: مدن تودع أهلها، ومهزوم يحمل مفتاح بيته، ومنتصر يسعى إلى فرض روايته على المكان. ومع ذلك لا تنحصر الأندلس في المطابقة مع فلسطين، لأنها تستدعي كذلك هشاشة الحضارات ومأساة الخارج من لغته وبيته. بهذه الطريقة صار التاريخ مجالًا للمقارنة والكشف، لا مخزنًا للزينة الثقافية.


السيرة والحب والعودة الناقصة

في "لماذا تركت الحصان وحيدًا؟" عاد درويش إلى البروة والطفولة واللجوء الأول، لكنه لم يكتب سيرة توثيقية تستعيد الوقائع كما حدثت. لقد أعاد بناء الماضي من خلال الذاكرة، والذاكرة لا تحفظ العالم على حاله، بل تنتقيه وتضيئه بما عرفه الإنسان بعد ذلك. ولهذا يبدو الطفل في الديوان طفلًا حقيقيًا وصورة ينظر إليها الشاعر الناضج من مسافة طويلة. أما الحصان المتروك قرب البيت فيحتمل أكثر من قراءة: إنه علامة على رحيل ظنه أصحابه قصيرًا، وصورة للبيت الذي ظل ينتظر، ورابط بين الإنسان وأرض انقطع عنها من غير أن تنقطع منه.

تكشف هذه العودة الشعرية إلى الطفولة عن تحول مهم في علاقة درويش بالجماعة. ففي البداية كانت "الأنا" تقترب من "النحن" حتى تكاد تذوب فيها، لأن الشاعر يتحدث باسم الفلاح واللاجئ والأسير. ثم أخذت الذات تستعيد حقها في الوحدة والخوف والحب والمرض. ولم يكن ذلك انسحابًا من القضية، بل مراجعة لصورة الفلسطيني التي تحصره في البطولة أو الضحية؛ فالإنسان الذي يدافع عن وطنه يريد أيضًا بيتًا هادئًا ووقتًا خاصًا وعلاقة لا تفسرها السياسة كلها.

من هنا يمكن فهم المساحة التي منحها للحب في "سرير الغريبة". لم تعد المرأة مجرد اسم آخر للأرض، بل أصبحت آخر مستقلًا له حضوره وغيابه، وصار الحب اختبارًا للقرب الذي لا يلغي المسافة بين شخصين. ومع ذلك يظل المنفى حاضرًا في العلاقة: قد يصبح جسد الحبيب وطنًا مؤقتًا، وقد يتحول الفراق إلى اقتلاع جديد، لكن هذه الاستعارات لا تغلق معنى المرأة داخل الرمز الوطني. لقد تعلمت القصيدة، في هذه المرحلة، أن تحب الوطن من غير أن تحول كل حب إليه.

وعندما عاد درويش إلى رام الله، لم يقدم العودة بوصفها حلًا نهائيًا. فالعائد يحمل المدن التي أقام فيها، ويحمل كذلك صورة وطن لم يعد مطابقًا لما حفظته طفولته. لذلك انتقل سؤال الهوية عنده من التأكيد إلى الفحص: لم يعد المهم أن يقول من هو فقط، بل أن يسأل كيف تكونت هذه الذات، وأي جزء منها اختاره، وأي جزء فرضه التاريخ والمصادفة. بهذا المعنى لم تلغِ عبارة السؤال نبرة "سجل أنا عربي"؛ لقد نقلتها من ضرورة تثبيت الوجود أمام الآخر إلى ضرورة فهم هذا الوجود من الداخل.


في مواجهة الموت والغياب

عانى محمود درويش مرض القلب وخضع لأكثر من عملية جراحية، فاقترب الموت من حياته قبل رحيله بسنوات. غير أن حضوره في شعره لم يكن نتيجة المرض وحده؛ فقد عرف الشاعر موت الأفراد والأمكنة منذ طفولته، ثم عاش الحروب والحصارات وودع أصدقاء كثيرين. الجديد في المرحلة المتأخرة أن الموت لم يعد يظهر بوصفه نتيجة الاحتلال أو الحرب فقط، بل صار قدرًا إنسانيًا يواجه الذات منفردة، مهما حملت من تاريخ جماعي.

تعد "جدارية" الذروة الأوضح لهذه المواجهة. تنطلق القصيدة من تجربة الاقتراب من الموت، ثم تفتحها على الأسطورة والذاكرة واللغة. يحاور الشاعر نهايته من غير أن يدعي الانتصار عليها، ويسأل عما يمكن أن يبقى من الإنسان بعد غياب الجسد. الكتابة قادرة على ترك أثر وتأجيل النسيان، لكنها لا تمنح خلودًا كاملًا؛ ومن هذا التوتر تكتسب القصيدة صدقها. فدرويش لا يتحدى الموت بصخب البطل، بل يفاوضه على المعنى، ويحاول أن يصل إلى النهاية محتفظًا بحريته في تسمية الأشياء.

وعلى خلاف ما قد يوحي به موضوعها، لا تقود "جدارية" إلى كراهية الحياة. إن وعي النهاية يجعل التفاصيل العابرة أكثر قيمة، ولذلك ستغدو أعمال مثل "كزهر اللوز أو أبعد" و"أثر الفراشة" شديدة الانتباه إلى الجمال الهش: زهرة تظهر سريعًا، ومشهد يومي، وفكرة تلمع ثم تختفي. لم يتخل الشاعر هنا عن تاريخه، لكن فلسطين أصبحت جزءًا عميقًا من رؤيته، فلا تحتاج إلى أن تُذكر في كل سطر كي تكون حاضرة فيه.

وفي "لاعب النرد" يعيد درويش النظر في صورته الشخصية وفي أسطورة الشاعر البطل. يتأمل ما صنعته المصادفة في حياته: ولادته ونجاته ولقاءاته ورحلاته ومرضه وشهرته. لا تعني المصادفة أن الإنسان بلا إرادة، لكنها تحد من ادعائه أنه صنع نفسه وحده. وهذه النبرة المتواضعة فنيًا وفكريًا بعيدة عن يقين الصوت الأول، لكنها ثمرة طبيعية له؛ فمن اضطر في شبابه إلى تثبيت هويته أمام من ينكرها، وصل في نضجه إلى مساءلة الحدود التي تفصل ما اختاره عما اختاره له العالم.


السياسة واستقلال الشاعر

لم يقف درويش خارج السياسة؛ فقد عمل في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وأصبح عضوًا في لجنتها التنفيذية، وارتبط اسمه بصياغة نص إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988. لكنه لم يقبل أن يتحول الشاعر إلى صدى للمؤسسة، فاحتفظ بمسافة نقدية ظهرت بوضوح حين عارض اتفاق أوسلو واستقال من اللجنة التنفيذية سنة 1993. لم يكن اعتراضه رفضًا لمبدأ السلام، بل تشككًا في اتفاق لا يقدم، في نظره، ضمانات كافية لسيادة فلسطينية عادلة.

تضيء هذه التجربة علاقته المعقدة بلقب شاعر فلسطين. لقد حمل الصوت الجماعي، لكنه عرف أن الجماعة لا تحتاج إلى مديح دائم بقدر حاجتها إلى لغة ترى أخطاءها وأوهامها أيضًا. ولذلك لا تخلو قصائده السياسية الناضجة من مراجعة للبطولة وللقيادة وللخطاب الذي يحول الخسارة إلى احتفال لغوي. كان انتماؤه واضحًا، لكن وضوح الانتماء لم يعف السياسة الفلسطينية أو العربية من السؤال.

في "حالة حصار"، التي كتبها في سياق حصار رام الله سنة 2002، تظهر هذه الرؤية في أن المقاومة لا تُختزل في السلاح. فالقصيدة تراقب القهوة والزهرة والانتظار والعلاقات اليومية وهي تحاول البقاء تحت ضغط الدبابة. إن حماية العادة الإنسانية من التشويه فعل مقاومة أيضًا، لأن القوة التي تحاصر المكان تريد أن تستولي على زمن المحاصرين وصورتهم عن أنفسهم. وعلى هذا الأساس لا يعود الفلسطيني مجرد خبر عن الموت؛ إنه إنسان يحب ويتأمل ويبحث عن معنى لحياته في أكثر الظروف ضيقًا.

هذا التوازن هو ما منح شعر درويش مداه الإنساني من غير أن يفقد جذره الفلسطيني. فهو لم يذب القضية في كلام عام عن الحزن، ولم يحبسها في خطاب لا يفهمه إلا أهلها. لقد بدأت قصيدته من تجربة محددة الاسم والمكان، ثم كشفت أن الحرمان من البيت والاسم والعدالة يمكن أن يوقظ خبرات إنسانية مشتركة. وحين رأى إنسانية الآخر لم يتنازل عن حق الضحية، بل رفض أن تجعل الحرب البشر صورًا متقابلة بلا وجوه.


أشهر القصائد ووحدة التجربة الشعرية

تتوزع أشهر قصائد محمود درويش على مراحل مختلفة، ولذلك لا ينبغي جمعها في قائمة توحي بأنها متشابهة. وعلى سبيل المثال تمثل "بطاقة هوية" لحظة إعلان الوجود، فيما تنقل "إلى أمي" الوطن إلى التفاصيل الحميمة، وتضع "ريتا والبندقية" الحب أمام استحالة سياسية. وفي "عاشق من فلسطين" تمتزج الحبيبة بالأرض ضمن غنائية المرحلة الأولى، بينما تجعل "أحمد الزعتر" من الاسم الفردي مدخلًا إلى مأساة المخيم وصموده. أما "مديح الظل العالي" فتلتقط حصار بيروت وخروج المقاومة بلغة ملحمية لا تخفي مرارة الانكسار.

وفي المراحل التالية تكشف "أحد عشر كوكبًا" قدرة الشاعر على قراءة فلسطين من خلال الأندلس، وتستعيد "لماذا تركت الحصان وحيدًا؟" الطفولة والبيت والرحيل الأول، في حين تواجه "جدارية" الموت بوصفه سؤالًا شخصيًا وكونيًا. وتمنح "حالة حصار" التفاصيل اليومية قيمة أخلاقية تحت الاحتلال، بينما تقيم "فكر بغيرك" دعوتها إلى التضامن على انتقال هادئ من حياة الفرد إلى حياة من حرموا شروطها الأساسية. ثم تأتي "لاعب النرد" لتراجع سيرة الشاعر نفسها بعيدًا عن البطولة المكتملة.

ومن أشهر عباراته تلك التي تبدأ بـ"على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، وقد انفصلت في التداول عن سياقها حتى بدت حكمة مستقلة. غير أن قوة العبارة لا تكمن في تفاؤل سهل؛ فهي تأتي من شاعر يعرف ما على الأرض من ظلم، ثم يصر على ألا يمنح الخراب الكلمة الأخيرة. وينطبق الأمر نفسه على كثير من المقاطع التي انتشرت في وسائل التواصل: يمكن للسطر الدرويشي أن يضيء منفردًا، لكن قراءته داخل القصيدة تكشف موسيقاه وصلته بما قبله وما بعده، وتحميه من التحول إلى قول جميل مجرد من تجربته.

أسهم الغناء في توسيع حضور هذه القصائد، ولا سيما الأعمال التي لحنها وغناها مارسيل خليفة وأحمد قعبور وغيرهما. فقد وجدت موسيقى درويش الداخلية طريقها إلى اللحن، وانتقلت الكلمات من الديوان إلى ذاكرة الجمهور. ومع ذلك لم تكن قابلية شعره للغناء ناتجة عن سهولته دائمًا؛ فقد عرف كيف يستخدم الوزن والتكرار والتوازي والتدوير، وكيف يوازن بين الجملة التي تخاطب جمهورًا واسعًا والصورة التي تظل مفتوحة على التأويل.


خصائص شعر محمود درويش وإرثه

يمتاز شعر درويش أولًا بعلاقته الخاصة بالموسيقى. حتى قصائده الفكرية الطويلة تحتفظ بإيقاع داخلي واضح، وقد زاد أداؤه في الأمسيات من أثرها؛ إذ كان يعرف موضع الصمت مثلما يعرف موضع النبرة المرتفعة. لكنه لم يستخدم الوزن بوصفه قالبًا ثابتًا، بل جعله يتغير مع حركة المعنى، فطال السطر أو قصر، وتسارعت الجملة أو هدأت، وانتقلت القصيدة بين الغناء والسرد والحوار من غير أن تفقد وحدتها.

ويمتاز ثانيًا بقدرته على منح المفردة اليومية طاقة رمزية من غير أن يفصلها عن ماديتها. فالخبز خبز الأم فعلًا، والحصان حيوان تُرك قرب البيت، والقهوة عادة يومية، لكنها تحمل في السياق معاني الوطن والغياب وحماية النظام الإنساني من الفوضى. ولا تستقر هذه الصور في دلالة واحدة؛ فكل قراءة جيدة تضيف إليها ولا تغلقها، وهذا ما يفسر استمرارها بعد تغير الظروف التي ولدت فيها.

أما التناص الديني والأسطوري والتاريخي، فقد أتاح له أن يضع التجربة الفلسطينية داخل ذاكرة بشرية واسعة. استحضر يوسف وآدم وقابيل وهابيل، وحاور كنعان وطروادة والأندلس، من غير أن يجعل التراث معرضًا للأسماء. لقد كانت الشخصية القديمة أو الحكاية الموروثة تمنحه زاوية جديدة لرؤية الحاضر، وتساعده على منازعة الرواية التي تريد احتكار تاريخ البلاد. فالمكان عنده طبقات من الشعوب واللغات والحكايات، ولا تستطيع قوة عسكرية أن تبدأ تاريخه من اللحظة التي تختارها.

إلى جانب دواوينه، كتب درويش نثرًا ذا قيمة أدبية بارزة. ففي "ذاكرة للنسيان" يستعيد يومًا من حصار بيروت، ويبدأ من محاولة إعداد القهوة تحت القصف ليبني تأملًا في الحرب والوقت والكتابة. وفي "يوميات الحزن العادي" و"في حضرة الغياب" تقترب الجملة النثرية من الشعر، فلا يعود الفصل بين السيرة والتأمل والقصيدة حاسمًا. وقد أثبتت هذه الأعمال أن شاعريته لم تكن متوقفة على الوزن، بل على طريقة رؤية العالم وإقامة العلاقات بين تفاصيله.

توفي محمود درويش في 9 أغسطس/آب 2008 في مدينة هيوستن الأميركية بعد عملية جراحية في القلب، ونقل جثمانه إلى رام الله حيث شيع في جنازة واسعة. إلا أن موته لم يحول أعماله إلى أثر ينتمي إلى زمن مضى؛ فما زالت قصائده تُقرأ وتُغنى وتُترجم، لأن كل جيل يعثر فيها على سؤال يخصه. يجد فيها الفلسطيني لغته وذاكرته، ويجد المنفي صورة غربته، ويجد العاشق خوفه من الفقد، بينما يرى القارئ الذي يقترب من الشيخوخة شاعرًا يحاول أن يصادق الحياة من دون أن ينكر نهايتها.

لقد بدأ درويش من سؤال الأرض: من يملك هذا المكان، ومن يملك حق تسمية أهله؟ ثم بلغ سؤالًا أشد اتساعًا: ما الذي يملكه الإنسان في حياة يبدلها التاريخ والمصادفة والموت؟ وبين السؤالين بنى تجربة لم تتخل عن أصلها الفلسطيني، ولم ترضَ بأن تبقى محصورة فيه. ومن هنا يبدو وصفه بشاعر المقاومة صحيحًا إذا فهمنا المقاومة في معناها الأوسع: مقاومة محو الاسم، ومقاومة اختزال الإنسان في شعار، ومقاومة النسيان، ثم مقاومة الموت بما تستطيع اللغة أن تتركه من أثر. لقد رحل الشاعر، لكن قصيدته بقيت تدافع عن حق الإنسان في وطن عادل، وفي ذاكرة لا تُصادر، وفي حياة تعرف هشاشتها وتظل، مع ذلك، جديرة بالحب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق