آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

أنثى تكتب بحبر الحرية: الحب والتمرّد وبلاغة الأنا في شعر سعاد الصباح

لا تنفصل قصيدة الحب عند سعاد الصباح عن سؤال الحرية، كما لا تنفصل الأنوثة عن قضايا المجتمع والوطن والتاريخ. فالمرأة في مختاراتها الشعرية ليست موضوعًا يتغزّل به الآخر، بل ذاتًا تتكلم، وتسمّي رغباتها، وتعلن غضبها، وتراجع علاقتها بالرجل والقبيلة والسلطة والعالم. إنها تكتب الحب بوعي سياسي، وتواجه السياسة بحساسية عاشقة؛ ولذلك يتجاور فنجان القهوة مع "الشرطة السرية"، والقبلة مع "وصايا القبيلة"، والعطر مع الخوف، وموسيقى القلب مع الخراب العربي.

في قصائد "توسلات"، و"أوراق من مفكرة امرأة خليجية"، و"المجنونة"، و"يوميات قطة"، و"السمفونية الرمادية"، تتشكل كتابة ذات نبرة واضحة ومباشرة، لكنها تستمد شعريتها من المفارقة والتكرار والصورة اليومية وتحويل الجغرافيا إلى لغة عاطفية. وتبدو الأنا الأنثوية فيها مركزًا تتقاطع عنده دوائر متعددة: الجسد، والحبيب، والمكان الخليجي، والذاكرة، والقبيلة، والحرية، والهزيمة القومية.

 

"التوسّل" الذي يخفي تمرّدًا

يشي عنوان «توسلات» بصوت ضعيف يستعطف الآخر، غير أن القصيدة تقلب هذا التوقع؛ فما يبدو توسّلًا سرعان ما يتحول إلى قائمة من المطالب، ثم إلى بيان يحدد حدود العلاقة بين المرأة والرجل. تكرر الشاعرة:

أتوسّلُ إليكْ
أن لا تقفَ بين كتابي وبيني

لكنها لا تطلب من الرجل أن يمنحها ذاتها، وإنما تطالبه بالتوقف عن مصادرتها. إن الكتاب والعين والصوت والمرآة والورقة والسرير والزمن أشياء تخص المتكلمة، ولذلك يصبح تدخل الحبيب فيها عدوانًا على استقلالها.

تتأسس القصيدة على تكرار حرف الجر "بين"، وهو تكرار يؤدي أكثر من وظيفة؛ فهو يرسم في كل مرة حاجزًا يقيمه الرجل بين المرأة وجزء من كيانها:

بين ضوءِ عيني..
وعيني..
بينَ كُحلي.. وهُدبي
بين فمي.. وصوتي

تبدو العلاقات بين هذه الأشياء بديهية لا تقبل الفصل: العين وضوؤها، الكحل والهدب، الفم والصوت. ومن ثم فإن وقوف الآخر بينها ليس مجرد تدخل عاطفي، بل تفكيك لوحدة الذات. وتنجح الشاعرة في تجسيد القهر من خلال هذه المسافات الصغيرة؛ فالسلطة لا تظهر دائمًا في هيئة قانون أو سجن، بل قد تتسلل إلى التفاصيل الحميمة، فتفصل الإنسان عن صوته وصورته وكتابته. وتتدرج المفردات التي تصف هذا التدخل من "الظلم" إلى "الاستعمار" ثم إلى صورة "الإقطاعي" الذي يمتلك الزمن والجسد:

فيا أيها الإقطاعيُّ
الذي يتجولُ على حصانهِ فوقَ شرايين يديَّ
ويمسكُ بيديهِ مفاتيحَ عمري

تنقل الاستعارة العلاقة من مجال العاطفة إلى بنية السلطة. فالحبيب لم يعد فردًا محبًّا، وإنما إقطاعي يسيطر على مفاتيح العمر ويتنقل فوق الشرايين كأنها أرض مملوكة له. ويبلغ الاستحواذ ذروته حين "يختم على شفتيَّ بالشمع الأحمر"، فيتحول الحب من وسيلة للتواصل إلى أداة لمنع الكلام. وتكمن المفارقة الجمالية في أن فعل "أتوسل" الوديع يستبطن لغة شديدة الرفض. فالمرأة تبدو ظاهريًّا مستعطفة، لكنها في الحقيقة تضع شروطها وتطالب بـ"حرية الصراخ". ولهذا تنتهي القصيدة بطلب الخروج من الحصار:

وأن لا تقفَ بيني وبينَ الغيومْ
عندما تمطرُ السماءْ

إنها لا تطلب ترفًا عاطفيًّا، بل حقها في الاتصال بالعالم؛ حقها في الكتابة والرؤية والمطر والزمن. وهكذا يتحول التوسل إلى مقاومة، والرجاء إلى إعلان سيادة على الذات.

 

اليومي بوصفه ساحة للحرية

من أجمل سمات قصيدة «توسلات» مزجها السياسي باليومي. فسلطة الرجل لا تظهر في أفكار كبرى فحسب، بل في فنجان القهوة وقميص النوم وشراشف السرير وترتيب الأيام. تقول الشاعرة:

أن لا تقفَ بين فنجان القهوة.. وبين شفتي..
بين قميص نومي.. وشراشفِ سريري

تكسب القصيدة قربها من هذه التفاصيل المألوفة. فبدل الخطاب النظري حول حرية المرأة، تقدم الشاعرة مشاهد صغيرة تجعل القارئ يلمس معنى المصادرة. إن الاستقلال يبدأ من حق المرأة في علاقتها بجسدها وغرفتها ووقتها وأشيائها. وتكتسب الذاكرة بدورها هيئة مكانية في قولها: "أن تأخذَ حقائبكَ من فندق ذاكرتي"، فالذاكرة فندق أقام فيه الحبيب طويلًا وترك وراءه الجرائد والكتب وأكياس الحلوى. وتمنح صورة "فندق الذاكرة" الفراق طابعًا ساخرًا وحميمًا؛ إذ يبدو الرجل نزيلًا عليه أن يجمع أمتعته ويرحل. لكنه خلّف في الذاكرة أشياء متفاوتة: كتبًا سياسية تشير إلى حضوره الفكري، وحلوى بالنعناع كان يسترضي بها "طفولة" المتكلمة. وهنا يتحول الانفصال إلى عملية جرد لموجودات علاقة كاملة. أما الزمن فيظهر ملكيةً تنازلت عنها المرأة حتى كادت تفقد وجودها:

فلقد أعطيتكَ السبتَ.. والأحدْ
وأعطيتكَ الثلاثاءَ.. والأربعاءْ
والصيفَ... والشتاءْ
والوقتَ الذي تكونْ
والوقتَ الذي سوف يتكوّنْ

لا يكتفي الحبيب بالحاضر، بل يستولي على الزمن الممكن أيضًا. ومن خلال تعداد الأيام والفصول يتجسد الاستنزاف العاطفي؛ فالحب لم يعد لحظة مشاركة، وإنما تمددٌ يحتل الماضي والحاضر والمستقبل.

 

الهوية الخليجية بين الانتماء والاحتجاج

في "أوراق من مفكرة امرأة خليجية" تنتقل الأنا من المجال الشخصي إلى المجال الثقافي والجغرافي. تبدأ القصيدة بإعلان متكرر: "أنا الخليجيةُ"،

ولا تؤدي جملة "أنا" وظيفة التعريف وحده، بل تبني حضورًا في مواجهة الصور التي صاغها المجتمع عن المرأة الخليجية. تستعيد الشاعرة عناصر البيئة المحلية: الدشداشة، ومراكب النواخذة، والبحر، والسدر، والنخلة، والناي، والربابة، والقهوة المرة. لكنها لا تعرضها باعتبارها زخارف تراثية، بل تجعلها أجزاء من جسد الأنثى وذاكرتها. ففي قولها:

أنا الخليجيةُ
التي نصفُها سَمَكَةْ
ونصفُها امرأةْ

تذوب الحدود بين الإنسان والمكان. فنصفها ينتمي إلى البحر، ونصفها إلى الكينونة الأنثوية؛ وبذلك تصبح الجغرافيا عنصرًا من عناصر الجسد. البحر ليس مشهدًا خارجيًّا، بل هوية متحركة تسكنها. غير أن الانتماء إلى الخليج لا يعني الخضوع لتراثه الاجتماعي. فالذات تعرّف نفسها أيضًا بأنها:

الهاربةُ من كتابِ ألفِ ليلةْ
ووصايا القبيلةْ
وسُلطةِ الموتى

تكشف هذه الأبيات عن مواجهة مع صورتين للمرأة: صورة حكائية تراثية حُبست في فضاء "ألف ليلة وليلة"، وصورة اجتماعية تحكمها وصايا القبيلة وسلطة الأسلاف. والهروب هنا لا يعني التنكر للجذور؛ فالشاعرة تؤكد في الوقت نفسه أنها "النخلة العربية الأصول". إنها تميز بين الانتماء بوصفه ذاكرة حية، والتراث حين يتحول إلى سلطة تمنع التغيير. ومن هذه المفارقة تتشكل هوية المرأة: أصيلة وثائرة، خليجية ومنفتحة، نخلة ومهرة شاردة. تقول:

أنا المُهرةُ الشاردةْ
التي تكتبُ بحوافرها نشيدَ الحريةْ

تزاوج الصورة بين الحركة والكتابة؛ فالحوافر لا تترك آثارًا عشوائية، بل تكتب نشيدًا. وهكذا تتحول الأنثى من كائن مطارد إلى قوة تصنع لغتها في أثناء اندفاعها. ويكتسب اللون في صورة "الخنجر البحري الأزرق" دلالة خاصة. فالخنجر علامة المواجهة، لكن زرقة البحر تخرجه من صورته المعدنية المعتادة، وتجعله سلاحًا مولودًا من جغرافيا الخليج. أما غايته فهي "قتل الخرافة"، أي مواجهة ما يعطل العقل والحرية.

 

من الأنا الفردية إلى ضمير الجماعة

على الرغم من كثافة ضمير "أنا"، لا تنغلق القصيدة على فردية نرجسية. فالذات سرعان ما تتسع لتشمل النساء والفقراء والمقموعين:

أنا الخليجيةُ..
التي تُقاتلُ بأظافرها
من أجل أن يكونَ الخبزُ للجميعْ..
والمطرُ للجميعْ..
والحبُّ للجميعْ

يتدرج التعداد من الخبز إلى المطر ثم إلى الحب. فالخبز حاجة جسدية، والمطر شرط للحياة، والحب حاجة روحية؛ وبذلك تطالب المتكلمة بعدالة كاملة تشمل الجسد والطبيعة والعاطفة. كما تتعدد أسماء الأماكن داخل ذاتها:

أنا السالميةُ..
أنا الصالحيةُ..
أنا الشُوَيخُ..
أنا عَدَن

لا تعرض هذه المدن بوصفها نقاطًا جغرافية، بل طبقات للهوية. وحين تقول للحبيب: "لكنتُ لكَ الوطن"، فإنها تنقل الوطن من الخرائط إلى العلاقة الإنسانية. غير أن هذه المساواة بين الحبيب والوطن لا تخلو من توتر؛ فالحب عند سعاد الصباح قد يكون خلاصًا من سلطة القبيلة، لكنه قد يتحول بدوره إلى سلطة جديدة، كما رأينا في "توسلات".

 

الأنوثة بين الاستقلال والرغبة في الاحتماء

تكشف المختارات عن صورة أنثوية مركبة لا يمكن اختزالها في التمرد وحده. ففي "يوميات قطة" تحتفي الشاعرة بحميمية العلاقة ودفء الاحتماء:

نعمةٌ أن تشعرَ الأنثى بإنسانٍ يُغطّيها..
ويحميها.. ويعطيها مفاتيحَ الغيوب

تبدو هذه الصورة، للوهلة الأولى، مختلفة عن المرأة التي تطالب الرجل بأن يرفع يديه عن "أجزاء الزمن". لكن الاختلاف يعبر عن تعدد التجربة أكثر مما يعبر عن تناقضها. فالمرأة ترفض الحماية حين تصبح وصاية، وتقبلها حين تكون عناية متبادلة. وهي لا تعارض القرب، بل تعارض أن يبتلع القرب استقلالها. وتظهر اليوميات حبًّا منزليًّا بسيطًا: فتح العينين في الصباح، وشرب القهوة بين ذراعي الحبيب، والسكن في "بستان طيبه". هذه المشاهد تخفف من النبرة الصدامية في قصائد أخرى، وتقدم الحب باعتباره مأوى يوميًّا لا عاصفة استثنائية فقط.

أما عنوان "يوميات قطة" فيوحي بالدلال والألفة والاقتراب الحذر. فالقطة كائن يجمع بين الحاجة إلى الحنان والمحافظة على استقلاله؛ يقترب متى شاء، ويحتفظ بمساحته الخاصة. ومن ثم يلائم الرمز طبيعة الأنوثة في شعر الصباح: رقيقة لكنها عصية على الامتلاك.

 

"الجنون" اسم آخر لمخالفة المألوف

في قصيدة "المجنونة" تعيد الشاعرة تعريف العقل والجنون. تقول:

إنني مجنونةٌ جدًّا...
وأنتمْ عُقَلاءْ
وأنا هاربةٌ من جنّةِ العقلِ،
وأنتمْ حُكَماءْ

تقوم البداية على مقابلة ساخرة بين "أنا" و"أنتم". ولا تعترف المتكلمة بالجنون بوصفه نقصًا، بل تتبناه بوصفه حرية من عقل اجتماعي محافظ. كما أن تعبير "جنة العقل" ينطوي على مفارقة؛ فالهروب من الجنة يفترض أن النظام الذي يبدو مثاليًّا من الخارج قد أصبح سجنًا من الداخل. وتعمق ثنائية الصيف والشتاء هذه المفارقة:

أشهرُ الصيفِ لكمْ
فاتركوا لي انقلاباتِ الشتاءْ

الصيف رمز للاستقرار والوضوح، أما الشتاء فيحمل التقلب والعاصفة. والمتكلمة تختار "الانقلابات"، لأنها تنتمي إلى الحركة والتحول لا إلى النظام الساكن. واستخدام المفردة السياسية في وصف الفصل يربط مزاج الذات بمشروعها الاحتجاجي. لكن هذا الجنون ليس قوة خالصة؛ إنه يشتمل على الضعف والضياع والحصار:

وأنا مقهورةٌ في جسدي
كملايين النساءْ

ينفتح الألم الشخصي على مصير جماعي. فالجسد الأنثوي ليس مساحة حب فحسب، وإنما موضع قهر تاريخي تتشارك فيه ملايين النساء. ثم تأتي صورة الأعصاب المشدودة والدخان المتطاير لتجسد الاحتقان النفسي، قبل أن تصف نفسها بأنها "كالسمك الضائع في عرض البحار". السمكة التي كانت في "أوراق من مفكرة امرأة خليجية" علامة انتماء إلى البحر تصبح هنا صورة للتيه؛ فالرمز الواحد يتحول بتغير الحالة النفسية. وفي خاتمة القصيدة تعلن المتكلمة:

انتمائي هو للحبّ..
وما لي لسوى الحبِّ انتماءْ

يتحول الحب إلى هوية تتقدم على التاريخ والقبيلة. أما الوطن فيصبح "مجموعةً من شجر الليمون في صدرك"، أي إن الجغرافيا القومية يعاد تشكيلها داخل جسد الحبيب. وتنتهي العبارة الساخرة "والباقي هراءٌ بهراء" برفض صارم لكل الشعارات التي لا تمنح الإنسان حياة وجدانية حقيقية.

 

من موسيقى الحب إلى "السمفونية الرمادية"

تمثل "السمفونية الرمادية" منعطفًا واضحًا من الخطاب العاطفي إلى الهم القومي. تبدأ الشاعرة برغبتها في إلقاء أشعار الحب:

كان بودّي أن أُسمعَكمْ
هذي الليلةَ، شيئًا من أشعار الحبّْ

لكن الواقع يعترض القصيدة. فبدل الانتقال بالجمهور "من مملكة الرمل إلى مملكة العشب"، تجد نفسها في عصر عربي "توقف نبض القلب" فيه. وتقوم بنية النص على صراع بين ما أرادت الشاعرة قوله وما اضطرت إلى قوله؛ بين موسيقى القلب وضجيج الرعب، وبين زمن الشعر وزمن القتل. وعنوان القصيدة نفسه مفارق؛ فالسمفونية توحي بتناسق الأصوات وتنوعها، بينما يحيل الرمادي إلى انطفاء اللون والوقوف بين بياض الأمل وسواد الفاجعة. إنها موسيقى فقدت ألوانها تحت ضغط الواقع.

تنتقل القصيدة إلى الأسئلة الاحتجاجية:

كيف بوُسعي؟
أن أتجاهلَ هذا الوطنَ الواقعَ في أنيابِ
الرعبْ؟

لا يأتي السؤال بحثًا عن جواب، بل لإعلان استحالة الحياد. فالشاعرة لا تستطيع أن تكتب غزلًا نقيًّا فيما الوطن محاصر بالإفلاس الروحي والإحباط القومي والقحط والجدب. وهكذا لا ترفض الحب، لكنها تعترف بأن الواقع السياسي يشوش موسيقاه. وتبلغ القصيدة ذروة الألم في سلسلة من الأسئلة:

هل يَنْبُتُ قمحٌ من جَسَد الفقراءْ؟
هل يَنْبُتُ وردٌ من مِشْنَقَةٍ؟

تقوم الصور على إنبات الحياة من الموت، لكنها لا تقدم هذا الإنبات بوصفه حقيقة مطمئنة؛ بل تضعه في صيغة استفهامية متشككة. فالقمح والورد والماء والشعر تقابل الجسد والمشنقة والموت والمعدن. وتحاصر القصيدة إمكانية الجمال: هل يستطيع الشعر حقًّا أن يولد في تاريخ من القتل؟ ثم تتخلى اللغة عن المجاز المركب لتقدم مشهدًا قاسيًا ومقتصدًا:

مقتولٌ يبكي مقتولًا
جُمجمةٌ ترثي جُمجمةً
وحذاءٌ يُدفنُ قُرْبَ حذاءْ

يخلق التوازي النحوي إيقاعًا جنائزيًّا باردًا. ويختفي الإنسان وراء بقاياه: جمجمة وحذاء. ويصبح غياب الاسم علامة على موت مزدوج؛ موت الجسد وموت الذاكرة. لهذا تستحضر القصيدة الحلاج، رمز المفكر الذي قتلته السلطة، لتصل إلى حكمها المرير: "فنصف القتلى في تاريخ الفكر بلا أسماء".

 

الجغرافيا بوصفها قاموسًا للعاطفة

تكثر في شعر سعاد الصباح الإشارات الجغرافية: الخليج، وبحار الصين، وخط الاستواء، والقطب الشمالي، والمدن الخليجية، وعدن. غير أن الجغرافيا لا تُستخدم لإثبات سعة الثقافة أو زخرفة النص، بل تتحول إلى مقياس للمشاعر. ففي "المجنونة" تقول:

أنتَ في القطب الشماليِّ...
وأشواقي بخطِّ الاستواءْ

تختصر الصورة التباعد العاطفي في تضاد مناخي؛ فالحبيب برودة وبُعد، والأشواق حرارة واشتعال. وفي "أوراق من مفكرة امرأة خليجية" يمر خط الاستواء بين شفتي المرأة، فيصبح الجسد خريطة، بينما تصبح الرحلة إلى "آخر حدود الدنيا" امتدادًا للوله. وهذا الاستخدام يمنح التجربة العاطفية أفقًا واسعًا، لكنه يظل متصلًا بالمكان الأصلي. فمهما امتدت الرحلة، يعود النص إلى البحر والنخلة والسدر والقهوة المرة، أي إلى مفردات الذاكرة الخليجية.

 

بلاغة التكرار والنبرة الخطابية

تعتمد سعاد الصباح على التكرار اعتمادًا أساسيًّا. تتكرر عبارات "أتوسل إليك"، و"أنا الخليجية"، و"يا أحبابي"، و"كان بودي"، و"أرجو أن أتعلم منكم". ويصنع هذا التكرار إيقاعًا يسهل إنشاده وتلقيه شفهيًّا، كما يحول القصيدة إلى موجات متتابعة يتنامى معناها مع كل عودة. وفي "أوراق من مفكرة امرأة خليجية" يصبح تكرار "أنا" فعلًا لإثبات الوجود. وفي "توسلات" يحول التكرار الطلب إلى إصرار. أما في "السمفونية الرمادية"، فإن تكرار "يا أحبابي" يعيد الجمهور إلى قلب المواجهة ويجعل القصيدة أقرب إلى خطاب عام أو مرثية جماعية.

وتتميّز اللغة عمومًا بالوضوح وقصر الجمل وسهولة المفردات. لا تتعمد الشاعرة إحاطة المعنى بالغموض، بل تراهن على قوة العبارة المباشرة والمفارقة والصورة القريبة. وهي سمة منحت شعرها قدرة على الوصول إلى جمهور واسع، لأن القارئ لا يحتاج إلى فك طلاسم لغوية حتى يدخل التجربة.

لكن هذه المباشرة تمثل، في بعض المواضع، حدًّا جماليًّا أيضًا. فعندما تزداد العبارات السياسية والتقريرية، قد تقترب القصيدة من البيان أو الخطابة، ولا سيما في التعدادات التي تصرّح بالقهر والإفلاس والإحباط. غير أن النص يستعيد طاقته الشعرية كلما ترجم الفكرة إلى صورة، كما في "حصان" الإقطاعي فوق الشرايين، و"فندق الذاكرة"، والمرأة التي نصفها سمكة، والفرخة فوق الجمرة، والجمجمة التي ترثي جمجمة. وهنا تكمن المفاضلة الفنية في تجربة الصباح: أحيانًا تريد للصورة أن توحي، وأحيانًا تريد للصوت أن يعلن. ولا يمكن فصل هذه النبرة الإعلانية عن مشروعها؛ فهي تكتب من موقع امرأة ترى أن الصمت جزء من القهر، ولذلك تمنح التصريح قيمة أخلاقية، حتى حين يأتي على حساب الالتباس الجمالي.

 

الحب بوصفه خلاصًا وخطرًا

ليس الحب في هذه المختارات مفهومًا واحدًا. إنه نعمة في "يوميات قطة"، وحصار في "توسلات"، وجنون في "المجنونة"، ووطن بديل في أكثر من قصيدة، وموسيقى مستحيلة أمام الموت في "السمفونية الرمادية". وقد يكون الحبيب مأوى يحمل مفاتيح الغيوب، أو إقطاعيًّا يحمل مفاتيح العمر.

هذا التوتر يمنح التجربة عمقها. فالشاعرة لا تدين الحب، بل تدين تحوله إلى امتلاك. ولا ترفض حاجتها إلى الآخر، لكنها ترفض أن تكون هذه الحاجة ذريعة لمحو صوتها. إنها تريد علاقة تتيح لها أن تقول "أنا" من دون أن تلغي "أنت"، وتسمح لها بالاحتماء من دون أن تحاصرها.

ولهذا يتكرر رمز المفتاح بدلالتين متقابلتين: ففي "يوميات قطة" يمنح الحبيب المرأة "مفاتيح الغيوب"، بينما في "توسلات" يمسك الرجل "مفاتيح عمري". في الصورة الأولى يفتح الحب الأبواب، وفي الثانية يغلقها. والفرق بين الحالتين هو الفرق بين المشاركة والسيطرة.

 

خاتمة

تقدم مختارات سعاد الصباح صوتًا أنثويًّا يجمع بين البوح والاحتجاج، وبين الرقة والمواجهة، وبين الانتماء إلى المكان والتمرد على سلطاته. والمرأة في هذا الشعر خليجية تحمل البحر والنخلة والقهوة والربابة في ذاكرتها، لكنها ترفض أن تتحول الهوية إلى قفص. وهي عاشقة ترى في الحبيب وطنًا، لكنها تطالبه بألا يقف بينها وبين كتابها وصوتها وزمنها.

تستمد القصائد جمالياتها من تكرار العبارة، وإيقاع النداء، وتوظيف التفاصيل اليومية، وتحويل الجغرافيا إلى خريطة للشعور، وبناء المفارقات بين الحب والسلطة، والعقل والجنون، والرمل والعشب، والشعر والمشنقة. وحتى حين ترتفع النبرة الخطابية، تظل وراءها ذات تدافع عن حقها في الكلام. إن الجملة الأشد تعبيرًا عن هذا المشروع ليست اعترافًا بالحب وحده، ولا إعلانًا سياسيًّا خالصًا، بل ذلك الطلب الذي يجمعهما معًا:

أن تمنحني حريةَ الصراخ

فالقصيدة عند سعاد الصباح هي هذه الحرية بعينها: صرخة امرأة تحب، وتتمرّد، وتنتمي، وترفض أن يضع أحدٌ ختمه الأحمر على شفتيها.

 

القصائد المختارة
توسلات
شعر: سعاد الصباح

(1)

أتوسّلُ إليكْ..

أن لا تقفَ بين كتابي وبيني

بين ضوءِ عيني..

وعيني..

بينَ كُحلي.. وهُدبْي

بين فمي.. وصوتي

فهذا ظُلْمٌ لا أحتملُهْ...

(2)

أتوسّلُ إليكْ

أن لا تقفَ بين مرآتي... ووجهي

بين قامتي... وظلّي

بين أصابعي... وورقتي

بين فنجان القهوة.. وبين شفتي..

بين قميص نومي..و شراشفِ سريري

فهذا استعمارٌ لا أحتملُهْ..

(3)

أتوسّلُ إليكْ

أن لا تطحنَني

بين التزاماتي العاطفية نحوكْ..

والتزاماتي التاريخيّة نحو قبيلتي..

بين وصايا أبي العشرْ

ووصاياكَ العشرْ...

بين قُبُلاتِ أمي المضرّجة بالعسلْ

وقُبلاتِكَ المضرّجةِ بالجنونْ...

(4)

أتوسّلُ إليكْ

أن تأخذَ حقائبكَ من فندق ذاكرتي

والجرائدَ... والكُتُبَ السياسيّةْ..

التي كنتَ تنساها في سيّارتي

وأكياسَ الحلوى بالنعناع

التي كنتَ تشتريها

لتسترضي طفولتي...

(5)

أتوسّلُ إليكْ

أن ترفعَ يديكَ عن أجزاء الزمنْ

وعن ترتيب أيامي..

فلقد أعطيتكَ السبتَ.. والأحدْ

وأعطيتكَ الثلاثاءَ.. والأربعاءْ

والصيفَ... والشتاءْ

والوقتَ الذي تكونْ

والوقتَ الذي سوف يتكوّنْ..

فيا أيها الاقطاعيُّ

الذي يتجولُ على حصانهِ فوقَ شرايين يديّ

ويمسكُ بيديهِ مفاتيحَ عمري

ويختمُ على شفتيّ بالشمع الأحمرْ

أتوسّلُ إليكَ للمرّةِ الألفْ

أن تمنحَني حريّةَ الصراخْ

وأن لا تقفَ بيني وبينَ الغيومْ

عندما تمطرُ السماءْ...

 

أوراق من مفكرة امرأة خليجية
شعر: سعاد الصباح

(1)

أنا الخليجيّةُ

التي يمرُّ من بين شَفَتيها خطُّ الإستواءْ

وعلى خيطان دَشْداشَتِها

تتجمّعُ مراكبُ النواخِذَةْ

ولقالقُ البحرْ

ونجومُ الصيف المتساقطةْ

من حدائِقِ اللهْ...

(2)

أنا شجرةُ السِدْرِ الدائمةُ الاخضرارْ

وفاكهةُ النار والنُحاسْ

وزَهرةُ الحُلمِ والنُعاسْ

أنا البدويّةُ

التي جاءت إليكَ من بحار الصينْ

لتتعلّمَ الحبَّ في مدرستكْ

فَعَلِّمني...

(3)

أنا الخليجيّةُ

الهاربةُ من كتابِ ألفِ ليلةْ

ووصايا القبيلةْ

وسُلطةِ الموتى

والتي تتحدّى –حين تكونُ مَعَكْ

حركةَ التاريخِ، وجاذبيّةَ الأرض،

أنا النخلةُ العربيّةُ الأصولْ

والمرأةُ الرافضةُ لأنصافِ الحلولْ

فباركْ ثورتي...

(4)

أنا الخليجيّةُ

التي نصفُها سَمَكَةْ

ونصفُها امرأةْ..

أنا النايُ.. والربابةُ.. والقهوةُ المُرّةْ..

أنا المُهرةُ الشاردةْ

التي تكتبُ بحوافرها نشيدَ الحريّةْ.

أنا الخنجرُ البحريُّ الأزرقْ

الذي لن يستريحَ

حتى يقتلَ الخُرافةْ...

(5)

أنا الخليجيّةُ..

التي تُقاتلُ بأظافرها

من أجل أن يكونَ الخبزُ للجميعْ..

والمطرُ للجميعْ..

والحبُّ للجميعْ..

والتي تُقاومُ ملحَ البحرْ

وتيّاراتِ الأعماقْ

والرجالَ الذين لهم أسنانُ سَمَكِ القرشْ

وعيونُ الشرطة السريّةْ...

(6)

أنا الخليجيّةُ..

المعتّقةُ في خوابي الزَمَنْ

أنا السالميّةُ..

أنا الصالحيّةُ..

أنا الشُوَيخُ..

أنا عَدَنْ..

وأنا التي لو شئتني يوماً

لكنتُ لكَ الوطنْ...

(7)

أنا الغجريّةُ التي تحملَكَ في خلاخيلِها

وحَلَقِها النحاسيّ الطويلْ

وتسافرُ بكَ إلى آخرِ حدودِ الدنيا

وإلى آخرِ حدودِ الوَلَهْ..

يا مَنْ يُشعلُ بياضَ الثلجْ..

وذاكرةَ العطورْ..

ويُشعلُ ذاكرتي..

(8)

أنا قصيدتُكَ المكتوبةُ بحبر الأنوثةْ

أنا عصفورتُكْ

أنا جزيرتُكْ

أنا كنيستُكْ

فاسمعْ أجراسَ حنيني

واطرُقِ البابَ عليَّ في أيِّ وقتٍ تريدْ

وعلِّقْ على أهدابي

أحزانَكْ...

 

 

المجنونة
شعر: سعاد الصباح

(1)

إنني مجنونةٌ جداً...

وأنتمْ عُقَلاءْ

وأنا هاربةٌ من جنّةِ العقلِ،

وأنتمْ حُكَماءْ

أشهرُ الصيفِ لكمْ

فاتركوا لي إنقلاباتِ الشتاءْ..

(2)

أنا في حالة حبٍّ... ليس لي منها شفاءْ

وأنا مقهورةٌ في جسدي

كملايين النساءْ

وأنا مشدودةُ الأعصابِ..

لو تنفخُ في داحل أذني

لتطايرتُ دخاناً في الهواءْ...

إنني ضائعةٌ كالسَمَكِ الضائعِ في عرضِ البحارِ...

فمتى تُنهي حصاري؟...

يا الذي خبّأَ في معطفه مفتاحَ داري

يا الذي يدخلُ في كلِّ تفاصيل نهاري.

(3)

يا حبيبي:

إنني دائخةٌ عشقاً

فلملمْني بحقِّ الأنبياءْ

أنتَ في القطب الشماليِّ...

وأشواقي بخطِّ الإستواءْ

يا حبيبي:

إنني ضدّ الوصايا العشرِ...

والتاريخُ من خلفي دماءٌ ورمالْ..

إنتمائي هو للحٌبّ..

وما لي لسوى الحبِّ انتماءْ

وطني..

مجموعةٌ من شجرِ الليمون في صدركَ...

والباقي هراءٌ بهراءْ...

 

يوميات قطة
شعر: سعاد الصباح

أنا في حالة عشقٍ ... يا حبيبي

نعمةٌ كُبرى بأن أفتحَ عينيَّ صباحاً

فأرى في جانبي من أناديهِ "حبيبي" ..

نعمةٌ أن أشرَبَ القهوةَ ما بين ذراعيكَ ..

وأن أسكُنَ طولَ الليلِ في بستانِ طيبِ ...

نعمةٌ أن تشعُرَ الأنثى بإنسانٍ يُغطّيها ..

ويحميها .. ويعطيها مفاتيحَ الغيوبِ ..

أنا في كلِّ لُغاتِ الأرضِ أهواكَ ..

فهل عندَكَ إسمٌ آخرٌ ..

غيرُ حبيبي ؟؟

 

 

السمفونية الرمادية
شعر: سعاد الصباح

يا أحبابي :

كان بوُدّي أن أُسْمِعَكُمْ

هذي الليلةَ ، شيئاً من أشعار الحُبّْ

فالمرأةُ في كلِّ الأعمارِ ،

ومن كلِّ الأجناسِ ،

ومن كلِّ الألوانِ

تدوخُ أمامَ كلامِ الحُبّْ

كان بوُدّي أن أسرقَكُمْ بِضْعَ ثوانٍ

من مملكةِ الرَمْلِ ، إلى مملكةِ العُشْبْ

يا أحبابي :

كان بودّي أن أُسْمِعَكُمْ

شيئاً من موسيقى القلبْ

لكنَّا في عصرٍ عربيٍّ

فيهِ توقّفَ نَبْضُ القلبْ ...

2

يا أحبابي :

كيف بوُسْعي ؟

أن أتجاهلَ هذا الوطَنَ الواقعَ فيِ أنيابِ

الرُعْبْ ؟

أن أتجاوزَ هذا الإفلاسَ الروحيَّ

وهذا الإحباطَ القوميَّ

وهذا القَحْطَ .. وهذا الجَدْبْ .

3

يا أحبابي :

كان بودّي أن أُدخِلَكُمْ زَمَنَ الشّعِرْ

لكَّن العالمَ ? واأسَفَاه ? تَحوَّلَ وحشا مجنوناً

يَفْتَرِسُ الشّعرْ ..

يا أحبابي :

أرجو أن أتعلَّمَ منكمْ

كيف يُغنّي للحرية مَنْ هُوَ في أعماقِ البئرْ

أرجو أن أتعلّم منكمْ

كيف الوردةُ تنمُو من أَشْجَارِ القهرْ

أرجو أن أتعلّم منكمْ

كيف يقول الشاعرُ شِعْراً

وهوَ يُقلَّبُ مثلَ الفَرْخَةِ فوقَ الجمرة..

4

لا هذا عصرُ الشِعْرِ ، ولا عصرُ الشُعَراءْ

هل يَنْبُتُ قمحٌ من جَسَد الفقراءْ ؟

هل يَنْبُتُ وردٌ من مِشْنَقَةٍ ؟

أم هل تَطْلَعُ من أحداقِ الموتى أزهارٌ حمراءْ؟

هل تَطْلَعُ من تاريخ القَتلِ قصيدةُ شعرٍ

أم هل تخرُجُ من ذاكرةِ المَعْدنِ يوماً قطرةُ ماءْ

تتشابهُ كالُرّزِ الصينيّ .. تقاطيعُ القَتَلَهْ

مقتولٌ يبكي مقتولاً

جُمجُمةٌ تَرْثي جُمْجُمةً

وحذاءٌ يُدفَنُ قُرْبَ حذاءْ

لا أحدٌ يعرِفُ شيئاً عن قبر الحلاّجِ

فنِصْفُ القَتلى في تاريخِ الفِكْرِ ،

بلا أسماءْ ...

 

 

اقرأ المزيد من شعر سعاد الصباح على موقع الديوان انقر هنا


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شعرية التيه والتمرّد عند قاسم حدّاد

  قراءة في تحوّلات اللغة والذات والعالم بقلم: الورّاق الجزائري   تنبني التجربة الشعرية عند قاسم حدّاد على رغبة عميقة في تحرير القصيدة ...