اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

المرأة والحرب في الأدب والسينما: من الهامش إلى قلب الحكاية

نساء يعملن في مصنع لإنتاج المقذوفات الحربية في الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية عام 1942
عاملات في مصنع بمدينة سينسيناتي عام 1942 أثناء تجميع مقذوفات حربية. تصوير Alfred T. Palmer، مكتبة الكونغرس، ملكية عامة.
حين لم تعد المرأة تنتظر عودة الجندي فقط: كيف كشفت الكتابة والسينما أن نصفًا كاملًا من تجربة الحرب ظل طويلًا خارج الحكاية؟

إذا كانت النساء قد عشن الحروب منذ أن وُجدت الحروب، فلماذا بدت حكاية الحرب طوال زمن طويل كأنها حكاية رجال؟

في الصورة التقليدية يقف الجندي في المقدمة، يحمل البندقية ويعبر الخندق، بينما تبقى المرأة في الخلف: أمًا تنتظر، وزوجة تودع، وممرضة تضمد الجرح، وأرملة تستقبل الخبر. هذه الصور ليست كاذبة؛ فقد كانت النساء أمهات وزوجات وممرضات وأرامل بالفعل. المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه الأدوار هي الحكاية كلها، وحين يبدو أن الحرب تحدث للرجل، بينما لا تفعل المرأة سوى انتظار نتائجها.

لكن الاقتراب من التاريخ اليومي للحروب يكشف مشهدًا أكثر تعقيدًا. المرأة عملت في المصانع التي صنعت السلاح، وقدت سيارات الإسعاف، وداوت الجرحى، وحملت الرسائل، وأدارت البيوت في ظل الغياب والحصار، وهربت الأطفال، وشاركت في المقاومة والعمل السري، وفي حالات كثيرة حملت السلاح بنفسها. وكانت أيضًا لاجئة وأسيرة وناجية وشاهدة، وتعرض جسدها في حروب كثيرة لأنواع من العنف لا تظهر عادة في خرائط المعارك.

لهذا فإن انتقال المرأة من هامش أدب الحرب وسينماه إلى قلبهما لم يكن مجرد إضافة "شخصية نسائية" إلى قصة مكتملة. لقد غيّر السؤال نفسه. فبدل أن نسأل فقط من انتصر ومن خسر، بدأنا نسأل: ماذا حدث للبيت؟ من حافظ على الحياة اليومية حين انهار النظام العادي للحياة؟ ماذا حدث للجسد والذاكرة والحب والأمومة والعمل؟ ومن الذي امتلك حق رواية ما وقع بعد أن صمتت المدافع؟

حين تدخل المرأة الحكاية بصوتها، لا تتسع قصة الحرب فحسب. تتغير الحدود التي نرسمها أصلًا لما نسميه "الحرب".


هل الجبهة هي المكان الوحيد الذي تحدث فيه الحرب؟

رسخت الكتابات العسكرية القديمة، ومعها قدر كبير من السينما المبكرة، فكرة بسيطة نسبيًا: توجد جبهة يقاتل فيها الرجال، وخلفها عالم مدني ينتظر. لكن الحرب الحديثة حطمت هذه المسافة تدريجيًا. التعبئة الصناعية والقصف الجوي والحصار والتهجير جعلت المدينة والمصنع والمستشفى ومحطة القطار والمطبخ والطابور أمام المخبز أجزاء من التجربة نفسها.

وقد بدا هذا التحول بوضوح في الحرب العالمية الأولى. فمع اتساع الجيوش وازدياد الحاجة إلى الذخيرة، دخلت أعداد هائلة من النساء إلى الصناعات الحربية في بريطانيا وغيرها. لم يكن المصنع خندقًا بالمعنى العسكري، لكنه لم يكن خارج الحرب أيضًا. كانت الأيدي التي تعبئ القذيفة جزءًا من السلسلة نفسها التي تنتهي عند المدفع.

ثم اتسع المشهد في الحرب العالمية الثانية. في الولايات المتحدة وحدها دخلت ملايين النساء أعمالًا مرتبطة بالإنتاج الحربي، وخدمت مئات الآلاف في القوات المسلحة في وظائف متعددة. وفي الاتحاد السوفيتي شاركت النساء بدرجة أوسع في مهام قريبة من القتال والقتال نفسه، بين الطب والطيران والقنص والدبابات والاتصالات والعمل الحزبي.

الصورة التي تتصدر هذه المقالة تأتي من هذا العالم. امرأة أمام آلة في مصنع للذخيرة سنة 1942. لا توجد معركة في الصورة، ولا دخان مدينة، ولا جندي يسقط. ومع ذلك فالحرب موجودة في كل شيء: في المعدن، والآلة، وطبيعة العمل، والغرض الذي ستذهب إليه القطعة التي تمسكها العاملة بيديها.

هنا تظهر مفارقة مهمة. الحرب فتحت أمام كثير من النساء أبوابًا مهنية واجتماعية كانت مغلقة أو شبه مغلقة، لكنها لم تفعل ذلك لأنها أصبحت فجأة مشروعًا لتحرير المرأة. احتاجت المجتمعات إلى قوة عمل إضافية، ثم حاولت قطاعات واسعة منها بعد الحرب إعادة ترتيب الأدوار القديمة. لذلك كانت الحرية التي جاءت عبر المصنع حرية ملتبسة: المرأة أثبتت عمليًا قدرتها على أداء وظائف قيل طويلًا إنها لا تناسبها، لكن الحاجة العسكرية التي سمحت لها بالدخول لم تضمن أن تبقى الأبواب مفتوحة بعد انتهاء الحاجة إليها.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل صورة المرأة العاملة زمن الحرب أكثر تعقيدًا من ملصق بطولي بسيط. فهي تحكي في الوقت نفسه عن فرصة وعن استغلال، وعن استقلال نسبي وعن تعبئة دولة، وعن توسع اجتماعي حدث داخل واحدة من أكثر اللحظات تدميرًا في التاريخ الحديث.

وقد تناولنا في مقالة كيف غيّرت الحربان العالميتان الأدب والسينما أن الحرب الحديثة لم تبدل موضوعات الفن وحدها، بل بدلت المكان الذي ينظر منه الكاتب والمخرج إلى التاريخ. وقصة المرأة مثال واضح على ذلك: كلما ابتعدت الكاميرا عن المقر العسكري واقتربت من الحياة اليومية، ظهرت حرب أخرى لم تكن أقل واقعية لأنها جرت بعيدًا عن الخندق.

من المرأة التي ينتظرها الجندي إلى المرأة التي تروي

في كثير من أدب الحرب التقليدي كانت المرأة تؤدي وظيفة مهمة لكنها محدودة. إنها الوطن المصغر الذي يتذكره الجندي، والحبيبة الموجودة في الرسالة، والأم التي تمنح التضحية معناها العاطفي، والبيت الذي يريد المقاتل العودة إليه.

هذه الصورة قوية لأن الحرب نفسها تقوم على الغياب. يحتاج الجندي إلى أن يتخيل شيئًا ينتظره خلف الجبهة. ولذلك ظهرت المرأة مرارًا بوصفها ما يُحمى، لا بوصفها من يملك قصة مستقلة عن الحرب.

المشكلة هنا ليست أن الأم أو الحبيبة صورة أدبية غير مشروعة، بل أن اختزال المرأة فيها يحولها إلى وظيفة داخل تطور شخصية الرجل. نعرف ألم الجندي لأنه يشتاق إليها، لكننا لا نعرف بالضرورة ماذا فعل الغياب بها هي، وكيف تغير عالمها، وما الذي خسرته أو اكتسبته، وكيف تبدو الحرب حين تُروى من داخل يومها لا من رسالة وصلت إليها.

هنا تكتسب مذكرات فيرا بريتن "Testament of Youth"، المنشورة سنة 1933، أهميتها. بريتن لم تكن جنديًا في الخندق، لكنها تركت دراستها وعملت ممرضة متطوعة خلال الحرب العالمية الأولى، وفقدت خطيبها وأخيها وعددًا من أقرب أصدقائها. لذلك لا تأتي الحرب في كتابها بوصفها مشهدًا جانبيًا في سيرة امرأة، بل بوصفها القوة التي أعادت تشكيل الشباب والحب والتعليم والمستقبل كله.

الفرق جوهري. حين يكتب الجندي عن الحرب يكون الموت أمامه؛ وحين تكتب بريتن عنها يكون الموت أمامها أيضًا، لكن من نافذة أخرى: سرير المستشفى، الرسالة، خبر الفقد، والسنوات التي ينبغي للناجي أن يكملها بعدما انتهت حياة الآخرين.

هكذا يصبح "الانتظار" نفسه تجربة تستحق السرد، لا مساحة فارغة بين معركتين.

حين لم تعد الحرب ذات وجه واحد

ربما لا يوجد عمل كشف محدودية السرد الحربي الذكوري بوضوح مثل كتاب سفيتلانا أليكسييفيتش المعروف عربيًا بعنوان قريب من "ليس للحرب وجه أنثوي". فقد جمعت أليكسييفيتش شهادات نساء سوفيتيات عشن الحرب العالمية الثانية في أدوار شديدة التنوع: ممرضات وطبيبات وقناصات وطيارات وعاملات اتصال ومقاتلات وغيرهن.

أهمية الكتاب لا تكمن فقط في أنه يخبرنا بأن النساء شاركن في الحرب. هذه حقيقة تاريخية يمكن أن نجدها في الوثائق. ما يفعله أدبيًا أعمق من ذلك: إنه يسأل لماذا بدت الحرب مختلفة عندما بدأت النساء يتحدثن بلغتهن الخاصة عنها.

الرواية العسكرية تميل إلى الوحدات والتحركات والأوامر والنتائج. الذاكرة الفردية لا تعمل بهذه الطريقة. قد تتذكر امرأة رائحة الشعر المحترق قبل أن تتذكر اسم العملية العسكرية. وقد تتذكر حذاءً أكبر من قدمها، أو خوفها من أن تفقد ملامح الأنوثة في الزي العسكري، أو لحظة غسل ثوب ملطخ بالدم، أو العودة بعد النصر إلى مجتمع لم يعرف ماذا يفعل بامرأة كانت جندية.

هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة أمام خريطة تحرك عليها الجيوش، لكنها ليست صغيرة في الأدب. الأدب يعيش تحديدًا في المسافة بين التاريخ الذي يعرف ماذا حدث والإنسان الذي يعرف كيف كان شعوره وهو يحدث.

ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا في شهادات كثيرة أن بعض النساء وجدن أنفسهن بعد الحرب في حاجة إلى إسكات تجربتهن. كان المجتمع مستعدًا للاحتفاء بالجندي المنتصر، لكنه لم يكن مستعدًا دائمًا لصورة المرأة التي عاشت سنوات بين الجنود والسلاح والجثث والجبهة. وهكذا حدث نوع ثان من التهميش: بعد أن شاركت المرأة في الحرب، كان عليها أحيانًا أن تستعيد صورة أنثوية تقليدية كي تستطيع العودة إلى المجتمع.

هنا لا يصبح الصمت مجرد غياب للمعلومات. يصبح جزءًا من التاريخ نفسه.

الحرب التي تصل إلى الجسد

توجد منطقة أخرى ظل السرد الحربي التقليدي طويلًا يعاملها بخجل أو صمت أو اختزال، وهي العنف الذي تتعرض له النساء لأنهن نساء.

لا يعني ذلك أن الرجال لا يتعرضون للعنف الجنسي أو للعنف المرتبط بالنوع الاجتماعي، ولا أن تجربة النساء واحدة في جميع النزاعات. لكنه يعني أن الحروب كثيرًا ما جعلت جسد المرأة ميدانًا للانتقام والإذلال والسيطرة، وأن هذا الجانب لا يمكن فهمه بمجرد قراءة بيانات الانتصار والهزيمة.

في تاريخ المحرقة، مثلًا، تعرض الرجال والنساء للاضطهاد والإبادة، لكن النساء واجهن كذلك أخطارًا وتجارب مرتبطة بالحمل والإنجاب والتعري القسري والعنف الجنسي والعمل القسري وفقد الأطفال. هذه ليست حاشية "نسائية" على تاريخ أكبر؛ إنها جزء من طبيعة الاضطهاد نفسه.

وفي مقالتنا عن المحرقة في الأدب والسينما وكيف تتحول الكارثة إلى ذاكرة ظهرت مشكلة تمثيل التجربة التي تتجاوز قدرة اللغة والصورة. وإضافة خبرة النساء إلى هذه الذاكرة تجعل السؤال أكثر تعقيدًا، لأنها تكشف أنواعًا من العنف كان بعضها محاطًا بعد الحرب بالصمت الاجتماعي والعار المفروض على الضحية.

وتقدم يوميات "امرأة في برلين" مثالًا شديد الحساسية على هذه المنطقة. النص، الذي نُشر أولًا بالإنجليزية سنة 1954 ثم بالألمانية سنة 1959 من دون اسم مؤلفته، يسجل تجربة امرأة في برلين في الأسابيع التي رافقت سقوط المدينة سنة 1945، بما في ذلك العنف الجنسي الذي تعرضت له نساء على أيدي جنود الجيش الأحمر.

وقد ارتبط الكتاب لاحقًا بالصحفية الألمانية مارتا هيلرز، وأثارت علاقته بالدفاتر الأصلية ودرجة إعادة صياغة المادة للنشر نقاشًا بحثيًا. لذلك من الأدق التعامل معه بوصفه شهادة تستند إلى مذكرات أصلية لكنها مرت أيضًا بعملية تحرير وصياغة، لا بوصفه تسجيلًا خامًا انتقل من لحظة الحدث إلى المطبعة من دون وسيط.

وهذه الملاحظة مهمة لأنها تعيدنا إلى السؤال الذي يلازم كل أدب شهادة: أين تنتهي الوثيقة ويبدأ الأدب؟ ليست الإجابة دائمًا أن أحدهما يلغي الآخر. قد يكون النص قائمًا على واقعة حقيقية، ثم يعيد ترتيب الذاكرة ويصوغها كي تصبح قابلة للحكي.

وربما يكون الأكثر قسوة أن الناجية لا تواجه الحدث وحده. عليها أن تواجه المجتمع بعده أيضًا: هل يصدقها؟ هل يصغي إليها؟ هل يجعلها مسؤولة عما حدث لها؟ هل يسمح لها بأن تتحدث من دون أن تتحول قصتها إلى فضيحة أو مادة إثارة؟

لهذا يصبح استرداد صوت المرأة في أدب الحرب مسألة تتجاوز إضافة شهادة ناقصة إلى الأرشيف. إنه تغيير في معنى من نعتبره شاهدًا على التاريخ.

وحين تحمل المرأة السلاح؟

تبدو الصورة أكثر تعقيدًا عندما تنتقل المرأة من موقع المدني أو الضحية أو الممرضة إلى موقع المقاتل.

فالثقافة التي اعتادت ربط الحرب بالرجولة تجد نفسها أمام شخصية تربك التقسيم المألوف: امرأة تستطيع أن تكون في الوقت نفسه ابنة وأمًا أو حبيبة ومقاتلة، وأن تمارس العنف أو تشارك في قرار سياسي أو عسكري، لا أن تتلقى أثره فقط.

هنا تظهر مشكلة أخرى. أحيانًا تحتفي الرواية الوطنية بالمقاتلة بوصفها رمزًا، لكنها لا تمنحها بالضرورة الفردية الكاملة. تصبح "المناضلة" أيقونة كما كانت قبل ذلك "الأم" أيقونة. يتغير الرمز، لكن الإنسان قد يظل محجوبًا خلفه.

ويقدم فيلم "معركة الجزائر" لجيلو بونتيكورفو، الصادر سنة 1966، حالة شديدة الأهمية عربيًا وعالميًا. يتناول الفيلم حرب التحرير الجزائرية بأسلوب قريب من الصورة الوثائقية، ويمنح إحدى أشهر مشاهده لنساء جزائريات يغيّرن مظهرهن كي يعبرن نقاط التفتيش الفرنسية وينقلن قنابل إلى الأحياء الأوروبية.

قوة المشهد أنه لا يستخدم المرأة زينة في الخلفية. الوجه والشعر والملابس وطريقة المشي تتحول كلها إلى عناصر في الصراع. الجسد الذي كان الاستعمار يقرأه من خلال الحجاب والملابس والهوية يصبح وسيلة لخداع نظام المراقبة نفسه.

لكن هذا لا يعني أن الفيلم قال كل شيء عن دور النساء في الثورة الجزائرية. فقد أشارت الباحثة دانييل جميلة عمران مين، التي شاركت هي نفسها في حرب التحرير ثم درست تاريخ النساء فيها، إلى أن الدور الفعلي للنساء كان كبيرًا، بينما تظل المساحة التي يمنحها لهن الفيلم محدودة قياسًا إلى امتداد مشاركتهن التاريخية.

وهذه ملاحظة نقدية شديدة الأهمية. يمكن لفيلم أن يقدم مشهدًا نسائيًا خالدًا، وأن يكون متقدمًا في جانب من تمثيله، ثم يظل في الوقت نفسه أسيرًا لمركز ثقل سردي يهيمن عليه الرجال.

فالانتقال من الهامش إلى المركز لا يقاس بعدد النساء اللواتي يظهرن على الشاشة وحده. السؤال الأدق هو: من الذي نرى العالم من عينيه؟ من يملك القرار؟ من نسمع خوفه وتردده؟ من له ماض ومستقبل؟ ومن يوجد فقط لكي يخدم تطور قصة شخص آخر؟

الأم ليست رمزًا بسيطًا أيضًا

قد يبدو أن جعل المرأة أمًا في فيلم حرب يعيدها تلقائيًا إلى الدور التقليدي، لكن الأمر يعتمد على طريقة السرد.

الأم قد تكون مجرد صورة يبكي عليها الجندي. لكنها قد تصبح أيضًا مركز المعرفة الأخلاقية في الفيلم؛ الشخص الذي يرى انهيار المؤسسات من مستوى الحياة اليومية، لا من مستوى البيانات العسكرية.

وهذا ما يجعل فيلم "Quo Vadis, Aida?" للمخرجة البوسنية ياسميلا جبانيتش مثالًا مهمًا. تدور أحداثه في سريبرينيتسا في يوليو/تموز 1995، وتتمحور حول عايدة، مترجمة تعمل مع الأمم المتحدة وتحاول، وسط انهيار الحماية الدولية وتفاقم الخطر، إنقاذ عائلتها والناس المحيطين بها.

الشخصية أم، نعم، لكن الأمومة هنا لا تحصرها داخل البيت. وظيفتها كمترجمة تضعها في أكثر الأماكن قسوة: بين الكلام الرسمي وما يحدث فعليًا، بين من يملكون السلطة ومن ينتظرون النجاة، وبين المعرفة والعجز.

اللغة نفسها تصبح أداة مأساوية. عايدة تنقل الكلمات بين الأطراف، وتفهم أكثر مما يستطيع كثيرون من حولها أن يفهموا، لكن معرفة الحقيقة لا تعني القدرة على تغييرها.

بهذا المعنى تعيد السينما المعاصرة صياغة شخصية المرأة في الحرب. البطولة ليست إطلاق النار بالضرورة. قد تكون محاولة دفع باب مغلق، وترجمة جملة، والبحث عن اسم في قائمة، ومعرفة أن الوقت ينفد بينما المؤسسة التي يفترض أن تحمي الناس تكرر لغتها البيروقراطية.

لماذا تصلح المرأة لتغيير شكل رواية الحرب نفسها؟

ليس لأن هناك "طريقة أنثوية" واحدة لرؤية الحرب. هذه فكرة تبسيطية أخرى. النساء لا يكتبن بأسلوب واحد، ولا يتخذن موقفًا واحدًا، ولا يعشن الحرب بالتجربة نفسها. الطبقة والعمر والقومية والمكان والدين والموقع من الصراع كلها تغير التجربة.

لكن إدخال أصوات ظلت بعيدة عن السرد الرسمي يجبر الحكاية على تغيير زاوية النظر.

التاريخ العسكري يستطيع أن يقول إن مدينة سقطت في يوم محدد. المرأة التي عاشت فيها قد تخبرنا متى انقطع الماء، وكيف تغير ثمن الخبز، ولماذا صار النوم في الممر أكثر أمانًا من النوم قرب النافذة، وكيف تعلم الأطفال من صوت الطائرة إن كان عليهم الركض، وماذا فعل غياب الرجال بتوزيع المسؤوليات داخل البيت.

ومن هنا تلتقي قصة المرأة بقصة الطفل والمدني. وقد ناقشنا في مقالة الحرب والطفولة وكيف يرى الأدب والسينما العالم من عيني الطفل أن نقل زاوية السرد من الجندي إلى الطفل يغير معنى الحرب كلها. الأمر نفسه يحدث حين تصبح المرأة صاحبة العين التي نرى منها الأحداث.

فجأة تفقد كلمات مثل "الجبهة الداخلية" بساطتها. إذا كانت القنبلة تسقط على البيت، فهل البيت خلف الجبهة حقًا؟ وإذا كانت امرأة تصنع الذخيرة نهارًا وتربي أطفالها ليلًا، فأي جزء من حياتها مدني وأي جزء عسكري؟ وإذا كانت اللاجئة تحمل ذاكرة المدينة التي اختفت، فهل انتهت الحرب بالنسبة إليها حين وُقعت اتفاقية وقف إطلاق النار؟

المشكلة ليست فقط في إخفاء المرأة.. بل في طريقة إظهارها

حين بدأت السينما تمنح النساء مساحة أكبر في أفلام الحرب لم تختفِ الصور النمطية تلقائيًا.

توجد صورة المرأة التي تنتظر وحدها، والمرأة التي لا وظيفة لها إلا تحفيز البطل على الانتقام، والممرضة التي يقع الجندي في حبها، والضحية التي يستخدم ألمها لإثبات وحشية الخصم، والمقاومة الجميلة التي تتحول شجاعتها إلى عنصر إثارة، والأم التي لا تمتلك شخصية خارج خوفها على أبنائها.

المشكلة ليست في وجود هذه الشخصيات. كلها يمكن أن تكون حقيقية إنسانيًا. المشكلة حين تصبح قوالب جاهزة، وحين يستخدم الفيلم معاناة المرأة ليصنع انفعالًا سريعًا ثم يتركها خارج الحكاية.

ويصبح الأمر أكثر حساسية في تصوير العنف الجنسي. فهناك فرق أخلاقي وفني بين عمل يحاول أن يجعلنا نفهم أثر العنف في الضحية، وعمل يطيل النظر إلى جسدها لأنه يريد أن يصدم الجمهور. الكاميرا تستطيع فضح الجريمة، لكنها تستطيع أيضًا أن تعيد تحويل الضحية إلى موضوع للنظر.

لذلك لا يكفي أن نقول إن الفيلم "جريء" لأنه أظهر ما كان مسكوتًا عنه. ينبغي أن نسأل: لمن تنتمي اللقطة؟ مع من يتماهى المشاهد؟ هل نخرج من المشهد ونحن نفهم شيئًا عن الناجية، أم أننا استهلكنا ألمها بصريًا ثم انتقلنا إلى المشهد التالي؟

هذه واحدة من أصعب مشكلات سينما الحرب كلها. كلما كانت الصورة أقوى زاد خطر أن تتحول المعاناة إلى فرجة.

المرأة ليست أكثر براءة من التاريخ

ومن الأخطاء المقابلة أن نصحح التهميش بتحويل المرأة إلى كائن أخلاقي نقي دائمًا.

النساء في الحروب لم يكنّ ضحايا فقط، كما لم يكنّ مقاومات فقط. بعضهن شاركن في أجهزة الدولة والدعاية والمؤسسات العسكرية، وبعضهن أسهمن في الاضطهاد أو استفدن منه أو صمتن عنه. الاعتراف بذلك لا يقلل من حجم ما تعرضت له النساء من عنف، لكنه يحمي القراءة من صورة رومانسية جديدة تحل محل الصورة القديمة.

الإنسان في الحرب أعقد من الأدوار المريحة. والمرأة حين تدخل التاريخ كاملًا ينبغي أن تدخل إليه بحقها في التعقيد أيضًا: تستطيع أن تكون شجاعة وخائفة، ضحية وفاعلة، محبة وقاسية، مقاومة أو متعاونة أو محايدة أو عاجزة عن اتخاذ موقف.

إن تحرير الشخصية النسائية من الهامش لا يعني منحها هالة أخلاقية، بل منحها الإنسانية كاملة.

من يملك الذاكرة بعد الحرب؟

لعل هذه هي المسألة التي تجعل حضور المرأة في أدب الحرب وسينماه أكثر أهمية بعد توقف القتال.

تنتهي الحرب العسكرية في تاريخ يمكن كتابته على الصفحة. أما الحرب في الذاكرة فلا تملك يومًا واضحًا للانتهاء.

في البيت تبقى صور الغائبين، والأثاث الذي لم يعد صاحبه موجودًا، والثياب، والرسائل، والعادات الصغيرة. ومن بقي حيًا يضطر إلى القيام بعمل قاسٍ وطويل: تحويل الكارثة إلى حياة يمكن الاستمرار فيها.

لهذا تظهر النساء كثيرًا في أدب ما بعد الحرب بوصفهن حارسات لذاكرة العائلة. لكن حتى هذه العبارة تحتاج الحذر. ليست المرأة وعاءً سلبيًا لذاكرة الرجل الميت. قد تعيد ترتيب الماضي، وترفض رواية المجتمع له، وتكشف ما أخفاه الرجال، أو تختار الصمت، أو تنقل القصة إلى الجيل التالي بطريقة مختلفة.

وعندما تنتقل الشهادة من الأم إلى الابنة، ومن الجدة إلى الحفيدة، تتغير الحرب نفسها. لم يعد الحدث مجرد شيء وقع لمن عاشه، بل يصبح ذاكرة موروثة تشكل أشخاصًا ولدوا بعد انتهائه.

هنا نصل إلى واحدة من أهم التحولات التي أحدثها حضور النساء في أدب الحرب: الانتقال من تاريخ المعركة إلى تاريخ الأثر.

المعركة قد تستمر ساعات. أثرها داخل الأسرة قد يستمر ثلاثة أجيال.

هل جعلت الحرب المرأة أكثر حرية؟

إنه سؤال مغرٍ، لكنه لا يقبل جوابًا بسيطًا.

نعم، دفعت الحروب الكبرى نساء كثيرات إلى التعليم والعمل والمسؤوليات العامة ومجالات كانت مغلقة أمامهن. وأثبتت التجربة عمليًا أن تقسيم الوظائف إلى "عمل رجل" و"عمل امرأة" كان اجتماعيًا بدرجة أكبر مما توحي به اللغة التقليدية.

لكن القول إن الحرب "حررت المرأة" يمكن أن يكون مضللًا وقاسيًا إذا نسي الثمن. الفرصة التي فُتحت لامرأة في مصنع ربما فُتحت لأن رجلًا أُرسل إلى جبهة قد لا يعود منها. الاستقلال الاقتصادي قد ترافق مع قصف وحرمان وفقد. كما أن عددًا كبيرًا من النساء دُفعن بعد نهاية الحرب مرة أخرى إلى المواقع التي كان المجتمع قد سمح لهن مؤقتًا بمغادرتها.

لذلك لا ينبغي الاحتفال بالحرب باعتبارها قوة تحديث اجتماعي. الأدق أن نقول إنها كشفت هشاشة كثير من الحدود القديمة. عندما احتاج المجتمع إلى النساء اكتشف أنهن يستطعن القيام بأعمال قيل سابقًا إن طبيعتهن تمنعهن منها. وحين انتهت الحاجة العسكرية صار من الصعب محو هذا الاكتشاف تمامًا، حتى عندما جرت محاولة إعادة عقارب الساعة.

حين تتغير زاوية الكاميرا يتغير معنى البطولة

من أكثر النتائج إثارة للاهتمام أن مركزية المرأة لا تضيف بطلات جديدات فحسب، بل توسع معنى البطولة نفسه.

في السرد العسكري التقليدي تبدو البطولة لحظة: جندي يقتحم موقعًا، ينقذ رفيقًا، يرفض الاستسلام.

أما في كثير من الحكايات التي تضع المرأة والمدني في المركز، فقد تصبح البطولة زمنًا طويلًا بدل أن تكون لحظة خاطفة. البحث اليومي عن الطعام، إبقاء الأطفال أحياء، رعاية جريح، إخفاء مطارد، عبور حاجز، مواصلة العمل بعد فقد الأسرة، أو القدرة على رواية ما حدث بعد سنوات من الصمت.

هذه ليست بطولة أقل شأنًا لأنها لا تصلح لتمثال فارس فوق حصان.

بل ربما تكشف شيئًا كان أدب الحرب بحاجة إلى وقت طويل حتى يدركه: أغلب الناس لا يعيشون التاريخ في هيئة مشاهد كبرى. يعيشونه في تفاصيل صغيرة متراكمة، وفي قرارات يتخذونها من دون أن يعرفوا إن كان أحد سيتذكر أسماءهم.

من الهامش إلى قلب الحكاية

لم تصبح المرأة جزءًا من الحرب عندما بدأت الروايات والأفلام الحديثة بالحديث عنها. كانت هناك دائمًا.

الذي تغير هو موقع العين.

حين كانت الحكاية تنظر من مقر القيادة، ظهرت الجيوش. وحين انتقلت إلى الخندق ظهر الجندي العادي. وحين دخلت المدينة ظهر المدني. وحين نزلت إلى مستوى الطفل ظهرت الحرب بوصفها انهيارًا للعالم قبل أن تكون صراعًا سياسيًا. وحين بدأت المرأة تتحدث بصوتها ظهرت شبكة كاملة من التجارب التي أخفاها التقسيم السهل بين الجبهة والبيت.

اتضح أن الحرب تقع أيضًا في المصنع والمستشفى والقبو والقطار وطابور الخبز وغرفة الولادة ورسالة الفقد وذاكرة الناجية.

واتضح أن السؤال ليس فقط كيف قاتل الإنسان، بل كيف واصل الحياة بينما كان العالم الذي يعرفه يتفكك.

لهذا فإن أهم ما أضافه حضور المرأة إلى أدب الحرب وسينماه ليس "وجهًا نسائيًا" جديدًا داخل الصورة القديمة. لقد ساعد على كسر إطار الصورة نفسه.

الحرب بعد ذلك لم تعد مجرد قصة جيوش تتحرك على الخريطة. أصبحت قصة مجتمع كامل يُعاد توزيع أدواره بالقوة، وأجساد تُصاب بطرق مختلفة، وذاكرات تتنافس على حق الكلام، وأناس يحاولون بعد انتهاء المعركة أن يفهموا من أصبحوا.

وربما لهذا تبقى شهادات النساء وأفلامهن ورواياتهن مهمة حتى حين نعرف نتائج الحرب مسبقًا. فنحن لا نقرأها لكي نكتشف أي جيش وصل أولًا، بل لكي نكتشف ما الذي لم تره الخريطة أصلًا.

إذا كانت نصف تجربة الحرب قد بقيت طويلًا خارج الرواية الرسمية، فكم جزءًا آخر من التاريخ ما زلنا لا نراه لأننا اعتدنا النظر إليه من عيون الأبطال الذين اختارتهم الحكاية؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق