طريق يقترب من السلطة ولا يبلغ بابها
يرى ك. القلعة على التل. يمضي في الشارع الرئيسي للقرية، فيبدو له أن الطريق يتجه نحوها، ثم ينحرف قليلًا. يواصل السير منتظرًا أن ينعطف ثانية في الاتجاه الصحيح؛ لا يبتعد عن القلعة، لكنه لا يقترب منها أيضًا. هذه الحركة الصغيرة، التي يمكن أن تقع في نزهة عادية، تصبح في رواية فرانز كافكا مأزق إنسان كامل. لماذا لا يستطيع ك. الوصول إلى مكان يراه بعينيه؟
الجواب المبكر أن الوصول في "القلعة" ليس مسألة إيجاد طريق صاعد فحسب. ك. يريد من سلطة القلعة أن تعترف بصفته وعمله وحقه في البقاء داخل القرية، لكنه لا يجد شخصًا مخولًا يمنحه جوابًا نهائيًا. كل اقتراب ينتج وسيطًا أو رسالة أو إجراءً جديدًا. والطريق الذي لا ينتهي إلى التل يصوغ، في المكان، ما تفعله الإدارة والقرية به في الحياة اليومية: تتركه داخل مجالها، معلّقًا عند حدود القبول. هذا تفسير لبناء الرواية، لا حكم بأن القلعة رمز واحد يمكن فك شفرته ثم إغلاق الكتاب.
يقدم ك. نفسه بوصفه مسّاح أراضٍ استُدعي للعمل. ما إن يصل ليلًا حتى يُسأل عن حقه في المبيت، ويصبح إثبات وجوده في القرية مسألة رسمية. ترد إشارات إلى قبول ما، ثم تظهر روايات متضاربة عن الحاجة إلى مسّاح وعن مسار الطلب القديم بين دوائر القلعة. لا تمنحنا الرواية ملفًا نستطيع وضعه على الطاولة لنحسم: هل استُدعي فعلًا، أم فُهمت أوراق قديمة خطأ، أم استغل هو الالتباس؟ إن تعجل القارئ بإدانته محتالًا أو بتبرئته موظفًا مظلومًا سيزيل جزءًا من التوتر الذي بناه كافكا عمدًا.
إنه غريب يصل من خارج الجماعة ويحمل اسمًا لا نعرف منه إلا الحرف "ك.". هذا الاختصار لا يمحو شخصيته؛ على العكس، نعرف عناد الرجل وتعبه ونوبات ثقته وسوء تقديره. لكنه يحرم القارئ من سيرة مكتملة يمكن أن يرد إليها كل فعل. لا نعرف على وجه اليقين أي حياة ترك وراءه، ولا نستطيع أن نراجع ما يقوله عن مهمته على ضوء شهادة مستقلة. بهذا القدر من المعرفة الناقصة يجعلنا السرد نعيش شيئًا من موقف القرية منه، ونعيش أيضًا ضيقه من قرية تظن أنها تعرف عنه ما يكفي كي تصنفه. ينشأ السؤال من احتكاك هاتين المحدوديتين، لا من سر بوليسي ينتظر كشفه في الفصل الأخير.
المكان الذي يخيب توقع من يقترب
قد نتخيل قلعة شاهقة بأسوار وجنود وبوابة محروسة. إلا أن كافكا يصف من بعيد مجموعة مبانٍ منخفضة متلاصقة، لا تشبه حصن الفرسان ولا قصرًا حديثًا متفاخرًا. وحين يتقدم ك. يراها أشبه ببلدة فقيرة ذات طلاء متقشر وحجارة آخذة في التفتت. تبقى القلعة نافذة في شؤون القرية، على الرغم من خيبة المنظر. هنا مفارقة حادة: قوتها لا تحتاج إلى عمارة مهيبة كي تُطاع. يكفي أن يعتقد الناس أن القرار يصدر من هناك، وأن يسلكوا حياتهم على هذا الأساس.
في مشهد الطريق الثلجي، لا يقيم الكاتب حاجزًا بسيطًا يستطيع البطل أن يكسره. الشارع يبدو صالحًا للسير، والوعد بالمنعطف المقبل يحفظ حركة ك. مدة أطول مما يحفظها جدار مغلق. يتكرر البيت والثلج والنافذة، ويطول امتداد القرية في وعي رجل متعب. تتغير المسافة النفسية كلما ثبتت القلعة في الأفق: ما تراه قريبًا قد يكون بعيدًا في ترتيب العلاقات الذي عليك عبوره. لذلك تؤدي التفاصيل المادية، من البرد إلى بطء الخطوة، عملًا نقديًا لا تستطيع عبارة مجردة عن "البيروقراطية" أن تؤديه وحدها.
وصف الطريق دقيق في مفارقته: لا يبعد ك. عن هدفه، لكنه لا يقربه منه. ذلك يختلف عن الضياع في متاهة عمياء؛ فالرجل يملك اتجاهًا بصريًا ثابتًا ويستمر بسبب توقعه أن الشارع سينحني أخيرًا إلى حيث ينبغي. تتحول القدرة على رؤية الهدف إلى سبب إضافي للاستمرار. لو غابت القلعة تمامًا لأمكنه الشك في أصل الرحلة، أما حضورها في الأفق فيغذي رهانًا صغيرًا عند كل خطوة. هكذا لا يخدع المكان ك. بحركة خارقة. يكفي اختلاف عادي بين اتجاه الشارع ونقطة نهايته كي يصير السير نفسه صورة للانتظار الإداري الذي سيواجهه لاحقًا.
لا تخلو هذه الدائرة من شيء ساخر. يتصرف ك. أحيانًا كأن انعطافًا واحدًا سيحل كل شيء؛ ويتصرف أهل القرية كأن السؤال عن صاحب القرار نفسه ضرب من قلة اللياقة. يضعنا كافكا بين إصرار رجل قد يبالغ في الثقة بحقه، وطمأنينة مجتمع اعتاد تفسير كل تأخير على أنه جزء من نظام حكيم. لسنا أمام بطولة ناصعة تقاتل وحشًا مرئيًا. إننا أمام شخص يسأل، ويغضب، ويخطئ، ويستنفد قواه في البحث عن مخاطب.
رسائل كثيرة وجواب لا يأتي
يمثل برناباس، حامل الرسائل، أملًا ملموسًا لك. فهناك ورق يأتي من جهة القلعة، وأسماء موظفين، وإمكان إرسال رد. غير أن وجود رسول لا يعني وجود قناة واضحة. ماذا تثبت الرسالة بالضبط؟ من كتبها؟ إلى من يصل الرد؟ وما السلطة التي يملكها من ينقلها؟ تظل الكلمات الرسمية قابلة لتفسيرين على الأقل: قد يُقرأ فيها اعتراف بالمسّاح، وقد يُقرأ فيها ترتيب مؤقت يترك مسألة قبوله معلقة. يبحث ك. عن "نعم" أو "لا"، فيما تمنحه الصياغات ما يكفي ليظل منشغلًا بما تعنيه.
وعندما يتحدث مع رئيس القرية، تنكشف حكاية قديمة عن طلب مسّاح وتنقل الأوراق بين الأقسام. يتوسع الشرح، لكنه لا ينتج شهادة صريحة تسوّي وضع الرجل. الخطأ المحتمل يجر إجراءات لتفسير الخطأ، ثم إجراءات لفحص ما إذا كان تفسيره صحيحًا. ومع كل طبقة ورقية يصبح الأصل أبعد. لا يصور كافكا موظفين يضحكون في غرفة سرية وقد اتفقوا على تعذيب ك.؛ الأكثر إزعاجًا أن آلة العمل تستطيع الاستمرار حتى حين لا يعرف أحد، في المستوى الذي يبلغه البطل، أين تقيم الكلمة الحاسمة.
في الإدارة التي يحاول فهمها ك. ليست الورقة مجرد وعاء لمعلومة يمكن نقله من يد إلى أخرى. يختلف وزن العبارة باختلاف صاحبها، والمرحلة التي كُتبت فيها، والجهة التي تسلمتها، وما إذا كانت موجهة إليه مباشرة أو تُقرأ بوصفها إشارة غير ملزمة. يقول الموظف شيئًا، فيشرحه وسيط، ثم يشرح شخص ثالث شرح الوسيط. يتحول التفسير إلى عمل دائم. وبقدر ما يحتاج ك. إلى اللغة الرسمية كي يدافع عن حقه، يفقد القدرة على تثبيت معناها بمفرده. ليست الأزمة نقصًا في الرسائل؛ الأزمة أن كثرة الرسائل لا تعطيه موقعًا يسمح له بإلزام جهة ما بما قالت.
هذه نقطة تجعل الرواية قريبة من خبرات معاصرة، من دون أن نحولها إلى نبوءة حرفية عن مكتب بعينه. قد يحمل المرء مستندًا صحيحًا، ثم يُطلب منه إثبات صحة الجهة التي أصدرته، أو يُحال إلى جهة أخرى لا تستطيع الإقرار بصلاحيتها. السلطة هنا موزعة في خطوات صغيرة. ومن السهل، حين يضيق النظر، أن نختزلها في فرد واحد اسمه كلام؛ لكن كلام نفسه يظل حاضرًا غالبًا عبر ما يقوله الآخرون عنه. تأثيره في حياة ك. أوضح من صورته.
لا يصبح أهل القرية شهودًا محايدين على هذا النظام. إنهم يشرحونه ويحرسون حدوده، وأحيانًا يتنبؤون برغبات موظفيه قبل أن تصدر أي تعليمات. تظهر سلطة القلعة في الاعتذار المسبق، وفي حساب ما يجوز قوله، وفي الخوف من أن يفسر الحديث العادي بوصفه تجاوزًا. هنا تختلف مسألة الرواية عن السلطة التي تأمر بالصمت علنًا؛ فقد درسنا في مقالة هندسة الصمت كيف يمكن للعلاقة بالسلطة أن تعيد ترتيب الكلام من داخل المجتمع نفسه. وفي قرية كافكا يلتقط القارئ آلية مشابهة على مستوى الحياة اليومية: قبل أن يمنعك أحد، تكون قد تعلمت السؤال بصوت منخفض.
هل كان ك. بريئًا من متاهته؟
قد تبدو الرواية أسهل لو افترضنا أن ك. يعرف الحقيقة كاملة وأن جميع من حوله يكذبون. إلا أن السرد يلازم منظوره حتى حين يكشف ضيق هذا المنظور. يريد العمل، لكنه يريد كذلك موقعًا معترفًا به؛ يتقرب من أشخاص لأنهم قد يفتحون له منفذًا إلى كلام، ويقيس بعض علاقاته بما ستقدمه لقضيته. ليست حاجته إلى الشرعية عيبًا. غير أن طريقة طلبها تؤثر في البشر الذين يعاملهم باعتبارهم مفاتيح محتملة.
فريدا، مثلًا، ليست مجرد جسر إلى موظف ذي نفوذ. إنها شخصية لها رغباتها وصورتها عن حياة ممكنة مع ك. لكن انشغال الرجل بالقلعة يجعل من الصعب أن يتوقف عند ما تخسره هي حين تصير العلاقة جزءًا من خطة الوصول. وينطبق هذا، بصور أخرى، على برناباس وأسرته؛ ما يراه ك. طريقًا للاتصال بالإدارة هو بالنسبة إليهم مسألة عيش وسمعة وجهد يومي. تُظهر الرواية هذه الفروق كي لا تتحول رحلة البطل إلى اختبار فردي مجرد لا يدفع ثمنه غيره.
قصة أماليا أكثر إيلامًا. ترفض استدعاءً مهينًا من موظف في القلعة، فتجد أسرتها نفسها معزولة في القرية. ليست المسألة هنا أن ك. لم ينجح بعد في مقابلة الموظف المناسب؛ فالنفوذ يعبر البيت والسمعة والعلاقات بين الجيران. ولا يحتاج النبذ إلى حكم مكتوب يُعلَّق في الساحة. يشارك الناس في تنفيذه، كلٌّ بدافع الخوف أو الحرص على موقعه. إنها لحظة تسمح للقارئ أن يرى كلفة النظام على شخصيات لا تدور حياتها كلها حول طموح ك.
تروي أولغا، أخت أماليا، تاريخ الأسرة من داخل آثار هذا النبذ. للرسالة المهينة لحظة محددة، لكن العقوبة الاجتماعية لا تنتهي بانتهاء تلك اللحظة؛ إنها تمتد إلى عمل الأب وإلى محاولات الأسرة أن تجد من يسمعها. يلفت ذلك النظر إلى فرق مهم بين قوة الموظف وفعل الجيران. لا نحتاج إلى افتراض أن كل جار تلقى أمرًا مباشرًا كي نفهم كيف تُقصى الأسرة. يستطيع مجتمع كامل أن يقرأ إشارة الغضب فيتصرف كما لو كانت قانونًا. رفض أماليا يصير، بهذا المعنى، اختبارًا لقدرة الناس على العيش خارج الرضا المتخيل للقلعة، لا مجرد تفصيل جانبي في مغامرة ك.
لهذا لا يكفي القول إن القلعة تمثل "السلطة" وينتهي الأمر. إنها أيضًا الطريقة التي يتخيل بها الناس مصدر الشرعية، واللغة التي يتحدثون بها عن حقوقهم، وشبكة المصالح والتفسيرات التي تجعل القرار البعيد حاضرًا في أقرب غرفة. ك. يصطدم بهذه الشبكة، لكنه يحاول في الوقت نفسه أن يستخدمها. يطلب اعترافًا من سلطة يشك في عدلها، لأن الاعتراف نفسه قد يمنحه مكانًا وعملًا وحياة قابلة للاستمرار. هذه المفارقة أقرب إلى البشر من صورة بطل يريد فقط تحطيم الأسوار.
فرصة تتكلم بينما يغلبه النوم
في لقاء متأخر مع الموظف بورغل، يصغي ك. إلى حديث طويل عن إمكانات استثنائية قد تنشأ حين يجد صاحب طلب نفسه وجهًا لوجه مع موظف خارج المواعيد المألوفة. يبدو أن ظرفًا نادرًا قد يفتح له ما ظل يطلبه. لكن الرجل منهك إلى درجة أن النوم يغلبه وهو يسمع. يمكن قراءة المشهد بوصفه فرصة ضائعة؛ ويمكن قراءته كذلك بوصفه اتهامًا لشروط تصنع الفرصة في ساعة لا يستطيع طالبها أن يكون فيها يقظًا. لا يعلن النص أن باب النجاة كان مضمونًا وأن ك. أهدره عن كسل. يتركنا مع جسد استُهلك في الانتظار ثم طُلب منه أن يلتقط الاستثناء في لحظته.
هذا التفصيل يعيد للإنسان ثقله داخل رواية يسهل الحديث عنها بألفاظ كبيرة. فالمسافة بين ك. والقرار ليست فكرية فقط؛ فيها ساعات لا ينام فيها، وانتقال بين غرف، وعلاقات متوترة، وبرد، وشعور بأن كل لقاء ربما يكون الأخير. حين يسقط في النوم لا تختفي مشكلته ولا تتحول الحكاية إلى عقوبة أخلاقية سهلة على رجل لم ينتبه. لعل المأساة أن النظام يستطيع أن يطالب صاحبه بحضور كامل في اللحظة التي يكون قد استنفد فيها قدرته على الحضور. ومن هنا تكتسب كلمة "فرصة" معنى ملتبسًا: فرصة لمن، وفي أي ظروف، وبأي ثمن؟
تمنعنا هذه الواقعة من اختزال المسألة في هندسة الشارع. لو وقف ك. أمام باب القلعة، فهل كان سيدخل؟ ولو دخل، فهل كان سيلتقي صاحب قرار يفهم طلبه كما يفهمه هو؟ يتحول معنى الوصول أثناء الرواية: من بلوغ مبنى إلى تثبيت صفة، ومن مقابلة رجل إلى الحصول على كلام ملزم. وكلما انتقل الهدف إلى طبقة جديدة ظهر نقص في الطبقة السابقة. الطريق لا يكرر نفسه حرفيًا، بل يعيد إنتاج الوعد بصيغة مختلفة.
في قراءتنا لرواية رجال في الشمس كان السؤال عن الطريق المسدود يقود إلى قرار بشري وصمت يمكن مساءلته. لدى كافكا أيضًا أسئلة عن الصمت والمسؤولية، لكن مركز القلق هنا موزع على أشخاص يرسلون الأوراق، وآخرين يفسرونها، ورجل لا يعرف أين ينبغي أن يوجه اعتراضه. تقرّب المقارنة بين تجربتين أدبيتين من دون أن تجعل إحداهما شرحًا للأخرى.
النهاية التي لم يكتبها كافكا
كتب كافكا معظم "القلعة" سنة 1922 وتركها غير مكتملة. نشرها صديقه ماكس برود بعد وفاته سنة 1926، وتدخل في إعداد النص المنشور وحذف مقاطع منه؛ وتساعد الطبعات اللاحقة والدراسات المعنية بالمخطوط على رؤية اختلافات التحرير. لذلك ينبغي الحذر حين يقال إن الرواية "تنتهي" بقرار ما. النص الذي تركه كافكا يتوقف قبل خاتمة مكتملة. ولا يجوز أن نضع على لسانه مشهدًا أخيرًا لم يكتبه ثم نبني عليه معنى نهائيًا.
عمل كافكا في مؤسسة للتأمين على حوادث العمال، وعرف من حياته العملية لغة الملفات والاختصاصات والمراسلات. يمنحنا ذلك سياقًا يساعد في إدراك دقة العالم الإداري في روايته، لكنه لا يجعل "القلعة" تقريرًا مستترًا عن مكتب عمله. كما أن ظروف مرضه أثناء سنوات الكتابة لا تسمح بأن نساوي تلقائيًا بين تعب ك. وتعب مؤلفه. يتحول ما عرفه الكاتب إلى بناء فني مستقل: شارع يتجه ولا يصل، وموظف حاضر في الأحاديث غائب عن المواجهة، وشخصيات تدفع أثمانًا مختلفة للرغبة في جواب. يقربنا السياق من أدوات الكتابة؛ ولا يعفي القارئ من الإصغاء إلى ما صنعته الرواية بتلك الأدوات.
روى برود أن كافكا فكر في أن يموت ك. في القرية، وأن تصل عندئذ رسالة تسمح له بالبقاء والعمل رغم أن مطالبته بذلك لم تكن مقبولة من الوجهة الرسمية. هذه رواية عن خطة محتملة كما نقلها صديق الكاتب، وليست صفحة أخيرة من المخطوط. إن صحّت، فهي تجعل المفارقة أقسى: الاعتراف يصل حين لا يعود صاحبه قادرًا على الانتفاع به. لكن القراءة لا تتوقف على إثبات هذا الختام؛ ما لدينا بالفعل هو نص يراكم التأجيل ويترك حركة ك. مفتوحة عند انقطاع الكتابة.
يؤثر هذا النقص في معنى السؤال المركزي. قد يُغري غياب النهاية بأن نقول إن القلعة هي "الله" أو "القانون" أو "الموت"، وإن عدم الوصول حكم ميتافيزيقي قاطع. ظهرت قراءات دينية ووجودية وسياسية لهذه الرواية، وكل واحدة تلتقط جانبًا من عالمها. بيد أن تحويل أي قراءة إلى قاموس ثابت يضيع بعضًا من دقة المشاهد: رئيس قرية يحاول شرح ملف، أسرة تُنبذ، امرأة تفاوض على مستقبلها، رجل يتعب في الثلج. لا تذوب هذه الحيوات في رمز واحد.
كما أن عدم اكتمال الرواية لا يعني أن كل ما فيها صدفة أو أن القارئ حر في اختراع أي نهاية. تقودنا حركة الطريق، والتباس الرسائل، والاعتراف المؤجل، واستهلاك الجسد، إلى سؤال واضح صاغه النص مرارًا: كيف يعيش إنسان داخل نظام لا يعرف من يمنحه حق الدخول، ولا من يملك أن يقول له إنه مرفوض؟ لا تحتاج هذه البنية إلى باب مغلق في السطر الأخير حتى تعمل. لقد صار الانتظار شكلًا من أشكال الحياة قبل أن يبلغ ك. أي باب.
ربما لهذا يبقى مشهد الشارع العادي من أشد مشاهد الرواية أثرًا. لا ينهار الجبل، ولا يختفي البناء في الضباب على نحو خارق. يظل المكان أمام ك.، وتمضي قدماه، فيما ينصرف الطريق في اللحظة التي ظن أنه سيقوده إليه. إن كانت القلعة قوةً ما، فأكثر ما يخيف فيها قدرتها على تحويل الاقتراب إلى عمل لا ينتهي، وعلى جعل الإنسان يطلب الإذن كي يثبت أنه موجود أصلًا.
بعد هذه الرحلة، أيهما يبدو أشد قسوة لك: أن يُقال لك بوضوح إن الباب مغلق، أم أن تظل ترى الباب وتنتظر من يعترف بحقك في طرقه؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق