اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

بيتر بان: من كان الطفل الحقيقي وراء الشخصية التي رفضت أن تكبر؟

طفل يقف في حديقة لندنية بينما تتشكل في السماء صور أطفال وظل فتى طائر في إشارة إلى مصادر شخصية بيتر بان
صورة توضيحية أصلية تستعيد تعدد الذكريات والأطفال الذين أسهموا في تشكل شخصية بيتر بان.

لم يكن هناك بيتر واحد: كيف صنع ج. م. باري طفلًا من خمسة أطفال ومن ذاكرته الخاصة؟

من كان بيتر بان الحقيقي؟ يبدو السؤال بسيطًا، وتبدو الإجابة الجاهزة أبسط: كان طفلًا اسمه بيتر ليويلين ديفيز، عرفه الكاتب الاسكتلندي ج. م. باري في لندن، فأخذ اسمه وحوّله إلى الصبي الذي رفض أن يكبر.

لكن هذه الإجابة، على سهولتها، ليست صحيحة إلا في جزء صغير منها.

كان هناك فعلًا طفل اسمه بيتر ليويلين ديفيز. وكان واحدًا من خمسة إخوة ارتبط بهم باري ارتباطًا عميقًا. واسمه دخل بلا شك في تاريخ الشخصية. لكن الأدلة التي تركها الكاتب نفسه، وما بقي من صور ورسائل ووثائق عائلة ليويلين ديفيز، تجعل البحث عن "الطفل الحقيقي وراء بيتر بان" أكثر تعقيدًا وإثارة من العثور على اسم واحد.

الجواب الأقرب إلى الوثائق هو أن بيتر بان لم يُبنَ على طفل واحد. الاسم ارتبط ببيتر ليويلين ديفيز، لكن الشخصية تشكلت من الإخوة الخمسة: جورج وجون وبيتر ومايكل ونيكولاس، ومن الألعاب والقصص التي صنعها باري معهم، ثم اختلط كل ذلك بذكريات أقدم في حياة الكاتب نفسه عن الطفولة والفقد والخوف من مرور الزمن.

والأغرب أن باري نفسه حاول أن يقول هذا بوضوح. فعندما نشر نص المسرحية بعد سنوات طويلة من نجاحها، أهداها إلى الإخوة الخمسة، وشرح أن بيتر كان، في نظره، شرارة خرجت من جمعهم معًا. أي أن السؤال الذي نطرحه اليوم بصيغة "من كان بيتر بان الحقيقي؟" يفترض أصلًا فرديًا للشخصية، بينما صانعها كان يصف عملية مختلفة تمامًا: طفل أدبي وُلد من ذاكرة جماعية.


قبل بيتر بان كان هناك أطفال يلعبون في حدائق لندن

في أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر كان جيمس ماثيو باري كاتبًا معروفًا يعيش في لندن، ويقضي وقتًا في حدائق كنسينغتون. هناك بدأت علاقته بعائلة ليويلين ديفيز، وبالأخص أطفالها.

كان الأب آرثر ليويلين ديفيز محاميًا، وكانت الأم سيلفيا من عائلة دو مورييه المعروفة فنيًا وأدبيًا. أنجب الزوجان خمسة أبناء: جورج، وجون الذي كان يُدعى جاك، وبيتر، ومايكل، ونيكولاس المعروف باسم نيكو.

لم يكن باري يجلس إليهم بوصفه مؤلفًا يجمع "مادة" لكتابه القادم. كان يدخل ألعابهم، ويخترع معهم المغامرات، ويروي القصص، ثم يسمح للقصص بأن تتغير حين يعيدها الأطفال إليه. وفي هذه النقطة يصبح أصل بيتر بان مهمًا أدبيًا، لا سيريًا فقط.

فالطفل المتخيل لم ينتقل ببساطة من الواقع إلى الورق. لم ير باري طفلًا اسمه بيتر وقال: هذا هو بطلي. ما حدث أقرب إلى صناعة طويلة شارك فيها اللعب والتذكر والارتجال.

قبل ظهور بيتر بان المعروف اليوم، صنع باري سنة 1901 كتابًا بالغ الندرة بعنوان The Boy Castaways of Black Lake Island، جمع فيه صورًا ومغامرات تمثيلية صنعها مع أطفال ليويلين ديفيز. طُبعت منه نسخ قليلة للغاية للاستخدام الخاص، لكنه مهم لأنه يتيح لنا أن نرى عالم اللعب الذي سبق المسرحية: جزر، ومغامرات، وأطفال يتصرفون كأن الخيال مكان يمكن الدخول إليه والخروج منه.

لم تكن نيفرلاند قد اكتملت بعد، ولا الكابتن هوك، ولا ويندي بالصورة التي ستعرفها الأجيال. لكن المادة التي سيصنع منها العالم كانت تتحرك بالفعل.

فهل كان بيتر ليويلين ديفيز هو بيتر بان؟

هنا يجب الفصل بين ثلاثة أشياء كثيرًا ما تُخلط: الاسم، والإلهام، والشخصية النهائية.

بيتر ليويلين ديفيز، المولود سنة 1897، أعطى الشخصية جزءًا واضحًا من اسمها، ولهذا كان من السهل على الصحافة والجمهور لاحقًا أن يلصقا به لقب "بيتر بان الحقيقي". وإذا كان القارئ يبحث عن الطفل الذي منح البطل اسمه، فإن بيتر ديفيز يقف في مركز الإجابة.

أما إذا كان السؤال: هل أخذ باري شخصية بيتر، ومزاجه، وطريقته في التفكير، ورفضه للنمو، من هذا الطفل تحديدًا؟ فالإجابة تصبح: لا.

الدليل الأقوى يأتي من باري نفسه.

عندما نُشر نص مسرحية Peter Pan, or The Boy Who Wouldn't Grow Up سنة 1928، وضع باري في مقدمته إهداء طويلًا سماه "إلى الخمسة". لم يختر بيتر وحده. أعاد الشخصية إلى الإخوة جميعًا، وقال، في واحدة من أكثر العبارات دلالة على طريقته في الخلق، إنه صنع بيتر من احتكاك الخمسة بعضهم ببعض حتى خرجت الشرارة.

هذه الشهادة تقلب الرواية الشائعة رأسًا على عقب.

فبيتر ليويلين ديفيز كان جزءًا من أصل بيتر بان، لكنه لم يكن نموذجًا بشريًا نسخ عنه باري الشخصية. وحتى اختيار اسم "بيتر" لا يمنح صاحبه ملكية كل الصفات التي أصبحت مرتبطة بالبطل.

والمسألة تشبه، من هذه الناحية، ما يحدث عندما نحاول العثور على شخص واحد خلف شخصية أدبية مركبة. في مقالة أليس في بلاد العجائب: من كانت أليس الحقيقية التي ألهمت لويس كارول؟ نجد طفلة تاريخية يمكن تحديدها بالاسم والصورة، لكن المسافة تظل كبيرة بين الإنسان الواقعي والشخصية التي تعيش داخل النص. الأدب يأخذ من الواقع، لكنه لا يحتفظ بحدوده.

خمسة أطفال داخل طفل واحد

إذا لم يكن بيتر ديفيز وحده هو الأصل، فأي الإخوة كان الأقرب إلى الشخصية؟

من الممكن العثور في كتب السيرة والدراسات على محاولات لتوزيع عناصر بيتر بان بين الإخوة. كان جورج الأكبر حاضرًا في سنوات اللعب الأولى، وكان مايكل ذا مكانة خاصة جدًا لدى باري، بينما منح بيتر الشخصية الاسم الذي التصق بها إلى الأبد. لكن البحث عن معادلة من نوع "الاسم من هذا، والشجاعة من ذاك، والخيال من ثالث" قد يمنحنا يقينًا أكبر مما تسمح به الأدلة.

الأهم أن باري لم يتذكر الخلق بهذه الطريقة الميكانيكية.

في الألعاب التي مارسها معهم لم يكن الأطفال ممثلين ينفذون نصًا محفوظًا. كانوا يقترحون ويعترضون ويغيرون القصص. وما بدأ حكاية يمكن أن يتحول في المرة التالية إلى شيء آخر. الطفل يسمع القصة من الرجل البالغ، ثم يعيدها بطريقته، ثم يستعيدها الراوي وقد دخلت فيها إضافات جديدة.

ومن هنا جاء شيء أساسي في شخصية بيتر: صعوبة تثبيته.

إنه قائد الأطفال، لكنه يتصرف أحيانًا بأنانية طفل صغير. شجاع، لكنه سريع النسيان. يريد الآخرين حوله، لكنه لا يستطيع أن يحافظ على العلاقات بالطريقة التي يحافظ بها عليها الإنسان الذي يقبل الزمن. يستدعي ويندي إلى نيفرلاند، لكنه لا يستطيع في النهاية أن يشاركها عملية النمو نفسها.

ليس هذا بورتريه لطفل إدواردي بعينه. إنه تركيب أدبي استخرج من الطفولة عددًا من تناقضاتها، ثم دفعها إلى أقصاها.

الشخصية كانت موجودة قبل المسرحية التي نعرفها

هناك سبب آخر يجعل سؤال "الطفل الحقيقي" مضللًا إذا بحثنا عن تطابق مباشر: بيتر بان نفسه لم يولد مرة واحدة.

ظهر الاسم والشخصية في كتاب باري The Little White Bird سنة 1902. وهذه النسخة المبكرة من بيتر ليست تمامًا الفتى الذي سيطير لاحقًا إلى غرفة ويندي دارلينغ.

بيتر المبكر أقرب إلى كائن حدودي بين عالم الرضع والطيور والجنيات. هو طفل غادر عالم البشر ودخل فضاء حدائق كنسينغتون، وتحيط به فكرة غريبة عن الإنسان في اللحظة السابقة على استقراره الكامل في العالم الاجتماعي.

ثم انتقل بيتر إلى المسرح.

في 27 ديسمبر 1904 عُرضت مسرحية Peter Pan, or The Boy Who Wouldn't Grow Up في لندن، وهناك اقتربت الشخصية من الصورة التي استقرت في الذاكرة الثقافية: نيفرلاند، ويندي، الأولاد الضائعون، القراصنة، الكابتن هوك، التمساح، والطيران بوصفه إعلانًا متكررًا عن إمكان الهرب من القواعد.

وفي سنة 1906 جُمعت الفصول المتعلقة ببيتر من The Little White Bird في كتاب مستقل هو Peter Pan in Kensington Gardens. ثم جاءت سنة 1911 برواية Peter and Wendy، وهي النسخة النثرية التي أصبحت من أهم الطرق التي وصل بها عالم بيتر إلى القراء.

هذه الرحلة مهمة لأن الشخصية نفسها كانت تنمو عبر النصوص، على الرغم من أنها تقوم على رفض النمو داخل الحكاية.

بيتر الذي "لا يكبر" لم يتوقف مؤلفه عن تغييره.

وهذه مفارقة جميلة في تاريخ العمل: الثبات هو موضوع الشخصية، لكن التحول هو تاريخها.

قبل أطفال ليويلين ديفيز: شبح طفل آخر في حياة باري

ومع ذلك، فإن الإخوة الخمسة لا يفسرون كل شيء.

قبل أن يعرفهم باري بسنوات طويلة، وقعت في أسرته حادثة بقيت جزءًا من سيرته ومن محاولات فهم علاقته بفكرة الطفولة التي لا تنتهي.

كان لجيمس أخ أكبر يدعى ديفيد، وكان مقرّبًا جدًا من أمهما مارغريت. مات ديفيد في حادث تزلج وهو لا يزال فتى. ترك موته أثرًا عميقًا في الأسرة، ولا سيما في الأم التي دخلت في حزن قاسٍ.

هنا ظهرت لاحقًا قراءة مغرية: ديفيد مات فظل، في ذاكرة أمه، فتى لا يكبر؛ وبعد عقود خلق أخوه شخصية أشهر صفة فيها أنها لن تكبر أبدًا.

الرابط قوي، لكنه يحتاج إلى حذر.

لا توجد وثيقة بسيطة تقول إن باري جلس وقرر كتابة بيتر بان لأنه أراد إعادة أخيه الميت إلى الحياة في صورة فتى طائر. تحويل هذه الصلة إلى سبب وحيد يعني اختزال عملية أدبية طويلة إلى حادثة نفسية واحدة.

لكن تجاهلها أيضًا غير مقنع.

فالفقد في عالم بيتر بان ليس هامشًا صغيرًا. الطفولة فيه جميلة بقدر ما هي مهددة. البقاء طفلًا إلى الأبد يبدو حلمًا عندما ننظر إليه من بعيد، لكنه يكتسب وجهًا أكثر قسوة عندما نقترب: لكي لا تكبر يجب، بمعنى ما، ألا تدخل الزمن الذي يدخل فيه الآخرون.

وهنا يتحول حلم الطفولة الأبدية إلى مشكلة.

هل رفض بيتر بان أن يكبر لأن باري كان يخاف من الكبر؟

من أكثر الصور انتشارًا عن باري أنه كان هو نفسه "طفلًا لم يكبر". وقد شجعت شخصية بيتر القراء على إعادة النظر في حياة مؤلفها من خلالها، حتى نشأ لاحقًا التعبير الشعبي "متلازمة بيتر بان" لوصف بالغ يرفض تحمل مسؤوليات النضج.

لكن قراءة الأدب بهذه الطريقة قد تصبح فخًا. المؤلف ليس شخصيته، والشخصية ليست تقريرًا طبيًا عن المؤلف.

ما نستطيع قوله بثقة أكبر هو أن باري كان مشغولًا بالحد الفاصل بين عالم الطفل وعالم البالغ. الطفل في كتاباته لا يظهر مجرد نسخة ناقصة من الإنسان الكبير. له منطقه، ونسيانه، وألعابه، وطريقته في التعامل مع الواقع والخيال.

ومن هنا تبدو جملة "الطفل الذي لا يريد أن يكبر" أقل بساطة مما توحي به.

فالإنسان البالغ يتخيل عادة أن رفض النمو يعني الاحتفاظ بالحرية: لا وظيفة، لا التزامات، لا شيخوخة، لا قوانين ثقيلة. لكن باري جعل الثمن ظاهرًا أيضًا.

ويندي تستطيع أن تتذكر.

بيتر ينسى.

ويندي تستطيع أن تنتقل من مرحلة إلى أخرى.

بيتر يعود ليجد أن الآخرين تغيروا.

ويندي تخسر الطفولة لكنها تكسب تاريخًا شخصيًا.

أما بيتر فيربح الطفولة إلى الأبد ويخسر القدرة على بناء حياة تمتد عبر الزمن.

لهذا لا تبدو نيفرلاند، عند القراءة المتأنية، جنة كاملة للأطفال. إنها أيضًا مكان خارج التاريخ.

النسيان هو الثمن الخفي للطفولة الأبدية

واحدة من أكثر خصائص بيتر إزعاجًا هي قدرته على النسيان.

إنه يعيش في اللحظة بقوة، لكن الأشخاص والأحداث يمكن أن تتراجع في ذاكرته بسرعة. وهذه الصفة ليست تفصيلًا كوميديًا عابرًا. إنها جزء من بنية الشخصية.

نحن نميل إلى تصور الذاكرة بوصفها مخزنًا نحمل فيه طفولتنا معنا. الإنسان يكبر، لكن الطفل الذي كانه لا يختفي تمامًا لأنه يبقى في الذاكرة. أما بيتر فيحاول تحقيق المستحيل بطريقة أخرى: بدل أن يكبر ويحمل طفولته داخله، يبقى طفلًا ويفقد أجزاء من ماضيه.

وهكذا تنقلب المعادلة.

الذين يكبرون يخسرون الزمن القديم لكنهم يتذكرونه.

والذي لا يكبر يحتفظ بعمره لكنه يعجز عن الاحتفاظ بكل من عبروا حياته.

بهذا المعنى، ليست مأساة بيتر أنه سيصبح عجوزًا. مأساته أنه لن يصبح كذلك.

إنه خارج القصة البشرية العادية التي تجعل الطفل شابًا، والشاب أبًا أو أمًا، ثم تجعل جيلًا ينظر إلى الجيل التالي ويتعرف فيه إلى شيء من نفسه.

وهذا يفسر لماذا تصبح ويندي أكثر أهمية من مجرد الفتاة التي ترافقه إلى نيفرلاند. إنها تمثل الزمن الذي يحاول هو رفضه. تستطيع أن تتخيل وتطير، لكنها تستطيع أيضًا العودة.

الأم التي يبحث عنها الأطفال في عالم بلا آباء

يأخذ بيتر ويندي إلى نيفرلاند لأسباب تختلط فيها الصداقة بالحاجة إلى أم للأولاد الضائعين. وقد تبدو الفكرة اليوم شديدة الارتباط بتصورات العصر الإدواردي عن دور المرأة والأسرة، وهي كذلك فعلًا. لكن داخل بنية الحكاية تؤدي وظيفة أعمق.

نيفِرلاند مكان رائع لأنه بلا رقابة الكبار، لكنه ناقص للسبب نفسه.

الأولاد يريدون المغامرة، ثم يحتاجون إلى القصص قبل النوم.

يريدون التحرر من البيت، ثم يعيدون بناء صورة للبيت.

يرفض بيتر العالم الذي تأتي منه ويندي، لكنه يستدعي منه وظيفة الأمومة إلى عالمه.

هذه المفارقة تربط الخيال بسيرة باري من غير أن تجعل السيرة تفسيرًا وحيدًا للنص. فقد عرف الكاتب فقدانًا مبكرًا، ثم أصبحت علاقته بأسرة ليويلين ديفيز أكثر عمقًا مع مرض الوالدين وموتهما، وصار بعد ذلك واحدًا ممن تحملوا مسؤولية رعاية الأبناء.

الحياة التي صنعت لعبة عن أطفال بلا كبار انتهت بأن وضعت الكاتب نفسه أمام مسؤولية الكبار.

وهذه واحدة من المفارقات التي تجعل البحث في أصل بيتر بان أكبر من سؤال فضولي عن اسم طفل.

لماذا نريد دائمًا العثور على "الشخص الحقيقي"؟

هناك إغراء خاص في القصص التي تعدنا بكشف الأصل الواقعي لشخصية أدبية.

من كان شيرلوك هولمز الحقيقي؟ من كانت أليس؟ من ألهم هذه المرأة أو ذلك البطل؟

السبب مفهوم. الشخصية التي تبدو مكتملة إلى درجة أنها تكاد تمشي خارج الكتاب تجعلنا نتصور أن إنسانًا حقيقيًا لا بد أن يكون واقفًا خلفها.

لكن بعض الشخصيات الكبيرة تنشأ بالطريقة المعاكسة تقريبًا: قوتها تأتي من أنها لا تطابق أحدًا تمامًا.

وقد رأينا في قصة شيرلوك هولمز وعلاقته بالدكتور جوزيف بيل كيف يمكن لشخص حقيقي أن يمنح الكاتب طريقة ملاحظة أو سمة أساسية من دون أن يتحول البطل الأدبي إلى نسخة مطابقة له. الأمر أشد تركيبًا مع بيتر بان، لأن باري نفسه رفض حصر الشرارة في واحد من الأطفال.

والأقرب إليه داخل عنقود "أسرار الأدب" ربما يكون السؤال عن الوردة في الأمير الصغير وعلاقتها بكونسويلو: الواقع حاضر بقوة، لكن العمل الأدبي يعيد صنع ما يأخذه حتى يصبح الرمز أوسع من الشخص الذي شارك في إشعاله.

ولهذا فإن قولنا إن بيتر ديفيز "هو بيتر بان" يفعل شيئًا غير عادل للطرفين.

يختزل إنسانًا حقيقيًا عاش حياة كاملة إلى شخصية روائية.

ويختزل شخصية روائية مركبة إلى سيرة فرد واحد.

الرجل الذي حمل اسم بيتر بان لم يكن سعيدًا دائمًا باللقب

هناك جانب إنساني آخر غالبًا ما تضيع ملامحه حين تتحول قصة الإلهام إلى حكاية لطيفة.

بيتر ليويلين ديفيز لم يبق طفلًا.

كبر، وخدم خلال الحرب العالمية الأولى، وعمل في النشر، وصار رجلًا له حياته وذكرياته ومشكلاته. لكن اسم الشخصية ظل يطارده في المجال العام لأن الجمهور والصحافة وجدا في تطابق الاسم قصة سهلة.

وهنا تظهر مفارقة مؤلمة لا يستطيع الخيال نفسه اختراعها بسهولة: الرجل الواقعي الذي اقترن اسمه بأشهر طفل لا يكبر، كبر فعلًا.

أي أن التاريخ فصل بينهما في الاتجاه الذي يرفضه النص.

بيتر بان بقي في العمر الذي أراده له باري.

أما بيتر ديفيز فاضطر إلى المرور بما يمر به البشر: الحرب والعمل والفقد والعلاقات وعبء الماضي.

حين نطلق على شخص حقيقي لقب "بيتر بان الحقيقي" تبدو العبارة بريئة، لكنها تسلبه شيئًا من استقلاله. تجعله تابعًا لصورة صنعها شخص آخر، وتدفع حياته كلها إلى هامش الحكاية التي اشتهرت باسمه.

وهذا درس يتكرر كلما بحثنا عن إنسان حقيقي وراء شخصية أدبية: المعرفة بالسيرة قد تضيء النص، لكنها قد تظلم الإنسان إذا لم نترك له حقه في أن يكون أكثر من مادة خام للأدب.

حتى كلمة "الإلهام" تحتاج إلى مراجعة

نقول عادة إن كاتبًا "استلهم" شخصية من شخص حقيقي، وكأن العملية سهم يتحرك في اتجاه واحد: إنسان موجود أولًا، ثم يراقبه المؤلف، ثم يصنع نسخة معدلة منه.

قصة بيتر بان تقترح نموذجًا آخر.

هناك أطفال حقيقيون.

وهناك رجل بالغ يدخل ألعابهم.

وهناك حكايات يقولها لهم، ثم يعيدونها إليه بعد أن يغيروها.

وهناك ذكريات طفولة أقدم يحملها الرجل نفسه.

وهناك أخ مات صغيرًا، وأم عاشت الحزن، وحدائق لندنية، وقصص جنيات، وإشارات أسطورية، ثم خشبة مسرح تفرض قوانينها الخاصة.

من هذا كله خرج بيتر.

ليس صورة فوتوغرافية لطفل واحد، بل نقطة التقاء.

ولعل هذا يفسر قدرة الشخصية على تجاوز زمنها. لو كان بيتر مجرد صورة مقنّعة لفتى إدواردي معين لبقيت قصته مرتبطة بسيرته. لكنه تحول إلى سؤال يستطيع القارئ أن يحمله إلى حياته الخاصة: ماذا نخسر عندما نكبر، وماذا سنخسر لو استطعنا فعلًا ألا نكبر؟

لماذا أصبح الطفل الذي لا يكبر أكثر شهرة من الأطفال الذين صنعوه؟

الثقافة تحب الصورة البسيطة.

ولد يطير.

جزيرة لا يصل إليها الكبار بسهولة.

فتى يرفض الشيخوخة.

هذه العناصر قابلة للرسم والمسرح والسينما وإعادة الحكي، ولذلك انفصل بيتر بان تدريجيًا عن الظروف الدقيقة التي أنتجته. ومع كثرة الاقتباسات، أصبح كثير من الناس يعرفون هيئة الشخصية قبل أن يعرفوا نصوص باري، بل قد يعرفون نسخة سينمائية منها من دون أن يعرفوا أن بيتر ظهر بأشكال مختلفة قبل أن يستقر في الصورة الشعبية المتداولة.

لكن العودة إلى تاريخ الكتابة تعيد شيئًا فقدته الصورة المبسطة.

بيتر ليس مجرد احتفال بالطفولة.

إنه أيضًا حكاية عن استحالة الاحتفاظ بها.

الأطفال الذين لعب باري معهم كبروا واحدًا بعد آخر. العالم الذي كان يتشكل في اللعب لم يستطع إيقاف الزمن. وبعض هؤلاء الأطفال عرفوا لاحقًا الحرب والموت والفقد بصورة قاسية.

أما الطفل الورقي فبقي.

وهنا يتحول الأدب إلى آلة غريبة لمقاومة الزمن. لا ينقذ الأشخاص الحقيقيين من الشيخوخة أو الموت، لكنه يستطيع أن يفصل صورة منهم عن التاريخ ويتركها تتحرك بعد رحيلهم.

ربما لهذا كان باري، حين عاد إلى أصول المسرحية بعد عقود، أقل اهتمامًا بإثبات ملكيته المطلقة لبيتر من استعادة أولئك الذين شاركوا في اللعبة.

كان يعرف أن الشخصية أصبحت ملكًا للمسرح والقراء والأسطورة الثقافية.

أما الشرارة الأولى فكانت أكثر خصوصية.

إذن من كان الطفل الحقيقي وراء بيتر بان؟

إذا أردنا اسمًا واحدًا لأن محرك البحث يطلب اسمًا واحدًا، فسنقول: بيتر ليويلين ديفيز أعطى بيتر بان جزءًا من اسمه وكان واحدًا من الأطفال الأساسيين في البيئة التي نشأت منها الشخصية.

لكن إذا أردنا الإجابة التي تسمح بها الوثائق، فعلينا أن نتوقف قبل أن نحوله إلى "بيتر بان الحقيقي".

بيتر بان خرج من الإخوة الخمسة لأسرة ليويلين ديفيز، ومن عالم اللعب الذي صنعه باري معهم. ودخلت في تكوينه أيضًا أسئلة أقدم في حياة باري عن الطفولة والفقد والذاكرة والزمن. حتى الشخصية نفسها لم تظهر مكتملة، بل انتقلت من كتاب إلى مسرحية إلى كتاب آخر، وتغيرت أثناء الطريق.

لهذا قد تكون المفارقة الأخيرة هي الأجمل.

نبحث عن الطفل الحقيقي لأننا نريد أن نثبت قدم بيتر بان على الأرض.

لكن كلما اقتربنا من الوثائق اكتشفنا أن الشخصية لا تقف على قدم واحدة.

وراءها خمسة أطفال، وكاتب يحمل طفولته الخاصة، وألعاب لا نعرف كل تفاصيلها، وذكريات أعيد سردها حتى لم يعد من السهل معرفة أين ينتهي الواقع وأين تبدأ الحكاية.

بيتر ديفيز كان حقيقيًا.

إخوته كانوا حقيقيين.

حدائق كنسينغتون كانت حقيقية.

الفقد الذي عرفه باري كان حقيقيًا.

أما بيتر بان فقد ولد في المسافة بين كل هذه الحقائق.

وهذه المسافة هي، في النهاية، المساحة التي يعمل فيها الأدب: يأخذ من الحياة ما حدث فعلًا، ثم يعيد ترتيبه حتى يظهر شيء لم يوجد من قبل، لكنه يبدو لنا كأننا عرفناه دائمًا.

ولو أتيح لك الاختيار، فهل كنت ستقبل طفولة لا تنتهي إذا كان ثمنها أن ترى الآخرين يكبرون بينما تبقى أنت في المكان نفسه؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق