اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

شرح فيلم Memento: ماذا حدث فعلًا؟ وكيف خدعتنا الذاكرة؟

غاي بيرس بطل فيلم Memento الذي أدى شخصية ليونارد شيلبي
غاي بيرس، مؤدي شخصية ليونارد شيلبي في فيلم Memento. تصوير: LucaFazPhoto / Luca Fazzolari، بترخيص CC BY-SA 4.0 عبر Wikimedia Commons.
حين تصبح الذاكرة شاهدًا لا يمكن الوثوق به

ماذا لو استيقظت في منتصف حياتك ولم تعرف كيف وصلت إلى المكان الذي أنت فيه؟ أمامك صورة كتبت عليها ملاحظة بخط يدك، وعلى جسدك وشوم تخبرك بما يجب أن تصدقه، وفي جيبك أدلة جمعتها بنفسك. يبدو الأمر مطمئنًا: ما دمت لا تستطيع الاعتماد على ذاكرتك، تستطيع الاعتماد على الحقائق. لكن ماذا لو كنت أنت الشخص الذي اختار هذه «الحقائق» أصلًا؟

هنا تكمن الخدعة الكبرى في فيلم Memento. فالفيلم الذي أخرجه كريستوفر نولان وظهر سنة 2000 لا يسأل فقط كيف يعيش إنسان عاجز عن تكوين ذكريات جديدة، بل يطرح سؤالًا أشد قسوة: هل نبحث فعلًا عن الحقيقة، أم نبحث عن رواية تجعل استمرار حياتنا ممكنًا؟

لهذا فإن محاولة شرح Memento بمجرد إعادة ترتيب أحداثه زمنيًا لا تكفي. يمكننا بالتأكيد معرفة من قتل من، ومن خدع من، وما الذي حدث أولًا وما الذي جاء بعده. لكن اللغز الحقيقي يبقى في مكان آخر: لماذا اختار ليونارد أن يصدق ما يصدقه، وهل ذاكرته وحدها هي التي خدعته؟

تنبيه: من هذه النقطة تحتوي المقالة على كشف كامل لأحداث الفيلم ونهايته.

لماذا يبدأ Memento من النهاية؟

في المشهد الافتتاحي نرى صورة بولارويد لجثة، لكن الصورة لا تتضح كما يحدث عادة، بل تتلاشى. الدم يعود إلى مكانه، والرصاصة ترجع إلى المسدس، والزمن نفسه يبدو كأنه يتراجع. منذ اللحظة الأولى يقول الفيلم للمشاهد، من دون شرح: لا تثق بالطريقة المعتادة التي تفهم بها الزمن.

يقسم نولان الحكاية إلى مسارين. المشاهد المصورة بالأبيض والأسود تتحرك إلى الأمام زمنيًا، بينما تتحرك المشاهد الملونة في الاتجاه المعاكس؛ أي إن كل مقطع ملون نشاهده حدث قبل المقطع الملون الذي سبقه على الشاشة. وفي نقطة حاسمة يلتقي المساران، ويتحول الأبيض والأسود إلى اللون.

هذه ليست لعبة مونتاج هدفها إظهار براعة المخرج فحسب. لو رُويت القصة بترتيبها الطبيعي، لكنا عرفنا دائمًا أكثر مما يعرف ليونارد. كنا سنرى الشخص الذي كذب عليه قبل أن ينسى الكذبة، ونعرف سبب غضبه قبل أن يستيقظ داخل الغضب. لكن السرد المعكوس يحرمنا من هذه الميزة.

ندخل كل مشهد تقريبًا كما يدخل ليونارد لحظته الراهنة: نرى النتيجة ولا نعرف السبب.

ما المرض الذي يعاني منه ليونارد؟

ليونارد شيلبي، الذي يؤدي شخصيته غاي بيرس، لا يعاني ببساطة مما نسميه في الكلام اليومي «فقدان الذاكرة». إنه يتذكر حياته السابقة وهويته وزوجته وعمله، لكنه بعد إصابته أصبح عاجزًا عن تثبيت ذكريات جديدة طويلة المدى بالطريقة المعتادة.

لذلك يستطيع التحدث والتفكير والقيادة والتصرف، لكنه بعد مرور فترة قصيرة يفقد السياق الذي يربط اللحظة الحالية بما حدث قبلها. ولهذا يحول العالم من حوله إلى ذاكرة خارجية: صور بولارويد، ملاحظات، خرائط، ووشوم على جسده للمعلومات التي يقرر أنها لا يجوز أن تضيع.

واللافت أن الفيلم، على الرغم من استخدامه الحالة لأغراض درامية، أكثر جدية من كثير من الأفلام التي تعاملت مع فقدان الذاكرة. ليونارد لا يستيقظ ناسيًا اسمه وكل ماضيه، بل يحتفظ بجزء كبير من ذاكرته القديمة بينما يفشل في تكوين سجل مستمر للأحداث الجديدة.

لكن المشكلة التي سيكشفها الفيلم تدريجيًا ليست في قدرة ليونارد على حفظ المعلومات فقط. المشكلة الأخطر هي: من يقرر أي معلومة تستحق أن تصبح «حقيقة» دائمة؟

الصور والوشوم: هل يمكن استبدال الذاكرة بالكتابة؟

يتعامل ليونارد مع ذاكرته بوصفها شيئًا فاسدًا، ويقابلها بما يسميه الحقائق. الصورة لا تنسى، والوشم لا يغيّر رأيه، والجملة المكتوبة تبقى بعد اختفاء اللحظة التي أنتجتها.

وهذا يبدو منطقيًا إلى أن نلاحظ شيئًا بسيطًا: الكاميرا لا تكتب تعليق الصورة، وليونارد هو الذي يكتب. والوشم لا يختار نفسه، وليونارد هو الذي يقرر ما سيُحفر على جلده.

إذن الوسيط قد يكون ثابتًا، لكن المصدر البشري الذي يغذيه بالمعلومات ليس محايدًا.

وهنا ينتقل الفيلم من سؤال طبي عن الذاكرة إلى سؤال معرفي أوسع. الوثيقة لا تكون حقيقة لمجرد أنها مكتوبة. الصورة تستطيع أن تثبت أن شخصًا كان في مكان ما، لكنها لا تخبرنا بالضرورة لماذا كان هناك. والجملة المقتطعة من سياقها قد تكون صحيحة في كلماتها وخاطئة في معناها.

ليونارد لم يتخلص من هشاشة الذاكرة عندما استبدلها بالصور والوشوم؛ لقد نقل هشاشتها إلى نظام آخر يثق به ثقة مطلقة.

من هو سامي جانكيس؟

قصة سامي جانكيس هي المرآة التي يضعها الفيلم أمام ليونارد وأمامنا. يخبرنا ليونارد أنه كان، قبل إصابته، محققًا في مطالبات التأمين، وأنه درس حالة سامي، الرجل الذي بدا عاجزًا عن تكوين ذكريات جديدة.

وفق رواية ليونارد، لم يقتنع بأن حالة سامي ذات منشأ عضوي، وانتهى الأمر بزوجة سامي إلى اختبار ذاكرته بطريقة مأساوية. كانت مصابة بالسكري، وطلبت منه حقنها بالإنسولين مرارًا خلال فترة قصيرة، على أمل أن يدرك أنه أعطاها الجرعة بالفعل. لكنه لم يدرك، واستمر في إعطائها الحقن حتى ماتت.

طوال معظم الفيلم نتعامل مع قصة سامي باعتبارها معلومة تشرح لنا حالة ليونارد. لكن قرب النهاية يبدأ الجدار بين القصتين في التشقق.

يخبر تيدي ليونارد بأن سامي لم تكن له زوجة مصابة بالسكري، وأن بعض التفاصيل التي يرويها ليونارد عن سامي تخص ليونارد نفسه. ويمنحنا الفيلم ومضة بصرية شديدة القصر يظهر فيها ليونارد في موضع سامي، كأن الذاكرتين اندمجتا.

لكن يجب الانتباه هنا إلى فرق مهم: الفيلم لا يمنحنا وثيقة محايدة تقول إن رواية تيدي صحيحة بالكامل. ما نملكه هو كلام تيدي، وإشارات بصرية، وذكريات ليونارد المتصدعة. لذلك فالأدق ألا نقول إن الفيلم «يثبت» ببساطة أن ليونارد هو سامي، بل إنه يجعل رواية ليونارد عن ماضيه موضع شك جذري.

ماذا حدث فعلًا بالترتيب الزمني؟

إذا أعدنا تركيب الأجزاء الأساسية، تظهر صورة أوضح، وإن لم تصبح يقينية تمامًا.

يتعرض ليونارد وزوجته لاعتداء في منزلهما. يصاب ليونارد في رأسه، ومنذ ذلك الحين يعاني عجزًا شديدًا عن تكوين ذكريات جديدة. وهو مقتنع بأن زوجته ماتت في الاعتداء وأن رجلًا آخر شارك فيه ونجا، فيكرس حياته للعثور على ذلك الرجل الذي يسميه «جون جي».

بحسب تيدي، ساعد ليونارد بالفعل في العثور على الرجل المسؤول وقتله قبل زمن من الأحداث التي نشاهدها، بل إن تيدي يقول إنه التقط له صورة بعد الانتقام. لكن ليونارد لم يستطع الاحتفاظ بذكرى نجاحه. وبما أن حياته أصبحت قائمة على مطاردة القاتل، فإن انتهاء المطاردة خلق مشكلة أكبر من مجرد النسيان: ماذا يفعل رجل بنى معنى حياته كله على هدف لا يستطيع أن يتذكر أنه حققه؟

يستغل تيدي هذه الدائرة لاحقًا ويوجه ليونارد نحو جيمي غرانتز، وهو تاجر مخدرات. يقتل ليونارد جيمي معتقدًا أنه الرجل الذي يبحث عنه.

بعد ذلك يخبره تيدي بأن جيمي لم يكن قاتل زوجته، ويكشف له روايته عن الماضي وعن عملية الانتقام السابقة وعن سامي وزوجة ليونارد.

وهنا تقع اللحظة التي تجعل الفيلم أكبر من لغزه الزمني.

الخدعة الحقيقية: ليونارد يخدع ليونارد

كان من السهل أن يكون تيدي هو الشرير النهائي. فهو يستغل رجلًا عاجزًا عن تذكر ما حدث له، ويستفيد من حالته ويوجهه. وناتالي بدورها تكتشف أن بإمكانها التلاعب بليونارد لأنها تعرف أن كلماتها القاسية وأفعالها قد تختفي من ذاكرته بعد دقائق.

لكن نولان يرفض الحل الأخلاقي المريح الذي يجعل البطل مجرد ضحية للآخرين.

بعد مواجهة تيدي، يتخذ ليونارد قرارًا واعيًا في لحظة يستطيع فيها أن يتذكر. يسجل رقم لوحة سيارة تيدي باعتباره دليلًا يقوده إلى «جون جي». وهو يعرف، في تلك اللحظة، أنه يصنع دليلًا سيصدقه لاحقًا عندما ينسى سبب كتابته.

بعبارة أخرى، يرسل ليونارد كذبة إلى نفسه في المستقبل.

ثم يترك ذاكرته تمحو الجريمة الأصلية، بينما تبقى المعلومة المكتوبة. وبعد ذلك سيعامل تلك المعلومة كما لو أنها حقيقة مستقلة عنه.

هذه هي أكثر أفكار Memento قسوة: الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى شخص آخر كي يخدعه. أحيانًا يكفي أن يعرف نقاط ضعف ذاته وأن يترك رسالة مصممة خصيصًا لاستغلالها.

لماذا يقتل ليونارد تيدي؟

الفيلم يبدأ بقتل تيدي، لكنه لا يكشف لنا سبب القتل إلا في نهايته. وهذا القلب في الترتيب يجعل المشهد نفسه يتغير تمامًا عندما نفهمه.

في البداية يبدو تيدي رجلًا مذنبًا وصل إليه ليونارد بعد تحقيق طويل. وعندما نعود زمنيًا إلى الوراء نكتشف أن «التحقيق» الذي أدى إلى تيدي بدأ جزئيًا بقرار من ليونارد نفسه.

ليونارد يعرف أن ذاكرته المستقبلية ستثق بالنظام: رقم السيارة سيقود إلى الاسم، والاسم سيصبح هدفًا، والوشوم ستمنح المهمة سلطة الحقيقة. إنه لا يحتاج إلى تذكر قراره؛ بل يحتاج تحديدًا إلى نسيانه لكي تعمل الخطة.

ولهذا يصبح قتل تيدي مأساويًا بطريقة مختلفة. فالقاتل في المشهد الافتتاحي ليس رجلًا وصل أخيرًا إلى الحقيقة، بل رجل وصل إلى النتيجة التي أعدها له إصدار سابق من نفسه.

هل كان تيدي يقول الحقيقة؟

هنا يجب مقاومة الرغبة في تحويل الفيلم إلى معادلة لها حل واحد مؤكد.

تيدي كاذب ومتلاعب، وهذا سبب كافٍ لعدم اعتبار كل كلمة يقولها حقيقة نهائية. لكنه يعرف عن ليونارد أشياء يصعب تجاهلها، وبعض كلامه ينسجم مع الإشارات التي يزرعها الفيلم، خصوصًا التداخل بين قصة سامي وقصة ليونارد.

لذلك توجد درجات مختلفة من اليقين. نعرف أن ليونارد يعاني اضطرابًا حقيقيًا في تكوين الذكريات الجديدة. ونعرف أنه يستطيع اتخاذ قرارات ثم يفقد ذكرى دوافعها. ونراه متعمدًا إنشاء الدليل الذي سيقوده إلى تيدي.

أما التفاصيل الكاملة المتعلقة بمصير زوجته، ومدى صحة قصة سامي، ومقدار ما يقوله تيدي من حقيقة، فتبقى أقل يقينًا.

وهذا الغموض ليس نقصًا في السيناريو. إنه جزء من تصميمه. لو منحنا الفيلم شاهدًا محايدًا يعرف الماضي كله، لاستطعنا مغادرة عالم ليونارد والوقوف خارجه. لكنه يريد أن يبقينا داخله.

ناتالي وتيدي: من يستغل من؟

يكتشف كل من تيدي وناتالي بسرعة أن حالة ليونارد تمنحهما قوة مخيفة عليه. يكفي أن ينتظرا حتى تنتهي ذاكرته القصيرة لكي يعيدا تعريف ما حدث.

في أحد أكثر المشاهد إزعاجًا، تستفز ناتالي ليونارد عمدًا، وتخبره تقريبًا بأنها تستطيع قول ما تشاء لأنها تعرف أنه سينسى. يضربها، فتخرج وتنتظر حتى يفقد السياق، ثم تعود وتقدم نفسها له باعتبارها الضحية.

المشهد مؤلم لأنه يجعل المشاهد يحمل الذاكرة التي فقدها ليونارد. نحن نعرف ما فعلته ناتالي، بينما هو لا يعرف. للمرة الأولى تقريبًا نشعر بالعبء الأخلاقي للذاكرة نفسها: المعرفة التي نملكها ولا يستطيع البطل الوصول إليها.

لكن الفيلم لا يقسم الشخصيات ببساطة إلى مستغِل وضحية. ليونارد نفسه يتعلم في النهاية استخدام حالته أداةً ضد ذاته المستقبلية. الجميع تقريبًا يعيد كتابة السياق بما يخدم غرضه، وإن اختلفت الدوافع والنتائج.

هل Memento فيلم عن فقدان الذاكرة فعلًا؟

على المستوى الظاهر نعم. لكن على المستوى الأعمق، يبدو فقدان الذاكرة حالة مكبرة لشيء نفعله جميعًا بدرجات أقل.

لا أحد منا يحمل تسجيلًا كاملًا ومحايدًا لماضيه. نحن ننتقي ونرتب ونفسر. نتذكر موقفًا بطريقة تختلف عن الشخص الذي كان معنا. نمنح بعض الأحداث أهمية كبرى ونترك أحداثًا أخرى تتلاشى. ومع مرور الزمن تصبح القصة التي نرويها عن أنفسنا جزءًا من هويتنا.

ليونارد حالة متطرفة لأنه يفعل ذلك بسرعة شديدة وبوسائط مرئية. نحن نكتب سيرتنا الداخلية في الذاكرة؛ هو يكتبها على الصور والورق والجلد.

لهذا فإن الوشوم في الفيلم ليست مجرد حيلة عملية. جسد ليونارد يتحول إلى كتاب يقرأه صاحبه من دون أن يتذكر أنه المؤلف.

ما معنى عنوان Memento؟

الكلمة اللاتينية Memento ترتبط بفعل التذكر، ويمكن فهمها في سياق الفيلم بوصفها «تذكّر» أو «تذكارًا». كما أن قصة جوناثان نولان التي ارتبطت بتطور فكرة الفيلم تحمل عنوان Memento Mori، وهي العبارة التقليدية التي تذكّر الإنسان بفنائه.

وفي الفيلم يصبح التذكار مفارقة. الأشياء التي يصنعها ليونارد لكي تساعده على التذكر هي نفسها الأدوات التي تسمح له ببناء حقيقة قد تكون زائفة. الصورة تذكار، والوشم تذكار، والملاحظة تذكار؛ لكنها جميعًا تحتاج إلى تفسير.

والتذكار الذي يفقد قصته قد يتحول من شاهد على الماضي إلى صانع للمستقبل.

لماذا يبدو الفيلم مختلفًا بعد المشاهدة الثانية؟

في المشاهدة الأولى نحاول النجاة من المتاهة. نسأل: أين نحن؟ من هذا الرجل؟ لماذا يطارده ليونارد؟ هل ناتالي تساعده؟ هل تيدي يكذب؟

في المشاهدة الثانية تتغير الأسئلة. نعرف إلى أين تقود الطرق، فنبدأ بمراقبة الطريقة التي تُصنع بها الأدلة. تصبح الجمل العابرة أكثر أهمية، ونلاحظ أن ما اعتبرناه حقيقة كان أحيانًا مجرد معلومة وصلت إلينا في الوقت المناسب لكي نصدقها.

وهنا تظهر عبقرية البناء السردي. الفيلم لا يصبح عديم الفائدة عندما نعرف نهايته، لأن معرفة النهاية ليست غايته الحقيقية. في المرة الثانية نراقب الإنسان وهو يبني النسخة التي سيعيش داخلها.

ما علاقة Memento بقصة Memento Mori؟

نشأت فكرة الفيلم بالتوازي مع قصة قصيرة كتبها جوناثان نولان بعنوان Memento Mori. توجد بين العملين الفكرة المركزية لرجل يعاني عجزًا عن تكوين ذكريات جديدة، ويستخدم الملاحظات والوشوم في طريقه نحو الانتقام، لكن الفيلم ليس مجرد نقل حرفي للقصة.

طور كريستوفر نولان السيناريو السينمائي بطريقته، بينما كتب جوناثان قصته، واختلف العملان في الشخصيات والتفاصيل والبناء. ولهذا فإن العلاقة بينهما أقرب إلى اشتراك في نواة إبداعية تطورت في اتجاهين مختلفين من كونها تحويلًا تقليديًا لقصة منشورة إلى فيلم.

ولعل ذلك يفسر شيئًا من قوة الفيلم: الفكرة لم تكن مجرد لغز زمني، بل سؤالًا منذ البداية عن إنسان يحتاج إلى ترك رسائل لنفسه لكي يواصل فعلًا لن يستطيع تذكر أسبابه.

لماذا كان المونتاج جزءًا من معنى الفيلم؟

ليس غريبًا أن يصل مونتاج الفيلم، الذي تولته دودي دورن، إلى ترشيحات الأوسكار. ففي معظم الأفلام يساعد المونتاج على إخفاء البناء وجعل الحكاية تبدو متصلة. في Memento يصبح القطع نفسه جزءًا من تجربة الشخصية.

كل انتقال يمكن أن يسحب منا السياق. وكل بداية مشهد تجبرنا على إعادة تقييم ما اعتقدنا أننا نعرفه. وعندما تتصل المشاهد ببعضها في النهاية، ندرك أن الفيلم لم يكن يخفي الأحداث بقدر ما كان يغيّر موقعنا منها.

وهذا فرق مهم. الأحداث نفسها، لو رُويت من البداية إلى النهاية، قد تشكل فيلم جريمة وانتقام جيدًا. لكن ترتيبها المعكوس يحولها إلى تجربة عن المعرفة: كيف نصدر حكمًا عندما نعرف النتيجة قبل السبب؟

الحقيقة التي لا يريد ليونارد أن يتذكرها

يبدو ليونارد طوال الفيلم رجلًا يريد الحقيقة بأي ثمن. يصور الناس، يسجل الملاحظات، يوشم الحقائق على جسده، ويشك في ذاكرته لأنه يريد شيئًا أكثر صلابة منها.

ثم نصل إلى المفارقة الأخيرة: ربما لا تكون الحقيقة هي ما يحتاجه أصلًا.

إذا كان تيدي صادقًا في جوهر روايته، فإن ليونارد حقق انتقامه من قبل، لكنه لم يستطع الاحتفاظ بذكرى الإنجاز. وبذلك يصبح الانتقام مشروعًا بلا نهاية. كلما وصل إلى الهدف اختفى الوصول وبقيت الحاجة إلى هدف جديد.

وفي اللحظة التي يختار فيها تيدي ليكون الهدف التالي، يكشف ليونارد شيئًا أكثر إنسانية وأكثر رعبًا من مرضه: إنه يحتاج إلى معنى لحركته. يحتاج إلى قضية يستيقظ من أجلها، حتى لو اضطر إلى صناعة الدليل الذي سيقوده إليها.

لهذا لا تنتهي Memento عندما نعيد الأحداث إلى ترتيبها الصحيح. عندها فقط يبدأ السؤال الحقيقي.

الفيلم يخدعنا لأننا نظل نبحث عن قطعة المعلومات الناقصة التي ستحل اللغز، بينما يخبرنا تدريجيًا أن المشكلة ليست نقص المعلومات وحده. المشكلة أن الإنسان يستطيع اختيار المعلومات التي تسمح له بالعيش مع نفسه، ثم يسميها حقيقة.

ولعل أكثر ما يبقى من الفيلم بعد انطفاء الشاشة ليس صور البولارويد ولا الوشوم ولا ترتيب الأحداث المذهل، بل ذلك الشك الصغير الذي يزرعه في علاقتنا بماضينا: نحن نعتقد أن ذكرياتنا تخبرنا من نحن، لكن كم من هويتنا صنعته الطريقة التي اخترنا بها أن نتذكر؟

إذا كان ليونارد قادرًا على صناعة «حقيقة» لنفسه ثم نسيان أنه صنعها، فهل كانت الذاكرة هي التي خدعته حقًا، أم أنه استخدم ضعف ذاكرته لكي يصدق الكذبة التي احتاج إليها؟
```

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق