اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

مدام بوفاري: هل كانت إيما بوفاري امرأة حقيقية؟ ولماذا حوكم فلوبير؟

تصوير فني لامرأة من القرن التاسع عشر أمام المرآة فيما تظهر قاعة محكمة في الخلفية
صورة توضيحية أصلية تستحضر عالم إيما بوفاري والصدام بين الخيال الأدبي والمحاكمة التي واجهها فلوبير.
من امرأة ماتت في قرية نورماندية إلى بطلة رواية هزت القضاء الفرنسي

هل كانت إيما بوفاري امرأة حقيقية؟ السؤال يبدو بسيطًا، بل يكاد يغري بإجابة سهلة: كانت هناك امرأة اسمها دلفين ديلامار، عاشت في نورماندي، تزوجت رجلًا يعمل في المجال الصحي، انتهت حياتها بصورة مأساوية، ثم جاء غوستاف فلوبير وحوّل قصتها إلى رواية. هذه الحكاية منتشرة إلى درجة أنها صارت، في بعض الروايات الشعبية عن الأدب، أشبه بالحقيقة النهائية.

لكن المشكلة أن حياة الروايات لا تبدأ بهذه البساطة. وجود امرأة حقيقية تشبه إيما في بعض التفاصيل لا يعني أن إيما هي تلك المرأة بعد تغيير الاسم. وفلوبير نفسه أنكر أن يكون قد نسخ شخصيته عن نموذج واحد. ثم إن الأمر يصبح أكثر إثارة حين نعرف أن الرواية التي خرجت من هذا الخليط بين الواقع والاختراع لم تثر النقاد وحدهم، بل حملت مؤلفها إلى المحكمة بتهمة الإساءة إلى الأخلاق العامة والدينية والآداب.

الجواب المختصر: لا نستطيع القول إن إيما بوفاري كانت امرأة حقيقية بالمعنى الحرفي. توجد امرأة موثقة اسمها دلفين ديلامار، ولحياتها أوجه شبه لافتة بحياة بطلة الرواية، ويرى باحثون أنها كانت أحد منابع الشخصية. لكن الأدلة لا تسمح باعتبارها "إيما الحقيقية" وحدها. أما فلوبير فقد حوكم سنة 1857 لأن الادعاء رأى أن تصوير الزنا والرغبة والدين في الرواية يمكن أن يسيء إلى الأخلاق العامة، قبل أن تقضي المحكمة ببراءته.


دلفين ديلامار: المرأة التي بدأت منها الأسطورة

دلفين كوتورييه، التي عرفت بعد الزواج باسم دلفين ديلامار، ليست اختراعًا صنعه الباحثون بعد نجاح الرواية. تسجلها المكتبة الوطنية الفرنسية بوصفها امرأة ولدت سنة 1822 وتوفيت سنة 1848 في بلدة ري في إقليم السين البحري. تزوجت أوجين ديلامار، وهو ضابط صحة كان من تلامذة والد فلوبير، وانتهت حياتها بالانتحار بالسيانيد.

هنا تبدأ أوجه الشبه التي جعلت الخيال الشعبي يندفع سريعًا نحو الاستنتاج. امرأة شابة في الريف النورماندي، زوج يعمل في المجال الطبي، حياة زوجية لم تحقق التوقعات، علاقات خارج الزواج بحسب الروايات التي أحاطت بسيرتها، ديون، ثم انتحار بالسم. من الصعب ألا يتذكر قارئ مدام بوفاري إيما وشارل والموت الذي ينهي الرواية.

حتى المكتبة الوطنية الفرنسية تحتفظ بصور قديمة لقبر دلفين ولمواضع في بلدة ري ارتبطت لاحقًا بمحاولات البحث عن الأماكن الواقعية التي ربما غذت الرواية. وهذا يدل على أن الصلة بين دلفين وعالم بوفاري ليست إشاعة حديثة ولدت مع الإنترنت.

ولكن وجود التشابه لا يحسم السؤال، بل يبدأه.

فالمشكلة تظهر حين تتحول جملة "ربما كانت دلفين أحد مصادر فلوبير" إلى جملة أكثر حسمًا هي "دلفين ديلامار هي مدام بوفاري الحقيقية". بين العبارتين مساحة كاملة تختفي فيها طبيعة الكتابة الأدبية نفسها.

فلوبير نفسه ينكر وجود نموذج واحد

بعد صدور الرواية، أخذ القراء يبحثون عن أصول الشخصيات والأماكن. من هي إيما؟ أين تقع يونفيل؟ من هو رودولف الحقيقي؟ وهل يمكن العثور على الصيدلي أوميه في قرية فرنسية ما؟ كانت الرواية واقعية إلى درجة جعلت الناس يفتشون عن مفاتيحها خارجها.

لكن فلوبير قاوم هذه الطريقة في القراءة. ففي رسالة مؤرخة في 18 مارس 1857 إلى ماري صوفي لوروا دو شانتبي، أكد أن مدام بوفاري لا تحتوي قصة حقيقية منقولة كما هي، وأنه لم يضع فيها حياته أو مشاعره على النحو الذي كان بعض القراء يتخيلونه. وبعد ذلك بأشهر كتب أيضًا أن أحدًا لم يجلس أمامه بوصفه النموذج الذي نسخه.

هذه التصريحات لا تعني أن الكاتب يعمل في فراغ. الروائي يسمع الحكايات، يتذكر الوجوه، يراقب البيوت والقرى والطبقات الاجتماعية، ويستعير أحيانًا تفصيلًا من شخص وواقعة من آخر. لكن الشخصية التي تصل إلى الصفحة قد تكون حصيلة عشرات الأشياء التي لم تجتمع قط في إنسان واحد.

وهذا تحديدًا ما يجعل قضية دلفين مثيرة. ربما منحت فلوبير إطارًا واقعيًا أو صدىً لحادثة عرفها محيطه، لكنها لا تفسر وحدها ما أصبحت عليه إيما في الرواية.

وقد عبّرت المكتبة الوطنية الفرنسية عن هذه المسألة بوضوح في المواد التي أعدتها حول فلوبير والرواية: دلفين ديلامار، إلى جانب نساء أخريات عرفهن الكاتب أو اقترب منهن، ربما أسهمن في تكوين صورة إيما، لكن الشخصية في النهاية من خلق فلوبير الأدبي.

وماذا عن العبارة الشهيرة: "مدام بوفاري هي أنا"؟

هنا نصطدم بأسطورة أدبية أخرى تكاد تكون أشهر من دلفين نفسها.

تتكرر في الكتب والمقالات عبارة تنسب إلى فلوبير: "مدام بوفاري هي أنا". وتبدو العبارة مغرية إلى حد كبير. هي قصيرة، حادة، وقادرة على إنهاء النقاش كله بجملة واحدة: لا تبحثوا عن امرأة حقيقية، لأن إيما هي فلوبير نفسه.

لكن العبارة ليست موثقة بهذه البساطة.

مركز غوستاف فلوبير في جامعة روان، الذي درس تاريخ العبارة، يشير إلى أنها لا تظهر في مراسلات فلوبير ولا في أعماله المحفوظة. أقدم مصدر معروف لها جاء سنة 1909 في كتاب لرينيه ديشارم، أي بعد وفاة فلوبير بنحو ثلاثة عقود.

والأكثر إثارة أن النقل ليس مباشرًا. ديشارم ذكر أن شخصًا كان يعرف أميلي بوسكيه أخبره أنها سألت فلوبير عن مصدر شخصية مدام بوفاري، وأنه أجابها بما معناه: مدام بوفاري أنا، ومن نفسي.

أي أننا لا نملك تسجيلًا أو رسالة كتبها فلوبير، بل سلسلة رواة انتقلت عبرهم العبارة قبل أن تسجل بعد سنوات طويلة. لذلك يتعامل الباحث الحذر معها بوصفها عبارة منسوبة إلى فلوبير، لا تصريحًا ثابتًا يمكن بناء نظرية كاملة عليه.

ومع ذلك، فإن ضعف توثيق العبارة لا يجعل معناها عديم القيمة تمامًا. فرسائل فلوبير أثناء الكتابة تبين أنه كان يدخل بقوة في التجربة الحسية والنفسية لشخصياته. كان يريد أن يكتب من داخل المشهد، لا أن يقف خارجه ويدينه. ولذلك قد تكون إيما بعيدة عنه في السيرة، لكنها ليست بعيدة عنه بالضرورة في آلية التخييل والرغبة والخيبة.

إذا لم تكن إيما نسخة من امرأة واحدة، فمن تكون إذن؟

إيما في جوهرها ليست لغز هوية بقدر ما هي لغز رغبة.

هي ابنة عالم يَعِد الإنسان بحياة أكثر إثارة من الحياة التي يستطيع الواقع تقديمها. تقرأ، تتخيل، تقارن، وتتوقع أن يأتي الحب بالشكل الذي قرأت عنه، وأن يكون الزواج انتقالًا إلى حياة أخرى، وأن تحمل المدن والحفلات والملابس والعشاق سرًا قادرًا على إنقاذها من الرتابة.

لكن كلما اقتربت من الصورة التي تريدها، تبتعد عنها.

ولذلك فإن أحد أعمق مستويات الرواية لا يحتاج إلى معرفة ما إذا كان هناك نموذج حقيقي لإيما. تكفي مراقبة المسافة بين الحياة كما تعاش والحياة كما تتخيلها الشخصية.

الكتب ليست المتهم الوحيد هنا. فلوبير لا يكتب موعظة ضد القراءة ولا يقول ببساطة إن الروايات أفسدت امرأة بريئة. المشكلة أوسع. إيما تعيش في مجتمع يغذي التوقعات ثم يضيّق إمكان تحقيقها. الحب نفسه يتحول إلى صور جاهزة، والرفاهية إلى سلع، والدين إلى طقوس لا تمنحها دائمًا ما تبحث عنه، والرجال الذين تتعلق بهم لا يملكون ذلك المطلق الذي تريد أن تراه فيهم.

هي تريد شيئًا لا تعرف كيف تسميه، ولهذا تستطيع أشياء كثيرة أن تتنكر أمامها في هيئة الخلاص.

مرة يكون الحب. ومرة باريس. ومرة الملابس. ومرة الدين. ومرة رجلًا جديدًا.

وفي كل مرة يسقط القناع، لا تتوقف الرغبة، بل تبحث عن قناع آخر.

من هنا جاء "البوفارية"

بعد فلوبير بسنوات، أصبح اسم بطلة الرواية أساسًا لمصطلح نقدي وفلسفي هو "البوفارية"، ارتبط خصوصًا بالكاتب الفرنسي جول دو غوتييه في أواخر القرن التاسع عشر.

وبأبسط معنى، تشير البوفارية إلى قدرة الإنسان أو ميله إلى تصور نفسه بصورة مختلفة عما هو عليه فعلًا.

لكن المفهوم يصبح أكثر ثراء عندما نعيده إلى الرواية. إيما لا تكذب على نفسها مرة واحدة ثم تدفع الثمن. إنها تبني ذاتها باستمرار من مواد مستعارة: من الروايات، ومن تصورات الطبقة الراقية، ومن صور الحب، ومن المشاهد الاجتماعية التي تراها من بعيد.

لذلك فإن السؤال "هل كانت إيما امرأة حقيقية؟" ينقلب بطريقة طريفة. ربما لم تكن نسخة عن امرأة واحدة حقيقية، لكن آليتها النفسية والاجتماعية هي التي جعلتها تبدو حقيقية لعدد هائل من القراء.

وإذا كان الناس قد قضوا أكثر من قرن يبحثون عن قبر المرأة التي "كانت" إيما، فلأن فلوبير نجح في منح مخلوقه المتخيل كثافة تجعل وجود أصل واقعي له يبدو أمرًا شبه ضروري.

لكن لماذا وصلت رواية كهذه إلى المحكمة؟

قبل ظهور مدام بوفاري في كتاب مستقل، نشرت على حلقات في مجلة Revue de Paris بين الأول من أكتوبر والخامس عشر من ديسمبر 1856. لم تمر سوى أسابيع حتى تحولت المسألة من حدث أدبي إلى قضية قضائية.

في 29 يناير 1857 مثل فلوبير أمام الغرفة السادسة للمحكمة الجنحية في باريس إلى جانب مسؤولين عن المجلة والطباعة. وكان ممثل الادعاء إرنست بينار، الاسم الذي سيظهر في السنة نفسها في قضية أدبية شهيرة أخرى متعلقة بديوان شارل بودلير أزهار الشر.

لم يكن الاتهام قائمًا ببساطة على أن الرواية تحتوي زنا. الأدب الفرنسي قبل فلوبير عرف الخيانة الزوجية والخطيئة والرغبة. المشكلة كانت في الطريقة التي عرض بها النص هذه الأشياء.

رأى الادعاء أن الرواية تصور بعض المشاهد والعلاقات بطريقة قد تجعل الرذيلة جذابة، وأن الكاتب لا يضع دائمًا حاجزًا أخلاقيًا واضحًا بين القارئ وبين أحلام إيما ورغباتها. كما دخل تصوير الدين في القضية، خاصة المشاهد التي تتجاور فيها اللغة الدينية مع الرغبة الجسدية أو الإحباط العاطفي.

بكلمات أخرى، كانت المحكمة تناقش سؤالًا أدبيًا وإن لم تسمه كذلك: هل يجب على الراوي أن يقول للقارئ صراحة من المخطئ؟

المشكلة لم تكن ما فعلته إيما فقط، بل كيف رواه فلوبير

لو قدم فلوبير إيما من الخارج بوصفها امرأة خاطئة، ثم راح الراوي يوبخها كل عدة صفحات، لربما كان الموقف القانوني أبسط.

لكنه فعل شيئًا أكثر خطورة من منظور الرقابة الأخلاقية في القرن التاسع عشر. اقترب من وعيها.

القارئ يرى العالم أحيانًا كما تراه هي، ويسمع إيقاع رغبتها وخيبتها من دون أن تتدخل سلطة سردية باستمرار لتقول له كيف ينبغي أن يحكم عليها. ولهذا يمكن لجملة واحدة في الرواية أن تحمل صوت الشخصية وصوت الراوي والسخرية منهما معًا، من غير حدود مريحة.

إنها واحدة من القوى الكبرى في أسلوب فلوبير: المسافة بين الكاتب والشخصية ليست دائمًا ظاهرة على سطح الجملة.

وهذا هو المكان الذي تصبح فيه قضية المحكمة أهم من خبر طريف في سيرة كاتب.

القضية كانت تمس سؤالًا سيظل ملازمًا للرواية الحديثة: هل تصوير الرغبة يعني الدفاع عنها؟ وهل دخول الكاتب إلى عقل شخصية ما يعني الموافقة عليها؟ وهل يجب أن تكون الأخلاق في العمل الأدبي تصريحًا مباشرًا، أم يمكن أن تنشأ من بنية العمل ونتائجه ومفارقاته؟

دفاع فلوبير: الرواية لا تمجد إيما

دافع المحامي جول سينار عن فلوبير، وكان أحد خطوط الدفاع الأساسية أن الرواية لا تكافئ بطلتها على سلوكها أصلًا. حياة إيما لا تنتهي بالانتصار ولا بتحقق أحلامها. الطريق الذي تسلكه يؤدي إلى الديون والانهيار والموت، وتترك وراءها زوجًا محطمًا وطفلة تدفع ثمن الكارثة.

لكن هذا الدفاع لا يعني أن قيمة الرواية الأخلاقية تختصر في قاعدة بسيطة تقول إن "الخطيئة عوقبت". لو كان هذا كل ما في الكتاب لما بقيت مدام بوفاري حية في تاريخ الرواية.

القوة الحقيقية تكمن في أن فلوبير لا يجعل إيما مجرد مثال تربوي. لا يبرئها، لكنه لا يحولها أيضًا إلى لافتة تحذير.

نحن نرى أنانيتها كما نرى اختناقها. نرى خداعها كما نرى فقر العالم الذي تريد الهروب منه. نرى أوهامها، لكننا نرى كذلك مجتمعًا كاملًا ينتج صورًا زائفة عن السعادة والنجاح والاحترام والحب.

وهذه المنطقة الرمادية هي بالضبط ما يجعل الأدب صعبًا على الرقابة. المحكمة تريد عادة أن تعرف: مع من يقف النص؟ أما الرواية الجيدة فقد يكون سؤالها أكثر إزعاجًا: لماذا يجب أن تقف في مكان واحد أصلًا؟

البراءة التي لم تكن مديحًا

في 7 فبراير 1857 صدر الحكم ببراءة فلوبير والمتهمين معه.

لكن قراءة الحكم تكشف أن البراءة لم تكن شهادة إعجاب غير مشروطة. المحكمة انتقدت بعض اختيارات الكاتب، ورأت أن الأدب يجب أن يكون أكثر حذرًا في تصوير موضوعات يمكن أن تصدم الأخلاق العامة.

إذن خرج فلوبير من المحكمة من دون إدانة جنائية، لكنه لم يخرج منها بعد أن أقنع القضاة بأن اعتراضاتهم الأدبية بلا أساس. لقد رسم الحكم نفسه حدًا متوترًا: الكتاب لا يبلغ في نظر المحكمة الدرجة التي تستوجب العقوبة، لكنه اقترب من منطقة كانت السلطة تريد من الأدباء أن يحذروها.

والمفارقة أن المحاكمة ساعدت الرواية بدل أن تدفنها.

ظهر الكتاب في مجلدين لدى ميشيل ليفي في أبريل 1857، بعد انتهاء المحاكمة، وأصبحت الضجة التي أحاطت بالقضية جزءًا من قصة نجاحه. الرقابة التي نظرت إلى الرواية بوصفها خطرًا أخلاقيًا أسهمت من حيث لا تريد في تحويلها إلى حدث أدبي يتحدث عنه الجميع.

إيما ليست بريئة ولا مذنبة فقط

واحدة من الطرق السهلة لقراءة مدام بوفاري هي إقامة محاكمة ثانية لإيما بعد محاكمة فلوبير.

هل هي ضحية أم مسؤولة؟ هل المجتمع ظلمها أم أنها صنعت خرابها بنفسها؟ هل الروايات أفسدتها؟ هل زوجها شارل هو المشكلة؟ هل العشاق استغلوها؟ هل المال هو الذي قتلها؟

كل سؤال من هذه الأسئلة يلتقط جزءًا من النص ويترك أجزاء أخرى.

إيما تتخذ قرارات مؤذية، تكذب، تنفق بلا حساب، تستخدم الآخرين أحيانًا، وتهرب من نتائج اختياراتها. لكنها تتحرك أيضًا داخل فضاء اجتماعي ضيق جدًا بالنسبة لامرأة من طبقتها وزمنها، وتكتشف أن كثيرًا من الوعود التي تعلمت أن تربطها بالحب والزواج والارتقاء الاجتماعي ليست كما تخيلتها.

لا يحتاج القارئ إلى إعلانها قديسة كي يرى قسوة وضعها، ولا يحتاج إلى اعتبارها ضحية كاملة كي يفهم أن بعض كوارثها من صنعها.

وهنا تتجاوز الرواية السؤال القضائي القديم. فالإنسان عند فلوبير لا يتحرك عادة بصفة واحدة مستقرة. الرغبة والأنانية والخيال والملل والطبقة والمال واللغة تتداخل حتى يصبح البحث عن مذنب منفرد نوعًا من التبسيط.

المال: العشيق الصامت في الرواية

كثرة الحديث عن علاقات إيما العاطفية تجعل عنصرًا آخر أقل ظهورًا في القراءة الشعبية للرواية: المال.

أحلام إيما لا تحتاج إلى رجال فقط؛ تحتاج إلى أشياء.

الثياب والأثاث والهدايا والتنقل والمظاهر الاجتماعية ليست زينة جانبية في الحكاية. إنها أجزاء من الهوية التي تحاول إيما بناءها. وحين يدخل التاجر لورو إلى حياتها، يجد شخصًا مستعدًا لشراء نسخة من الحياة قبل امتلاك ثمنها.

الدين المالي يتحول تدريجيًا إلى شكل مادي من أشكال الوهم. تستطيع إيما تأجيل الدفع كما تؤجل الاعتراف بفشل أحلامها. وكل ورقة جديدة تمنحها وقتًا إضافيًا داخل الصورة التي تريد تصديقها.

ثم يصل الواقع على هيئة أرقام لا تعرف الرومانسية.

بهذا المعنى، لا تموت إيما لأن الحب خذلها وحده. إنها تسقط أيضًا عندما تتحول الرغبة إلى حساب، والحلم إلى دين، والمظهر الاجتماعي إلى التزام لا يمكن سداده.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل الرواية حديثة بصورة مدهشة. ففلوبير لا يفصل النفس عن الاقتصاد. ما ترغب فيه الشخصية مرتبط بما تستطيع شراءه، وما تريد أن تبدو عليه مرتبط بما تملك، وما لا تملكه يمكن أن تشتريه بالدين إلى أن يأتي موعد الحساب.

هل كان فلوبير يدين الروايات الرومانسية؟

كثيرًا ما تقدم إيما بوصفها امرأة قرأت روايات كثيرة فضاعت لأنها صدقتها.

في هذا شيء من الحقيقة، لكنه ليس الحقيقة كلها.

فلوبير يسخر بالفعل من الصور الجاهزة التي تتشكل بها توقعاتها عن الحب. لكن الرواية نفسها عمل أدبي شديد الوعي بقوة اللغة والخيال. ومن الصعب أن يكون درسها البسيط هو أن الكتب خطرة وأن الواقع أفضل.

الواقع الذي تعيش فيه إيما ليس فردوسًا صحيًا أفسدته القراءة. إنه عالم ممل في أجزاء منه، محدود، مشبع بالنفاق الاجتماعي والتفاخر واللغة الجوفاء. الصيدلي أوميه، الذي لا يعيش أحلام إيما الرومانسية، ليس لهذا السبب نموذجًا للحكمة.

المفارقة أن شخصيات كثيرة في الرواية، لا إيما وحدها، تعيش داخل صور متخيلة عن نفسها. كل واحدة تقريبًا تريد أن تكون شيئًا أكبر أو أكثر أهمية أو أكثر أناقة مما هي عليه.

ربما لهذا لم يبق مصطلح البوفارية محصورًا في امرأة تقرأ قصص الحب، بل أصبح طريقة للتفكير في الإنسان حين يصنع لنفسه صورة ثم يبدأ في السكن داخلها.

الحقيقة التي لا نجدها عند قبر دلفين

يمكن للزائر أن يذهب إلى بلدة ري، وأن يبحث عن قبر دلفين ديلامار، وأن يقارن الشوارع بالأماكن التي وصفها فلوبير. وهذه رحلة ثقافية مشروعة وممتعة.

لكنها لن تمنحه المفتاح السري للرواية.

حتى لو عرفنا بدقة كل تفصيل من حياة دلفين، ستظل أمامنا إيما أخرى صنعتها اللغة. امرأة توجد في ترتيب الجمل، وفي المسافة بين صوت الراوي وصوت الشخصية، وفي انتقال السخرية من شخص إلى آخر، وفي الطريقة التي تتحول بها الأشياء الصغيرة إلى علامات على حياة لم تتحقق.

الواقع يستطيع أن يقدم للكاتب حادثة، لكنه لا يستطيع أن يكتب الرواية عنه.

وهذا هو الفرق الذي تضيع معه أحيانًا حكايات "القصة الحقيقية وراء الكتاب". نحن نحب العثور على شخص واقعي لأن ذلك يمنحنا شعورًا بأننا اكتشفنا السر، مع أن السر الحقيقي قد يكون في المسافة التي قطعها الكاتب بين الواقعة والنص.

فماذا بقي من السؤال الأول؟

كانت دلفين ديلامار امرأة حقيقية، ومن المعقول جدًا أن تكون سيرتها واحدة من المواد التي وصلت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى بناء عالم مدام بوفاري. لكن تحويلها إلى "إيما الحقيقية" يمحو جزءًا كبيرًا من عملية الخلق الأدبي ويعامل الرواية كما لو كانت تقريرًا صحفيًا أخفيت فيه الأسماء.

وفلوبير، الذي أنكر النقل الحرفي عن نموذج واحد، صنع شخصية بدت حقيقية إلى الحد الذي جعل القراء يحاولون إعادتها إلى امرأة من لحم ودم.

أما المحاكمة فتخبرنا بشيء آخر. لم يكن الخطر الذي رآه الادعاء في الرواية هو مجرد وجود الزنا أو الانتحار، بل الطريقة التي رفض بها فلوبير أن يحول الأدب إلى منبر يصدر الأحكام نيابة عن القارئ.

لقد برئ الكاتب، وبقيت المشكلة التي أقلقت المحكمة.

القارئ يدخل وعي إيما قبل أن يصدر حكمه عليها. يشعر بقوة ما تتخيله، ثم يرى الوهم وهو ينهار. لا يستطيع أن يحبها تمامًا، ولا أن يختصرها في كلمة واحدة، ولا أن يضع بينها وبينه المسافة المريحة التي كانت الرقابة الأخلاقية تفضلها.

وهكذا يبدو أن السؤال عن "إيما الحقيقية" يقود في النهاية إلى حقيقة أكثر أهمية: الأدب لا يحتاج إلى أن ينسخ إنسانًا حقيقيًا كي يصنع شخصية نشعر أننا عرفناها، وربما لا يحتاج إلى أن يخبرنا من المذنب كي يجعلنا نفكر في معنى الذنب.

ولو قرأت مدام بوفاري اليوم للمرة الأولى، فهل سترى إيما امرأة هزمتها أوهامها، أم امرأة كشف فشلها أوهام المجتمع الذي عاشت فيه أيضًا؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق