اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

إبراهيم السعافين شاعرًا: شعرية الذاكرة والمقاومة في ديوان "مقام النخيل"

بورتريه عمودي بالألوان المائية للأستاذ الدكتور إبراهيم السعافين، بخلفية هادئة مستوحاة من النخيل وألوان الأرض، يتناسب مع ديوانه "مقام النخيل".


حين يصير الغناء وطنًا

بقلم: الوراق الجزائري

لا يقدّم إبراهيم السعافين في ديوانه "مقام النخيل" مجموعة من التأملات الوجدانية المتجاورة فحسب، بل يبني عالمًا شعريًا متماسكًا يقوم على مواجهة ممتدة بين قوتين: قوة الاقتلاع التي تمثلها الريح والمنفى والحرب والخراب والصمت، وقوة التجذّر التي تنهض بها الأرض والأم والحكاية والغناء. ومن هذه المواجهة يستمد الديوان وحدته الداخلية، على الرغم من تعدد موضوعاته، وتفاوت أشكاله بين قصيدة التفعيلة والنص الإيقاعي القصير والمقطوعة ذات النزوع الغنائي الواضح.

العنوان نفسه يجمع بين دلالتين متساندتين. فكلمة "مقام" تحيل إلى الإقامة والثبات، كما تحيل إلى النظام النغمي في الموسيقى العربية، أما النخيل فيحمل معنى الرسوخ والعلو والخصب ومقاومة العطش. بذلك يبدو العنوان صياغة مكثفة لرؤية الديوان: أن يقيم الإنسان في أرضه وذاكرته عبر الغناء، وأن يحوّل القصيدة إلى مقام يحمي وجوده من التبدد. والنخيل هنا ليس شجرة تزيينية في مشهد طبيعي، بل نموذج ضمني للشاعر الذي تضرب جذوره في التاريخ، فيما يرفع رأسه في وجه الريح.

 

القصيدة بوصفها إنقاذًا لما يتبدد

يفتتح السعافين الديوان بمشهد يضع الذات مباشرة في مواجهة الريح:

"أُلملم أوراق عمري من الريح
تدفعني الريح
أرتدُّ فيها
أعضُّ أصابعها
كي أخلِّص ما ضاع من
أُغنيات" (ص 7).

ليست الريح في هذه الأسطر عنصرًا طبيعيًا محايدًا، وإنما قوة محو تشتت أوراق العمر وتهدد ما تراكم فيه من تجارب وأصوات. والذات لا تقف أمامها موقف المتلقي السلبي؛ فهي "تعض أصابعها" في صورة تمنح الريح جسدًا عدوانيًا، وتمنح الذات في المقابل قدرة على المقاومة. وما تسعى إلى إنقاذه ليس العمر في معناه الزمني المجرد، بل "الأغنيات"، أي ذلك الجزء من الحياة الذي صار معنى وذاكرة وجمالًا. ثم تنتهي الحركة إلى فعل إعلان:

"وأرفع رأسي قليلًا
وأنشر وشمي
وأُسرِج وهمي
لأبذر سرَّ الحياة" (ص 7).

يحمل "الوشم" هنا معنى العلامة التي لا تزول، وكأن الكتابة أثر محفور في الجسد لا صفحة عابرة يمكن للريح أن تطيّرها. أما "الوهم" فلا يرد بوصفه نقيضًا سلبيًا للحقيقة، بل قوة تخييلية تُسرج كما يُسرج الفرس، لتمكين الذات من اجتياز الواقع. إن القصيدة لا تنكر الخراب، لكنها ترفض أن يكون الخراب الحقيقة الوحيدة.

منذ هذا المدخل يتضح أن الغناء في الديوان ليس ترفًا جماليًا. إنه وسيلة للبقاء، واستعادة لما سرقه الزمن، ومقاومة رمزية لقوى الإلغاء. ولذلك تتكرر في القصائد مفردات الأغنية والناي والمواويل والقوافي والترانيم والهزيج. إن السعافين لا يكتب عن الغناء من خارجه، بل يجعل بنية الديوان نفسها قائمة على الاعتقاد بأن الصوت قادر على حفظ ما يعجز التاريخ العنيف عن حمايته.

 

عالم ينقسم بين النار والحقل

تظهر البنية التضادية للديوان بوضوح في قصيدة "نرقص للنار" حيث تبدأ القصيدة باستحضار عالم فطري شديد الانسجام: زهر وطيور وخيول ومطر وأرض تسبّح، ثم تنقلب فجأة إلى مساء يسيطر عليه الحقد والنزوح. يسأل الصاحب:

"فقال: لماذا نغادر كلَّ المسافات
نبحث عن وترٍ شدَّه الحقد
وامتدَّ فينا،
نناكف تهويمة الطير
نرقص للنار" (ص 14).

المفارقة موجعة؛ فالإنسان الذي يستطيع أن يصغي إلى "تهويمة الطير" يختار مناكفتها، والذي يستطيع أن يصنع من العالم موسيقى يرقص للنار. ليست النار هنا حادثة تقع خارج الذات الإنسانية، بل خيارًا تشارك الذات في إنتاجه. ويعمّق فعل "نرقص" الإدانة، لأنه لا يشير إلى الوقوع في الخراب فقط، وإنما إلى التواطؤ معه وتحويله إلى طقس جماعي.

بعد ذلك يغادر النص المشهد التأملي إلى صورة النازحين والقرية التي انقطع عنها صوت القوافل:

"يسكننا النازحون
إلى قريةٍ غاب عنها حداءُ
القوافل
في عتمة الليل
غاب هزيج السنابل
في حفلة الحقل" (ص 14).

ترتكز الصورة على استبدال صوت بصوت: يغيب حداء القوافل وهزيج السنابل، لتحل النار محل الغناء. ومن المهم أن الشاعر يقول "يسكننا النازحون" بدل أن يكتفي بوصفهم من الخارج. إن النزوح يتحول هنا إلى جرح في الضمير وإقامة داخل الوعي؛ فالمنفي لا يسكن مخيمًا بعيدًا فحسب، بل يسكن ذاكرة من يراه ويشعر بمأساته.

هذه واحدة من سمات السعافين الأساسية: نقل القضية العامة إلى داخل الذات من غير أن يفقدها بعدها الجماعي. فهو لا يفصل وجعه الشخصي عن الحروب والمنافي، ولا يحوّل المأساة العامة إلى شعار منفصل عن التجربة. لذلك يتداخل في الديوان ضمير المفرد مع ضمير الجمع، ويتحول "أنا" الشاعر كثيرًا إلى "نحن" متعبة، مهاجرة، حالمة ومقاومة.

 

المدينة ومنفى الروح

لا يرتبط الاغتراب في "مقام النخيل" بالابتعاد الجغرافي وحده إذ يمكن للإنسان أن يكون غريبًا في المدينة وبين الآخرين، بل داخل لغته وزمنه. في قصيدة "لهيب الغناء" تبدو المدينة فضاءً يحكمه الرحيل والصمت:

"فما في المدينة إلا عبيدُ المسافات
لا يسأمون الرحيل
يلوذون بالصمت حين ينادي المنادي
على شرفات المتاهات
ليلًا" (ص 18).

تعبير "عبيد المسافات" يكشف انقلاب العلاقة بين الإنسان والمكان. فالمسافة التي يفترض أن يعبرها الإنسان تصبح هي المالكة له. إنهم يتحركون دائمًا، لكن حركتهم لا تقود إلى وصول؛ ولذلك يصير الرحيل إقامة من نوع آخر، وتصير الشرفات، التي يفترض أن تنفتح على الخارج، "شرفات المتاهات". ويواصل الشاعر تشكيل هذا الاختناق:

"يا لحزن المقيمين في ربقة الطين
والروح تحت ركام القوافي العصية
والعازفون
يخبئ كلٌّ كمنجته
في الفراغ المضبب
والحالمون
يغيبون في لجّة الصمت" (ص 18).

القوافي في هذه الصورة ليست خلاصًا مضمونًا؛ فقد تتحول هي الأخرى إلى ركام يثقل الروح. والكمنجة مخبأة بدل أن تُعزف، والحالمون غائبون في الصمت. هنا تبرز مفارقة مهمة في شعر السعافين: الغناء ضرورة وجودية، لكنه مهدد دائمًا بالتعطل. القصيدة واعية بعجزها بقدر وعيها بحاجتها إلى الكلام، ولهذا يصبح "لهيب الغناء" آخر ما يمكن الاحتماء به حين تتراجع بقية اليقينيات.

غير أن كثافة الصور لا تنتهي دائمًا إلى اليأس. فالنصوص تحاول باستمرار انتزاع ممر من العتمة إلى الفجر. هذا الإصرار هو ما يمنع حقل الحزن في الديوان من التحول إلى استسلام. الحزن عند السعافين طاقة أخلاقية؛ إنه دليل على أن الذات لم تتكيف مع القبح ولم تعتبره أمرًا طبيعيًا.

 

الأم: الوجه الشخصي للأرض

يتخذ الارتباط بالأرض صورته الأكثر حميمية في قصائد الأم. ففي "ثوب أمي" لا تظهر الأم باعتبارها موضوعًا للرثاء وحده، بل بوصفها مصدرًا للنور والخصب والجمال:

"أطالع وجهًا توضَّأ بالنّور
يا وجه أمي
ويا شَعرَها كالشعاع البهي
يطول فيحرسه شالها الأبيض
المجدليّ" (ص 77).

الجسد الأمومي هنا ليس جسدًا واقعيًا محدودًا، بل مساحة تتداخل فيها الحواس: الوجه يتوضأ بالنور، والشعر يشبه الشعاع، فيما يحرسه الشال الأبيض المجدلي. ويرفع هذا التآلف بين الضوء والملمح التراثي صورة الأم من المشهد العائلي إلى مرتبة الرمز، من غير أن يجردها من دفئها الإنساني. ويزداد هذا التداخل وضوحًا حين يقول:

"وما نَدَّ في أرض كنعان
من شجر عاشق أو زهر" (ص 77).

الأم والأرض ليستا طرفي تشبيه خارجي؛ فجمال الأم يتصل بما في أرض كنعان من شجر عاشق وزهر، حتى تبدو صورتها امتدادًا لجمال الأرض وخصبها، وتكتسب الأرض في المقابل ملامح أمومية. غير أن هذا التداخل لا يعني ذوبان الأم الفردية في رمز وطني عام، لأن النص يحتفظ بتفاصيل وجهها وشالها وشعرها. وهذه التفاصيل هي التي تحمي الرمز من التحول إلى شعار.

في قصيدة "يا أم"، المكتوبة في ذكرى النكبة، تتسع صورة الأم مرة أخرى لتستوعب الدار والذاكرة والاقتلاع. يبدأ الشاعر بأسئلة تبحث عن آثار حياة كانت تبدو عادية قبل أن تتحول، تحت ضغط الفقد، إلى كنوز مستحيلة:

"هل تنام العيون بعيدًا عن
الذاهبين إلى فتنة الذكريات
نفتش في باحة الدار عن لعبة
من بقايا المواسم حيرى
وعن قطة في صباح الربيع
وعن مقعد يستريح على
نغمة الناي طارَ

تَهشَّمَ في الرّيح حُزنًا" (ص 159).

قوة هذا المقطع كامنة في الأشياء الصغيرة: لعبة وقطة ومقعد وباحة دار. النكبة لا تُستعاد من خلال الأرقام والخطابات، وإنما من خلال انقطاع الألفة اليومية. وحين يظهر صوت المدافع والطائرات في نهاية المقطع، لا يكون مجرد علامة على حرب عامة؛ بل يقتحم المشهد المنزلي ويبدد ألفته، حتى تبدو نغمة الناي نفسها كأنها طائر تهشّم في الريح حزنًا. هكذا يمنح السعافين الذاكرة الوطنية ملمسًا منزليًا، ويجعل خسارة الوطن خسارة لتفاصيل العيش، لا لخريطة مجردة.

 

فلسطين بين الذاكرة التاريخية والحاضر الجريح

فلسطين في الديوان ليست موضوعًا طارئًا أو قصيدة مناسبة معزولة. إنها مركز خفي تعود إليه صور الأرض والمنفى والأم والنازحين والعودة. غير أن الخطاب الفلسطيني يتخذ أحيانًا شكلًا مباشرًا، كما في قصيدة "في ظلال القدس":

"بين قصور أريحا من أيام أُميّة
حيث سواقي الموز
وبيارات الدر المنثور
وحواري القدس وأسراب
الفلاحات على ارتفاع الأرض
تدور" (ص 109).

يستدعي المقطع طبقات المكان: أريحا، وسواقي الموز، والبيارات، وحواري القدس، والفلاحات. وفلسطين هنا تاريخ وجغرافيا وعمل يومي، وليست فكرة سياسية مُجرَّدة. ويتحول تعداد الأمكنة إلى فعل مُقاومة لغوية؛ فتسمية المكان تعني تثبيته في الذاكرة وحمايته من المحو. لكن الصورة المضيئة تنكسر سريعًا:

كان صَبيٌّ ينزف في ليل القهر
ويحلُم في فجر العتمة
بالسكين" (ص 109).

تكشف هذه الأسطر مقدار التوتر الذي يحكم المعجم الشعري في الديوان. فالصبي ينزف في قلب القهر، لكنه لا يتخلى عن الحلم؛ غير أن حلمه يولد في العتمة متصلًا بالسكين، بما يكشف أن العنف قد اقتحم حتى صورة الخلاص نفسها. لا توجد خلاصات سهلة أو انتصارات مجانية؛ حتى صور الضوء تبقى مطوقة بآثار العنف. ويتجلى الانتماء إلى الأرض في خاتمة الديوان تقريبًا بوصفه حبًا ملتبسًا بالألم:

"لماذا تضيق بنا الأرض جدًّا
ونحن نحبك جدًّا؟
تفر المسافات من بيننا
ونحن نفر إلينا
ونحن نحبك جدًّا" (ص 179).

السؤال لا يتهم الأرض، بل يكشف المفارقة بين شدة الحب وضيق إمكانية الإقامة. والعبارة اللافتة "نفر إلينا" تجعل العودة إلى الأرض عودة إلى الذات؛ فالإنسان خارج أرضه بعيد عن نفسه أيضًا. لذلك لا يصبح الوطن ملكية خارجية، وإنما جزءًا من تعريف الإنسان لوجوده.

 

المكان المستعاد بالحكاية

يحضر المكان في الديوان من خلال التسمية والذاكرة والحكاية. وجرش نموذج بالغ الدلالة في هذا السياق، لأنها لا تظهر بوصفها مدينة أثرية ساكنة، بل طريقًا تسير عليه الشخصيات والحكايات والأزمنة:

"تسير المطايا إلى جرش من زمان
الحكايات
والذاهبون إلى الأمس يروون أيامنا
والزمان فتى كان في أول العمر
يُغوي المروءات سَمحًا" (ص 119).

لا يسير الشاعر إلى جرش عبر طريق جغرافي فقط، وإنما عبر "زمان الحكايات". كما تنقلب العلاقة المعتادة بين الماضي والحاضر؛ فالذاهبون إلى الأمس هم الذين "يروون أيامنا"، بما يعني أن الحاضر لا يفهم نفسه إلا من خلال مرآة الماضي. ليست الحكاية في هذا التصور استعادة لما انتهى، بل وسيلة لقراءة ما يحدث الآن.

وفي المقطع نفسه تتجاور البطولة والكرم والغناء:

"وكان رفيقًا لفتيان صدق من الأولين
يغنون للأرض والكبرياء
وكانوا لها الملح،
كانوا إذا الخطب كشّر
سقف السماء" (ص 119).

الماضي الذي يستدعيه الشاعر ليس متحفًا، بل منظومة قيم يقيس بها هشاشة الحاضر. ومع ذلك تظل الصورة قابلة للنقاش؛ فتمجيد "الأولين" قد يدفع بعض المقاطع إلى مثالية تستبدل تعقيد التاريخ بصفائه المتخيل. غير أن السعافين يخفف من ذلك حين يجعل الماضي مادة للحكاية والرغبة، لا تقريرًا تاريخيًا يدعي الحياد.

 

الحكاية في مواجهة المحو

يعلن الديوان في أكثر من موضع ثقته بالحكاية، لأنها تحفظ ما تهدده الحروب والمنافي بالنسيان. وفي "أحلام المجانين" يقول المتكلم:

"لست سهمًا طائشًا يرتد في الريح
إلَيّْ
أنا حِبرُ الله يَجري في سطور
الوقت
أسماء على الباب
ونقشٌ مَقدِسيّ
وأساطير الغوايات عن النارنجِ

والنخلِ
ونيران القرى" (ص 101).

يتشكل المتكلم من علامات متراكمة: الحبر، والأسماء، والنقش المقدسي، والنارنج، والنخل، ونيران القرى. إنه لا يرى نفسه "سهمًا طائشًا" تحرّكه الريح ثم تعيده بلا غاية، بل حبرًا يسري في سطور الزمن ويثبت فيها آثار المكان والإنسان. وتمنح إضافة الحبر إلى الله الكتابة بُعدًا يتجاوز الفعل الشخصي، إذ تصبح أمانة ذات قيمة روحية، ووسيلة لحماية الوجود من المحو.

وتجمع الصورة بين وجهي الذاكرة الفلسطينية: وجهها الحميم الذي تمثله أشجار النارنج والنخل والأسماء المكتوبة على الأبواب، ووجهها المأساوي الذي تمثله نيران القرى. أما "أساطير الغوايات" فتردّ إلى المكان سحره وخصوبته، فلا تختزله في الخراب، بل تستعيد ما كان فيه من جمال وألفة وحياة. وهكذا لا تنافس الحكاية الشعرية الوثيقة في تسجيل الوقائع، وإنما تحفظ ما قد تعجز الوثيقة عن حمله: رائحة الشجر، ودلالة الاسم، وحرمة الباب، وأثر النار في النفس. ومن هنا نفهم كثرة حضور الأبواب والنوافذ والبيوت والطرقات في الديوان. إنها علامات على حياة اقتُلعت من سياقها، وحدود بين عالم حاضر ناقص وعالم غائب تحاول الذاكرة استرداده. والقصيدة تقف على هذه الحدود؛ لا تستطيع إعادة الماضي فعليًا، لكنها تستطيع أن تكتب أسماءه في "سطور الوقت"، وأن تمنع موته الكامل.

 

إيقاع الحيرة وتعدد الأصوات

لا ينتظم الديوان في قالب موسيقي واحد. بعض نصوصه يقترب من قصيدة التفعيلة، وبعضها يعتمد السطر القصير والتوازي والتكرار، وبعضها يستعيد القافية بوضوح. وتكشف قصيدة "مقام الحيرة" هذا الميل إلى استدعاء النبرة الغنائية الموروثة:

"نحن في لجّة الحياة حيارى
نسرع الخطو في صحارى الأماني
هاجت الريح في سوافي القوافي
وانثنى حلمنا كسيرًا يعاني" (ص 163).

يمنح انتظام القافية المقطع نبرة إنشادية، لكن هذه الموسيقى لا تعبّر عن استقرار داخلي؛ فهي تحمل الحيرة والانكسار وضياع الرؤيا. وبهذا تتحقق دلالة "المقام" في مستويين: مقام موسيقي ينظم القول، ومقام وجودي تقيم فيه الذات حائرة.

يعتمد السعافين كذلك على السؤال بوصفه أداة إيقاع ومعرفة. الأسئلة المتكررة في الديوان ليست طلبًا لإجابة محددة، بل تعبير عن عالم فقد بداهته: لماذا نغادر؟ لماذا تضيق الأرض؟ هل يهرب العود؟ هل نحن نحن؟ هل تنام العيون؟ إنها أسئلة تحافظ على يقظة الروح، لأن الخطر الحقيقي ليس غياب الإجابة فقط، بل اعتياد المأساة والتوقف عن مساءلتها. ويظهر هذا الأثر في المقطوعات القصيرة أيضًا، كما في قوله:

"هل تهرب منك إلى وجع
يستوطن ذاكرة الأيام؟
لا شيء يواسي الجرح الموغل
في هوس الأحلام
احمل أحزانك كالطفل على
كفّيك الوادعتين
وخلِّ العين تنام" (ص 135).

تمنح مخاطبة الذات للوجع هيئة كائن مقيم في الذاكرة. أما حمل الأحزان "كالطفل" فيقلب العلاقة بها؛ فهي عبء، لكنها عبء حميم يحتاج إلى رعاية، لا شيء مكروه يمكن التخلص منه ببساطة. وتأتي عبارة "وخل العين تنام" أقرب إلى اللغة اليومية، فتخفف من فخامة المعجم وتمنح الخاتمة دفئًا إنسانيًا.

 

الطبيعة: ذاكرة أخلاقية وليست زينة

تكثر في الديوان مفردات الريح والغيم والسنابل والعصافير والكروم والزهر والمطر والأنهار. غير أن الطبيعة لا تؤدي وظيفة وصفية ثابتة. الريح قد تكون قوة اقتلاع، وقد تحمل الصوت والبذور؛ الليل قد يكون فضاء للقهر، وقد يكون زمنًا للحلم؛ الأرض قد تضيق بأبنائها، لكنها تظل مصدر الخصب والهوية. وفي "أغنية للأرض" يرسم الشاعر صورتها:

"إنَّها الأرض
تفتح أبوابها للعصافير
والأغنيات التي عتَّقَتها
ليالي البذار
وفجرُ المَناجل
في صُحبَة الطيِّبين" (ص 145).

تجتمع هنا دورة الزراعة ودورة الغناء. البذار يقابله الحصاد، والأغنية ترافق الاثنين، بحيث لا يعود العمل الزراعي مجرد نشاط اقتصادي، بل طقسًا إنسانيًا يوحّد الأرض والعاملين فيها. ومن اللافت أن الأرض تفتح أبوابها "للعصافير"، أي للكائنات الحرة، بينما تضيق في مواضع أخرى بالإنسان المحاصر. وتكشف هذه المفارقة مقدار الخلل الذي أدخله العنف إلى النظام الطبيعي. فالطبيعة عند السعافين تمثل، في جانب منها، معيارًا أخلاقيًا. الطير يغني، والسنابل تهزج، والماء يغدق، والكروم تمنح ثمارها؛ وحده الإنسان يقطع هذا الانسجام حين يختار النار والحقد والمنفى. ولهذا تبدو العودة إلى الطبيعة توقًا إلى استعادة براءة العلاقة بين البشر، لا هروبًا رومانسيًا من التاريخ.

 

كثافة المعجم وحدود التجربة

يمتلك "مقام النخيل" وحدة معجمية واضحة، لكنها تمثل في الوقت نفسه مصدر قوة وموضعًا يمكن مساءلته. تتكرر الريح والغيم والليل والصمت والناي والقوافل والسنابل والمسافات والدروب والحكايات والأغنيات في عدد كبير من القصائد. ويساعد هذا التكرار على إنشاء شبكة رمزية تجعل الديوان عالمًا واحدًا، ويمنح الكلمات قيمة تتجاوز معناها في القصيدة المنفردة. فالريح، مثلًا، تكتسب تاريخًا كاملًا كلما انتقلت من نص إلى آخر.

لكن كثافة هذا المعجم قد تجعل بعض المقاطع متوقعة، ولا سيما حين تجتمع عدة مفردات مألوفة من الحقل نفسه: الليل، الطريق، الغيم، الحلم، الناي، الأغنية، الفجر. في أقوى قصائد الديوان يقاوم الشاعر هذا التجريد بتفصيل ملموس: قطة في باحة الدار، لعبة قديمة، مقعد، سواقي الموز، بيارات، ثوب الأم، طريق جرش. وحين تظهر هذه التفاصيل ترتفع الصورة من البلاغة العامة إلى التجربة الحية.

كما تتفاوت النصوص في درجة توترها. فبعض القصائد تبني تحولًا دراميًا أو مفارقة عميقة، مثل "نرقص للنار" و"لهيب الغناء" و"يا أم"، بينما تكتفي نصوص أخرى بتدوير المعجم الغنائي نفسه دون أن تضيف إليه تحولًا دلاليًا مماثلًا. وهذه الملاحظة لا تنفي وحدة الديوان، بل تساعد على تمييز لحظاته الأكثر اكتمالًا؛ وهي اللحظات التي يتلاقى فيها الرمز مع التفصيل، والإيقاع مع الموقف، والذاكرة الشخصية مع الجرح الجماعي.

 

مقام لا تحكمه الهزيمة

ليس "مقام النخيل" ديوان رثاء خالصًا، مع أن الفقد يملأ صفحاته، وليس ديوانًا وطنيًا بالمعنى الخطابي الضيق، مع أن فلسطين والأرض والمنفى تقع في قلبه. إنه ديوان يبحث عن صيغة جمالية تحفظ للإنسان قدرته على الحب في زمن يدفعه إلى اليأس. ويتكثف هذا المعنى في قول الشاعر:

"لماذا تضيق بنا الأرض جدًّا
ونحن نحبك جدًّا؟" (ص 179).

يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يلخص مأساة الديوان: كلما اشتد انتماء الإنسان إلى الأرض، ازداد شعوره بقسوة حرمانه منها. غير أن الحب هنا ليس انفعالًا ساكنًا؛ إنه فعل مقاومة. فأن يحب الإنسان أرضًا تضيق به يعني أن يرفض تسليمها إلى صورتها المشوهة، وأن يتمسك بإمكان أن تعود فضاء للحياة. لهذا يتخذ الغناء موقعه النهائي في تجربة السعافين. إنه ليس بديلًا من الفعل ولا غطاءً على الجرح، بل طريقة لحماية المعنى من الموت حيث يلتقط الشاعر ما تبعثر من أوراق العمر، ويحفظ أسماء الأماكن والأمهات والنازحين والفلاحين والعازفين والحالمين، ثم يودعها في الحكاية. وإذا كانت الريح قادرة على تشتيت الأوراق، فإنها لا تستطيع اقتلاع الوشم.

في هذا المعنى تحديدًا يستحق الديوان عنوانه: إنه "مَقام" لأن القصيدة تمنح الذاكرة موضعًا تقيم فيه، وهو "مقام النخيل" لأن هذه الإقامة لا تقوم على السكون، بل على رسوخ يقاوم الريح، وارتفاع يرى ما وراء العتمة، وخصب يعيد في كل أغنية بَذرَ سرِّ الحياة.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق