بقلم: الورّاق الجزائري
يصعب الفصل بين
صورة فاروق شوشة الشاعر وصورته بوصفه واحدًا من أبرز حراس العربية في الثقافة
المصرية الحديثة. فقد اقترن اسمه طويلًا باللغة الفصيحة، نطقًا وكتابةً وتعليمًا،
حتى كادت شهرته الإذاعية والثقافية تحجب جانبًا أساسيًا من تجربته، فهو لم يكن خادمًا
للغة من خارج الشعر، بل كان شاعرًا يرى في اللغة بيتًا للذاكرة، وأداةً لاكتشاف
الذات، ووسيلةً للدفاع عن الجمال في مواجهة القبح والفساد والاستبداد.
ولذلك فإن شعرية
فاروق شوشة لا تُختصر في سلامة العبارة وجزالة اللفظ وصفاء الموسيقى، على أهمية
هذه الخصائص، وإنما تتجلى في قدرته على وصل الفصاحة بحرارة التجربة، وتحويل الإرث
البلاغي العربي إلى طاقة حية تستوعب الحب والفقد والغضب الوطني والقلق الوجودي.
لقد كتب القصيدة العمودية، واستثمر شعر التفعيلة، واقترب من البناء الدرامي
والمشهد السردي، لكنه ظل في جميع هذه الأشكال وفيًّا لإيمانه بأن الشعر، مهما جدد
في شكله، لا بد أن يحتفظ بوهجه الموسيقي ووضوحه الإنساني.
شاعر اللغة أم شاعر التجربة؟
قد يبدو فاروق
شوشة، للوهلة الأولى، شاعرًا لغويًا بالمعنى الذي يجعل العناية بالصوغ مقدمة على
التجربة، فقد كان شديد الحساسية تجاه المفردة، حريصًا على نقاء التركيب، قادرًا
على استدعاء ذخيرة العربية القديمة من غير أن يقع غالبًا في الغريب المتعمد أو
الاستعراض المعجمي. غير أن هذا الإتقان لا يعني أن قصيدته تمرين في البلاغة؛ فاللغة
لديه ليست زينة تضاف إلى المعنى، بل هي الطريقة التي يولد بها المعنى ويتخذ صورته.
يظهر ذلك مثلاً في
قصيدة "القصيدة والرعد"، حيث لا يتحدث الشاعر عن الكتابة حديثًا نظريًا
مباشرًا، وإنما يحول الصراع بين الشعر والواقع إلى مواجهة رمزية:
كان بين القصيدة
والرعد ثأر قديم
كلما نزفت بوحها
لاحقتها سنابكه بالغبار الرجيم
القصيدة هنا كائن
حي ينزف ويخاف ويستجير، بينما يتحول الرعد إلى قوة بطش لها سنابك ومطرقة وزئير.
ليست المواجهة بين صوتين متكافئين؛ فالرعد يمتلك الضجيج والفضاء والقدرة على
الترهيب، في حين لا تمتلك القصيدة سوى بوحها الهش. لكن هذه الهشاشة الظاهرة تنقلب
في خاتمة النص إلى قوة تتجاوز اللحظة:
لا تخافي من الرعد،
وانطلقي بالغناء
الغناء الذي يتخلل هذا السديم
لا تخافي من الرعد، لا
إنه زمن عابر
والقصيدة فاتحة
وزمان مقيم
في هذا التحول
تتجسد رؤية شوشة للشعر. فالرعد، بما يمثله من سلطة وعنف وضجيج، يبدو قويًا لكنه
عابر، أما القصيدة فتقاوم الزمن بقدرتها على النفاذ إلى الوجدان. ولا يكون
انتصارها بالصراخ المضاد، بل بالغناء. هكذا تصبح اللغة عنده قوة أخلاقية وجمالية،
لا لأنها أعلى صوتًا من العنف، بل لأنها أطول عمرًا منه.
بين التراث الشعري وحساسية الحداثة
ينتمي فاروق شوشة
إلى جيل وجد نفسه بين جاذبية القصيدة العربية الموروثة واندفاع حركة التجديد. لكنه
لم يتعامل مع هذا الموقع بوصفه معركة تستوجب القضاء على أحد الطرفين. فقد احتفظ من
التراث بالموسيقى والبيان والوضوح وقوة النداء، وأخذ من الحداثة حرية بناء السطر،
وتعدد الأصوات، والانفتاح على الرمز، والانتقال بين الغنائية والمشهد الدرامي. ففي قصيدة "بغداد يا بغداد" يجمع
الشاعر بين العمود الشعري وشعر التفعيلة، فيبدأ بنبرة موزونة ذات قافية واضحة:
كيف الرقاد وأنت
الخوف والخطر
وليل بغداد ليل ما له قمر
ثم تنفتح القصيدة
على مقاطع أكثر حرية، تسمح باسترسال الذاكرة وتداخل الأزمنة والأسماء والأمكنة.
ينتقل الشاعر بين الكرخ والرصافة ودجلة ومكتبة المثنى، ويستدعي أبا نواس والجاحظ
وأبا حيان والحلاج والسياب وأبا تمام. ولا يأتي هذا الحشد بوصفه عرضًا للثقافة، بل
محاولة لاستعادة بغداد الحضارية في مواجهة بغداد الجريحة. وهذا المزج بين البنية الموروثة والبنية الحديثة يعكس موقفًا
فنيًا واضحًا: الماضي ليس نموذجًا مغلقًا ينبغي تقليده، بل ذاكرة يمكن استنطاقها.
وحين يستدعي الشاعر أبا تمام وعمورية، فإنه يقارن ضمنًا بين زمن كانت فيه القصيدة
قادرة على تمثيل لحظة انتصار، وزمن عربي تتراكم فيه الهزائم:
وهل ترى ينداح فيك
من جديد
صوت أبي تمام
مبددًا كآبة الأحزان
من قبل أن تضيع عمورية المحاصرة
ملء دفاتر الهوان
تتحول الإحالة
التراثية هنا إلى أداة لمساءلة الحاضر. فالمجد القديم لا يُستدعى للتعويض النفسي
وحده، وإنما للكشف عن المسافة المؤلمة بين ما كان وما صار إليه الواقع.
الغنائية العاطفية ولغة الضوء
يحتل الحب مساحة
بارزة في شعر فاروق شوشة، لكنه لا يظهر عادةً في صورة اعترافات حسية مباشرة، بل
يتشكل داخل عالم من النور والماء والربيع والنجوم والطيور والنسيم. إن معجم الحب
لديه شديد الصلة بالطبيعة؛ فالعاطفة لا تظل داخل النفس، وإنما تعيد تشكيل العالم
من حولها. يقول في "هل تذكرين؟":
بأعماق عينيك أبصرت
حبسي
وأبصرت واحة أمني وخصبي
تفجر دنياك في خاطري
ترانيم شوق توسدن قلبي
تجمع العينان بين
الضدين: الحبس والواحة. فالحب أسر، لكنه في الوقت نفسه أمان وخصب. وهذه المفارقة
لا تُقدَّم بوصفها فكرة ذهنية، بل تتجسد في صورتين مكانيتين متقابلتين. ويواصل
الشاعر بناء تجربته بالاستعانة بالموسيقى؛ فالدنيا تتفجر "ترانيم شوق"،
والخطو يصبح لحنًا، والدرب يصير مشتركًا بين العاشقين. وفي "أنا إليك" يتكثف هذا المعجم:
أنا إليك مبتداي،
حاضري ونهايتي
أشعلت أيامي فصارت نارها حقيقتي
تبدأ القصيدة
بإحاطة المحبوبة بالزمن كله: المبتدأ والحاضر والنهاية. ومع أن التعبير مباشر، فإن
الإيقاع الداخلي والتدرج الدلالي يمنحانه بعدًا يتجاوز التقرير. فالمحبوبة لا تشغل
جزءًا من حياة الشاعر؛ إنها تعيد تعريف حياته بكاملها. ثم تتوالى التشبيهات الرقيقة:
ندية كوجهك المليء
بالطفولة
رخيمة كصوتك المنساب في سريرتي
عميقة كعطرك الزكي في حديقتي
الندى والصوت
والعطر عناصر لا يمكن الإمساك بها، لكنها تُدرَك بالحواس. ومن خلالها تصبح
المحبوبة حضورًا شفافًا يتغلغل في الداخل. غير أن تكرار هذه الصور في قصائد الحب
يكشف أيضًا أحد حدود التجربة؛ فمعجم الربيع والضياء والنسيم والواحة والعطر يحقق
عذوبة واضحة، لكنه قد يقترب أحيانًا من القاموس الرومانسي المألوف، ولا سيما حين لا
تسنده مفارقة أو تجربة مركبة.
اللحظة في مواجهة الزمن
ليست قصيدة الحب
عند شوشة احتفاءً باللقاء فحسب؛ فكثيرًا ما يسكنها الخوف من انقضاء اللحظة. ففي
"لحظة لقاء" يظهر الزمن بوصفه قوة تهدد اكتمال الفرح:
كم يبقى طعم الفرحة
في شفتينا؟
عمرًا؟
هل يكفي!
دهرًا مسكوبًا من عمرينا
يتوقف انتظام
العبارة أمام الحيرة، وتأتي الأسئلة قصيرة ومتتابعة، كأن اللغة نفسها تعجز عن
تقدير العمر الذي تستحقه لحظة اللقاء. ثم يطلب الشاعر تعطيل الزمن:
فليهدأ ناقوس الزمن
الداوي في صدرينا
ولتتوقف هذه اللحظة في عمقينا
الصورة اللافتة هنا
هي "ناقوس الزمن" الذي لا يدق خارج العاشقين، بل في صدريهما. وهكذا تصبح
المعرفة بانتهاء اللحظة جزءًا منها؛ فالفرح لا يكتمل بريئًا من الخوف، وإنما يزداد
توهجًا لأنه مهدد بالزوال. وهكذا يقوم بناء القصيدة
على محاولة توسيع اللحظة حتى تتسع لحياتين كاملتين. لذلك يسأل: "هل
تتسع الأيام لفرحة قلبين؟"
وهو سؤال أعمق من معناه العاطفي المباشر؛ إنه يكشف توترًا دائمًا بين امتلاء
الشعور وضيق الزمن؛ فالحب يريد الخلود، لكن اللقاء محكوم بالساعات، والجسد يريد
تثبيت ما لا يمكن تثبيته. ومن هذه المسافة بين الرغبة والواقع تتولد حرارة النص.
الأب بوصفه مرآة للذات
تبلغ غنائية فاروق
شوشة مستوى أكثر نضجًا وتركيبًا في "رسالة إلى أبي". هنا لا يكون الآخر
محبوبًا فحسب، بل أصلًا يكتشف الشاعر أنه يسكنه. تبدأ القصيدة بمفاجأة داخلية:
يفاجئني الذي
اكتشفت: أنت في نفسي حللت
في صوتي المرتج بعض صوتك القديم
في سحنتي بقية من حزنك المنسل في ملامحك
لا يستعيد الابن
أباه بواسطة الذكريات الخارجية، وإنما يكتشفه في صوته ووجهه ونبرته ووقفته. يتحول
الجسد إلى سجل للوراثة الروحية، ويصبح الأب حاضرًا في أدق حركات الابن. وتنتقل
القصيدة من اكتشاف التشابه إلى اضطراب الهوية:
صرت واحدًا
وصرت اثنين
عدت واحدًا
عنك انفصلت، واتصلت
تستمد هذه الأسطر
قوتها من بساطتها ومن تقابل الأفعال. فالابن مستقل عن أبيه ومتصل به في آن واحد؛
وهو لا يعرف أين تنتهي ذاته وأين يبدأ الميراث الأبوي. بذلك تتجاوز القصيدة الرثاء
التقليدي، لأنها لا تكتفي بتعداد مناقب الأب أو التعبير عن فقده، بل تبحث في
الطريقة التي يواصل بها الغائب حياته داخل الحاضر. وفي المقطع الثاني تنقلب الأدوار الزمنية. الابن
الذي صار رجلًا ومحاربًا يعود منكسرًا إلى الأب:
هذا ابنك القديم
وابنك الجديد
يبحث فيك عن زمانه
وحلمه البعيد
فافتح له خزانتك
إن
"خزانة" الأب ليست خزانة مادية، بل مستودع الحنان والحكمة والذاكرة. وفي
هذا الختام يتجسد الاحتياج الإنساني إلى الأصل، مهما تقدم العمر بالإنسان. ومن هنا
تنبع صدقية القصيدة: الأب ليس رمزًا مجردًا، بل ملاذ نفسي يزداد حضورًا كلما
ازدادت رحلة الابن قسوة.
النيل الشيخ وتحويل المكان إلى شخصية
من أبرز خصائص
شعرية فاروق شوشة قدرته على تشخيص المكان وتحويله إلى كائن يحمل الذاكرة ويتألم من
تحولات الواقع. ففي قصيدة "الليل" يظهر النيل شيخًا أحدودب ظهره من ثقل
الزمن:
ألقى النيل عباءته
فوق البر الشرقي، ونام
هذا الشيخ المحني الظهر
احدودب
ثم تقوس عبر الأيام
لا يعود النيل
منظرًا طبيعيًا أو رمزًا وطنيًا جاهزًا، بل يصبح مسافرًا عجوزًا يحمل عكازه ويطرق
أبواب القاهرة باحثًا عن الوجوه التي عرفها. وتمنح هذه الأنسنة القصيدة قدرة على
النظر إلى المدينة بعيني تاريخها. فالنيل قديم، ولذلك يستطيع أن يقيس مقدار التغير
الذي أصاب الإنسان والمكان. يسأل الشيخ:
هل تتغير سحن الناس
كما يتغير لون الزي؟
وهل تتراجع لغة العين
كما يتراجع مد البحر؟
وهل ينطفئ شعاع القلب
فتسقط جوهرة الإنسان؟
وهكذا، تتحول الرحلة
المكانية إلى مساءلة أخلاقية؛ فالمشكلة ليست أن الأبنية تبدلت، بل أن "لغة
العين" تراجعت وأن جوهرة الإنسان مهددة بالسقوط. إن النيل، الذي كان شاهدًا
على التاريخ، يصل فلا يجد من يعرفه أو يفتح له الباب. وفي خاتمة دائرية يعود إلى
النوم:
ألقى النيل عباءته
فوق البر الغربي
ونام
غير أن النوم
الأخير ليس راحة؛ إنه استسلام مؤقت أمام مدينة فقدت قدرتها على التعرف إلى رمزها
الأعمق. ويسهم تكرار صورة العباءة في إحكام البناء، إذ تنتقل من البر الشرقي إلى
البر الغربي، بينما يظل الليل ممتدًا على المكان كله.
من الغنائية إلى الهجاء السياسي
لا يبقى صوت فاروق
شوشة رقيقًا متأملًا؛ ففي بعض قصائده يتحول إلى صوت ساخر وغاضب، كما في "خدم
خدم". تقوم القصيدة على تكرار كلمة واحدة تهدم الادعاءات التي يبنيها أولئك
الذين يتباهون بالعلم والثقافة:
وإن تباهوا أنهم
أهل الكتاب والقلم
وأنهم في حلكة الليل البهيم
صانعو النور
وكاشفو الظلم
تبدو هذه الفئة في
ظاهرها نخبة فكرية، لكنها ما إن تتلقى الإشارة حتى تستنفر "مثل قطعان
الغنم". والمفارقة المركزية أن أصحاب الكتاب والقلم، الذين يقدمون أنفسهم
بوصفهم قادةً للعقول، يتحولون إلى خدم للسلطة والمصلحة. وينجح التكرار في أداء وظيفة شبيهة بالمطرقة الإيقاعية: خدم... خدم!" فالكلمة القصيرة تقطع سيل
الادعاء وتعيد الشخصيات إلى حقيقتها. ويعتمد الهجاء على التناقض بين تضخم الهيئة
وخواء الجوهر: وجوه متعالية، وأصوات غليظة، وخطوات تزلزل الأرض، لكن النفوس هشة
ومريضة. وتنتهي القصيدة بتشخيص أخلاقي:
وفي قلوبهم
أمراض هذا العصر
من هشاشة
ومن وضاعة
ومن صَغار في التدني
واختلاط في القيم
تكمن أهمية النص في
أن نقده لا يقتصر على الحاكم أو المؤسسة، بل يمتد إلى المثقف الذي يتخلى عن
استقلاله. فالعبودية هنا ليست وضعًا اجتماعيًا مفروضًا، وإنما اختيار يتستر خلف
الكتاب والقلم. ومع ذلك تميل القصيدة في
مواضع منها إلى التصريح المباشر، فتتراجع كثافة الصورة لحساب الخطابة. غير أن هذه
المباشرة تبدو منسجمة مع طبيعة الهجاء؛ إذ يريد الشاعر إدانة السلوك وكشفه، لا
إحاطته بالغموض.
الوطن بين الرمز والخطاب
في القصائد القومية
والوطنية يرتفع صوت شوشة وتتسع الجملة ويكثر النداء والاستفهام والأمر. وتوضح
قصيدة "الرماد أمامك" هذه الطبيعة الخطابية منذ مستهلها:
الرماد أمامك
والبحر خلفك
يضع الشاعر المخاطب
في مأزق مكاني ورمزي: لا طريق إلى الأمام لأن الرماد يسد الأفق، ولا رجوع لأن
البحر في الخلف. ومن هذا الحصار تبدأ الدعوة إلى المقاومة. ويعتمد النص على سلسلة من الصور التي ترصد الخراب:
الجياع الذين
يبيعون أعمارهم
لاقتناء رصاصة
والصغار الذين يسيرون تحت النعوش
لكي يكبروا في القبور
وهذه الصورة من أشد
صور القصيدة إيلامًا؛ فالصغار لا يكبرون في البيوت والمدارس، بل في القبور. إنها
مفارقة تقلب منطق النمو نفسه، وتجعل الموت البيئة الوحيدة المتاحة للمستقبل.
وحين يخاطب الشاعر
الوطن، تتوالى صور الاتحاد العضوي:
إنه وطن ساكن في
شرايين قلبك
ملتصق في وتينك
مشتعل في رؤياك
ومخضوضل في جبينك
مرتسم في يقينك
وهنا، لا يعود
الوطن أرضًا خارجية، بل يتحول إلى دم ووتين ورؤيا ويقين. وهذا التراكم يمنح المقطع
اندفاعه الموسيقي، لكنه يكشف كذلك نزعة شوشة إلى الإشباع البلاغي؛ فهو لا يكتفي
بصورة واحدة، بل يلاحق المعنى عبر سلسلة من الصور المتقاربة، كأن العبارة تسعى إلى
تطويق التجربة من كل الجهات.
بغداد:
المدينة بوصفها أرشيفًا جريحًا
في "بغداد يا
بغداد" لا يرثي الشاعر مدينة معاصرة فحسب، بل يرثي طبقات كاملة من التاريخ
العربي. بغداد لديه مدينة واقعية تتعرض للدمار، ومدينة ثقافية يسكنها الشعراء
والمفكرون والكتب، وصورة رمزية لمصير حضارة كاملة.
يتنقل النص بين
الحاضر المهدد والماضي المضيء. فالشاعر يمشي بين الكرخ والرصافة، ويتمدد على ضفاف
دجلة، ويدخل مكتبة المثنى، ويبحث في الأزقة عن الجاحظ والحلاج وأبي حيان. غير أن
هذه الرحلة لا تنتهي بالعثور على الحكيم المنقذ؛ فالشخصيات التراثية تحضر بوصفها
غيابًا مؤلمًا؛ وكل اسم منها يكشف مقدار الفراغ في الحاضر. ويستدعي الشاعر السياب وجيكور والشناشيل، فيدخل
النص في حوار مع الذاكرة الشعرية العراقية:
جيكور ما تزال،
والسياب
يبحث في الشناشيل التي تهدمت
عن ابنة الحلم
لا يستخدم شوشة
السياب شاهدًا ثقافيًا فقط، بل يجعله شخصية داخل المأساة، يبحث في أنقاض عالمه
الشعري. وهكذا لا يقتصر الدمار على البيوت؛ إنه يطال الخيال الذي منح تلك البيوت
معناها.
لكن قصيدة بغداد
تكشف أيضًا المأزق الذي يواجه شعرية شوشة في بعض النصوص السياسية. فالانفعال
القومي القوي يدفع إلى كثرة الأسماء والرموز والأسئلة والنداءات، وقد يجعل القصيدة
أحيانًا أقرب إلى البيان الشعري الطويل. ومع ذلك تستعيد قوتها كلما عادت إلى
الصورة الحسية المحددة: نخلة تصرخ، شناشيل مهدمة، هواء ينعقد كأنشوطة، أو طفل
يختنق تحت موكب الدمار.
الصورة الشعرية وتراسل الحواس
تعتمد الصورة عند
فاروق شوشة على عناصر مألوفة في المخيلة العربية: النهر، البحر، المطر، النجوم،
الربيع، الطير، النخيل، الضوء والليل. لكنه يعيد تركيب هذه العناصر عبر التراسل
بين الحواس. فالصوت قد يصبح ماءً منسابًا، والنظرة نبعًا من الضوء، والحنين موجة،
والفرحة طعمًا، والحزن ظلمة ذات ثقل؛ ففي "لحظة لقاء" يقول:
أرشف نبع الضوء
الهامي في نظراته
يتساقط كل رحيق العالم في قطراته
تجتمع هنا حاسة
البصر بالذوق واللمس. فالضوء يتحول إلى نبع يُرشف، والعالم إلى رحيق يتساقط. لا
تقوم الصورة على غرابة شديدة، بل على رقة الانتقال من الحس إلى الحس.
ويميل الشاعر إلى الصور
المضيئة حين يكتب الحب، وإلى الرماد والليل والغبار والخراب حين يواجه الواقع
السياسي. هذا التقابل اللوني يشكل نظامًا دلاليًا واضحًا: الضوء علامة الحب
والقصيدة والأمل، والرماد علامة القهر والزيف والموت. لكنه لا يبقي المجالين
منفصلين تمامًا؛ فالحب نفسه مهدد بالزمن، والقصيدة تنزف، بينما يمكن للغناء أن
يتخلل السديم.
موسيقى القصيدة
الموسيقى عنصر
جوهري في تجربة فاروق شوشة، ليس بوصفها وزنًا خارجيًا فقط، بل باعتبارها طريقة
لبناء الانفعال. ويظهر أثر خبرته العميقة بالعربية في قدرته على توزيع الجملة،
واختيار مواقع الوقف، والاستفادة من التكرار والتوازي. ففي قوله:
صرت واحدًا
وصرت اثنين
عدت واحدًا
عنك انفصلت، واتصلت
تتولد الموسيقى من
تقابل المفردات وقصر الأسطر، لا من القافية وحدها. وفي "خدم خدم" تؤدي
العبارة المتكررة دور اللازمة الساخرة. أما في "بين عينيك موعدي"، فتمنح
عودة الجملة المركزية القصيدة شكلًا دائريًا يوازي عودة الشوق بعد توهم انطفائه.
كذلك يستخدم شوشة
التعداد لتصعيد النبرة، ولا سيما في القصائد الوطنية حيث تتراكم الأفعال والصور
حتى تبلغ الجملة ذروتها، ثم تتوقف عند نداء أو استفهام. وهذه التقنية تمنح شعره
قابلية واضحة للإلقاء؛ فالقصيدة مكتوبة لتُسمع بقدر ما هي مكتوبة لتُقرأ. لكن الموسيقى قد تتحول
أحيانًا إلى إغراء يجعل الشاعر يطيل المقطع بعد اكتمال دلالته، أو يضيف صورة تؤكد
ما قالته صورة سابقة. ولذلك تبدو قصائده أكثر قوة عندما يضبط الفصاحة بالتكثيف،
كما في المقاطع القصيرة من "رسالة إلى أبي" و"القصيدة والرعد"
و"الليل".
الوضوح بوصفه اختيارًا جماليًا
لم يسع فاروق شوشة
إلى الغموض المتعمد، وظلت قصيدته قابلة للتواصل مع قارئ غير متخصص. غير أن الوضوح
لديه لا يعني دائمًا البساطة السطحية. ففي أفضل نصوصه توجد طبقة أولى مؤثرة يمكن
تلقيها مباشرة، ثم تنفتح تحتها أسئلة عن الزمن والهوية والذاكرة وعلاقة الشعر
بالسلطة.
القصيدة عنده لا
تخفي موضوعها، لكنها توسع دلالته. فالأب أب حقيقي، وهو كذلك الأصل والضمير
والذاكرة. والنيل نهر معروف، لكنه أيضًا شاهد التاريخ والإنسان المصري الذي لم تعد
المدينة تتعرف إليه. والرعد ظاهرة طبيعية، لكنه سلطة الضجيج والعنف. وبغداد مدينة
جريحة، لكنها أيضًا صورة الحضارة العربية حين تجد تاريخها عاجزًا عن حمايتها. وهذا الوضوح أسهم في انتشار شعره، لكنه جعله
عرضة لقراءة تكتفي بجمال العبارة. والحقيقة أن تجربته تحتاج إلى تجاوز سطحها
البلاغي، لأن كثيرًا من صورها البسيطة تقوم على مفارقات داخلية دقيقة: الفرح مهدد،
والأب الغائب حاضر، والنهر الخالد يشيخ، والرعد القوي عابر، والقصيدة الهشة باقية.
الانتصار للقصيدة
لا تكتمل القراءة
النقدية إذا اكتفت بالإشادة. فشعر فاروق شوشة متفاوت، شأن كل تجربة ممتدة. في بعض
القصائد العاطفية تتكرر مفردات الحلم والربيع والنجوم والنسيم والعطر والواحة حتى
تقترب من معجم رومانسي مألوف. وفي بعض القصائد الوطنية يعلو صوت الخطيب على صوت
الشاعر، فتغلب الفكرة المباشرة وكثرة النداءات على التركيب الفني.
كما أن حرصه على
الفصاحة قد يدفعه أحيانًا إلى استكمال الجملة البلاغية حتى بعد وصول الصورة إلى
ذروتها. ويبدو كأنه لا يطمئن إلى اللمحة وحدها؛ فيشرحها أو يحيطها بصور إضافية.
غير أن هذه السمات لا تلغي قيمة تجربته، بل تحدد طبيعتها وموقعها. فهو لم يكن شاعر
قطيعة لغوية أو تجريب مغلق، وإنما شاعر تواصل، أراد للقصيدة أن تحتفظ بكرامتها
الفنية من غير أن تفقد قدرتها على الوصول. وتتجلى قوته الكبرى عندما يلتقي صفاء لغته
بتجربة شخصية عميقة أو رمز مركزي محكم. عندئذ تتراجع الزخرفة، وتصبح العبارة أكثر
اقتصادًا ونفاذًا، كما في اكتشافه أباه داخل صوته وملامحه، أو في صورة النيل الشيخ
الذي يطرق باب مدينة نائمة، أو في القصيدة التي تخشى الرعد ثم تدرك أنها أبقى منه.
خاتمة: القصيدة بوصفها إقامة في اللغة
تقوم شعرية فاروق
شوشة على إيمان راسخ بأن اللغة ليست وعاءً محايدًا، وإنما ذاكرة وهوية وموقف من
العالم. ولهذا جاءت قصيدته شديدة العناية بالإيقاع، واضحة البناء، غنية بالصور
الحسية، قادرة على الانتقال من همس العاشق إلى نداء الوطن، ومن حنان الابن إلى غضب
المثقف في وجه النفاق.
لم يكن تجديده
قائمًا على تحطيم الصلة بالتراث؛ بل على جعل هذه الصلة قابلة للحياة داخل العصر.
لقد أخذ من القصيدة القديمة فصاحتها وموسيقاها، ومن القصيدة الحديثة حريتها
ومشهدها ورمزها، وصاغ بينهما صوتًا يعرفه القارئ من نقاء عبارته وحرارة نبرته.
وقد لخص موقفه من
الشعر حين جعل الرعد زمنًا عابرًا والقصيدة "زمانًا مقيمًا". ففي عالم
تعلو فيه أصوات القوة والزيف، راهن فاروق شوشة على الكلمة التي لا تنافس الضجيج في
شدته، وإنما تقاومه بالبقاء. ومن هنا تبدو تجربته، في أجمل نماذجها، دفاعًا عن
الإنسان بواسطة اللغة، ودفاعًا عن اللغة بوصفها آخر ما يمكن أن يحفظ للإنسان
ذاكرته وجماله وحقه في أن يقول لا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق