اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

مئة عام من العزلة: هل كانت ماكوندو مدينة حقيقية؟ ومن أين جاء ماركيز بهذا العالم؟

محطة قطار أراكاتاكا في كولومبيا، البلدة التي استلهم منها غابرييل غارسيا ماركيز جانبًا من عالم ماكوندو محطة قطار أراكاتاكا في كولومبيا، المدينة الحقيقية التي ارتبطت بذاكرة ماركيز وبنشأة عالم ماكوندو. الصورة: Daniel Mendez Moran / Wikimedia Commons، CC BY-SA 4.0، مع اقتصاص وعرض ملائمين للمقالة.
من بلدة على الساحل الكولومبي إلى قرية لا توجد على الخريطة: كيف أعاد ماركيز بناء طفولته حتى صارت مكانًا يتذكره ملايين القراء؟

إذا سافر قارئ "مئة عام من العزلة" إلى كولومبيا وبحث عن ماكوندو على الخريطة، فلن يجد المدينة التي أسسها خوسيه أركاديو بوينديا ولا البيوت التي عاشت فيها أجيال العائلة، ولن يعثر على المكان الذي صعدت منه ريميديوس الجميلة إلى السماء أو الشوارع التي اجتاحها وباء النسيان. ماكوندو، بالمعنى الذي نعرفه في الرواية، لم تكن مدينة حقيقية.

لكن الإجابة تصبح أقل بساطة عندما نعرف أن هناك بلدة حقيقية اسمها أراكاتاكا، وُلد فيها غابرييل غارسيا ماركيز وعاش سنوات طفولته الأولى، وأن هناك مزرعة موز حقيقية كان اسمها "ماكوندو"، وأن قطارًا حقيقيًا كان يمر في تلك المنطقة، وأن قصص الحروب وشركة الموز والإضرابات والأشباح والنبوءات التي تبدو في الرواية جزءًا من عالم أسطوري كانت لها جذور في ذاكرة المكان والعائلة والتاريخ الكولومبي.

الجواب المختصر هو: لا، ماكوندو ليست مدينة حقيقية يمكن مساواتها بأراكاتاكا، لكنها لم تُخلق من الفراغ. استعار ماركيز اسمها من مزرعة موز قرب بلدته، وبنى عالمها من أراكاتاكا وبيت جديه وذاكرة أسرته وتاريخ منطقة الموز والحروب الكولومبية، ثم أعاد تشكيل كل ذلك في الخيال حتى أصبحت ماكوندو أوسع من أي مكان واحد.

لهذا فإن السؤال الأكثر إثارة ليس: أين تقع ماكوندو؟ بل: ماذا يحدث للمكان الحقيقي عندما يدخل إلى الأدب؟


أراكاتاكا: المكان الذي كان موجودًا قبل الرواية

ولد غابرييل غارسيا ماركيز في أراكاتاكا، في منطقة ماغدالينا شمالي كولومبيا، سنة 1927. قضى جزءًا مهمًا من طفولته في بيت جديه لأمه، الكولونيل نيكولاس ماركيز وترانكيلينا إيغواران. وبالنسبة إلى الطفل الذي سيصبح روائيًا، لم يكن البيت مجرد سقف وغرف، بل كان مستودعًا من الأصوات والحكايات والذكريات والخوف.

كان الجد رجلًا يحمل ذاكرة الحرب والسياسة والتاريخ. شارك في حرب الألف يوم، وهي الحرب الأهلية الكولومبية التي دارت بين 1899 و1902، وكان يحدث حفيده عن الحرب والموت وما عاشه جيله. أما الجدة فكانت تنتمي إلى عالم آخر من الحكايات: الأشباح، والإشارات، والنذر، والأحداث الخارقة التي كانت ترويها كما لو أنها وقائع عادية لا تحتاج إلى تفسير.

بعد عقود، حين سُئل ماركيز عن النبرة التي استخدمها في "مئة عام من العزلة"، أعادها إلى الطريقة التي كانت جدته تحكي بها. لم تكن تغير تعبير وجهها عندما تروي أكثر الوقائع غرابة. الخارقة لم تكن عندها حدثًا يقتضي الصراخ أو الشرح؛ كانت جزءًا طبيعيًا من العالم.

هذه الملاحظة مهمة لأنها تساعدنا على فهم ماكوندو أكثر من تعريف سريع لمصطلح "الواقعية السحرية". فالسحر عند ماركيز لا يدخل إلى واقع عادي ثم يخرقه. الشخصيات تعيش أصلًا في ثقافة تستطيع فيها الذاكرة الشعبية والدين والخرافة والتاريخ والأسطورة أن تتجاور من غير الحدود الصارمة التي يريد العقل الحديث أن يضعها بينها.

ولهذا، حين تصعد امرأة إلى السماء وسط الملاءات، أو يعيش ميت في ذاكرة البيت كما لو أنه لم يغادره تمامًا، لا يتوقف السرد لكي يقنعنا بأن المعجزة ممكنة. إنه يمنحها النبرة نفسها التي يمنحها للطعام والحرب والمطر والزواج. وهذه الطريقة في جعل غير المألوف جزءًا من اليومي تشبه، من زاوية مختلفة، السؤال الذي ناقشناه في قراءة "الفيل الأزرق: أين ينتهي المرض النفسي وتبدأ الخرافة؟"، حيث تصبح الحدود بين ما نراه وما نؤمن به جزءًا من الحكاية نفسها، لا مجرد مسألة يجب حلها خارجها.

لكن من أين جاء اسم "ماكوندو" نفسه؟

هنا تصبح الحكاية أكثر إثارة، لأن الاسم لم يخترعه ماركيز.

في سيرته "عشت لأروي"، يستعيد الكاتب رحلة بالقطار في منطقة الموز، ويذكر مزرعة كان اسم "ماكوندو" مكتوبًا عند مدخلها. الكلمة لفتت انتباهه منذ رحلات طفولته مع جده، لكنه يقول إنه لم يعرف يومها معناها ولم يسأل عنه. ما جذبه لاحقًا كان وقعها الصوتي.

وتوجد اليوم وثيقة أكثر ملموسية من الذاكرة وحدها. فقد عرض مركز غابو في 2026 معلومات عن خريطة تعود إلى سنة 1928 لمنطقة مزارع الموز، تظهر فيها مزرعة باسم Macondo قرب نهر إشبيلية وعلى مسافة قصيرة بالقطار من أراكاتاكا. أي أن الاسم كان موجودًا في الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة قبل أن يتحول إلى واحد من أشهر أسماء الأماكن المتخيلة في الأدب.

هذه الحقيقة تمنعنا من الوقوع في تفسير رومانسي سهل يقول إن الكاتب جلس واخترع كلمة سحرية تناسب عالمه. الحقيقة أجمل لأنها أبسط: الكلمة كانت هناك. مر بها طفل في قطار، وبقي صوتها في ذاكرته، ثم احتاجت سنوات طويلة حتى تجد المكان الأدبي الذي تنتظره.

وقد حاول ماركيز نفسه لاحقًا أن يعرف أصل الكلمة. وجد تفسيرات مرتبطة باسم شجرة استوائية، وقرأ عن شعب الماكوندي في شرق أفريقيا، لكنه قال بوضوح إنه لم يستطع إثبات أصل نهائي للاسم. وهذه نقطة صغيرة لكنها مهمة في سلسلة "أسرار الأدب": ليس كل اسم مشهور يحمل سرًا واحدًا يمكن كشفه ثم إغلاق الملف. أحيانًا نعرف كيف وصل الاسم إلى الكاتب، لكننا لا نعرف على وجه اليقين التاريخ الأبعد للكلمة نفسها.

ما نستطيع إثباته هو أن ماركيز عرف اسم المزرعة وأنه استعمل "ماكوندو" قبل "مئة عام من العزلة". فالمدينة تظهر في أعمال أقدم، وأهمها "عاصفة الأوراق" التي نُشرت سنة 1955. وهذا يعني أن ماكوندو لم تُبنَ دفعة واحدة مع الرواية الشهيرة، بل كانت مشروعًا تخييليًا أخذ يتسع ويجمع سكانه وذاكرته قبل أن تصبح مسرحًا لعائلة بوينديا بأجيالها.

العودة التي جعلت ماركيز يرى طفولته للمرة الثانية

ثمة لحظة حاسمة في قصة ماكوندو لا تقع في طفولة ماركيز، بل بعد خروجه منها.

نحو سنة 1950 أو 1951 طلبت منه أمه أن يرافقها إلى أراكاتاكا لبيع بيت العائلة القديم. كان قد أصبح شابًا وابتعد سنوات عن البلدة. وعندما عاد إليها اكتشف شيئًا يعرفه كثير من الناس الذين يعودون إلى أمكنة الطفولة: المكان نفسه يمكن أن يكون مألوفًا وغريبًا في اللحظة ذاتها.

البيوت والشوارع والحر والسكك والأسماء لا تعود كما حفظها الطفل. الزمن يكون قد عمل فيها، لكنه يكون قد عمل أيضًا في الشخص الذي يعود إليها.

في مقابلة شهيرة مع مجلة The Paris Review قال ماركيز إن تلك العودة صدمته، وإنه أدرك أن الحياة التي عاشها في منطقة الكاريبي هي المادة التي يعرفها ويريد أن يكتب عنها. لم يكن الأمر اكتشاف بلدة جديدة، بل اكتشاف القيمة الأدبية لبلدة قديمة.

وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين أراكاتاكا وماكوندو.

لو كانت ماكوندو مجرد نسخة من أراكاتاكا، لكان عمل الكاتب قريبًا من تغيير الأسماء فقط. لكنه فعل العكس: أخذ تفاصيل يعرفها، ثم حررها من حدودها الجغرافية والزمنية.

أراكاتاكا لها تاريخ محدد وشوارع محددة وسكان يمكن إحصاؤهم. أما ماكوندو فتولد وتكبر وتدخلها التكنولوجيا والحرب ورأس المال الأجنبي والسكك الحديدية والمطر والنسيان، ثم تصل إلى نهايتها داخل نظام روائي خاص بها. إنها مكان له جذور واقعية، لكنه يعيش بقوانين الأدب.

يمكن تشبيه العملية بما يحدث عندما يستخدم عمل فني حادثة تاريخية حقيقية ثم يخلق داخلها شخصيات لم تعش أصلًا. ناقشنا هذه المسافة بين الوثيقة والخيال في مقالة "تيتانيك: هل كانت قصة جاك وروز حقيقية؟". الفارق أن ماركيز لم يضع شخصيات متخيلة داخل مكان تاريخي معروف فحسب، بل أعاد بناء المكان نفسه حتى صار من المستحيل فصله تمامًا إلى جزء حقيقي وجزء مصنوع.

ما الذي أخذه من أراكاتاكا فعلًا؟

أخذ منها أكثر من الطقس والنبات والبيوت.

أخذ أولًا بنية الذاكرة العائلية. أسماء آل بوينديا تتكرر عبر الأجيال، وكذلك الطباع والأخطاء والمصائر. هذا التكرار لا يعني أن أفراد العائلة نسخ متطابقة، بل يجعل القارئ يشعر بأن الأسرة لا تتقدم في خط مستقيم. الأبناء يظنون أنهم يبدأون من جديد، ثم يجدون أنفسهم أمام أشباح ما عاشه آباؤهم.

وفي بيت ماركيز نفسه كانت الحكايات العائلية تعيد الماضي باستمرار إلى الحاضر. الحرب لم تكن فصلًا انتهى في كتاب التاريخ؛ كان الجد قد عاشها. الموتى لم يكونوا مجرد أسماء قديمة؛ كانت الجدة تتحدث عن العالم الخفي كأنه قريب من البيت. وهكذا نشأ الطفل في بيئة كان الماضي فيها قادرًا على الدخول إلى الغرفة.

وأخذ من المنطقة أيضًا عالم شركة الموز. فقد شهد الساحل الكولومبي توسع شركة United Fruit Company، ودخلت زراعة الموز والسكك الحديدية والعمالة الأجنبية ورأس المال الخارجي في حياة المنطقة. ثم وقعت سنة 1928 مذبحة عمال الموز بعد إضراب شارك فيه عمال يطالبون بتحسين ظروفهم.

الرواية لا تنقل الواقعة كما ينقلها مؤرخ، ولا ينبغي أن نستخدم عدد الضحايا المذكور في العمل الأدبي بوصفه إحصاءً تاريخيًا. ما يهم هو الطريقة التي يحول بها ماركيز الحدث إلى سؤال عن الذاكرة. تقع المذبحة، ثم يأتي الإنكار، ثم يصبح من شهد الواقعة كأنه يتحدث عن حدث لا يريد المجتمع أو السلطة الاعتراف به.

وهنا يخرج المكان من كولومبيا وحدها. ماكوندو تصبح نموذجًا لمجتمعات يمكن أن يقع فيها حدث هائل ثم تبدأ معركة ثانية حول ما إذا كان قد وقع أصلًا. الجريمة تنتمي إلى التاريخ، لكن النسيان يصبح موضوعًا أدبيًا.

لهذا فإن وباء النسيان في الرواية، على الرغم من طبيعته المتخيلة، يبدو متصلًا بعمق بالعالم السياسي والتاريخي. تبدأ الأشياء بفقد أسمائها، ويحتاج الناس إلى كتابة أسماء الموجودات ووظائفها كي لا تضيع من الذاكرة. المشهد طريف في سطحه، لكنه يحمل خوفًا حقيقيًا: ماذا يبقى من العالم إذا فقدنا الكلمات التي تحفظه؟ وماذا يبقى من التاريخ إذا استطاع المجتمع أن ينسى ما حدث له؟

هذه العلاقة بين اللغة والذاكرة تظهر، في سياق مختلف تمامًا، في قراءة قصيدة "جدارية" لمحمود درويش، حيث تصبح الكتابة محاولة لمقاومة اختفاء الفرد. وفي "مئة عام من العزلة" تتسع المشكلة: ليست الذات وحدها مهددة بالمحو، بل العائلة والمدينة والتاريخ.

ماكوندو ليست أراكاتاكا متنكرة

من السهل بعد معرفة هذه التفاصيل أن نقع في الخطأ المعاكس ونبدأ بمطابقة كل عنصر في الرواية مع شخص أو حادثة من حياة ماركيز. هذا النوع من القراءة مغرٍ لأنه يمنحنا إحساسًا بأننا اكتشفنا الشفرة: الجد الحقيقي يساوي هذه الشخصية، والجدة تساوي تلك، والبيت الحقيقي يساوي بيت بوينديا، وأراكاتاكا تساوي ماكوندو.

لكن الأدب لا يعمل بهذه النظافة الحسابية.

ماركيز استخدم الناس الذين عرفهم، والحكايات التي سمعها، والوقائع التي عاشها أو ورث ذكراها، لكنه مزجها وأعاد ترتيبها وغيّر وظائفها. الشخصية الروائية قد تحمل تفصيلًا من قريب، ونبرة من شخص آخر، وحادثة من التاريخ، ثم تصبح في النهاية كائنًا لا يطابق أي واحد منهم.

الأمر نفسه ينطبق على المكان.

في بداية "مئة عام من العزلة" تبدو ماكوندو كأنها في أول العالم. الأشياء لم تستقر أسماؤها بعد، والقرية معزولة نسبيًا، والاختراعات تصل إليها كالعجائب. ثم تبدأ المدينة في الانفتاح على الخارج. تدخل السياسة. تأتي الحروب. تصل السكك الحديدية. تدخل شركة الموز. تتسع العلاقات ثم تتفكك. وما بدأ كأنه فردوس صغير خارج التاريخ يصبح مكانًا يستهلكه التاريخ.

أراكاتاكا ألهمت هذه الحركة، لكنها لا تختصرها.

ولعل أقوى دليل على نجاح التحول أن قراء من بلدان لم يسمعوا بأراكاتاكا قبل قراءة ماركيز استطاعوا أن يشعروا بأنهم يعرفون ماكوندو. كل قارئ يجد فيها شيئًا من بلدته، وعائلته، وتاريخ بلاده، وطريقة مجتمعه في تذكر الماضي أو دفنه.

المكان الأدبي ينجح حين يتوقف عن كونه ملكًا للجغرافيا التي أنجبته.

هل الواقعية السحرية تعني أن ماركيز اخترع عالمًا غير واقعي؟

ليست هذه أفضل طريقة لفهمه.

في خطابه عند تسلمه جائزة نوبل للآداب سنة 1982، "عزلة أمريكا اللاتينية"، استعاد ماركيز أخبارًا تاريخية عن القارة بدت، وهي وقائع سجلها مؤرخون ورحالة، أقرب إلى الخيال. كان يريد أن يقول شيئًا أساسيًا عن العلاقة بين الواقع والطريقة التي يُرى بها: تاريخ أمريكا اللاتينية نفسه امتلأ بالعنف والمبالغات والمشاهد التي قد تبدو غير معقولة لمن يقيسها بخبرة أخرى.

بهذا المعنى، لا تعمل "مئة عام من العزلة" على الهرب من الواقع، وإنما على رفض تعريف ضيق له.

هناك وقائع يمكن التحقق منها بالوثائق، وهناك قصص عائلية لا نعرف أين ينتهي فيها التذكر وتبدأ المبالغة، وهناك معتقدات يعيش أصحابها آثارها كما لو كانت حقائق، وهناك تاريخ رسمي قد ينكر ما تحتفظ به الذاكرة الشعبية.

ماركيز لا يضع كل هذه المستويات في مرتبة معرفية واحدة. لكنه يسمح لها بأن تجتمع داخل الرواية.

وحين تحكي الجدة عن شيء خارق بوجه لا يتغير، يتعلم الحفيد درسًا سرديًا: إذا أراد الكاتب أن يجعل القارئ يصدق المستحيل داخل الحكاية، فلا ينبغي له أن يصرخ كلما حدث المستحيل.

قال ماركيز في مقابلته مع The Paris Review إنه حاول في مسودات مبكرة أن يكتب المادة من غير أن يؤمن بها فنيًا، ولم تنجح. وحين وجد نبرة جدته، صار العالم ممكنًا. ليس لأن القارئ اقتنع علميًا بأن امرأة تستطيع الصعود إلى السماء، بل لأن السرد لم يعامل الحدث كاستعراض منفصل عن بقية الحياة.

هذه إحدى الحيل الكبرى في ماكوندو: الحدث الخارق لا يقتل الواقع، بل قد يجعلنا ننظر إليه من جديد.

حين حاول المكان الحقيقي أن يحمل اسم المكان المتخيل

بعد أن أصبحت "مئة عام من العزلة" أشهر بكثير من البلدة التي ساعدت على ولادتها، وقع أمر يكاد يبدو من اختراع ماركيز نفسه.

في سنة 2006 طُرحت في أراكاتاكا فكرة إضافة اسم ماكوندو إلى اسم البلدية، لتصبح "أراكاتاكا-ماكوندو"، ضمن محاولة للاستفادة من الشهرة الأدبية وجذب الزوار. أُجريت مشاورة شعبية، لكن عدد المشاركين لم يبلغ الحد المطلوب قانونيًا لاعتماد النتيجة، فسقط الاقتراح بسبب ضعف الإقبال.

المفارقة لافتة.

بلدة حقيقية ألهمت بلدة خيالية، ثم أصبحت البلدة الخيالية أشهر من أصلها، ثم فكرت البلدة الحقيقية في استعارة اسم ابنتها الأدبية.

هنا تنقلب العلاقة بين الواقع والخيال. في البداية يأخذ الكاتب من المكان، وبعد نجاح الكتاب يبدأ المكان نفسه في أخذ شيء من الرواية. يأتي السياح بحثًا عن بيت بوينديا في بيت ماركيز، ويتأملون محطة القطار لأنهم قرأوا عن قطارات ماكوندو، وينظرون إلى الشوارع بعين صنعها كتاب.

الأدب لا يغير ما نتخيله فقط. أحيانًا يغير الطريقة التي ننظر بها إلى الأماكن الموجودة فعلًا.

لماذا احتاج ماركيز إلى اختراع مدينة بدل أن يكتب أراكاتاكا؟

لأن الاسم الحقيقي يحمل قيودًا.

لو سماها أراكاتاكا، لتوقع القارئ أن يحاسب الرواية على خرائط البلدة وتواريخها وسكانها. كان سيبدأ بالسؤال: هل وقع هذا هنا؟ هل عاش ذلك الشخص فعلًا؟ هل هذه الحادثة موثقة؟

أما ماكوندو فتعطي الكاتب حرية مختلفة. يستطيع أن يأخذ من التاريخ من دون أن يصبح مؤرخًا، وأن يأخذ من أسرته من دون أن يكتب سيرة، وأن يستخدم أراكاتاكا من دون أن يقدم دليلًا سياحيًا إليها.

الاختراع، في هذه الحالة، ليس نقيض الحقيقة. إنه وسيلة للوصول إلى نوع آخر منها.

حين نقرأ عن عائلة تكرر أسماءها وأخطاءها، لسنا مطالبين بالبحث عن سجل مدني يثبت وجود آل بوينديا. ما يهم هو خبرتنا نحن مع العائلات التي تورث أبناءها ما لم تستطع حله. وحين نقرأ عن مدينة تنسى مذبحة، لسنا أمام تقرير أرشيفي، بل أمام صورة مكثفة للكيفية التي تستطيع بها المجتمعات محو ماضيها. وحين يدور الزمن حتى تكاد الأجيال تعيش القصص نفسها، فإن الرواية لا تطالبنا بالإيمان بزمن سحري حرفيًا، بل تجعل التكرار التاريخي محسوسًا.

لهذا يصبح المكان الذي لم يوجد على الخريطة أكثر قدرة أحيانًا على قول شيء عن الأماكن الموجودة عليها.

من القرية إلى القارة: لماذا اتسعت ماكوندو أكثر من مصدرها؟

حين نعرف سيرة ماركيز قد نقرأ ماكوندو بوصفها استعادة لطفولة ضائعة. وهذا صحيح جزئيًا، لكنه لا يكفي.

المدينة تمر بمراحل تشبه تاريخًا كاملًا: التأسيس والعزلة، اكتشاف الخارج، دخول الدولة، الحرب الأهلية، التطور التقني، رأس المال الأجنبي، الصراع العمالي، العنف، الإنكار، الانحلال ثم المحو.

لهذا قرأ كثيرون ماكوندو بوصفها صورة مكثفة لأمريكا اللاتينية، لا بمعنى أن كل دولة في القارة مرت بالتفاصيل نفسها، بل لأن الرواية تجمع خبرات تكررت في تاريخ المنطقة: الاستعمار، الحروب الداخلية، تدخل القوى الاقتصادية الأجنبية، هشاشة المؤسسات، عدم المساواة، التوتر بين التحديث والتقاليد، والصراع على من يملك حق رواية الماضي.

لكن تحويل ماكوندو إلى "رمز لأمريكا اللاتينية" وحده قد يظلمها أيضًا. فالمدينة ليست معادلة سياسية كبيرة متنكرة في هيئة رواية. فيها الحب والرغبة والغيرة والفضول العلمي والحمق والطبخ والانتظار والجنس والموت والعلاقات بين الآباء والأبناء. إنها مجتمع لأن الناس يعيشون فيها، لا لأنها رسم بياني للتاريخ.

وهذا ما يحمي الرواية من أن تصبح درسًا تاريخيًا مكتوبًا بأسلوب مزخرف.

الزمن السياسي يمر من خلال أجساد البشر وحياتهم اليومية. الحرب لا تظهر كخبر فقط، بل تغير الأشخاص. شركة الموز لا تظهر كموضوع اقتصادي فقط، بل تغير شكل المدينة. النسيان ليس فكرة فلسفية فقط، بل يبدأ حين لا يعود المرء قادرًا على تسمية الشيء أمامه.

بهذه الطريقة يتحول التاريخ إلى تجربة بشرية.

سر ماكوندو ليس في العثور عليها

يمكن اليوم أن نذهب إلى أراكاتاكا. يمكن أن نزور البيت المرتبط بطفولة ماركيز، ونرى محطة القطار، ونتتبع آثار منطقة الموز، ونبحث في الخرائط القديمة عن المزرعة التي حملت اسم ماكوندو.

كل ذلك حقيقي ومفيد.

لكنه لن يجعلنا نمشي في ماكوندو التي قرأنا عنها.

لأن المدينة الأدبية لم تعد موجودة في مصدر واحد. أخذ ماركيز من طفولته، ومن جديه، ومن الحروب، ومن العمال، ومن الشائعات، ومن المعتقدات، ومن الصحافة، ومن الكتب التي قرأها، ومن ذكريات أناس آخرين، ثم صنع مكانًا يستطيع أن يحتوي الأشياء المتناقضة كلها.

ربما لهذا كان السؤال "هل ماكوندو حقيقية؟" أكثر ثراء مما يبدو.

إذا كان المقصود: هل توجد مدينة في كولومبيا اسمها ماكوندو تطابق المدينة في الرواية؟ فالجواب لا.

وإذا كان المقصود: هل اخترع ماركيز كل شيء من لا شيء؟ فالجواب أيضًا لا.

بين الإجابتين تقع المنطقة التي يصنع فيها الأدب عوالمه.

الواقع يقدم اسمًا على بوابة مزرعة، وبيتًا يسكنه الجد والجدة، وقطارًا، وشركة موز، وحربًا، ومذبحة، وشوارع حارة، وحكايات عن الموتى. ثم تأتي الذاكرة فتغير الأحجام، وتخلط الأزمنة، وتحذف ما لا تحتاج إليه، وتحتفظ بتفصيل صغير لا يعرف صاحبه لماذا بقي. وبعد ذلك يأتي الخيال ويعيد ترتيب الجميع.

فتولد ماكوندو.

ولهذا لا تبدو أراكاتاكا أقل أهمية عندما نقول إنها ليست ماكوندو. على العكس، تصبح أكثر إثارة. إنها مثال على أن الأماكن التي تصنع الأدب لا تنتقل إلى الكتب كما هي. الكاتب لا يحمل المدينة إلى الصفحة؛ يحمل ما بقي منها فيه.

وماركيز لم يحفظ أراكاتاكا بوضعها في زجاجة أدبية. لقد سمح لها بأن تتغير حتى لم تعد تخصه وحده.

اليوم يعرف ملايين القراء ماكوندو من دون أن يزوروا كولومبيا. لكل منهم صورة مختلفة لشوارعها وبيوتها وحرها ومطرها وأشجارها. المدينة الواحدة أصبحت آلاف المدن في خيال القراء.

وربما يكون هذا هو التحول الأغرب في قصتها: بدأت باسم حقيقي كُتب على بوابة مزرعة، وانتهت مكانًا لا يحتاج إلى خريطة كي يكون موجودًا.

لو زرت أراكاتاكا يومًا بعد قراءة "مئة عام من العزلة"، هل ستبحث عن البلدة الحقيقية كما هي، أم ستجد نفسك رغمًا عنك تبحث في شوارعها عن ماكوندو التي صنعها ماركيز في خيالك؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق