هل حدثت قصة "روبنسون كروزو" فعلًا؟ وهل كان هناك رجل حقيقي حمل بندقيته إلى جزيرة مهجورة، عاش على لحم الماعز، راقب البحر سنوات طويلة وانتظر سفينة تعيده إلى البشر؟ الجواب الأقرب إلى الدقة هو: حدث شيء يشبه بداية الحكاية، لكنه لم يكن قصة روبنسون كروزو كما كتبها دانيال ديفو.
"روبنسون كروزو" ليست سيرة حقيقية مقنعة في شكل رواية. غير أن وراءها رجلًا حقيقيًا اسمه ألكسندر سيلكيرك، وهو بحّار اسكتلندي عاش وحيدًا أكثر من أربع سنوات في إحدى جزر أرخبيل خوان فرنانديز بالمحيط الهادئ بين 1704 و1709. كانت قصته معروفة في بريطانيا قبل صدور رواية ديفو سنة 1719، ويرجح بقوة أنها كانت أحد مصادر إلهامه، لكن كروزو ليس سيلكيرك باسم آخر، والرواية أوسع بكثير من حادثته.
هذه المسافة بين "أحد مصادر الإلهام" و"القصة الحقيقية" مهمة. فحين نختصر الرواية في جملة تقول إن ديفو أخذ قصة سيلكيرك وغير اسمه، نفقد تقريبًا كل ما جعل "روبنسون كروزو" عملًا أدبيًا. سيلكيرك منح المخيلة الأوروبية صورة قوية: إنسان واحد في جزيرة، مقطوع عن المجتمع، مضطر إلى تدبير حياته بما لديه. أما ديفو فأخذ هذا الوضع الأولي ووضع داخله أسئلة عن العمل والملكية والدين والخوف والسلطة والاستعمار وعلاقة الإنسان بالعالم الذي يحاول إخضاعه.
ألكسندر سيلكيرك: الرجل الذي بقي في الجزيرة
كان ألكسندر سيلكيرك بحارًا اسكتلنديًا ولد في أواخر القرن السابع عشر في بلدة لوور لارغو الساحلية في اسكتلندا. لم يكن رحالة يبحث عن عزلة فلسفية، ولا رجلًا اختار الجزيرة لأنه سئم المجتمع. كان بحارًا يعمل في عالم بحري قاس تختلط فيه التجارة والحرب والمغامرة والقرصنة المفوضة من الدول.
في سنة 1704 كان سيلكيرك على متن السفينة "Cinque Ports" في المحيط الهادئ. نشب خلاف بينه وبين قبطان السفينة توماس سترادلينغ، وكان سيلكيرك يعتقد أن السفينة لم تعد صالحة للإبحار بأمان. انتهى النزاع بتركه على جزيرة Más a Tierra في أرخبيل خوان فرنانديز قبالة ساحل تشيلي. ويبدو أنه ظن في البداية أن موقفه سيجبر القبطان على التراجع، لكن السفينة غادرت فعلًا.
لم يكن سيلكيرك عاريًا تمامًا أمام الطبيعة. فقد بقيت معه بعض الأدوات والمؤن والأسلحة والأشياء الضرورية، وكانت الجزيرة نفسها قابلة للحياة أكثر مما توحي به صورة "الجزيرة المقفرة" في المخيلة الشعبية. وجد فيها الماء والطعام، واستفاد من الماعز الموجودة على الجزيرة، واستطاع بمرور الوقت أن ينظم حياته في عزلة شديدة.
استمرت عزلته أربع سنوات وأربعة أشهر تقريبًا. وفي فبراير 1709 وصلت إلى الجزيرة سفينة ضمن حملة يقودها وودز روجرز. كان ضمن أفراد الحملة بحارة يعرفون سيلكيرك، وهكذا انتهت سنواته المنفردة وعاد إلى عالم السفن والبشر.
الأهم من ذلك أن قصته لم تبق حكاية شفوية في الموانئ. نشر وودز روجرز سنة 1712 كتابه "A Cruising Voyage Round the World"، وضمنه رواية عن سيلكيرك وحياته منفردًا. وفي السنة نفسها ظهرت روايات أخرى للرحلة، ثم كتب ريتشارد ستيل سنة 1713 عن سيلكيرك بعدما التقى به وتحدث إليه. أي أن قصة البحار المعزول كانت قد دخلت المجال العام قبل ست سنوات تقريبًا من صدور "روبنسون كروزو".
وهنا تصبح الصلة بديفو معقولة جدًا، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى وثيقة تقول إن الكاتب جلس أمام قصة سيلكيرك وقرر تحويلها فصلًا فصلًا إلى روايته. لدينا سلسلة واضحة من النصوص التي جعلت الحادثة معروفة، ولدينا تشابه مركزي لا يمكن تجاهله، لكن ليس لدينا اعتراف مباشر من ديفو يقول فيه إن سيلكيرك هو النموذج الوحيد لكروزو.
ما الذي أخذه ديفو من سيلكيرك، وما الذي لم يأخذه؟
أول فرق يكشف حجم التحويل الأدبي هو الزمن. سيلكيرك عاش وحيدًا نحو أربع سنوات وأربعة أشهر. كروزو يقضي على جزيرته ثمانية وعشرين عامًا. هذه ليست زيادة بسيطة في المدة، بل تحويل للعزلة من حادث عابر في حياة بحار إلى حياة كاملة تقريبًا، لها بدايات ومراحل وتغيرات نفسية ومادية.
ثم يأتي المكان. جزيرة سيلكيرك تقع في المحيط الهادئ قبالة تشيلي. أما ديفو فيضع جزيرة كروزو قرب مصب نهر أورينوكو وعلى مقربة من سواحل أمريكا الجنوبية. البيئة الروائية والحركة البحرية المحيطة بها والعلاقات التي تدخلها القصة مختلفة لذلك عن حياة سيلكيرك في خوان فرنانديز.
كذلك لم يكن سيلكيرك الناجي الوحيد من غرق سفينة قضى على جميع من فيها. لقد تُرك على الجزيرة بعد خلاف على متن السفينة. أما ديفو فيجعل كروزو يصل إلى جزيرته بعد كارثة بحرية ويصبح الناجي الوحيد. الاختلاف هنا يغير معنى التجربة كلها: سيلكيرك ضحية قرار بحري وصراع بين رجال، في حين يبدو كروزو كمن أُعيدت حياته إلى نقطة الصفر بفعل كارثة.
ولا نجد في قصة سيلكيرك شخصية "فرايدي" بالمعنى الذي صنعه ديفو، ولا الصراع مع الجماعات التي يصفها كروزو، ولا البنية الطويلة التي تتحول فيها الجزيرة إلى ما يشبه مملكة صغيرة يديرها رجل أوروبي بعقلية التنظيم والملكية والحساب.
لهذا يمكن أن نقول إن سيلكيرك ربما منح ديفو السؤال الأول: ماذا يحدث لرجل متحضر إذا انفصل عن المجتمع وظل وحده في جزيرة؟ لكن الإجابة التي قدمتها الرواية لم تعد قصة سيلكيرك. إنها إجابة ديفو وعصره.
لماذا بدت الرواية لكثير من القراء وكأنها قصة حقيقية؟
هناك سبب آخر جعل الالتباس يستمر قرونًا: ديفو نفسه كتب الرواية بطريقة تستعير هيئة الوثيقة الحقيقية.
العنوان الأصلي للطبعة الأولى سنة 1719 طويل إلى حد يبدو معه أقرب إلى وصف كتاب رحلات منه إلى عنوان رواية. فهو يقدم روبنسون كروزو بوصفه بحارًا من يورك عاش ثمانية وعشرين عامًا في جزيرة غير مأهولة قرب مصب الأورينوكو، ويشرح كيف نجا من الغرق وكيف تم إنقاذه في النهاية. والأشد دلالة أن صفحة العنوان قدمت العمل بعبارة تفيد بأنه "كتبه بنفسه".
لم يكن اسم دانيال ديفو بارزًا بالطريقة التي يتوقعها قارئ الرواية الحديثة. كان النص يتقمص صوت الرجل الذي يروي حياته. وهذه الحيلة ليست زينة شكلية، بل جزء من تجربة القراءة: على القارئ أن يشعر بأنه يمسك شهادة ناج حقيقية.
أسلوب ديفو يساعد على ذلك. فالرواية مشغولة بالتفاصيل الصغيرة: ما الذي حمله كروزو من السفينة، كيف نقل الأشياء، أين وضعها، ماذا زرع، كم احتاج إلى إنجاز عمل ما، ماذا أكل، كيف نظم المكان، وكيف فشل ثم حاول مرة أخرى. قد تبدو بعض هذه التفاصيل زائدة إذا قرأنا الكتاب بوصفه مغامرة فقط، لكنها هي التي تمنح العالم المتخيل ملمسه المادي.
هذا ما يمكن أن نسميه واقعية التراكم. لا يطلب ديفو من القارئ أن يصدق معجزة واحدة ضخمة؛ إنه يقدم مئات الوقائع الصغيرة التي تتراكم حتى يبدو وجود كروزو نفسه حقيقة.
ولهذا أيضًا استطاعت قصة سيلكيرك الواقعية أن تدخل بسهولة إلى مختبر ديفو الأدبي. فالكاتب لم يكن بحاجة إلى نقل تفاصيلها جميعًا. كان يكفي أن يعرف أن رجلًا حقيقيًا استطاع أن يعيش سنوات وحده على جزيرة، حتى يصبح الاحتمال الروائي مقنعًا. بعد ذلك يمكن للخيال أن يبني عالمه الخاص.
كروزو ليس رجلًا يبدأ من الصفر
الصورة الشعبية لروبنسون كروزو تقول إن إنسانًا وحيدًا يهزم الطبيعة بذكائه، كأنه يولد من جديد على الجزيرة بلا ماض ولا مجتمع. لكن النص نفسه أكثر تعقيدًا.
كروزو لا يصل إلى الجزيرة بعقل فارغ. يحمل معه خبرات عالم كامل: معرفة الأدوات، والزراعة، والتجارة، وتربية الحيوانات، وصناعة المساكن، والحساب، والملكية، وتقسيم الزمن. بل إنه يستطيع إنقاذ أدوات ومواد من السفينة الغارقة في المرحلة الأولى. لذلك فإن "الإنسان الوحيد" في الرواية ليس إنسانًا طبيعيًا خالصًا، بل مجتمعًا كاملًا مضغوطًا داخل فرد واحد.
حتى طريقته في النظر إلى الجزيرة ليست بريئة من ثقافته. فهو يقيس، ويقسم، ويخزن، ويزرع، ويسجل، ويعتبر الأشياء موارد قابلة للاستعمال. وحين يصبح قادرًا على التحكم في المكان، تبدأ لغته أحيانًا بالاقتراب من لغة المالك والحاكم.
من هنا أمكن لقراءات اقتصادية وفلسفية كثيرة أن ترى في كروزو أكثر من بطل مغامرة. فالجزيرة تتحول إلى مختبر للعمل والإنتاج والملكية: ما قيمة الشيء إذا لم يكن هناك سوق؟ ما الذي يحتاجه الإنسان حقًا؟ كيف تتحول الطبيعة إلى مورد؟ ومتى يتحول مجرد البقاء إلى امتلاك؟
لكن الرواية لا تسير في اتجاه اقتصادي فقط. العزلة تدفع كروزو أيضًا إلى مراجعة حياته دينيًا. المرض والخوف والوحدة يجبرانه على التفكير في العناية الإلهية والذنب والنجاة ومعنى ما حدث له. ولهذا فإن الجزيرة ليست ورشة عمل فحسب؛ إنها كذلك مكان لإعادة تفسير السيرة الشخصية.
هنا يظهر فارق آخر بين الرجل الحقيقي والشخصية الروائية. سيلكيرك كان على ديفو أن يلتقيه، إن صح التعبير، في نقطة العزلة. أما كروزو فكان عليه أن يحمل إلى تلك العزلة النظام الأخلاقي والديني والاقتصادي الذي أراد الكاتب استكشافه.
ماذا تغير عندما ظهر فرايدي؟
من السهل التفكير في "روبنسون كروزو" بوصفها قصة رجل وحيد، لكن أكثر أجزاء الرواية إثارة للأسئلة يبدأ في اللحظة التي تنتهي فيها الوحدة الصافية.
قبل ظهور فرايدي يستطيع كروزو أن يتخيل أنه السيد الوحيد للمكان لأن أحدًا لا ينازعه عليه. ظهور إنسان آخر يغير طبيعة الجزيرة: لم تعد المسألة علاقة بين فرد والطبيعة فقط، بل أصبحت علاقة بين إنسان وإنسان.
وهنا تظهر واحدة من أكثر طبقات الرواية إزعاجًا للقارئ الحديث. كروزو ينقذ فرايدي، لكنه يسميه بدل أن يسأله عن اسمه، ويحدد موقعه في العلاقة منذ البداية بوصفه تابعًا. اللغة التي تصف الطاعة والخدمة لا تسمح بقراءة العلاقة على أنها صداقة متكافئة ببساطة.
هذه الطبقة ليست تفصيلًا يمكن نزعه من الرواية كي نحافظ على صورة مغامرة طفولية بريئة. حياة كروزو قبل الجزيرة نفسها مرتبطة بحركة التجارة والاستعمار والعبودية في العالم الأطلسي. لذلك فإن الكتاب الذي يسأل كيف يستطيع الفرد أن يعيد بناء المجتمع يحمل معه أيضًا سؤالًا أكثر حرجًا: أي مجتمع سيعيد بناءه؟ وعلى أي تصور للملكية والسلطة والاختلاف بين البشر؟
لهذا تغيرت قراءة "روبنسون كروزو" مع تغير الأزمنة. القارئ في مرحلة قد يرى انتصار الاعتماد على النفس، وقارئ آخر يرى أخلاق العمل، وآخر يقرأ العناية الإلهية، بينما تركز قراءات لاحقة على الاستعمار وعلى علاقة كروزو بفرايدي وعلى الطريقة التي يحول بها البطل الجزيرة إلى مجال لسلطته.
ولا يلغي تفسير تفسيرًا آخر بالضرورة. قوة الرواية تأتي جزئيًا من أنها تسمح لهذه الطبقات بأن تتجاور حتى عندما تتوتر فيما بينها.
هل سيلكيرك هو "روبنسون كروزو الحقيقي" إذن؟
إذا كانت العبارة تعني أن هناك بحارًا حقيقيًا عاش وحيدًا على جزيرة سنوات قبل نشر الرواية، وأن قصته أصبحت معروفة في بريطانيا وربما كانت مصدرًا مهمًا لديفو، فالجواب نعم: ألكسندر سيلكيرك هو أقوى اسم تاريخي يرتبط بأصل الحكاية.
أما إذا كانت تعني أن رواية ديفو هي إعادة سرد أمينة لسيرة سيلكيرك، فالجواب لا.
الفروق أكثر من أن تسمح بذلك. مدة العزلة مختلفة، والجزيرة مختلفة، وطريقة وصول الرجل إليها مختلفة، والأحداث والشخصيات الكبرى مختلفة. والأهم أن معنى التجربة مختلف. سيلكيرك اضطر إلى البقاء حيًا حتى تأتي سفينة. كروزو، في المقابل، يصبح مادة لتجربة أدبية تمتد من النجاة الجسدية إلى إعادة بناء عالم مصغر.
كما أن سيلكيرك لم يكن الحكاية الوحيدة المتاحة لديفو. أدب الرحلات البحرية في القرنين السابع عشر والثامن عشر كان مليئًا بالسفن والجزر والغرق والبحارة الذين وجدوا أنفسهم في أماكن بعيدة. وكان ديفو يكتب في ثقافة شديدة الاهتمام بالتجارة والاستكشاف والمغامرات البحرية والسير الروحية والأخبار التي تدعي أنها وقائع حقيقية.
لهذا تبدو محاولة العثور على "المصدر الوحيد" للرواية مضللة قليلًا. الأدب نادرًا ما يعمل بهذه البساطة. قد توفر حادثة حقيقية الشرارة، لكن النص يتغذى من مكتبة كاملة ومن مخاوف العصر وأفكاره ومن خبرة الكاتب بطريقة صناعة صوت مقنع.
ومن الطريف أن الواقع عاد لاحقًا وتأثر بالرواية. فالجزيرة التي عاش عليها سيلكيرك، والتي عرفت تاريخيًا باسم Más a Tierra، تحمل اليوم اسم "جزيرة روبنسون كروزو". كأن الشخصية المتخيلة، بعد أن أخذت شيئًا من حياة الرجل الحقيقي، عادت بعد قرون لتمنح اسمها للمكان الذي عاش فيه الرجل.
بل إن البحث الأثري الحديث أضاف طبقة أخرى إلى القصة. فقد فحص باحثون موقعًا في الجزيرة ورأوا أن الأدلة المكتشفة يمكن أن تتفق مع وجود معسكر مبكر مرتبط بسيلكيرك، ومن بين اللقى التي نوقشت قطعة من أداة ملاحية. لا يحول ذلك الرواية إلى وثيقة، لكنه يذكرنا بأن خلف الأسطورة الأدبية ظل إنسان حقيقي يترك آثارًا مادية صغيرة على أرض جزيرة حقيقية.
من حادثة نجاة إلى أسطورة أدبية
ربما يكون السؤال "هل كانت روبنسون كروزو قصة حقيقية؟" جذابًا لأننا نحب أن نعثر خلف الخيال على شخص نستطيع الإشارة إليه ونقول: ها هو الأصل.
لكن حالة كروزو تعلمنا شيئًا آخر عن علاقة الأدب بالواقع. ليس المهم دائمًا مقدار ما نقله الكاتب من الحادثة، بل مقدار ما فعله بها بعد أن نقلها.
ألكسندر سيلكيرك عاش عزلة حقيقية، قاسية وطويلة بما يكفي لتثير اهتمام أبناء عصره. سجله وودز روجرز، والتقاه ريتشارد ستيل، ودخل اسمه الصحافة وكتب الرحلات. ولو توقفت القصة هناك لظل شخصية مهمة في تاريخ الملاحة وحكايات النجاة.
ثم جاء ديفو، ووضع رجلًا متخيلًا في عزلة أطول، ومنحه تاريخًا سابقًا ومستقبلًا وعالمًا داخليًا ودفتر حساب ومخاوف دينية وأدوات وحقولًا وماعزًا وبندقية وعبدًا ثم رفيقًا اسمه فرايدي، وجعل الجزيرة مسرحًا لاختبار أفكار عصر كامل.
وهكذا لم يعد السؤال: هل يستطيع رجل أن يعيش منفردًا على جزيرة؟ فقد أثبت سيلكيرك أن ذلك ممكن. أصبح السؤال أوسع: ماذا يحمل الإنسان معه حين يظن أنه أصبح وحده؟ هل يستطيع أن يترك المجتمع خلفه فعلًا، أم أنه يعيد بناءه في اللغة والعمل والملكية والدين والسلطة؟
بهذا المعنى، لم يصبح ألكسندر سيلكيرك مشهورًا لأنه عاش حياة روبنسون كروزو. حدث العكس تقريبًا: صار العالم ينظر إلى عزلته من خلال الرواية التي جاءت بعده. استطاع الأدب أن يأخذ حادثة واقعية محدودة بالسنوات والجغرافيا، ثم يوسعها حتى أصبحت الجزيرة فكرة يمكن أن تنتقل من قارئ إلى آخر ومن عصر إلى آخر.
قصة سيلكيرك تساعدنا على فهم أصل الشرارة، لكنها لا تفسر وحدها لماذا بقي "روبنسون كروزو" حيًا في الذاكرة. الرجل الحقيقي نجا من الجزيرة، أما الشخصية المتخيلة فلم تغادرها تمامًا. ما زالت هناك، كلما احتجنا إلى تخيل الإنسان وحده أمام الطبيعة، ثم اكتشفنا أنه لم يكن وحده كما ظن: كان يحمل معه عالمه كله.
لو وجدت نفسك في جزيرة كروزو، فما أول شيء ستكتشف أنك لم تتركه خلفك: حاجتك إلى الآخرين، أم عادات المجتمع الذي جئت منه؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق