شاعر جعل من ذاته قضية، ومن القصيدة طريقًا إلى المجد
بقلم: الورّاق الجزائري
لم يبقَ من قصور الأمراء الذين مدحهم المتنبي إلا ما حفظته كتب التاريخ، أما صوته فما يزال يجري على ألسنة الناس كأنه قيل في زمانهم. نردد حكمته حين تخالف النتائج رغباتنا، ونستحضر فخره في لحظات التحدي، ونعود إلى شكواه عندما يضيق المكان بالغريب. وقد انفصلت أبيات كثيرة من شعره عن مناسباتها القديمة، فغدت أمثالًا يستعملها من قرأ ديوانه ومن لم يقرأه، وهذه منزلة لا يبلغها شاعر بقوة اللغة وحدها، بل بقدرته على القبض على خبرة إنسانية تتكرر مهما تغيرت العصور.
ومع ذلك، فإن الشهرة الواسعة قد تحجب المتنبي الحقيقي خلف عدد محدود من أبيات الحكمة والفخر. فهو لم يكن شاعر ثقة لا تتزعزع كما توحي صورته الشائعة، بل كان رجلًا تتجاور في شخصيته الكبرياء والقلق، والطموح والخيبة، والحاجة إلى السلطان والنفور من التبعية. مدح الأمراء، لكنه لم يقبل أن يكون مجرد صوت تابع لهم؛ واقترب من مجالس الحكم، لأنه أراد مكانًا في التاريخ لا مجلسًا عابرًا في قصر. ومن هذا التوتر بين ما رآه حقًا له وما سمح به الواقع، نشأت تجربة شعرية شديدة الاتصال بصاحبها، حتى يصعب أن نفصل سيرة المتنبي عن قصائده، أو نقرأ قصائده من غير أن نرى الرجل واقفًا وراءها.
لهذا لا تكفي دراسة حياته بوصفها سلسلة من الرحلات بين الكوفة وحلب ومصر وفارس، كما لا يكفي اختصار شعره في الجزالة والحكمة. الأهم أن نرى كيف تحولت حياته إلى مادة شعرية، وكيف أعاد شعره تشكيل صورته في الذاكرة العربية. فقد خسر الولاية التي طمح إليها، وفارق الأمير الذي أحبه، وقُتل في طريق عودته، لكنه ربح في النهاية معركة أبقى: صار شعره أوسع من سيرته، وصارت سيرته جزءًا من الأسطورة التي بناها شعره.
من الكوفة إلى البادية: نشأة شاعر يطلب أكثر من الشعر
ولد أبو الطيب أحمد بن الحسين في الكوفة سنة 303هـ، الموافقة لسنة 915م تقريبًا، ونُسب إلى جعفي، كما اتصلت نسبته بكندة، وهي المحلة التي نشأ فيها. وكانت الكوفة يومئذ من أهم مراكز اللغة والنحو ورواية الشعر، غير أن مجدها الثقافي لم يكن منفصلًا عن اضطراب العصر؛ فالخلافة العباسية أخذت تفقد قبضتها على أطرافها، ونشأت إمارات متنافسة، وصار الانتقال بين ولاءات القوى المحلية جزءًا من حياة العلماء والشعراء. في هذه البيئة تعلم الصبي أن اللغة معرفة وقوة معًا، وأن الشاعر يستطيع أن يدخل بها أبوابًا لا تفتحها له منزلته الاجتماعية.
ظهرت موهبته في سن مبكرة، ثم دفعته الاضطرابات إلى التنقل في بلاد الشام ومخالطة قبائل البادية. وهناك اتسع معجمه، وازدادت صلته باللغة العربية في منابعها الشفوية، فاكتسب شعره ما سيعرف به لاحقًا من صلابة العبارة ودقة اختيار اللفظ. ولم تكن البادية مدرسة لغوية فحسب؛ فقد لقنته كذلك قيم الفروسية والنجدة وتحمل المشقة، وهي قيم ستصبح جزءًا من صورته عن نفسه، حتى عندما يكون حامل القلم لا حامل السيف.
أما لقب "المتنبي"، فقد أحاطته روايات متباينة. أشهرها أنه ادعى النبوة في شبابه، واجتمع حوله بعض الأتباع، ثم قُبض عليه وسُجن قبل أن يتراجع. بيد أن تفاصيل الحادثة لم تصل في صورة واحدة يمكن الاطمئنان إليها؛ فقد دخلتها خصومات الشاعر، وأضيف إليها ما يلائم شخصيته الاستثنائية في نظر الرواة. وقد يكون الأجدى من مطاردة كل تفصيل أن نقرأ الخبر في ضوء طموحه المبكر: كان الفتى يريد دورًا أكبر مما تتيحه له حياة الشاعر الجوال، ويرى في نفسه قدرة على القيادة والتأثير. وبذلك يبدو اللقب، سواء صحت الرواية بحذافيرها أم خالطتها المبالغة، علامة على نزوع ظل يصاحبه طوال حياته: ألا يكتفي بالمكان الذي يمنحه له الآخرون.
بعد خروجه من السجن، أخذ يتنقل بين مدن الشام وأمراء الأطراف، ينظم المدائح ويبحث عن ممدوح يوافق المثال الذي يحمله في خياله. لم يكن المال غائبًا عن رحلاته، فالشعر كان مهنة كذلك، غير أن اختزال سعيه في طلب العطاء يفسر جانبًا صغيرًا من تجربته. لقد أراد المال دليلًا على الاعتراف، وأراد ما وراء المال: ولاية أو نفوذًا أو قربًا من صناعة القرار. ولذلك كان يمل سريعًا ممن يكرم الشاعر ولا يعترف للرجل بما يراه من استحقاق سياسي.
سيف الدولة والمتنبي: حين التقت البطولة بالشعر
وجد المتنبي في حلب ما ظل يبحث عنه حين اتصل بسيف الدولة الحمداني نحو سنة 337هـ. كان الأمير قائدًا يخوض معارك متكررة على الثغور مع البيزنطيين، وكان مجلسه يضم شعراء وعلماء ولغويين وفلاسفة. ومن ثم لم يدخل المتنبي بلاطًا يقوم على الترف والمديح وحدهما، بل دخل عالمًا تتجاور فيه الثقافة والسياسة والحرب. أما سيف الدولة فوجد شاعرًا يستطيع أن يحول الوقائع العسكرية، بما فيها من انتصار وانكسار، إلى صورة للبطولة تتجاوز الخبر العابر.
استمرت الصلة بينهما قرابة تسع سنوات، وكانت أخصب مراحل المتنبي. رافق الأمير في بعض حملاته، أو كان قريبًا من أخبارها وتفاصيلها، فجاء وصفه للمعارك حيًا؛ تتحرك فيه الخيل، ويغطي الغبار أطراف المشهد، وتغدو السيوف والجبال والحصون عناصر في دراما واحدة. ولم يكن الممدوح في هذه القصائد اسمًا تعلق به صفات جاهزة، بل قائدًا رأى فيه المتنبي شيئًا من حلمه الشخصي بالعروبة والقوة والمجد. ولهذا امتزجت في "السيفيات" حرارة الإعجاب الحقيقي بما تفرضه صنعة المديح.
تبلغ هذه المرحلة ذروتها في قصيدة "على قدر أهل العزم تأتي العزائم"، التي قيلت في سياق انتصار سيف الدولة واستعادته قلعة الحدث. يبدأ المتنبي من حكمة تتجاوز المناسبة: "على قدر أهل العزم تأتي العزائم"، ثم يجعل عظمة الفعل مقياسًا لعظمة صاحبه. وحين يقول مخاطبًا الأمير: "وقفت وما في الموت شك لواقف / كأنك في جفن الردى وهو نائم"، فإنه لا يسجل مكان القائد في المعركة فحسب، بل يبني صورة يبدو فيها الموت حاضرًا وعاجزًا في آن. إنها مبالغة ظاهرة، غير أنها تنجح لأن القصيدة أعدت لها عالمًا بطوليًا تصبح فيه الشجاعة قدرة على إخضاع الخوف، لا مجرد غيابه.
ولم تكن علاقة الشاعر بالأمير مستقرة على الدوام. فقد أثار قرب المتنبي من سيف الدولة حساسية شعراء البلاط وعلمائه، وزادت حدته وثقته بنفسه عدد خصومه. ومع تراكم الوشايات وشعور الشاعر بأن الأمير لم يعد يحفظ له منزلته، تحول الإعجاب إلى عتاب مؤلم. جاءت قصيدة "واحر قلباه" لتكشف عمق الجرح؛ فهو يخاطب رجلًا يحبه ويحمّله في الوقت نفسه مسؤولية الإصغاء إلى الحاسدين. لذلك لا تسير القصيدة في نبرة واحدة، بل تتردد بين العتاب والمدح والفخر والغضب.
في هذا السياق يقول: "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي / وأسمعت كلماتي من به صمم". قد يبدو البيت في عزلة عن القصيدة إعلانًا مكتملًا للغرور، لكنه داخلها دفاع عن قيمة شعرية شعر صاحبها أنها موضع إنكار. ويواصل بقوله: "أنام ملء جفوني عن شواردها / ويسهر الخلق جراها ويختصم"؛ فيصور الإبداع كأنه يأتيه مطواعًا، بينما يظل النقاد والخصوم مشغولين به. والمفارقة أن الزمن منح الصورة مصداقية لم يكن يستطيع الشاعر نفسه قياسها؛ فقد ظل ديوانه موضع شرح واختلاف، ولم تنته الخصومة حوله بانتهاء مجلس سيف الدولة.
غادر المتنبي حلب سنة 346هـ تقريبًا، لكن رحيله لم يحول سيف الدولة إلى ممدوح عابر. بقيت العلاقة بينهما أصدق علاقاته بأصحاب السلطان، لأن كل واحد منهما رأى في الآخر ما يكمل صورته: احتاج الأمير إلى شاعر يرفع وقائعه إلى مستوى الملحمة، واحتاج الشاعر إلى بطل يمنح خياله سندًا في العالم. وحين انكسرت العلاقة، لم يخسر مجلسًا وموردًا فحسب؛ خسر الصورة الأقرب إلى حلمه.
مصر وكافور: الطموح حين ينقلب إلى مرارة
بعد مفارقته حلب، وصل المتنبي إلى مصر واتصل بأبي المسك كافور الإخشيدي، الحاكم الفعلي للدولة الإخشيدية. مدحه بقصائد متعددة، لكن مقامه في مصر كان منذ بدايته محكومًا بهدف يتجاوز العطاء؛ فقد طمع في ولاية تخرجه من دور الشاعر إلى موقع صاحب السلطة. وكان كافور، بما عرف عنه من حذر سياسي، يدرك مقدار طموح ضيفه، فأبقاه قريبًا من غير أن يحقق له ما أراد.
طال الانتظار، وأخذ المتنبي يشعر بأن الوعود تؤجل ولا تنجز، وأن خروجه من مصر قد لا يكون ميسورًا إذا أعلنه. عندئذ قرر الرحيل سرًا في عيد الأضحى سنة 350هـ، وكتب قصيدته التي تبدأ بقوله: "عيد بأية حال عدت يا عيد / بما مضى أم لأمر فيك تجديد". ولا يحمل هذا السؤال بهجة المناسبة، بل يضع العيد أمام ذاكرة الخيبة: أيعود بما سبق من الألم، أم يملك جديدًا حقيقيًا؟ وسرعان ما يتسع الحزن الشخصي ليشمل الغربة، فيقول: "بم التعلل لا أهل ولا وطن / ولا نديم ولا كأس ولا سكن". هنا تتراجع صورة الرجل الذي تعرفه الخيل والليل، ويظهر إنسان أرهقه الترحال ولم يجد مكانًا يطمئن إليه.
ثم تنقلب القصيدة إلى هجاء عنيف لكافور، وتكشف قوة المتنبي في تحطيم صورة الخصم، لكنها تكشف أيضًا حدود غضبه. فقد استعان بأوصاف تتصل بلون كافور وأصله، واستخدم قيمًا اجتماعية عنصرية كانت متداولة في عصره، لكنها لا تصبح مقبولة لمجرد أنها وردت في شعر عظيم. والقراءة المتوازنة لا تحتاج إلى تخفيف قسوة هذه الأبيات، ولا إلى إنكار قيمتها البلاغية؛ تستطيع أن ترى قدرة الشاعر على السخرية والنيل من خصمه، وأن ترفض في الوقت نفسه الوسائل التي اختارها لذلك.
تجعل تجربة مصر الفرق واضحًا بين مدحه لسيف الدولة ومدحه لكافور. ففي حلب وجد بطلًا ينسجم مع عالمه الداخلي، فارتفع المديح لأنه صدر عن مشاركة وجدانية إلى جانب المصلحة. أما في مصر، فقد كانت العلاقة أقرب إلى مفاوضة سياسية مستترة: يمنح الشاعر القصيدة وينتظر الولاية، ويمنحه الحاكم العطاء والتقريب من غير أن يسلمه السلطة. وحين فشلت المفاوضة، ظهر أن ما بدا مديحًا لم يرسخ في النفس، فانقلب إلى نقيضه. ومن هنا لا تختبر الكافوريات موقف المتنبي من ممدوح واحد فقط، بل تكشف هشاشة الشعر حين يصبح وسيلة مباشرة إلى غاية سياسية.
الطريق الأخير: موت الشاعر وبداية الأسطورة
عاد المتنبي إلى العراق بعد خروجه من مصر، وتنقل بين بغداد والكوفة وفارس، واتصل بعضد الدولة البويهي. ولم تتراجع رغبته في المجد، غير أن السنوات الأخيرة لم تمنحه استقرارًا يوازي شهرته. وفي طريق عودته من فارس سنة 354هـ، الموافقة لسنة 965م، اعترضه فاتك بن أبي جهل الأسدي وجماعة معه قرب دير العاقول، فقُتل المتنبي وابنه محسد وغلامه.
ترتبط الحادثة، في الرواية الأشهر، بهجاء كان المتنبي قد قاله في ضبة بن يزيد، وهو قريب لفاتك. وبذلك تبدو النهاية أثرًا مباشرًا لقسوة اللسان في مجتمع لم يكن الهجاء فيه لعبة أدبية آمنة، بل اعتداء على السمعة والشرف قد يستدعي الثأر. أما الحكاية التي تزعم أن المتنبي هم بالفرار، فذكّره غلامه بقوله: "الخيل والليل والبيداء تعرفني"، فعاد إلى القتال وقُتل، فليست ثابتة بالقدر الذي اكتسبته من الشهرة. وربما أحب الرواة هذه الخاتمة لأنها تجعل الشاعر أسير الصورة التي صنعها لنفسه، حتى قيل إن بيته قتله.
لكن موته لا يحتاج إلى تلك الإضافة كي يحمل دلالته. فقد انتهت حياة شاعر قضى عمره بين الطريق والبلاط في مواجهة على الطريق، وأثبت هجاؤه في اللحظة الأخيرة أن للكلمة عواقب تتجاوز مجلس السماع. ثم بدأت بعد مقتله حياة أخرى: صار الرجل شخصية تتنازعها الأخبار، وصار ديوانه ميدانًا للشروح والموازنات، وبقي لقبه أقوى من أسماء كثير من الحكام الذين اقترب منهم.
شخصية المتنبي في شعره: الكبرياء وما يخفيه من قلق
إذا كان لكل شاعر قدر من الحضور في قصيدته، فإن المتنبي جعل من ذاته محورًا يكاد يعيد ترتيب الأغراض الشعرية كلها. فهو يمدح الأمير، لكنه يذكّر ضمنًا بأن قصيدته جزء من مجد الأمير؛ ويهجو خصمه، لكنه يبني في المقابل صورة تفوقه؛ ويصف المعركة، فيحضر بوصفه شاهدًا يعرف السيف والقرطاس معًا. لم تكن "الأنا" عنده ضميرًا لغويًا متكررًا فحسب، بل مشروعًا لإقناع العالم بأن صاحبه أكبر من المنزلة التي يشغلها.
من هنا جاء قوله: "لا بقومي شرفت بل شرفوا بي / وبنفسي فخرت لا بجدودي". إنه ينقل الفخر من الموروث القبلي إلى الإنجاز الفردي، ويجعل الإنسان قادرًا على منح جماعته قيمة بدل أن يبقى عالة على أمجادها. وهذه الفكرة من أكثر جوانب المتنبي اقترابًا من الحس الحديث، وإن ظلت محاطة بثقافة التفاضل والفروسية في عصره.
غير أن الكبرياء لم يكن دائمًا علامة اطمئنان؛ فكثيرًا ما أدى وظيفة الدرع. عاش المتنبي بين أمراء يستطيعون منحه المال والحماية، ويستطيعون كذلك إبعاده في لحظة، وكان وعيه بهذه التبعية يصطدم بإحساسه بتفوقه. لذلك ترتفع نبرة الفخر غالبًا حين تتعرض منزلته للتهديد. إنه يؤكد قوته لأن الواقع يذكره بحدودها، ويعلن استغناءه في اللحظة التي يحتاج فيها إلى اعتراف الممدوح.
إلى جانب ذلك، كان طموحه قوة دافعة وعبئًا لا يفارقه. لقد رفض القناعة بالمنزلة الصغيرة، فأنتج شعرًا يليق بالنفوس التي تتطلع إلى البعيد، كما في قوله: "إذا غامرت في شرف مروم / فلا تقنع بما دون النجوم". إلا أن من لا يقنع بما دون النجوم قد يعجز عن الإقامة في مكان أرضي. ولعل هذا ما يفسر جانبًا من ترحاله الدائم: كل مقام يبلغه يتحول سريعًا إلى دليل على مقام آخر لم يبلغه.
وتفسر هذه الشخصية نظرته الصارمة إلى الناس والزمان. فهو شديد الحساسية للحسد والغدر وتقلب المودة، وكثيرًا ما يعمم خبرته الخاصة حتى تصبح حكمًا على الطبيعة البشرية. بعض هذه الأحكام نافذ ودقيق، وبعضها وليد خصومة أو خيبة لا تصلح قانونًا عامًا. ومع ذلك، تظل صادقة في التعبير عن صاحبها؛ فالمتنبي لم يكتب من برج الحكيم الهادئ، بل من داخل تجربة تتبدل فيها التحالفات، ويصبح فيها القرب من السلطان نعمة مهددة في كل وقت.
خصائص شعر المتنبي: حين تفكر اللغة بصوت مرتفع
أول ما يلفت في شعر المتنبي قوة العبارة. تأتي ألفاظه منتقاة، ذات جرس واضح، وتبدو الجملة في كثير من أبياته كأنها أحكمت حتى لا تحتمل زيادة أو نقصًا. لكنه لم يطلب الجزالة بجمع الكلمات الغريبة، بل بملاءمة اللفظ للحركة والمعنى؛ فإذا وصف الحرب صلب الإيقاع وتسارعت الأفعال، وإذا رثى أو شكا هدأت النبرة من غير أن تفقد تماسكها. وقد يعسر بعض شعره بسبب تركيب بعيد أو معنى دقيق، غير أن الغموض عنده ينشأ غالبًا من كثافة التفكير ومحاولة ابتكار علاقة غير مألوفة بين الأشياء، لا من تعمد الإبهام لذاته.
وترتبط بهذه القوة قدرة استثنائية على صياغة الحكمة. لم يكن المتنبي واعظًا يجمع النصائح في قصائد مستقلة، بل كان يستخرج الفكرة العامة من حادثة خاصة، فتولد الحكمة في أثناء المدح أو العتاب أو السفر. يقول: "ما كل ما يتمنى المرء يدركه / تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"، فيلخص المسافة بين الإرادة والواقع في صورة بحرية بسيطة. ويقول: "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله / وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم"، فيقيم مفارقة لا تمدح الجهل، بل تشير إلى الثمن النفسي للوعي.
وقد أسهم بناء البيت في انتشار هذه الحكم. فكثير من أبياته يقوم على مقابلة أو توازن بين شطرين، ويقدم معنى يمكن أن يستقل عن القصيدة. وهذا الاستقلال يمنح البيت كثافة وسهولة في الحفظ، لكنه يطرح ملاحظة نقدية أيضًا؛ إذ تبدو بعض القصائد أحيانًا سلسلة من اللمع الفكرية أكثر من كونها بناء يتطور من أوله إلى آخره. غير أن قصائده الكبرى، ولا سيما السيفيات، تتجاوز هذا التفكك النسبي بفضل وحدة الموقف وتصاعد الحركة.
أما الصورة الشعرية، فتبلغ قوتها حين تمزج المجرد بالمحسوس. العزائم لها مقادير، والموت ينام، والدهر يروي القصائد، والجيش يملأ مجال الرؤية حتى لا تعرف العين أوسطه من حواشيه. لا يصف المتنبي الشيء من خارجه، بل يمنحه فعلًا ودورًا في المشهد. ولهذا تنجح مبالغاته الجيدة؛ فهي لا تطلب من القارئ أن يصدق الواقعة حرفيًا، بل أن يدخل عالمًا فنيًا تكون فيه ضخامة الصورة معادلًا لضخامة الشعور.
وتظهر براعته على نحو خاص في وصف المعارك. فقد استفاد من قربه من حروب سيف الدولة، وصاغ مشاهد لا تكتفي بتعداد الخيل والسيوف. فالمسافات تتغير، والغبار يتحرك، وتضيق الأرض بالجنود، ويدخل الليل والبرق والسحاب في تكوين اللوحة. والمشهد عنده بصري وسمعي في آن معًا حيث نرى لمعان السلاح ونكاد نسمع اصطدامه. لذلك لا تؤدي القصيدة وظيفة تسجيل النصر فقط، بل تمنح الحرب إيقاعًا دراميًا يجعل القارئ داخلها، مع بقاء مسافة ضرورية تتيح للشاعر أن يحول العنف إلى معنى عن الشجاعة والمصير.
ولا يقل الإيقاع أهمية عن الصورة. فقد أحسن المتنبي الإفادة من البحور الطويلة والقوافي الرنانة في الفخر والحماسة، كما عرف كيف يخفف النبرة في الشكوى والرثاء. وتساعد الجمل المتوازنة والتكرار المحسوب على تثبيت المعنى، غير أن موسيقاه لا تستقل عن الفكرة؛ فالبيت الشهير يرسخ في الذاكرة لأن إيقاعه يقود إلى خاتمته، ولأن الكلمة الأخيرة تبدو نتيجة لما قبلها لا زينة مضافة إليه.
ومع هذا كله، لا يخلو ديوانه من تفاوت. فقد دفعه طلب المعنى النادر أحيانًا إلى التكلف، وحمله إعجابه بقدرته على تركيب صور لا يسبقه إليها أحد إلى شيء من التعقيد. كما أن المبالغة التي ترفع بعض مدائحه إلى جو البطولة تفقد أثرها حين لا تجد في الممدوح أو المناسبة ما يسندها. وهذا طبيعي في ديوان واسع لشاعر جعل القصيدة مهنته وسيرته معًا؛ فليست كل لحظة قابلة لأن تنتج "واحر قلباه" أو "على قدر أهل العزم".
أشهر قصائده: وجوه متعددة لتجربة واحدة
لا تمثل قصائد المتنبي المشهورة مرحلة واحدة أو غرضًا واحدًا. فقصة "على قدر أهل العزم" هي قصة البطولة حين تجد قائدًا يوافق صورتها، بينما تكشف "واحر قلباه" هشاشة العلاقة بين الشاعر والسلطة عندما يدخل الحسد وسوء الفهم بينهما. وتجمع الثانية خصوصًا عناصر تجربته الأساسية: محبة سيف الدولة، والغضب منه، والثقة بالنفس، والإحساس بأن الموهبة لا تنال الاعتراف الذي تستحقه.
أما قصيدة "عيد بأية حال عدت يا عيد"، فتجمع مرارة الغربة بانفجار الهجاء بعد الخروج من مصر. وقد بقي مطلعها حيًا لأنه تجاوز عيد المتنبي الخاص؛ فهو يعود كلما جاءت المناسبة في زمن لا يسمح بالفرح الكامل. وفي "بم التعلل لا أهل ولا وطن" نلتقي الوجه الأكثر وحدة من الشاعر، حيث تسقط للحظة مظاهر التفوق، ويبدو الترحال فقدًا متصلًا لا مغامرة مجيدة.
ومن قصائده البارزة أيضًا "لكل امرئ من دهره ما تعودا"، وفيها يربط البطولة بالعادة الراسخة لا بالفعل الطارئ، فيقول: "وعادة سيف الدولة الطعن في العدا". وفي قصيدة "صحب الناس قبلنا ذا الزمانا" يتأمل شكوى البشر القديمة من الزمن، فلا يدعي أن ألمه استثناء، لكنه لا يجد في شيوع الألم عزاء كافيًا. أما رثاؤه لخولة، أخت سيف الدولة، فيبدأ بصورة إنسانية دقيقة: "طوى الجزيرة حتى جاءني خبر / فزعت فيه بآمالي إلى الكذب"؛ فالخبر القاسي يقطع المسافة، والنفس تحاول أن تحتمي منه بإنكاره.
هذه القصائد لا تستنفد ديوانه، لكنها تكشف اتساعه. ففيها الفارس والحكيم والغريب والمادح والعاتب والساخر والراثي. وحتى الغزل، الذي لا يحتل عنده منزلة الفخر والحكمة، يظهر غالبًا بوابة إلى هموم أوسع؛ فالمحبوبة تحضر، ثم تستعيد الذات الشاعرة مركز المشهد، كأن المتنبي لا يستطيع أن ينسى مشروعه الشخصي طويلًا، حتى أمام الحب.
لماذا بقي المتنبي حاضرًا؟
بقي المتنبي لأن شعره استطاع أن يجمع بين خصوصية صاحبه وعمومية الخبرة. نحن نعرف أن البيت قيل في سيف الدولة أو كافور، لكننا نستطيع استعماله في عمل معاصر أو خيبة شخصية أو معركة سياسية لم تخطر للشاعر. وقد ساعد الإيجاز والإيقاع والتوازن على انتقال أبياته، إلا أن قابلية الانتقال تعود قبل ذلك إلى الأسئلة التي حملها: ما حدود الطموح؟ هل يصنع الإنسان منزلته أم تمنحها له السلطة؟ لماذا قد يصبح العقل مصدر تعب؟ وكيف يحافظ المرء على كرامته وهو يحتاج إلى الآخرين؟
وبقي كذلك لأنه جدد القصيدة من داخل تقاليدها. حافظ على الوزن والقافية، واستفاد من معجم الشعر القديم وبناء المدح والفخر، لكنه منح الذات الفردية حضورًا لم يكن مألوفًا بهذه الكثافة. لم يعد الشاعر لسان قبيلته أو صانع صورة الممدوح فقط؛ صار هو نفسه قضية القصيدة. ومن هنا يبدو قريبًا من القارئ الحديث، مع أنه ابن واضح لعصره بقيمه وصراعاته وحدوده.
ولا تكتمل صورته من غير الموازنة بين عظمته وأخطائه. فقد كان قادرًا على الارتفاع بالمدح إلى ملحمة، وقادرًا في الهجاء على إنفاق العبقرية في الإيذاء. وكان فخره دفاعًا مشروعًا عن الموهبة في مواضع، وتضخمًا يحجب الآخرين في مواضع أخرى. لكن هذه التناقضات لا تقلل من أهمية تجربته؛ إنها تمنع تحويله إلى تمثال، وتعيده إنسانًا صنعت قوته وضعفه الشعر نفسه.
لعل المفارقة الأخيرة في حياته أنه طلب من الأمراء ولاية محدودة، فمنعوه إياها، ثم منحه الشعر بعد موته سلطة لم يكونوا قادرين على منحها أو سلبها. مضت الدول التي تنازعت العراق والشام ومصر، وتبدلت أسماء الحكام وحدود الممالك، وظل قوله: "وما الدهر إلا من رواة قصائدي" قريبًا من التحقق. لم يصبح الدهر راوية لكل ما كتب بالطبع، لكنه حفظ من شعره ما يكفي لأن يبقى حاضرًا بعد أكثر من ألف عام.
وهكذا لا نقرأ المتنبي لأن منهجًا دراسيًا وضعه بين الكبار، بل لأن صوته ما يزال يوقظ فينا رغبة في تجاوز الممكن، أو خوفًا من خيبة الطريق، أو كبرياء تبحث عن عبارتها. لقد أخفق في بلوغ السلطة التي أرادها، ثم أصبح باللغة أقدر على البقاء من أصحاب السلطان.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق