اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

تيتانيك Titanic: هل كانت قصة جاك وروز حقيقية؟

السفينة تيتانيك RMS Titanic في ساوثهامبتون عام 1912 قبل رحلتها الأخيرة
السفينة RMS Titanic في ساوثهامبتون، 12 أبريل/نيسان 1912. المصور غير معروف؛ صورة تاريخية ضمن الملكية العامة (Public Domain). المصدر: Wikimedia Commons.
الحقيقة وراء أشهر قصة حب في السينما.. وما الذي غيّره الفيلم من التاريخ؟

ربما يكون السؤال الأكثر إثارة للدهشة في فيلم تيتانيك Titanic أن ملايين المشاهدين يعرفون أن السفينة حقيقية، وأن اصطدامها بالجبل الجليدي حقيقي، وأن مئات البشر ماتوا فعلًا في تلك الليلة، ثم يخرجون من الفيلم وهم يريدون معرفة شيء آخر: هل كان جاك وروز حقيقيين؟

هذا السؤال وحده يكشف مقدار ما فعله جيمس كاميرون بالذاكرة. فالكارثة وقعت سنة 1912، أما جاك وروز فولدا بعد ذلك بخمسة وثمانين عامًا، على الورق وفي خيال السينما. ومع ذلك، أصبح العاشقان الخياليان عند أجيال كاملة أكثر حضورًا من كثير من الركاب الحقيقيين الذين عاشوا الساعات الأخيرة فوق السفينة.

هنا تكمن قوة الفيلم، وربما مفارقته الأخلاقية أيضًا: لقد احتاج التاريخ إلى شخصيتين لم تعيشا قط لكي يجعلنا نشعر، بأقصى ما نستطيع، بموت أناس عاشوا فعلًا.

تنبيه: تتضمن هذه المقالة كشفًا لأحداث الفيلم ونهايته.

قبل جاك وروز كانت هناك سفينة حقيقية

أخرج جيمس كاميرون Titanic سنة 1997، وجعل ليوناردو دي كابريو في دور جاك داوسون وكيت وينسلت في دور روز ديويت بوكاتر. ولم يتعامل كاميرون مع السفينة باعتبارها مجرد خلفية تصلح لقصة رومانسية؛ فقد أجرى بحثًا واسعًا في تاريخها، وغاص بنفسه إلى حطامها في قاع المحيط.

وقد تحول الفيلم عند عرضه إلى ظاهرة عالمية، ثم حصل على أربعة عشر ترشيحًا لجوائز الأوسكار، وفاز بإحدى عشرة جائزة، من بينها أفضل فيلم وأفضل مخرج. لكن النجاح الهائل للفيلم جعل القصة التي اخترعها كاميرون تختلط، في الذاكرة الشعبية، بالتاريخ الذي وقعت فيه.

أما السفينة الحقيقية فأبحرت من ساوثهامبتون في 10 أبريل/نيسان 1912 في رحلتها الأولى إلى نيويورك، مرورًا بشيربورغ وكوينزتاون. وفي الساعة 11:40 من ليل 14 أبريل اصطدمت بجبل جليدي، ثم غرقت بعد الساعة الثانية من صباح اليوم التالي. وتختلف الأرقام قليلًا بحسب طريقة عد الركاب والطاقم، لكن نحو 2200 شخص كانوا على متنها، وقُتل في الكارثة قرابة 1500 إنسان.

هذه هي الأرض الصلبة التي يقف عليها الفيلم.

لكن فوق هذه الأرض بنى كاميرون حكايته الخاصة.


هل كانت قصة جاك وروز حقيقية؟

الجواب المختصر: لا.

لم يكن هناك راكب اسمه جاك داوسون عاش قصة حب مع فتاة تدعى روز ديويت بوكاتر على متن تيتانيك. كلا الشخصيتين خياليتان، ولا تظهران بهذه الصفة في قوائم ركاب السفينة. أما قصة الحب المركزية في الفيلم فهي اختراع درامي، حتى وإن أحاطها كاميرون بأشخاص وحوادث وتفاصيل مأخوذة من التاريخ الحقيقي.

وهذه ليست معلومة جانبية، بل مفتاح أساسي لقراءة الفيلم.

لأن كاميرون لم يكن يريد أن يصنع فيلمًا وثائقيًا عن حادث بحري. كان يحتاج إلى عينين نرى من خلالهما السفينة، وإلى قلبين نشعر من خلالهما بفقدانها.

وهكذا اخترع جاك وروز.

جاك فقير، حر، بلا ممتلكات تقريبًا، يعبر العالم كما لو أنه لا يملك سوى حياته. وروز غنية ظاهريًا، لكنها محاصرة داخل طبقتها وعائلتها والزواج الذي يُراد فرضه عليها. ومنذ اللحظة التي يلتقيان فيها يصبح الحب في الفيلم أكثر من علاقة بين شاب وفتاة؛ يصبح صدامًا بين طريقتين في الحياة.

واحدة تملك كل شيء ولا تستطيع أن تتنفس.

والأخرى لا تملك شيئًا تقريبًا، لكنها حرة.

جاك داوسون الحقيقي: المصادفة التي أربكت الجمهور

القصة تصبح أكثر غرابة هنا.

فقد كان على تيتانيك فعلًا رجل يحمل لقب Dawson، بل توجد له مقبرة في هاليفاكس تحمل الاسم المختصر J. Dawson. وبعد نجاح الفيلم أصبح قبره مقصدًا لبعض المعجبين الذين اعتقدوا أن هذا هو جاك الحقيقي.

لكنه لم يكن جاك.

كان اسمه جوزيف داوسون Joseph Dawson، شابًا أيرلنديًا في الثالثة والعشرين من عمره، وعمل ضمن طاقم السفينة في وظيفة مرتبطة بالفحم في منطقة الأفران. مات في الكارثة، وانتُشلت جثته لاحقًا ودُفن في مقبرة Fairview Lawn في هاليفاكس.

وتشير المصادر المتخصصة بتاريخ تيتانيك إلى أن كاميرون لم يكن يعرف بوجود جوزيف داوسون عندما اختار اسم بطله.

المفارقة جميلة وقاسية في آن واحد. لقد اخترعت السينما رجلًا لم يوجد، ثم اكتشف الجمهور أن التاريخ يخفي رجلًا يحمل الاسم نفسه تقريبًا.

لكن جوزيف لم يكن فنانًا متشردًا ربح تذكرة تيتانيك في لعبة ورق، ولم يقع في حب فتاة أرستقراطية اسمها روز. كانت له حياته الخاصة، الأكثر تواضعًا وربما الأكثر استحقاقًا لأن تُروى بوصفها حياة حقيقية لا ملحقًا بأسطورة سينمائية.

وهل كانت روز شخصية حقيقية؟

روز أيضًا لم تكن راكبة على تيتانيك.

لكن المسألة أكثر تعقيدًا قليلًا من حالة جاك. فقد ارتبطت بعض ملامح روز، ولا سيما استقلالها وتمردها وحساسيتها الفنية، بالفنانة والخزّافة الأمريكية بياتريس وود Beatrice Wood.

كانت وود امرأة متمردة على البيئة الاجتماعية المرفهة التي نشأت فيها، وعاشت أكثر من قرن وارتبطت بالحركة الفنية الطليعية. لكنها لم تكن «روز الحقيقية»، ولم تكن راكبة في تيتانيك، ولم تعش قصة الفيلم.

وهذا فرق مهم. فالسينما لا تحتاج دائمًا إلى نسخ إنسان حقيقي لكي تصنع شخصية تبدو حقيقية. قد تأخذ مزاجًا من شخص، وحادثة من آخر، وخوفًا من ثالث، ثم تصنع من ذلك كله إنسانًا لم يوجد قط.

روز مثال واضح على ذلك.

لماذا اخترع كاميرون قصة حب أصلًا؟

يمكن تخيل فيلم آخر عن تيتانيك لا توجد فيه روز ولا جاك. كان من الممكن أن نتابع القبطان إدوارد سميث، أو مصمم السفينة توماس أندروز، أو المهاجرين في الدرجة الثالثة، أو أفراد الطاقم، أو العائلات التي تفرقت أمام قوارب النجاة.

لكن المشكلة الفنية ستبقى: كيف يتحول رقم هائل من الضحايا إلى تجربة إنسانية يستطيع المتفرج احتمالها وفهمها؟

حين نقول إن نحو ألف وخمسمئة إنسان ماتوا، نعرف حجم المأساة عقليًا. لكن العقل يعجز عن تخيل ألف وخمسمئة موت منفصل.

السينما تفعل العكس.

إنها تأخذ هذا العدد الهائل وتقول لنا: انظروا إلى شخص واحد.

ثم تجعلنا نحبه.

وحين يموت، نفهم شيئًا من معنى موت الآخرين.

لهذا لم يكن جاك بالنسبة إلى بنية الفيلم مجرد بطل رومانسي. كان أداة لتحويل الإحصاء إلى وجه.

السفينة نفسها استعارة ضخمة للطبقة

من أكثر عناصر Titanic وضوحًا أن السفينة ليست مكانًا محايدًا. إنها مجتمع كامل مضغوط داخل هيكل من الحديد.

في الأعلى الثروة والملابس الفاخرة والولائم والفضة والبروتوكول. وفي الأسفل المهاجرون والرقص الشعبي والغرف الضيقة والأمل في الوصول إلى أمريكا.

ولهذا فإن انتقال جاك بين الطبقات ليس حركة مكانية فقط.

إنه يصعد من أسفل السفينة إلى أعلاها كما لو أنه يعبر نظامًا اجتماعيًا كاملًا.

وعندما تدخل روز إلى عالم الدرجة الثالثة يحدث العكس: تهبط اجتماعيًا لكي تتحرر إنسانيًا.

هذه الثنائية قد تبدو أحيانًا مبسطة؛ الأغنياء في جانب والفقراء في الجانب الآخر، والقيود هنا والحياة هناك. لكن بساطتها جزء من فاعليتها الرمزية. فالسفينة نفسها مصممة بحيث يستطيع كاميرون أن يحوّل الهندسة إلى استعارة: الطوابق درجات اجتماعية، والأبواب حدود طبقية، والممرات الضيقة صورة لنظام يريد لكل إنسان أن يبقى في مكانه.

ثم يأتي الجبل الجليدي ليخلط الأوراق.

حين يغرق العالم القديم

من السهل قراءة تيتانيك بوصفها قصة غرور تقني: سفينة هائلة تمثل ثقة العصر الحديث بقدرته على إخضاع الطبيعة، ثم يصطدم هذا اليقين بكتلة صامتة من الجليد.

لكن الفيلم يضيف إلى الغرور التقني غرورًا اجتماعيًا.

فالمشكلة ليست أن السفينة يمكن أن تغرق فقط، بل أن المجتمع الذي على متنها يتصرف حتى لحظاته الأخيرة وفق تراتبيته القديمة.

كان عدد قوارب النجاة في السفينة الحقيقية غير كافٍ لجميع من كانوا على متنها، كما أن بعض القوارب أُنزلت وهي دون طاقتها الاستيعابية. وتظهر السجلات كذلك فروقًا كبيرة في فرص النجاة بين الفئات المختلفة.

وهنا يتحول الغرق من كارثة طبيعية إلى سؤال أخلاقي.

الخطر واحد، لكن فرص النجاة ليست واحدة.

البحر لا يعرف الدرجة الأولى والثالثة، إلا أن المجتمع يعرفهما حتى وهو يغرق.

ما الذي كان حقيقيًا في فيلم تيتانيك؟

كثير من الشخصيات المحيطة بجاك وروز كانت شخصيات تاريخية فعلًا.

القبطان إدوارد سميث حقيقي. ومصمم السفينة توماس أندروز حقيقي. وج. بروس إسماي حقيقي. ومارغريت «مولي» براون، التي تؤدي دورها كاثي بيتس، كانت راكبة حقيقية ونجت من الكارثة.

كما يظهر إيزيدور وإيدا شتراوس، الزوجان المسنان اللذان ارتبط اسماهما بإحدى أكثر القصص الإنسانية تأثيرًا في الكارثة.

لكن وجود شخصية تاريخية حقيقية في الفيلم لا يعني أن كل جملة تقولها أو كل حركة تقوم بها موثقة تاريخيًا.

كاميرون يعيد بناء التاريخ، ولا يصوره بكاميرا كانت موجودة هناك.

قصة حب حقيقية كانت على السفينة

ربما تكون المفارقة الأجمل أن تيتانيك لم تكن بحاجة تمامًا إلى اختراع الحب؛ فالتاريخ نفسه كان يحمل قصصًا عاطفية قاسية.

إيزيدور شتراوس وزوجته إيدا كانا زوجين حقيقيين. وتشير الروايات التاريخية إلى أن إيدا رفضت أن تنجو وحدها وتترك زوجها. كلاهما مات في الكارثة.

يستدعي الفيلم قصتهما في مشهد قصير يظهر فيه زوجان مسنان متعانقان بينما تدخل المياه الغرفة.

لكن حتى هنا يجب التفريق بين الحقيقة والصورة الشعرية. الزوجان حقيقيان، ورفض إيدا الانفصال عن زوجها يستند إلى روايات تاريخية، أما الصورة المحددة لهما مستلقيين على السرير بينما تغمر المياه الغرفة فهي بناء سينمائي، وليست واقعة موثقة بتلك الهيئة.

وهذه إحدى طرائق Titanic الأساسية: يأخذ حقيقة، ثم يمنحها صورة تستطيع الذاكرة الاحتفاظ بها.

أين غيّر الفيلم التاريخ؟

مع كل العناية التي بذلها كاميرون في إعادة بناء السفينة، لا ينبغي التعامل مع الفيلم باعتباره وثيقة تاريخية.

أشهر الأمثلة على ذلك شخصية الضابط الأول ويليام مردوخ William Murdoch. يصوره الفيلم في لحظة الانهيار وهو يطلق النار ثم ينتحر. وقد أثار هذا التصوير اعتراضات قوية، لأن الأدلة التاريخية لا تتيح الجزم بأن مردوخ فعل ما ينسبه إليه الفيلم.

وهذه ليست مسألة صغيرة.

عندما يختلق الكاتب جاك داوسون يستطيع أن يفعل به ما يشاء تقريبًا، لأنه شخصية متخيلة. لكن حين يستخدم اسم رجل حقيقي مات ولم يعد قادرًا على الدفاع عن نفسه، تصبح الحرية الدرامية أكثر تعقيدًا أخلاقيًا.

وهنا يظهر الحد الفاصل الصعب بين السينما والتاريخ.

روز ليست حبيبة جاك فقط

لو كانت روز مجرد فتاة ثرية تقع في حب شاب فقير، لما بقيت الشخصية بهذا العمق في ذاكرة الفيلم.

قصتها الحقيقية داخل البناء الدرامي هي قصة استعادة الإرادة.

في البداية نراها محاطة بالأشياء التي يفترض أنها دليل نجاح: المال، والملابس، والمكانة، وخطيب ثري، وسفر في أفخم سفينة في العالم.

ومع ذلك تفكر في إنهاء حياتها.

هذه المفارقة هي مفتاح الشخصية. روز لا تحتاج إلى من ينقذ جسدها فحسب، بل إلى من يجعلها تتصور أن هناك حياة أخرى ممكنة.

لهذا يؤدي جاك وظيفة تتجاوز الحبيب. إنه الاحتمال الذي لم تكن تعرف أنه موجود.

ومن هنا يصبح المشهد الشهير عند مقدمة السفينة أكثر من مشهد رومانسي. جسد روز المفتوح للهواء يقابل جسدها الاجتماعي المحاصر في المشاهد السابقة. السفينة تمضي نحو الكارثة، لكنها للحظة تشعر بأنها وُلدت.

وهذه مفارقة الفيلم الكبرى: تبدأ حياة روز الحقيقية فوق سفينة تتجه إلى الموت.

لماذا مات جاك في تيتانيك؟

ظل السؤال يطارد الفيلم لعقود: ألم يكن هناك مكان لجاك إلى جانب روز فوق القطعة الطافية؟

السؤال ممتع من الناحية الفيزيائية، حتى إن كاميرون عاد لاحقًا إلى اختبارات تتعلق بإمكان النجاة في ذلك الموقف. لكن السؤال النقدي الأكثر أهمية ليس: هل كان يستطيع الصعود؟

بل: هل كان يستطيع أن يعيش داخل الحكاية نفسها؟

لو عاش جاك، لتحول الفيلم بعد الكارثة إلى قصة عاشقين نجوا من تيتانيك.

لكن موته يحول العلاقة كلها إلى شيء آخر.

جاك لا يصبح زوج روز. لا نراه يشيخ. ولا نعرف إن كان الحب سيصمد عشر سنوات أو حتى سنة.

يموت في اللحظة التي بلغ فيها الحب صورته المثالية، ولذلك يبقى إلى الأبد خارج امتحان الحياة اليومية.

إنه، بالمعنى السردي، لا يعيش في مستقبل روز؛ بل يصبح القوة التي تدفعها إلى ذلك المستقبل.

لماذا لم تمت روز معه؟

هنا يكمن أحد أكثر عناصر النهاية ذكاء.

كان من الممكن بناء مأساة رومانسية تقليدية يموت فيها الحبيبان معًا، فتكتمل صورة الحب بالموت.

لكن الفيلم يرفض ذلك.

جاك يطلب من روز أن تعيش.

وبذلك ينتقل معنى الحب من «نموت معًا» إلى «عليك أن تكملي حياتك».

وحين يعرض الفيلم لاحقًا صور روز وهي تركب الخيل والطائرة وتعيش حياة طويلة، نفهم أن وعدها لم يكن جملة عاطفية أمام رجل يحتضر.

لقد نفذته.

ولذلك فإن انتصار جاك الوحيد هو غيابه.

إنه يموت، لكن الحياة التي حرض روز عليها تستمر عشرات السنين بعده.

شرح نهاية فيلم تيتانيك: هل ماتت روز؟

في المشهد الأخير تعود روز، أو حلمها، أو روحها ــ فالفيلم يترك المسألة مفتوحة ــ إلى تيتانيك.

تعود السفينة كما كانت: مضاءة، كاملة، لم يغمرها البحر ولم يأكلها الصدأ.

يقف الذين ماتوا لاستقبالها.

وفي أعلى الدرج ينتظر جاك.

يمكن قراءة المشهد على أنه موت روز العجوز وعودتها رمزيًا إلى من أحبته، ويمكن قراءته حلمًا أخيرًا، ويمكن النظر إليه بوصفه اكتمال دائرة الذاكرة. لكن الفيلم لا يحسم المعنى نهائيًا.

والأهم أن تيتانيك التي تعود إليها روز ليست السفينة التاريخية.

إنها تيتانيك الذاكرة.

والذاكرة، بخلاف التاريخ، تستطيع إعادة الموتى إلى أماكنهم.

هل ألماسة قلب المحيط حقيقية؟

حتى القلادة الزرقاء الشهيرة، Heart of the Ocean، جزء من الخيال.

لكن وظيفتها في الفيلم تتجاوز كونها قطعة مجوهرات.

في البداية تمثل الثروة والامتلاك؛ يعطيها كال لروز ضمن عالم يستطيع فيه المال شراء الأشياء، وترتيب الزيجات، وصناعة المكانة.

ثم ترتبط القلادة برسم جاك لروز، فتنتقل من عالم الملكية إلى عالم الجسد والذاكرة.

وفي النهاية ترميها روز في المحيط.

من الناحية العملية قد يبدو تصرفها جنونيًا: لماذا تلقي شيئًا بالغ القيمة في البحر؟

لكن الفيلم لا يفكر بمنطق سوق المجوهرات.

روز تعيد الشيء إلى المكان الذي تنتمي إليه قصته.

لقد أمضى الباحثون عن الحطام وقتهم يبحثون عن كنز، بينما كانت المرأة التي أمامهم تحمل كنزًا آخر لا تستطيع أجهزة الغوص التقاطه: الذاكرة.

التاريخ الذي لا تستطيع الكاميرا تصويره

هناك فكرة تتكرر طوال الفيلم: البشر يعتقدون أنهم يعرفون قيمة الأشياء، ثم تأتي الكارثة وتعيد ترتيبها.

التذكرة الرخيصة التي ربحها جاك تصبح أثمن من المال لأنها أدخلته إلى أيامه الأخيرة. والقلادة التي تساوي ثروة تصبح أقل أهمية من رسم على ورقة. والسفينة التي تمثل قمة الهندسة تصبح حطامًا في القاع.

والشاب الذي لا يملك شيئًا يصبح أهم شخص في حياة امرأة عاشت بعده عشرات السنين.

إنها عملية قلب مستمرة لمفهوم القيمة.

ولهذا فإن Titanic ليس، في جوهره، فيلمًا عن سفينة غرقت.

إنه فيلم عن الأشياء التي نظن أنها ستبقى، والأشياء التي تبقى فعلًا.

لماذا ما زلنا نصدق جاك وروز؟

ليس لأن الجمهور ساذج ولا يستطيع التمييز بين السينما والتاريخ.

بل ربما لأن كاميرون وضع الشخصيتين الخياليتين داخل نسيج تاريخي كثيف إلى درجة أن الحدود بين الوثيقة والحكاية أصبحت غير مرئية أحيانًا.

السفينة حقيقية. موعد الاصطدام حقيقي. الجبل الجليدي حقيقي. القبطان حقيقي. المصمم حقيقي. كثير من الركاب حقيقيون. قوارب النجاة حقيقية. والفرقة الموسيقية حقيقية.

ثم يمشي بين هؤلاء جميعًا شخصان غير موجودين.

بعد ثلاث ساعات من الفيلم يصبح من الصعب عاطفيًا أن نقول إنهما «لم يكونا هناك».

وهذه ربما أعظم حيلة سردية في الفيلم.

لم يضع كاميرون قصة حب إلى جانب التاريخ.

لقد أدخلها داخل ذاكرة التاريخ.

تيتانيك: حين ينتصر الخيال على الحقيقة لكي يعيدنا إليها

قد يبدو اختراع جاك وروز ابتعادًا عن الحقيقة، لكنه أدى وظيفة معاكسة أيضًا.

فمن خلالهما عاد ملايين الناس للبحث عن السفينة الحقيقية، وعن ركابها، وعن جوزيف داوسون، وعن إيدا وإيزيدور شتراوس، وعن توماس أندروز، وعن أسباب نقص قوارب النجاة، وعن الدقائق الأخيرة في شمال الأطلسي.

أي أن الخيال، بطريقة ملتوية، أعاد الجمهور إلى الوثيقة.

وهذا ما يجعل Titanic حالة مثيرة للنقد الأدبي بقدر ما هي مثيرة للنقد السينمائي. فهو يستخدم واحدة من أقدم حيل الأدب: يخلق إنسانًا غير موجود لكي يقول شيئًا حقيقيًا عن الإنسان.

جاك وروز لم يعيشا على متن تيتانيك.

لكن الحب والخوف والفوارق الطبقية والرغبة في الحرية والتمسك بالحياة التي يمثلانها كانت موجودة هناك بالتأكيد، موزعة بين أكثر من ألفي إنسان، لكل واحد منهم قصة لم تحصل على ثلاث ساعات من الشاشة.

وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد انتهاء الفيلم ليس: هل كان جاك وروز حقيقيين؟ بل سؤالًا أكثر إزعاجًا: كم جاك وكم روز غرقا في تلك الليلة فعلًا، ولم يخترع أحد فيلمًا لكي نتذكر أسماءهم؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق