اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

مزرعة الحيوان: من ترمز إليه الشخصيات؟ ولماذا تنتهي الثورة إلى ما بدأت ضده؟

صورة توضيحية رمزية لحيوانات المزرعة تراقب من الخارج خنازير تجلس حول مائدة داخل بيت مضاء
صورة توضيحية أصلية لمقالة عن رموز شخصيات "مزرعة الحيوان" وتحول الثورة إلى سلطة جديدة.
ليست الحكاية مجرد شفرة لمعرفة من يمثل ستالين ومن يمثل تروتسكي، بل تجربة أدبية عن اللحظة التي تبدأ فيها السلطة بتغيير الكلمات قبل أن تغير حياة الناس.

من هو نابليون في "مزرعة الحيوان"؟ ومن يمثل سنوبول؟ وهل يمكن أن نضع اسمًا تاريخيًا أمام كل حيوان، ثم نغلق الرواية وقد حللنا سرها؟

تبدو المهمة سهلة في البداية. نابليون يحيل بوضوح إلى جوزيف ستالين، وسنوبول إلى ليون تروتسكي، والسيد جونز إلى النظام القيصري الذي أطاحته الثورة الروسية. لكن قراءة الرواية بهذه الطريقة وحدها تفقدها جزءًا كبيرًا من قوتها. جورج أورويل لم يكتب لعبة مطابقة بين أسماء التاريخ وأسماء الحيوانات، وإنما أخذ مسارًا تاريخيًا معروفًا، واختصره وبدل ترتيبه أحيانًا، ثم أعاد بناءه في حكاية تسمح لنا بأن نرى شيئًا أبعد من الاتحاد السوفييتي نفسه: كيف يمكن لثورة قامت ضد الامتياز والقمع أن تنشئ طبقتها الممتازة وأدوات قمعها ولغتها الخاصة؟

الجواب المختصر هو أن شخصيات "مزرعة الحيوان" ترتبط بقوة بشخصيات وقوى من الثورة الروسية والاتحاد السوفييتي: نابليون بستالين، وسنوبول بتروتسكي، والخنازير بالنخبة الحاكمة، وبوكسر بالطبقة العاملة. لكن أورويل لا يجعل هذه الرموز مطابقة حرفية. والأهم أن الثورة تفشل لأن السلطة والمعرفة والسلاح والقدرة على تعريف الحقيقة تنتقل تدريجيًا إلى فئة صغيرة لا تخضع لرقابة بقية الحيوانات.

لهذا لا ينبغي أن يكون سؤالنا فقط: من يرمز إلى من؟ السؤال الأعمق هو: ما الذي يحدث بين الليلة التي تهتف فيها الحيوانات للحرية، والليلة التي تقف فيها خارج النافذة فلا تستطيع أن تميز الخنزير من الإنسان؟


أورويل لم يخفِ المفتاح التاريخي للرواية

صدرت "مزرعة الحيوان" بالإنجليزية بعنوان Animal Farm: A Fairy Story سنة 1945، بعد أن كتبها أورويل في السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. ولم يكن ارتباطها بالثورة الروسية سرًا اكتشفه النقاد بعد رحيله. أورويل نفسه شرح الخلفية بوضوح، ولا سيما في المقدمة التي كتبها للطبعة الأوكرانية سنة 1947.

كانت الحرب الأهلية الإسبانية محطة مهمة في تكوين نظرته السياسية. فقد شاهد هناك الصراع بين الفصائل التي يفترض أنها تقاتل في المعسكر نفسه، ورأى كيف يمكن للدعاية أن تحول الخصم السياسي إلى خائن، وكيف تصبح رواية الحدث أهم من الحدث نفسه. وعندما عاد إلى بريطانيا وجد، بحسب شهادته، أن أشخاصًا متعلمين يصدقون اتهامات سياسية رأى هو من تجربته أنها زائفة.

من هنا نشأت لديه الرغبة في كتابة قصة يستطيع القارئ العادي فهمها، تكشف ما رآه تحولًا للثورة السوفييتية إلى مجتمع هرمي جديد. وقد ذكر أورويل حادثة بسيطة ساعدته على إيجاد الصورة التي سيبني عليها الرواية: رأى صبيًا صغيرًا يقود حصانًا ضخمًا ويضربه كلما حاول الانحراف عن الطريق. وخطر له أن الحيوانات لو عرفت مقدار قوتها، فلن يستطيع الإنسان السيطرة عليها بالطريقة نفسها.

في هذه الصورة البسيطة توجد بذرة "مزرعة الحيوان" كلها: القوي قد يعيش خاضعًا للضعيف إذا لم يدرك قوته، أو إذا لم يعرف كيف يحول قوته الجسدية إلى قوة سياسية وتنظيمية ومعرفية.

ولهذا تلتقي الرواية مع سؤال أوسع ناقشناه في قراءة أثر الحروب الكبرى في الأدب والسينما: الأحداث التاريخية الضخمة لا تدخل الأدب كما وقعت حرفيًا، بل يعيد الكاتب تشكيلها حتى تكشف شيئًا يصعب أحيانًا أن تكشفه الوثيقة التاريخية وحدها.

من يرمز إليه نابليون وسنوبول والعجوز ميجور؟

أكثر المقابلات التاريخية وضوحًا هي شخصية نابليون. الخنزير الذي يبدأ واحدًا من قادة الثورة ثم يطرد منافسه، ويبني حول نفسه جهازًا من الخوف والدعاية، ويحصل تدريجيًا على امتيازات لا يملكها الآخرون، يحيل مباشرة إلى جوزيف ستالين وصعوده داخل النظام السوفييتي.

لكن أورويل لا يكتب سيرة ساخرة لستالين. نابليون أقل تعقيدًا من الشخصية التاريخية عمدًا. نحن لا نراه يفكر طويلًا ولا ندخل إلى عالمه الداخلي. إنه يعمل داخل الحكاية بوصفه تجسيدًا لطريقة معينة في اكتساب السلطة والاحتفاظ بها. ولذلك يصبح السؤال الأدبي أهم من التطابق التاريخي: كيف يستطيع قائد أن يحول شرعيته الثورية إلى حق دائم في الحكم؟

في الجهة الأخرى يقف سنوبول، الخنزير الأكثر حيوية وقدرة على الكلام والتنظيم والتخطيط. المقابلة مع ليون تروتسكي واضحة: شريك في الثورة، ثم منافس على القيادة، ثم مطرود من الجماعة، وبعد ذلك يتحول اسمه إلى تفسير جاهز لكل فشل يقع.

وهذه المرحلة الأخيرة شديدة الأهمية. سنوبول لا يُهزم سياسيًا فحسب، بل يعاد اختراعه بعد غيابه. يصبح مسؤولًا عن خراب لا يستطيع الدفاع عن نفسه أمام اتهاماته. وهنا تنتقل الرواية من الصراع على السلطة إلى الصراع على الذاكرة. فالسلطة لا تكتفي بإخراج خصمها من الحاضر؛ إنها تريد إعادة كتابته في الماضي أيضًا.

أما العجوز ميجور، الخنزير الذي يلقي الخطاب المؤسس قبل موته، فمن الشائع ربطه بكارل ماركس، وأحيانًا بمزيج من ماركس ولينين. وهذا أكثر دقة من محاولة إجباره على تمثيل شخص واحد في كل تفصيل. فهو يمنح الحيوانات تصورًا للعالم ووعدًا بمجتمع جديد، لكنه يموت قبل أن يرى كيف سيستخدم الآخرون أفكاره.

الفرق بينه وبين نابليون جوهري. الأول ينتج الفكرة، والثاني يدير المؤسسة التي تزعم أنها تطبقها. وبين الاثنين تتشكل إحدى مفارقات الرواية: قد تبقى اللغة القديمة موجودة بينما ينقلب معناها العملي تمامًا.

بوكسر: أقوى حيوانات المزرعة وأضعفها سياسيًا

إذا كان نابليون هو الشخصية الأكثر وضوحًا في علاقتها بالتاريخ، فإن الحصان بوكسر هو ربما الشخصية التي تمنح الرواية قلبها الإنساني.

بوكسر قوي، مخلص، يعمل أكثر من الجميع، ولا يبدو مهتمًا بامتلاك السلطة. حين تواجه المزرعة أزمة، تكون إجابته أن يعمل أكثر. وحين يصعب عليه فهم التناقض بين الواقع وما تقوله القيادة، يلجأ إلى الثقة بها.

ولهذا يُقرأ عادة بوصفه تمثيلًا للعمال الذين قامت الثورة باسمهم وحملوا العبء الأكبر من البناء والإنتاج، لكنهم لم يمتلكوا الأدوات التي تسمح لهم بمراقبة النظام الذي يتحدث باسمهم.

المشكلة عند بوكسر ليست نقص الشجاعة. إنه شجاع جسديًا إلى درجة استثنائية. وليست نقص الأخلاق، فهو من أكثر شخصيات الرواية استقامة. المأساة هي انفصال القوة عن المعرفة. لديه القدرة على تحريك الحجارة، لكنه لا يمتلك القدرة نفسها على فحص الجملة السياسية التي تبرر مطالبة الحيوانات بالمزيد من العمل.

هنا يصبح التعليم تفصيلًا سياسيًا لا تربويًا فقط. الخنازير تتعلم القراءة والكتابة بسرعة، بينما تظل أكثر الحيوانات عاجزة عن قراءة القوانين المكتوبة على الجدار أو تذكر نصها بدقة. وهكذا ينشأ تفاوت لا يقوم أول الأمر على الطعام أو السكن، بل على القدرة على معرفة ما قيل بالأمس ومقارنته بما يقال اليوم.

عندما تتغير الوصايا، يشعر بعض الحيوانات بأن شيئًا ليس صحيحًا. لكن الشعور وحده لا يكفي. من لا يستطيع قراءة النص القديم أو الاحتفاظ بسجل مستقل للماضي يصبح تحت رحمة من يقرأه له.

ولذلك فإن مصير بوكسر ليس مجرد عقوبة لشخص ساذج. إنه أكثر قسوة من ذلك: النظام يستنفد القوة التي بنت المزرعة، ثم يستغني عنها عندما لا تعود منتجة. الوفاء لا يمنحه حماية لأن العلاقة بين السلطة وبوكسر لم تكن متبادلة أصلًا. هو يظن أنه عضو في مشروع مشترك، بينما تتعامل القيادة معه في النهاية بوصفه موردًا.

سكويلر والكلاب والخراف: السلطة لا يحكمها نابليون وحده

من السهل أن نقرأ "مزرعة الحيوان" باعتبارها قصة طاغية واحد، لكن الرواية نفسها أكثر ذكاء من ذلك. نابليون لا يستطيع حكم المزرعة منفردًا. يحتاج إلى منظومة تجعل سلطته قابلة للاستمرار.

هنا تظهر أهمية سكويلر. هذا الخنزير لا يقود بالقوة الجسدية، بل باللغة. مهمته أن يجعل التراجع تقدمًا، والنقص وفرة، والامتياز ضرورة، والقرار الجديد استمرارًا للمبدأ القديم.

لذلك يُربط سكويلر عادة بجهاز الدعاية الرسمي في النظام السوفييتي، وأحيانًا بصحافته. لكن قيمته الأدبية تتجاوز هذا الأصل التاريخي. فهو يمثل الوظيفة التي تحتاجها كل سلطة تريد أن تقلل المسافة بين ما يراه الناس وما تطلب منهم أن يصدقوه.

لا يقول لهم ببساطة إن أعينهم مخطئة. يفعل شيئًا أدق: يقدم أرقامًا، ويستدعي الخوف من عودة السيد جونز، ويعيد تعريف الكلمات، ويجعل البديل عن طاعة القيادة يبدو أشد رعبًا من سوء الوضع القائم.

أما الكلاب التي يربيها نابليون منذ صغرها بعيدًا عن بقية الحيوانات، ثم تظهر لاحقًا قوة مسلحة مخلصة له، فهي تمثل جهاز الإكراه الذي يكمل الدعاية. ما لا تستطيع الحجة فرضه يستطيع الخوف أن يفرضه.

هذا الجمع بين سكويلر والكلاب أساسي لفهم تحوّل المزرعة. الكذب وحده لا يكفي إذا أمكن الاعتراض عليه بلا ثمن. والقوة وحدها مكلفة إذا اضطر الحاكم إلى استخدامها كل يوم. السلطة الأكثر استقرارًا في الرواية هي التي تجعل جزءًا من المجتمع يصدق، وجزءًا يخاف، وجزءًا يردد.

وهنا تأتي الخراف. قدرتها الأساسية ليست التفكير أو التنظيم، بل تكرار الشعار في اللحظة المناسبة. حين يصبح النقاش معقدًا، يستطيع الهتاف القصير أن ينهيه. بهذه الطريقة يبين أورويل أن اللغة السياسية لا تُفسد فقط عندما تكذب، بل أيضًا عندما تختصر المسائل التي تحتاج إلى تفكير في جملة تمنع التفكير نفسه.

وبقية الحيوانات؟ الرمز هنا أقل صلابة

توجد إغراءات كثيرة لتحويل كل حيوان في الرواية إلى اسم في كتاب التاريخ. لكن هذه الطريقة تصبح أحيانًا مصطنعة.

الحمار بنيامين، مثلًا، يعرف أكثر مما يقول. يستطيع القراءة ويدرك أن الوعود الكبيرة لا تغير طبيعة الحياة بسهولة، لكنه يختار الانسحاب والسخرية بدل التدخل. ولهذا قرأه بعض النقاد رمزًا للمثقف المتشكك الذي يفهم ما يجري لكنه لا يتحرك إلا بعد فوات الأوان.

ما يجعل بنيامين مهمًا ليس العثور على الشخص التاريخي الذي يختبئ خلفه، بل السؤال الأخلاقي الذي يمثله. هل يكفي أن ترى الخداع كي تكون بريئًا منه؟ أم أن المعرفة التي ترفض الفعل يمكن أن تتحول إلى نوع من العجز المتواطئ، حتى لو لم تقصد ذلك؟

الفرس مولي تحب السكر والشرائط والراحة التي كانت تحصل عليها في النظام القديم، ثم تختفي من المزرعة حين تصبح الحياة الجديدة أكثر تقشفًا. يمكن ربطها بفئات فقدت امتيازاتها وغادرت بعد الثورة، لكن الشخصية تعمل أيضًا على مستوى إنساني أبسط: ليس كل من يرحب بكلمة الحرية مستعدًا لدفع ثمنها حين تعني فقدان وسائل الراحة التي اعتادها.

الغراب موسى يتحدث عن جبل الحلوى، عالم سعيد ينتظر الحيوانات بعد الموت. وقد قرئت الشخصية عادة في ضوء موقف النظام السوفييتي من الدين ثم تغير علاقته بالمؤسسات الدينية في فترات لاحقة. ومع ذلك فمن الأفضل ألا نحول موسى إلى معادلة تاريخية ميكانيكية. الرواية تستخدمه أيضًا لتسأل عن وظيفة الوعد المؤجل: ماذا يحدث عندما يصبح الأمل في عالم آخر وسيلة لاحتمال البؤس في هذا العالم؟

حتى السيد جونز لا يحتاج إلى أن يكون صورة فوتوغرافية للقيصر نيقولا الثاني. إنه النظام القديم في بنيته الحكائية: مالك فقد قدرته على إدارة المزرعة، ثم يكتشف متأخرًا أن الخاضعين له يستطيعون التمرد.

كيف تحولت مبادئ الثورة إلى شيء آخر؟

تبدأ الثورة بمشكلة حقيقية داخل عالم الرواية. الحيوانات مستغلة، والعمل لا يعود عليها بما يناسب ما تنتجه، والسيد جونز لا يحكمها لأن بينها وبينه عقدًا اختارته، وإنما لأنه يملك المزرعة.

لهذا لا يصور أورويل الثورة منذ بدايتها بوصفها حماقة جماعية. لو فعل ذلك لفقدت الحكاية مفارقتها الأساسية. الثورة تنجح أولًا في إزالة ظلم موجود بالفعل. والحيوانات تختبر لفترة إحساسًا حقيقيًا بأن المزرعة أصبحت لها.

المأساة تبدأ بعد الانتصار.

في البداية تظهر فروق صغيرة يمكن تفسيرها عمليًا. الخنازير أكثر معرفة بالتنظيم، ولذلك تتولى بعض الأعمال الإدارية. ثم يحصل بعضها على طعام خاص بحجة أن عملها الفكري يتطلبه. وبعد ذلك تصبح الاستثناءات قواعد، وتتحول الخدمة إلى امتياز، والامتياز إلى حق، والحق إلى سلطة لا يناقشها أحد.

أورويل يجعل هذا التحول تدريجيًا عمدًا. لو استيقظت الحيوانات في اليوم التالي للثورة فوجدت نابليون يمشي على قدمين ويحمل سوطًا، لأدركت فورًا أنها تعرضت للخداع. لكن السلطة لا تظهر مكتملة منذ البداية. إنها تتكون من تنازلات صغيرة، وكل تنازل يبدو أقل خطورة إذا نظرنا إليه منفردًا.

الحليب يختفي. ثم التفاح. ثم ينتقل الخنازير إلى البيت. ثم تتغير قواعد أخرى. وفي كل مرة يوجد تفسير مقنع بما يكفي لتجاوز اللحظة.

بهذه البنية يجعلنا أورويل نرى أن الثورة لا تنتهي إلى ما بدأت ضده بسبب حادث واحد. لا توجد لحظة سحرية تتحول فيها الحرية إلى استبداد. ما يوجد سلسلة من التحولات الصغيرة التي تتراكم حتى يصبح الرجوع إلى نقطة البداية مستحيلًا.

الجدار أهم من السوط أحيانًا

من أذكى أدوات الرواية الوصايا المكتوبة على جدار الحظيرة. فهي تمثل ذاكرة الثورة مكتوبة أمام الجميع. يفترض أن يكون النص الثابت حاجزًا أمام تغير المبادئ: يستطيع الحيوان أن يعود إلى الجدار ويسأل هل ما يحدث اليوم يوافق ما اتفقنا عليه أم لا؟

لكن الجدار نفسه يدخل في الصراع.

حين تتحول السلطة من تطبيق القانون إلى امتلاك القدرة على تحرير القانون، تفقد الكتابة وظيفتها الرقابية. الوصايا لا تختفي كلها دفعة واحدة؛ تتغير كلمات صغيرة، وتضاف استثناءات تجعل الفعل الذي كان ممنوعًا بالأمس مسموحًا اليوم.

وهنا تكمن إحدى أكثر أفكار الرواية بقاء. السيطرة على الحاضر لا تصبح كاملة ما دام هناك ماض مستقل يمكن مقارنته به. لذلك يحتاج النظام الجديد إلى جعل الذاكرة نفسها قابلة للتعديل.

الحيوانات تتذكر أن الأمور كانت مختلفة، لكنها لا تثق بذاكرتها. وهذه لحظة أخطر من مجرد الكذب. الكاذب العادي يخبرك بشيء تعرف أنه غير صحيح. أما السلطة في "مزرعة الحيوان" فتحاول أن تجعلك تشك في قدرتك أصلًا على معرفة ما هو صحيح.

ولهذا تصبح الأمية والنسيان جزءًا من بنية الحكم. من يستطيع حفظ الشعار لكنه لا يستطيع قراءة القانون يستطيع المشاركة في الحشد، لكنه لا يستطيع محاسبة من كتب القانون.

لماذا لم تتمرد الحيوانات مرة ثانية؟

ربما يكون هذا أصعب سؤال في الرواية. الحيوانات ثارت على جونز، فلماذا لا تثور على نابليون؟

السبب الأول أن السلطة الجديدة تعلمت من سقوط القديمة. جونز كان يعتمد في النهاية على مكانته بوصفه المالك وعلى أدوات مباشرة للسيطرة. أما نابليون فيبني مؤسسات: كلابًا تخيف المعترضين، ودعاية تعيد تفسير الوقائع، وشعارات تملأ الفراغ الذي يتركه التفكير، وذاكرة رسمية تتغير باستمرار.

والسبب الثاني أن الحيوانات أصبحت أكثر إنهاكًا. الثورة الأولى قامت وهي ما تزال قادرة على تصور حياة أخرى. أما بعد سنوات من العمل ونقص الطعام وبناء الطاحونة وإعادة بنائها، فإن طاقتها تذهب إلى البقاء.

السبب الثالث هو الخوف من البديل. اسم جونز يظل حاضرًا بعد رحيله. كل اعتراض يمكن الرد عليه بالسؤال الضمني: أتريدون عودته؟ وهكذا يتحول النظام القديم، الذي ثارت الحيوانات عليه، إلى أداة يستخدمها النظام الجديد لتبرير نفسه.

هذه مفارقة شديدة القسوة: وجود ظلم سابق لا يبرر الظلم اللاحق منطقيًا، لكنه يستطيع أن يؤدي هذه الوظيفة سياسيًا إذا أقنع الناس بأن أمامهم خيارين فقط.

ثم هناك عامل أخير: لم تعد الحيوانات تملك اللغة الأولى للثورة. المفاهيم نفسها تغيرت. حين لا يعود الجميع متفقين على معنى المساواة والحرية والقانون، يصبح تنظيم المقاومة أكثر صعوبة من مجرد الشعور بأن الحياة سيئة.

هل كان أورويل يهاجم فكرة الثورة نفسها؟

القراءة التي تجعل "مزرعة الحيوان" إعلانًا بسيطًا بأن كل ثورة سيئة لا تتفق تمامًا مع ما قاله أورويل عن نفسه ولا مع بنية الرواية.

كان أورويل ناقدًا للستالينية، لكنه لم يقدم نفسه باعتباره مدافعًا عن المجتمع الطبقي الذي سبقها. في مقدمته للطبعة الأوكرانية أوضح أن اقترابه من الاشتراكية جاء من رفضه لما رآه من استغلال وإهمال للفقراء والعمال، لا من إعجاب نظري مجرد بنظام مخطط.

لذلك فالمزرعة قبل الثورة ليست فردوسًا. والسيد جونز ليس ضحية بريئة لحيوانات جاحدة. لو كانت الرواية تريد القول ببساطة إن النظام القديم أفضل، لما احتاج أورويل إلى تصوير أسباب التمرد بهذه القوة.

موضوعه أكثر تحديدًا: كيف يمكن لحركة تعد بالمساواة أن تنتج تراتبًا جديدًا، وكيف تستطيع لغة التحرر نفسها أن تستخدم لتبرير امتيازات جديدة؟

وهذا الفرق مهم، لأن الرواية لا تطلب من القارئ أن يختار بين جونز ونابليون كما لو كان أحدهما الحل النهائي. هي تجعلنا ننظر إلى الحيوانات التي تبقى في الخارج، لأن الخسارة الحقيقية تخص من قاموا بالثورة وظلوا بعد سنوات يعملون ويجوعون بينما يتغير اسم السيد فقط.

النهاية: لماذا صار الخنزير والإنسان متشابهين؟

تبلغ الحكاية ذروتها في المشهد الذي أصبح أشهر من كثير من تفاصيل الرواية. الخنازير تجلس مع البشر، تأكل وتشرب وتلعب الورق، بينما تنظر الحيوانات من الخارج. تنتقل عيونها من وجه إلى وجه، حتى يصبح التمييز صعبًا.

القراءة المباشرة واضحة: الثورة التي قامت لإزالة عالم الإنسان أعادت إنتاجه. الخنازير تسكن البيت، تتعامل تجاريًا مع الجيران، ترتدي الملابس، تحمل السوط، وتتبنى السلوك الذي كان في بداية الثورة علامة على الاستغلال.

لكن هناك تفصيلًا مهمًا يمنعنا من تبسيط النهاية أكثر مما ينبغي. أورويل أوضح لاحقًا أنه لم يقصد أن تنتهي الرواية بمصالحة كاملة بين الخنازير والبشر. كتب القصة في ظل التحالف بين الاتحاد السوفييتي والقوى الغربية خلال الحرب العالمية الثانية وبعد مؤتمر طهران، لكنه لم يعتقد أن ذلك الانسجام السياسي سيستمر. ولذلك تنتهي جلسة اللعب نفسها بشجار.

هذا يجعل النهاية تعمل في اتجاهين في الوقت نفسه.

من الخارج، تبدو النخب المتنافسة متشابهة بالنسبة للحيوانات التي لا تشارك في السلطة. ومن الداخل، تظل تلك النخب قادرة على التنازع فيما بينها على المصالح والنفوذ. التشابه في الموقع الاجتماعي لا يعني انتهاء الصراع السياسي.

وهذا أدق من فكرة أن أورويل يقول إن جميع الأنظمة شيء واحد. الرواية لا تمحو الفروق التاريخية بينها؛ بل تضع سؤالًا آخر أمامنا: ماذا تعني تلك الفروق بالنسبة لمن بقي خارج النافذة؟

لماذا اختار أورويل الحيوانات أصلًا؟

كان يمكن أن يكتب أورويل رواية واقعية عن الثورة الروسية، بأسماء تاريخية ومدن ومعارك وأجهزة حزبية. لكنه اختار مزرعة.

هذا الاختيار هو الذي منح الرواية قدرتها على تجاوز مناسبة كتابتها.

الحيوان في الخرافة يسمح بتجريد العلاقات من التفاصيل التي قد تجعل القارئ يدخل فورًا في دفاعه عن هذا الحزب أو ذاك. الخنزير ليس ستالين بكل ما في شخصية ستالين التاريخية من تعقيدات، والحصان ليس عاملًا روسيًا بعينه. ولذلك يمكن للقارئ أن يرى الآلية أولًا: من يعمل؟ من يقرر؟ من يكتب القانون؟ من يملك القوة؟ من يفسر الأرقام؟ ومن يستطيع تغيير معنى الكلمات؟

الأسلوب نفسه جزء من هذه الخطة. اللغة في ظاهرها بسيطة، والأحداث تسير بوضوح يشبه الحكايات التي يمكن روايتها للأطفال، بينما الموضوع الذي تحمله معقد ومظلم. هذه المسافة بين بساطة الشكل وقسوة المضمون تمنح السخرية قوتها.

فنحن نضحك أحيانًا من منطق الخنازير ومن سرعة تصديق الحيوانات، ثم ندرك أن الضحك غير مريح. كل خطوة في الحكاية لها ما يكفي من المعقولية كي نصدق أنها يمكن أن تحدث خارج المزرعة أيضًا.

من يرمز إلى من؟ السؤال الذي يفتح الرواية ولا يغلقها

نعم، يمكن للقارئ أن يضع أمام عدد من الشخصيات أسماء تاريخية بثقة معقولة. نابليون يرتبط بستالين، وسنوبول بتروتسكي، والعجوز ميجور بالتقاليد الفكرية التي مهدت للثورة، والسيد جونز بالنظام القديم، وبوكسر بالعمال، وسكويلر بجهاز الدعاية، والكلاب بأجهزة الإكراه.

لكن هذه ليست نهاية القراءة.

لو كانت "مزرعة الحيوان" مجرد لغز تاريخي، لانتهت صلاحيتها تقريبًا بمجرد أن يعرف القارئ تاريخ الاتحاد السوفييتي. ما أبقاها قابلة للقراءة هو أن أورويل حول الوقائع المحددة إلى بنية أدبية نستطيع التعرف إليها خارج زمنها من دون أن نساوي بين تجارب تاريخية مختلفة.

القوة وحدها لا تصنع الاستبداد في المزرعة. الجهل وحده لا يصنعه. الدعاية وحدها لا تصنعه. ولا شخصية نابليون وحدها تكفي لتفسيره.

ما يصنع النهاية هو اجتماع أشياء صغيرة وكبيرة: احتكار المعرفة، غياب الرقابة، تحويل القوة المسلحة إلى ولاء شخصي، إنهاك العمال، قتل الذاكرة، إقصاء الخصم، تبسيط اللغة إلى شعارات، ثم جعل كل امتياز جديد يبدو مؤقتًا وضروريًا.

عندما تصل الحيوانات أخيرًا إلى النافذة، لا تكون المفاجأة أن الخنازير تغيرت في تلك الليلة. لقد تغيرت منذ زمن طويل. الجديد فقط أن الصورة أصبحت واضحة إلى درجة لا تحتاج إلى تفسير.

لهذا ربما يكون سر النهاية في أنها تعيدنا إلى بداية الرواية من مكان مختلف. كانت الحيوانات تعتقد أن المشكلة هي وجود البشر في المزرعة. وبعد كل ما حدث تكتشف أن المشكلة الأعمق لم تكن شكل الكائن الذي يمسك بالسوط، بل العلاقة التي تجعل واحدًا قادرًا على حمل السوط وتجعل الآخرين عاجزين عن سؤاله من منحه هذا الحق.

وهنا تصبح "مزرعة الحيوان" أكثر من هجاء لمرحلة تاريخية محددة. إنها حكاية عن الذاكرة واللغة والعمل والامتياز، وعن المسافة القصيرة أحيانًا بين أن تتحدث السلطة باسم الجماعة وأن تبدأ الجماعة في العيش من أجل السلطة.

لو كانت حيوانات المزرعة قادرة منذ البداية على القراءة وحفظ تاريخها ومحاسبة قادتها، فهل كان نابليون يستطيع الوصول إلى النافذة الأخيرة بالطريقة نفسها؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق