اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

تحليل قصيدة "بلقيس" لنزار قباني

 

بورتريه بالألوان المائية للشاعر نزار قباني وزوجته بلقيس الراوي، مستوحى من صورتهما معًا، بخلفية هادئة تناسب قصيدة "بلقيس" وأجواء الحب والفقد.

حين تحوّل الحب والفقد إلى غضب سياسي

بقلم: الورّاق الجزائري


لم تكن "بلقيس" قصيدة رثاء كتبها نزار قباني ليحفظ ذكرى زوجته فحسب، بل كانت لحظة انكسار غيّرت موقع الحب في تجربته الشعرية. فالرجل الذي جعل المرأة، طوال عقود، قرينة الجمال والحرية والتمرد على القيود الاجتماعية، وجد نفسه أمام موت لم تصنعه الشيخوخة أو العلة، وإنما صنعه انفجار سياسي اقتحم حياته الخاصة من غير استئذان. ولهذا تبدأ القصيدة من اسم امرأة محددة، ثم تتسع شيئًا فشيئًا حتى يصبح الاسم نافذة يرى الشاعر منها خراب مدينة، وعجز مجتمع، وعنفًا عربيًا يلتهم أكثر ما يدّعي الدفاع عنه.

قُتلت بلقيس الراوي في 15 ديسمبر/كانون الأول 1981، في تفجير استهدف السفارة العراقية في بيروت، حيث كانت تعمل في القسم الثقافي. ولم تكن بيروت يومها مدينة آمنة يمكن عزل الحادث فيها عن محيطه؛ فقد كانت الحرب الأهلية وتداخل الصراعات الإقليمية يجعلان الموت جزءًا من المشهد اليومي. غير أن الاعتياد العام على الأخبار لا يخفف الفقد الفردي. بالنسبة إلى نزار لم يكن المبنى الذي انهار خبرًا في نشرة، بل كان المكان الذي ابتلع الزوجة والأم ورفيقة الحياة، ومن هنا جاءت القصيدة طويلة، متدفقة، متقلبة النبرة، كأنها تحاول أن تستوعب في اللغة ما تعجز النفس عن تصديقه.


بلقيس الراوي: المرأة التي سبقت الرمز

قبل أن تصبح بلقيس شخصية شعرية، كانت امرأة عراقية عرفها نزار في بغداد، وأحب فيها جمالًا لم يفصله عن الذكاء والحضور والثقافة. وقد واجه ارتباطهما اعتراضات وعقبات عائلية قبل أن يتم الزواج، ثم عاشا مع طفليهما عمر وزينب حياة توزعت بين المدن التي أقام فيها الشاعر. هذه الخلفية مهمة، لا من أجل تحويل القصيدة إلى وثيقة سيرة، بل لأنها تمنع القراءة من اختزال بلقيس في صورة أنثوية صنعها خيال شاعر. إن وراء الاسم إنسانة لها عملها وعائلتها واختياراتها، وقد جاء الرمز بعد موتها، لا قبله.

يحمل الاسم نفسه طاقة ثقافية واسعة؛ فبلقيس، في الذاكرة العربية، ملكة سبأ التي ارتبطت بالحكمة والملك والجمال. يستفيد نزار من هذا الرصيد حين يقول إن بلقيس كانت "أجمل الملكات"، لكنه لا يتركها أسيرة التاج الأسطوري. إنها في القصيدة زوجة تجلس إلى مائدة البيت، وأم تركت طفلين، وعراقية جاءت من بلاد الرافدين، وامرأة قُتلت في مكان عملها. بذلك يجمع الاسم بين رفعة الملكة وهشاشة الإنسان: يمكن للقصيدة أن تمنح المفقودة مملكة من الكلمات، لكنها لا تستطيع أن تعيد جسدها من تحت الركام.

ومن هنا تتكرر مناداتها بكثافة. النداء ليس زينة بلاغية ولا مجرد لازمة موسيقية؛ إنه حركة نفسية يقوم بها من لا يزال يتصرف، في لحظات الصدمة، كما لو أن الغائبة قادرة على سماعه. كل مرة ينطق فيها اسمها يحاول أن يردها إلى الحضور، ثم يصطدم بأن اللغة لا تتلقى جوابًا. وما بين النداء والصمت تتكون موسيقى الرثاء الأساسية: صوت يواصل الكلام لأن توقفه يعني الاعتراف النهائي بالموت.


بناء القصيدة: مرثية تتحرك على موجات الصدمة

لا تسير "بلقيس" في خط مستقيم من المقدمة إلى الخاتمة، ولا تقدم تأبينًا هادئًا يعدد مناقب الراحلة. بنيتها أقرب إلى موجات الصدمة؛ يعود الشاعر إلى الفكرة نفسها وقد تغيرت حرارتها، فينتقل من الذهول إلى الحنان، ومن استعادة البيت إلى الاتهام، ومن مخاطبة بلقيس إلى مخاطبة العرب، ثم يرجع إليها كأن اندفاعه إلى المجال العام لم ينجح في إبعاده عن سريرها الفارغ. إن التكرار الذي قد يبدو زائدًا إذا قيس بمنطق القصيدة القصيرة يؤدي هنا وظيفة نفسية: الفاجعة لا تُفهم مرة واحدة، ولذلك يعيدها الوعي في صور متعددة.

يساعد طول الأسطر وتوالي الجمل على خلق إحساس بأن الكلام يخرج قبل أن يبرد. غير أن هذا التدفق لا يعني غياب الصنعة؛ فالقصيدة تنظم حركتها عبر النداء، والاستفهام، وتبدل الضمائر، وتجاور الصور المنزلية والصور السياسية، فحين يخاطب بلقيس يكون الصوت أقرب إلى المناجاة، وحين يلتفت إلى الجماعة يرتفع إلى نبرة الاحتجاج، أما حين يعود إلى ذاته فيظهر الرجل الذي فقد توازنه ولم تعد شهرته أو بلاغته قادرة على حمايته. وتتولد قوة النص من احتكاك هذه الأصوات، لا من استقرار صوت واحد.

تظهر في المطلع مفارقة قاسية حين يستعمل الشاعر عبارة "شكرًا لكم" في مواجهة القتلة والواقع الذي أتاح الجريمة. الشكر هنا مقلوب الدلالة؛ إنه سخرية سوداء تجعل العبارة المهذبة أداة اتهام. فاللغة الاجتماعية المألوفة تُنتزع من سياقها، ويصبح لطفها الظاهري أشد إيلامًا من الشتيمة المباشرة. وبهذه البداية يعلن النص أن الرثاء لن يبقى في حدود البكاء، وأن الحزن سيبحث منذ اللحظة الأولى عمّن يسائله.


الحب بعد الكارثة: من الاحتفاء بالجسد إلى قداسة الغياب

كتب نزار قباني المرأة قبل بلقيس وبعدها، غير أن حضورها هنا يختلف عن نساء كثيرات في قصائده الغزلية؛ فليست الحبيبة موضوع رغبة يكتشف الشاعر جماله، بل مركز حياة انكسر برحيله. لذلك يتراجع الوصف الحسي لمصلحة التفاصيل التي تكشف معنى الشراكة: البيت، الأطفال، الصوت، الرفقة، والفراغ الذي لا يملؤه أحد. فالحب في هذه القصيدة لا يثبت نفسه بالاقتراب من الجسد، وإنما بالعجز عن قبول غيابه، وكأن الموت نقل المرأة من المجال المرئي إلى كل ما يراه الشاعر.

وعلى الرغم من أن نزار يرفع بلقيس إلى مرتبة الملكة والقصيدة والنجمة، فإنه يحافظ على توتر بين الإنسان والصورة. المبالغة مفهومة في مقام الرثاء؛ فالمحب يرى فقده استثنائيًا، ويريد أن يقنع العالم بأن ما ضاع لا يعوض. لكن جمال النص لا يقوم على التمجيد وحده، بل على انكشاف المتكلم أيضًا. الشاعر الذي طالما ظهر واثقًا من قدرته على تسمية الحب يبدو هنا ضعيفًا أمام حادث لا تستجيب له الاستعارة. يستطيع أن يبني لبلقيس قصرًا لغويًا، غير أن كل بيت في ذلك القصر يذكّره بأنها لن تدخله.

يكتسب وجود الطفلين في أفق القصيدة دلالة مضاعفة. فالموت لا يقطع علاقة زوج بزوجته فقط، بل يعيد تشكيل عائلة كاملة، ويجعل الأب مطالبًا بأن يحمل حزنه وحزن طفلين في وقت واحد. ولهذا لا يبدو البيت بعد بلقيس مكانًا ناقص الأثاث، وإنما كائنًا فقد نظامه الداخلي. كانت هي الصلة التي تجعل الأشياء مألوفة، وحين غابت بقيت الأشياء في أماكنها وفقدت معناها؛ وهذه واحدة من أصدق صور الفقد، لأن المأساة لا تسكن المقبرة وحدها، بل تعود مع الناجي إلى كل تفصيل يومي.


من الزوجة إلى المدينة: كيف اتسع الحزن إلى غضب سياسي؟

لو ماتت بلقيس موتًا طبيعيًا لبقي السؤال موجهًا إلى الزمن والمصير، لكن موتها في تفجير جعل للكارثة سياقًا بشريًا يمكن مساءلته. من هنا يتحول نزار من الأرمل إلى الشاهد، ثم من الشاهد إلى المدعي. لا يكتفي بالقول إن امرأة رحلت، بل يربط رحيلها بعالم عربي صارت فيه الشعارات أكبر من الإنسان، وأصبح فيه القتل قابلًا للتبرير باسم القضية أو الطائفة أو السلطة. إن غضبه لا يصوغ برنامجًا سياسيًا، لكنه يكشف أثر السياسة حين تتحول إلى آلة تدخل البيت وتترك الناجين أمام أسماء لا وجوه لها.

تنتقل بيروت في القصيدة من مدينة أحبها الشاعر وعاش فيها إلى مسرح مفتوح للموت. ومع ذلك لا يعاملها بوصفها المتهم الوحيد؛ فالمدينة جريحة مثل بلقيس، وما يحدث فيها علامة على أزمة أوسع. يوزع النص مسؤوليته الأخلاقية على واقع عربي يسمح بتكاثر القتلة، وعلى خطاب يحتفي بالبطولة فيما يعجز عن حماية امرأة، وعلى ثقافة قد تحول الجريمة سريعًا إلى خبر ثم تمضي. لذلك تصبح بلقيس ضحية محددة ومرآة في آن: كلما نظر الشاعر إلى وجهها رأى ما فعله العنف بالمجتمع الذي ينتمي إليه.

هنا تبلغ القصيدة أكثر مناطقها إثارة للنقاش. فالغضب يمنحها حرارة نادرة، لكنه يدفعها أحيانًا إلى توسيع الاتهام حتى يكاد يشمل جماعة كاملة. ويمكن فهم هذا التعميم بوصفه لغة جريح لا تقرير مؤرخ؛ فالقصيدة مكتوبة من داخل الفاجعة، لا من مسافة تسمح بفرز المسؤوليات القانونية والسياسية بدقة. غير أن تفهم مصدر الانفعال لا يلزم القارئ بقبول كل أحكامه. بل لعل القراءة الأعدل هي التي تميز بين الحقيقة الشعورية، وهي شديدة الصدق، وبين العبارة العامة التي يصنعها الغضب وقد تتجاوز حدودها.

هذه الموازنة لا تنتقص من قيمة النص، وإنما تعيد إليه تعقيده. فالشاعر لا يظهر نبيًا يمتلك تفسيرًا كاملًا، بل إنسانًا يحاول أن يمنح الفقد سببًا لأن الموت العبثي أشد وطأة من الموت الذي يمكن فهمه. الاتهام، في أحد وجوهه، محاولة لاستعادة شيء من السيطرة: إذا عرفنا القاتل، أو سمّينا البيئة التي أنجبته، بدا العالم أقل فوضى. غير أن القصيدة نفسها تكشف أن التسمية لا تشفي، إذ يعود الصوت بعد كل موجة غضب إلى بلقيس، ويكتشف أن البلاغة السياسية لم تردها إليه.


الصور والرموز: ملكة سبأ، بغداد، بيروت، والدم

تقوم شبكة الصور على مزج الخاص بالتاريخي. تستدعي بلقيسُ ملكةَ سبأ، ويستدعي أصلها العراقي بغداد وذاكرة الحضارات، فيما تستحضر بيروت زمن الحرب والانقسام. ولا تتجاور هذه الأمكنة بوصفها خرائط؛ فكل واحد منها يمثل طبقة في شخصية الراحلة وفي وعي الشاعر. بلقيس ابنة العراق، وزوجة الشاعر السوري، وضحية انفجار في لبنان، ولذلك يتحول جسدها إلى نقطة تلتقي عندها بلاد عربية متعددة، لكن اللقاء يحدث في المأساة بدل أن يحدث في الوحدة التي تتغنى بها الخطب.

وتؤدي صور الدم والركام والاغتيال وظيفة مضادة لصور الجمال والعطر والأنوثة. لا يضع نزار الطرفين في توازن هادئ، بل يصدم أحدهما بالآخر: ما معنى أن تنتج الثقافة قصائد في الجمال، ثم تسمح السياسة بتحويل الجسد الجميل إلى أثر تحت الأنقاض؟ ومن هذا التضاد ينشأ الغضب الأخلاقي في النص. الجريمة لا تقتل فردًا فقط، وإنما تهين القيم التي كانت بلقيس تمثلها في نظره: الحب، والبيت، والثقافة، وقدرة الإنسان على صنع حياة وسط الخراب.

أما النبوءة التي تومئ إلى أن الناس سيقولون "كانت هاهنا امرأة"، فتلخص مقاومة القصيدة للنسيان. صيغة الماضي تقر بالموت، والإشارة إلى المكان تثبت أن الغائبة تركت أثرًا لا يمحوه انتقال الزمن. لم يعد بوسع الشاعر إنقاذ بلقيس، لكنه يستطيع منع اختزالها في رقم بين الضحايا. وهنا يحقق الشعر وظيفة لا تحققها الأخبار؛ فالخبر يثبت وقوع الانفجار، أما القصيدة فتعيد إلى إحدى ضحاياه اسمًا وصوتًا وعائلة وعالمًا كان قائمًا قبل اللحظة الأخيرة.


لغة نزار بين البساطة والخطابة

تحتفظ القصيدة بواحدة من أبرز خصائص نزار قباني: القدرة على استعمال مفردات قريبة من القارئ من غير التخلي عن الإيقاع والصورة. لا يحتاج النص إلى معجم غامض كي يعلن فداحة المصاب؛ فالأسماء المباشرة، وتكرار المخاطبة، والأسئلة التي لا تنتظر جوابًا تجعل التجربة مفهومة حتى لمن لا يملك خبرة واسعة بالشعر الحديث. وهذه السهولة الظاهرة أسهمت في انتشار القصيدة وتحول مقاطع منها إلى ذاكرة جماعية، لكنها ليست سذاجة، لأن العلاقات بين الأصوات والرموز والأمكنة أكثر تركيبًا مما توحي به الجملة الأولى.

في المقابل، ترتفع النبرة أحيانًا إلى الخطابة، ولا سيما عندما يغادر الشاعر المساحة الحميمة ليدين الواقع العربي. قد يرى بعض القراء أن صوت المنبر يضغط على التفاصيل الإنسانية، وأن الاتهام المباشر يقلل من الإيحاء الذي حققته مشاهد البيت والنداء. غير أن حذف هذه النبرة من القصيدة يعني حذف الأزمة التي صنعتها؛ فنزار لم يفقد بلقيس بعيدًا عن التاريخ، بل فقدها بسببه. والأدق نقديًا أن يقال إن الخطابة هنا مصدر قوة ومجازفة معًا: توسع دائرة الرثاء وتمنحه بعدًا عامًا، لكنها قد تجعل بعض المقاطع أقل صفاء من اللحظات التي يواجه فيها الشاعر غيابه بلا وسيط.

كذلك يخدم التكرار إيقاع الإنشاد، ويحوّل اسم بلقيس إلى لازمة تقاوم تشتت القصيدة الطويلة. إنه يجمع المقاطع كلما أوشك الغضب السياسي أن يبعدها عن مركزها. ومع ذلك لا يؤدي التكرار الوظيفة نفسها في كل موضع؛ فهو مرة نداء، ومرة توكيد، ومرة عودة إلى نقطة الألم، ومرة إعلان عجز. لهذا تبدو القصيدة قابلة للإلقاء بصوت مرتفع، لكن أثرها لا يعتمد على الأداء وحده؛ فحتى في القراءة الصامتة يسمع القارئ انكسار النبرة وانتقالها بين الهمس والصراخ.


موقع "بلقيس" في تجربة نزار قباني

كان التوتر بين الحب والسياسة حاضرًا في شعر نزار قبل مقتل بلقيس؛ فقد خرج منذ نكسة 1967 إلى نقد الهزيمة والسلطة والثقافة العربية، ولم يكن انتقاله إلى الشأن العام وليد هذه القصيدة. إلا أن "بلقيس" وحدت المسارين بطريقة لم تعد تسمح بالفصل بينهما. هنا لا يكتب السياسة بصفته مراقبًا لهزيمة عامة، ولا يكتب الحب في غرفة محصنة عن العالم؛ إن الحدث السياسي نفسه هو الذي قتل الحبيبة، وبذلك سقط الجدار بين القصيدتين.

لهذا تمثل القصيدة منعطفًا لا قطيعة كاملة. ظل نزار بعد بلقيس شاعرًا قادرًا على استعادة لغة الحب، لكن الفقد ترك ظلًا واضحًا على رؤيته، واتسعت في أعماله اللاحقة نبرة المرارة والنقد والإحساس بانهيار الحلم العربي. كما غادر بيروت وتنقل بين مدن أوروبية قبل أن يستقر في لندن، فصار المنفى امتدادًا شخصيًا لما حدث. لقد أخذ الانفجار منه امرأة ومكانًا معًا، وأصبحت الكتابة محاولة لحمل الاثنين في ذاكرة لا تثق بالتاريخ الرسمي.

صدرت المجموعة التي تحمل اسم "قصيدة بلقيس" سنة 1982، فانتقلت التجربة من لحظة خاصة إلى كتاب يقرؤه الآخرون. وفي هذا الانتقال مفارقة موجعة: القصيدة تحفظ بلقيس، لكنها تفعل ذلك لأن بلقيس ماتت. شهرة المرثية لا تعوض صاحبها عن سبب كتابتها، وربما لهذا يبقى في داخلها اعتراض على الشعر نفسه. فما جدوى الكلمات إذا كانت تصل بعد الكارثة؟ ومع ذلك يواصل الشاعر الكتابة، لأن الصمت سيترك الرواية للقتلة ولأرقام الضحايا، بينما يمنح الشعر المفقودة حياة ثانية، ناقصة بالطبع، لكنها عصية على المحو.


لماذا ما زالت القصيدة حاضرة؟

لا تزال "بلقيس" مقروءة لأن موضوعها يتجاوز الحادثة التي أنجبتها من غير أن ينفصل عنها. إنها قصيدة عن إنسان يعود إلى البيت بعد الفاجعة فيكتشف أن المكان الذي يعرفه لم يعد موجودًا، وعن حب يجد نفسه عاجزًا أمام العنف، وعن مجتمع يكثر فيه الكلام الكبير بينما يُترك الفرد وحيدًا في مواجهة خسارته. وكلما تكرر في العالم العربي موت المدنيين تحت شعارات متعارضة، استعادت القصيدة قدرتها على مخاطبة حاضر جديد.

لكن بقاءها لا يعود إلى رسالتها السياسية وحدها. لو كانت بيانًا غاضبًا لفقدت كثيرًا من حرارتها بانتهاء سياقها المباشر. ما يحفظها هو أن الاتهام العام يظل مربوطًا باسم واحد، وأن صورة الضحية لا تذوب في فكرة مجردة. بلقيس ليست ذريعة كي يتحدث الشاعر عن الأمة؛ إنها مركز الكلام، وكل اتساع يعود إليها. لذلك يشعر القارئ بأن القضية السياسية تُختبر هنا بمعيار بسيط وقاس: هل تحمي الحياة التي تزعم خدمتها، أم تلتهمها؟

في النهاية، لا تنتصر القصيدة على الموت ولا تزعم ذلك. إنها تمنح الفقد شكلًا يمكن قراءته، وتحول الصدمة إلى ذاكرة، والغضب إلى سؤال أخلاقي. خرج نزار قباني من موت بلقيس شاعرًا مجروحًا لا يستطيع فصل قصيدة الحب عن قصيدة الوطن، لأن القنبلة أثبتت له أن السياسة قد تدخل أدق تفاصيل القلب. ومن هذا الجرح جاءت مرثية تجمع التناقضات التي أبقتها حيّة: امرأة وملكة، بيت ووطن، همس وصراخ، حب شخصي وغضب عام. وحين تنتهي الكلمات تبقى بلقيس أكثر من اسم على شاهد؛ تبقى الدليل على أن الشعر قد لا يمنع الجريمة، لكنه يستطيع أن يمنع اكتمال النسيان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق