ليس السؤال الأصعب في مشاهدة فيلم Les Misérables هو ما إذا كان توم هوبر قد نجح في تحويل رواية فيكتور هوغو إلى فيلم جيد. السؤال أكثر تعقيدًا من ذلك: كم بقي من هوغو أصلًا بعد أن عبرت «البؤساء» أكثر من وسيط، وانتقلت من الرواية إلى المسرح الغنائي، ثم من المسرح إلى السينما؟
فهذه ليست رحلة عادية من الكتاب إلى الشاشة. رواية «البؤساء»، المنشورة سنة 1862، عالم ضخم تتجاور فيه الحكاية مع التاريخ، والفلسفة مع السياسة، والدين مع القانون، والفقر مع الثورة، وتدخل فيه باريس نفسها بوصفها شخصية تكاد تكون حية. أما فيلم توم هوبر الصادر سنة 2012، فهو في المقام الأول اقتباس سينمائي للمسرحية الموسيقية الشهيرة المأخوذة من الرواية. أي أننا لا نشاهد هوغو مباشرة؛ بل نشاهد هوغو بعد أن مرّ بالمسرح والموسيقى والغناء، ثم أعادت السينما تشكيله بالصورة والمونتاج والأداء.
ومع ذلك، يحدث شيء غريب: تتقلص الرواية، تختفي صفحات وشخصيات وتأملات كاملة، لكن قلبًا من قلوب هوغو يظل ينبض بقوة. إنه السؤال الذي يطارد جان فالجان من البداية إلى النهاية: هل الإنسان هو الجريمة التي ارتكبها، أم ما يستطيع أن يصبحه بعدها؟
جان فالجان: حين يتحول رقم السجين إلى إنسان
في مركز «البؤساء» يقف جان فالجان، الرجل الذي دخل السجن بسبب سرقة رغيف خبز، ثم امتدت عقوبته سنوات طويلة بسبب محاولاته المتكررة للهرب. حين يخرج، لا يستعيد حريته كاملة؛ يحمل ماضيه معه، وتطارده الوثيقة التي تعلن أنه سجين سابق.
وهنا تظهر إحدى الأفكار الأكثر قسوة في عالم هوغو: قد ينتهي السجن، لكن المجتمع يستطيع أن يواصل العقوبة خارجه.
الفيلم يختصر الكثير من التفاصيل التي بنت بها الرواية شخصية فالجان، لكنه يحافظ على اللحظة المؤسسة لتحوله: لقاء الأسقف ميريل. فالجان، الخارج من عالم لم يقدم له سوى الإهانة والرفض، يسرق فضة الرجل الذي آواه. وحين تعيده الشرطة، لا يدينه الأسقف؛ بل يدّعي أنه منحه الفضة، ثم يضيف إليها الشمعدانين.
هذه اللحظة ليست مجرد فعل خيري. إنها زلزال أخلاقي.
فالجان يعرف العقوبة جيدًا. يعرف السجن والسوط والقانون والمطاردة. ما لا يعرفه هو أن يُعامل بوصفه إنسانًا يستحق فرصة أخرى. ولهذا لا تغيّره الموعظة بقدر ما يغيّره فعل الرحمة نفسه.
ومن هنا تبدأ «البؤساء» الحقيقية: ليس من سرقة الخبز، بل من السؤال عما يستطيع الإنسان أن يفعل بالرحمة حين تُمنح له في اللحظة التي يتوقع فيها العقاب.
فالجان وجافير: صراع بين مفهومين للعدالة
لو كان جافير شريرًا تقليديًا لكانت الحكاية أبسط بكثير. لكنه ليس كذلك. إنه رجل يؤمن بالنظام إلى درجة أنه لم يعد قادرًا على رؤية الإنسان خارج القانون.
بالنسبة إليه، فالجان ليس إنسانًا تغيّر؛ إنه محكوم سابق خالف شروط الإفراج. والقانون لا يحتاج، في منطقه، إلى معرفة القلب. يكفي أن يعرف الملف.
لهذا فإن الصراع بين الرجلين أعمق من مطاردة شرطي لسجين هارب. إنه صراع بين فكرتين: العدالة التي تقيس الإنسان بماضيه، والرحمة التي تسمح له بأن يصبح شخصًا آخر.
المفارقة أن فالجان لا يهزم جافير بالقوة. كان يستطيع قتله ولم يفعل. وحين يجد الشرطي نفسه مدينًا بحياته للرجل الذي أمضى سنوات وهو يراه مجرمًا، يبدأ نظامه الداخلي كله بالانهيار.
جافير يستطيع أن يفهم عالمًا فيه مذنب وعقوبة، وشرطي ومجرم، وقانون ومخالفة. لكنه يعجز عن فهم عالم يستطيع فيه «المجرم» أن يكون أكثر رحمة من ممثل القانون.
وهنا يصبح انتحاره في النهاية أكثر من مأساة شخصية. إنه انهيار منظومة فكرية لم تترك لصاحبها مساحة رمادية يعيش فيها. حين اكتشف جافير أن فالجان لا يتطابق مع الصورة التي صنعها له، لم يستطع تعديل الصورة؛ فحطم نفسه بدلًا منها.
فانتين: حين لا يكون السقوط خطيئة فردية
إذا كان جان فالجان يمثل إمكانية الخلاص، فإن فانتين تمثل الوجه الآخر لعالم هوغو: الإنسان الذي يدفع ثمن نظام اجتماعي أقوى منه.
تفقد عملها، وتضطر إلى بيع شعرها ثم أسنانها ثم جسدها، لا لأن الفيلم يريد بناء سلسلة من المآسي لاستدرار الدموع فحسب، بل لأن مصيرها يكشف آلية كاملة لسحق الفقير. في كل مرحلة تفقد شيئًا من جسدها كي تبقي ابنتها كوزيت على قيد الحياة.
ويمنح الفيلم هذه المأساة وجه آن هاثاواي وصوتها، خصوصًا في أغنية I Dreamed a Dream. هنا تختلف السينما الموسيقية عن الرواية بوضوح. هوغو يستطيع أن يشرح ويستطرد ويحلل البنية الاجتماعية التي أنتجت مأساة فانتين؛ أما الفيلم فيضغط هذا كله داخل الوجه والصوت والجسد.
الكاميرا تقترب بشدة. لا تمنح المشاهد مسافة مريحة بينه وبين الانهيار. وحين تغني فانتين حلمها القديم، لا نسمع قصة امرأة فقدت مستقبلها فقط؛ نشاهد المسافة بين ما كان يمكن أن تكونه وما أصبحت عليه.
إنها إحدى المناطق التي تخسر فيها السينما شيئًا من التحليل الاجتماعي عند هوغو، لكنها تربح قوة عاطفية مباشرة يصعب على المشاهد الإفلات منها.
كوزيت: الطفلة التي أصبحت أيقونة قبل السينما
الصورة التي ارتبطت بـ«البؤساء» عالميًا ليست صورة فالجان ولا جافير ولا المتاريس، بل صورة طفلة تكنس الأرض: كوزيت.
رسمها إميل بايار للطبعة الأولى من الرواية سنة 1862، ثم تجاوزت الصورة سياقها الأصلي حتى أصبحت واحدة من أشهر العلامات البصرية المرتبطة بـ«البؤساء». واختيارها مدخلًا لهذه المقالة يعيدنا إلى نقطة مهمة: قبل أن تصبح «البؤساء» فيلمًا ضخمًا ونجومًا وأغنيات شهيرة، كانت حكاية أناس صغار يسحقهم عالم أكبر منهم.
كوزيت تحت سلطة آل تيناردييه ليست مجرد طفلة سيئة الحظ. إنها الوجه الذي يمنحه هوغو للطفولة حين تصبح الفاقة قادرة على سرقتها. وحين ينقذها فالجان، فإنه لا ينقذها وحدها؛ يكمل الوعد الذي قطعه لفانتين، ويكمل في الوقت نفسه عملية إنقاذ نفسه.
فالرحمة التي تلقاها من الأسقف لا تتوقف عنده. تنتقل منه إلى كوزيت. وهكذا تصبح الأخلاق في «البؤساء» سلسلة: شخص ينقذ شخصًا، فيصبح الشخص الذي نجا قادرًا بدوره على إنقاذ آخر.
هل تدور «البؤساء» حول الثورة الفرنسية؟
هنا يقع أحد أكثر الالتباسات شيوعًا لدى من يشاهد الفيلم من دون معرفة خلفيته التاريخية. المتاريس التي نراها في «البؤساء» لا تمثل الثورة الفرنسية الكبرى سنة 1789.
الأحداث الثورية التي يصل إليها ماريوس ورفاقه ترتبط بانتفاضة باريس في يونيو/حزيران 1832، أي بعد الثورة الفرنسية بأكثر من أربعة عقود. وقد اندلعت في سياق سياسي واجتماعي مختلف، في عهد الملك لويس فيليب، وارتبطت بتوترات جمهورية واجتماعية وبوفاة الجنرال جان ماكسيميليان لامارك الذي كان يحظى بشعبية لدى قطاعات من المعارضين.
لكن هوغو لا يكتب كتاب تاريخ عن الانتفاضة. إنه يأخذ الواقعة التاريخية ويدخلها في نسيج الرواية، فتلتقي الشخصيات المتخيلة بالتاريخ الحقيقي، وتتحول المتاريس إلى أكثر من موقع عسكري: تصبح مكانًا تختبر فيه الشخصيات أفكارها عن الحرية والحب والموت والتضحية.
ولهذا فإن السؤال عن «مدى حقيقة البؤساء» يحتاج إلى جواب دقيق. جان فالجان وجافير وفانتين وكوزيت وماريوس شخصيات روائية، لكن العالم الاجتماعي والسياسي الذي تتحرك داخله الرواية متصل اتصالًا وثيقًا بتاريخ فرنسا في القرن التاسع عشر. أما انتفاضة يونيو 1832 نفسها فحدث تاريخي حقيقي أعاد هوغو بناءه أدبيًا.
غافروش: الثورة حين يصبح الطفل أكبر من الكبار
غافروش واحد من الشخصيات التي تكشف عبقرية هوغو في وضع المأساة داخل جسد صغير. طفل شارع، ساخر وحيوي، يتحرك بين الفقر والثورة كأن باريس مدرسته وبيته في آن واحد.
في الفيلم يحتفظ غافروش بحضوره المؤثر، لكن الرواية تمنحه جذورًا ومساحات أوسع بكثير. وهذه واحدة من خسائر الاختزال السينمائي: الشخصيات التي تستطيع الرواية أن تتوقف عندها عشرات الصفحات يجب أن تؤدي وظيفتها بسرعة على الشاشة.
ومع ذلك، حين يخرج الطفل أمام المتراس تحت النار، تصبح المسافة بين البطولة والعبث ضيقة إلى حد مؤلم. فهل نراه بطلًا لأنه لا يخاف، أم ضحية لعالم وصل فيه الصراع السياسي إلى اللحظة التي صار فيها الأطفال يجمعون الذخيرة بين الجثث؟
هوغو لا يسمح بسهولة الفصل بين الصورتين.
إيبونين والحب الذي لا ينقذ صاحبه
في عالم مليء بالفقر والقانون والثورة، تبدو قصة الحب للوهلة الأولى كأنها خط جانبي. لكنها ليست كذلك.
ماريوس يحب كوزيت، وإيبونين تحب ماريوس، والحب هنا لا يوزع السعادة بعدالة. لا تكافأ إيبونين لأنها تحب بصدق، ولا يستطيع إخلاصها أن يغيّر قلب الشخص الذي تحبه.
وهذه نقطة إنسانية مهمة في «البؤساء»: الفضيلة لا تضمن المكافأة. قد يكون الإنسان مخلصًا وشجاعًا ومحبًا، ومع ذلك يخسر.
المسرحية الموسيقية، ومن بعدها الفيلم، منحت إيبونين حضورًا عاطفيًا قويًا من خلال الأغنية. لكن اختزال الرواية يجعل علاقتها بالعالم الاجتماعي الذي خرجت منه أقل تعقيدًا. في الرواية، ليست مجرد «الفتاة التي تحب ماريوس من طرف واحد»؛ إنها أيضًا ابنة بيئة كاملة من الفقر والانحراف والانهيار الأسري.
ماذا فعلت الموسيقى برواية فيكتور هوغو؟
هنا نصل إلى المسألة الأساسية. الفيلم ليس رواية هوغو وقد تحولت ببساطة إلى صور متحركة. بينهما وسيط كامل: المسرح الغنائي.
وهذا الوسيط غيّر طبيعة العمل قبل وصوله إلى السينما.
الرواية تستطيع التوقف. تستطيع أن تترك جان فالجان عشرات الصفحات وتذهب إلى تاريخ باريس أو الأديرة أو المجاري أو السياسة أو معركة واترلو. هوغو لا يرى هذه الاستطرادات عبئًا على الحكاية؛ إنها جزء من مشروعه في فهم المجتمع الذي صنع شخصياته.
المسرحية لا تملك هذه الحرية، والفيلم أقل قدرة عليها. لذلك تحولت البنية الموسوعية إلى خط درامي أكثر إحكامًا، وأصبحت الأغنية تقوم أحيانًا مقام صفحات من السرد والتأمل.
الخسارة واضحة: العالم يصبح أصغر.
لكن الربح واضح أيضًا: العاطفة تصبح أكثر كثافة.
عندما تغني شخصية ما بدل أن تتحدث، لا تقدم المعلومات فقط؛ تكشف إيقاع شعورها. وحين يعتمد الفيلم بدرجة كبيرة على الغناء المؤدى أثناء التصوير، يصبح التردد في النفس، وانكسار الصوت، والإجهاد الجسدي جزءًا من الأداء نفسه.
لذلك فإن «البؤساء» السينمائية لا تحاول منافسة الرواية في اتساعها الفكري. إنها تنقل مركز الثقل من عقل الراوي إلى جسد الممثل وصوته ووجهه.
الكاميرا القريبة: هل اقترب الفيلم أكثر مما ينبغي؟
اختار توم هوبر في كثير من اللحظات أن يجعل الوجه يحتل مساحة كبيرة من الشاشة. هذه ليست سينما تستعرض باريس من بعيد باستمرار؛ إنها تريد أن ترى الشقوق في الوجه والدموع والعرق والأسنان والمرض والخوف.
وقد يبدو هذا الاختيار خانقًا أحيانًا، لكنه ينسجم مع جوهر الحكاية. «البؤساء» ليست قصة عن أفكار مجردة فقط. الفقر عند هوغو له جسد. الجوع له وجه. القانون يترك أثره على الظهر، والاستغلال يستطيع أن ينتزع الشعر والأسنان من امرأة.
لكن هذه الحميمية البصرية لها ثمن. فكلما اقتربت الكاميرا من الفرد، تقل المساحة المتاحة لرؤية المجتمع.
وهنا يظهر مرة أخرى الفرق بين هوغو وهوبر: الروائي ينتقل باستمرار من الإنسان إلى النظام الذي أنتجه؛ أما الفيلم فيميل إلى إبقاء عينيه على الإنسان نفسه.
من هم «البؤساء» فعلًا؟
قد يبدو العنوان للوهلة الأولى وصفًا للفقراء وحدهم، لكن الرواية أوسع من ذلك.
فانتين بائسة. كوزيت الطفلة بائسة. غافروش بائس. السجناء والفقراء بؤساء. لكن جافير أيضًا، بطريقة مختلفة تمامًا، سجين لعقيدته. وفالجان يحمل سجنه داخله حتى بعد خروجه منه.
وهكذا يتحول العنوان من تسمية طبقة اجتماعية إلى وصف لحالة إنسانية تنتج حين يُختزل الإنسان في شيء واحد: في فقره، أو جريمته، أو طبقته، أو القانون الذي يعبده، أو الحب الذي لا يستطيع الحصول عليه.
ومع ذلك لا ينبغي أن نحول هوغو إلى فيلسوف تجريدي وننسى الأساس الاجتماعي للعمل. البؤس في الرواية ليس استعارة فقط. إنه جوع حقيقي، واستغلال حقيقي، وطفولة مسحوقة، وسجن، ودعارة، ومرض، ولا مساواة.
قوة «البؤساء» تأتي من أنها تجعل السؤال الأخلاقي والاجتماعي سؤالًا واحدًا: ماذا يفعل المجتمع بالإنسان، وماذا يفعل الإنسان بعد ذلك بما فعله المجتمع به؟
ما الذي حذفه الفيلم من فيكتور هوغو؟
الكثير.
ومن الظلم للفيلم أن نطالبه باحتواء رواية بهذا الحجم والتشعب. لكن من الضروري إدراك ما نفقده حين نعرف «البؤساء» من الشاشة وحدها.
نخسر جزءًا كبيرًا من هوغو المؤرخ والمتأمل والمجادل. نخسر استطراداته الطويلة التي قد تبدو للقارئ الحديث خروجًا عن الحبكة، لكنها تكشف تصوره للرواية بوصفها أداة لفهم المجتمع، لا مجرد آلة لسرد الأحداث.
وتصبح بعض الشخصيات أكثر بساطة لأن وقت الشاشة يفرض الاقتصاد. تتقلص الخلفيات الاجتماعية، ويصبح الانتقال من حدث إلى آخر أسرع، بينما كان هوغو قادرًا على التوقف أمام شارع أو دير أو مجرور تحت باريس وتحويله إلى موضوع كامل للتأمل.
الرواية مدينة كاملة. الفيلم طريق سريع يمر عبر أشهر معالم تلك المدينة.
وما الذي بقي من هوغو؟
بقي أكثر مما قد يوحي به كل ذلك الحذف.
بقي جان فالجان واقفًا بين ماضيه وإمكان مستقبله. بقي جافير عاجزًا عن فهم الرحمة. بقيت فانتين شاهدة على أن الفقر قد يتحول إلى آلة لنزع الإنسان من جسده قطعة قطعة. بقيت كوزيت بوصفها إمكانية النجاة. بقي غافروش فوق المتراس. وبقي السؤال عن القانون حين يفقد العدالة، وعن الثورة حين يدفع ثمنها الأضعف، وعن الحب حين لا يكفي وحده لإنقاذ الجميع.
والأهم أن الفيلم يحتفظ بفكرة مركزية عند هوغو: الإنسان ليس حقيقة منتهية.
فالجان كان لصًا، ثم أصبح محسنًا وأبًا ورجلًا مستعدًا للمخاطرة بنفسه من أجل الآخرين. ماضيه حقيقي، لكنه ليس الحقيقة الوحيدة عنه.
وهذه الفكرة تحديدًا هي التي لا يستطيع جافير احتمالها.
النهاية: الخلاص الفردي والحلم الجماعي
في نهاية الفيلم يموت فالجان بعد أن أكمل رحلته. لكنه لا يموت بوصفه السجين رقم 24601 الذي عرفناه في البداية. يموت محاطًا بذاكرة الأشخاص الذين أحبهم وأنقذهم، وكأن المسافة بين المشهد الأول والأخير هي المسافة بين الرقم والاسم، وبين العقوبة والغفران.
ثم تتسع الصورة من مصير الفرد إلى الحلم الجماعي. تعود أصوات الذين ماتوا، وتعود المتاريس في صورة تتجاوز الهزيمة التاريخية المباشرة.
وهنا تبتعد السينما عن الواقعة التاريخية لتدخل منطقة الرمز. الانتفاضة التي انتهت عسكريًا لا تظهر في النهاية باعتبارها نصرًا تاريخيًا تحقق، بل بوصفها حلمًا لم يمت مع أصحابه.
قد يكون هذا أكثر «موسيقية» من هوغو وأقل تعقيدًا من رؤيته السياسية، لكنه يحتفظ بشيء أساسي من روحه: التاريخ لا يُقاس فقط بمن ربح المعركة في يومها، بل أيضًا بالأفكار والأسئلة التي تبقى بعد موت الذين حملوها.
هل يمكن للفيلم أن يغني رواية بهذا الحجم؟
ربما يكون الخطأ أن نطلب منه ذلك أصلًا.
فيلم Les Misérables ليس بديلًا عن رواية فيكتور هوغو، ولا يستطيع أن يكون. إنه ابن آخر لها، وصل إلينا بعد أن عبر المسرح والموسيقى والسينما. خسر في الطريق أجزاء كبيرة من عقل الرواية واتساعها التاريخي والاجتماعي، لكنه احتفظ بجزء كبير من قلبها.
وإذا كانت الرواية تسأل عبر مئات الصفحات كيف يصنع المجتمع بؤساءه، فإن الفيلم يضغط السؤال في وجوه وأصوات: فالجان، فانتين، جافير، كوزيت، إيبونين، غافروش وماريوس.
ربما لهذا ما زالت «البؤساء» قادرة على الانتقال من القرن التاسع عشر إلى المسرح ثم إلى الشاشة من دون أن تفقد قدرتها على إزعاجنا. نحن لا نتأثر فقط لأن أشخاصًا يعانون، بل لأن العمل يضعنا أمام سؤال يصعب دفنه في زمن هوغو أو في زمننا: ماذا يحدث حين يصبح تطبيق القانون أسهل من تحقيق العدالة، وحين يصبح الحكم على الإنسان أسهل من منحه فرصة ليتغير؟
بعد أكثر من قرن ونصف على صدور الرواية، تغيرت المدن والقوانين وأشكال الفقر والعقاب. لكن المسافة بين فالجان وجافير لم تختف تمامًا: ما زلنا نعيش بين الرغبة في محاسبة الإنسان على ما فعل، والإيمان بأنه قد يكون أكثر من أسوأ فعل ارتكبه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق