بقلم: الورّاق الجزائري
تقوم
قصيدة "وردة الدانتيلا السوداء" لأمجد ناصر على مغامرة شعرية جريئة تجعل
الجسد مركزًا للرؤية واللغة، لا بوصفه موضوعًا غزليًا مألوفًا، بل بوصفه كونًا من
الألوان والروائح والثمار والمعادن والحيوانات والطقوس. فالجسد في هذه القصيدة ليس
هيئة محددة يمكن وصفها من الخارج، وإنما فضاء تتقاطع فيه الطبيعة والرغبة والخوف
والسلطة والذاكرة. وحين يقترب المتكلم منه لا يقدمه بعبارات مباشرة، بل يعيد خلقه
من خلال سلسلة متلاحقة من الاستعارات: الحقل، والكمأة، واللؤلؤة، والذهب، والمرمر،
والكنز، والجوهرة، والأفعى، والوردة. لهذا لا يمكن اختزال
القصيدة في كونها نصًا حسيًا أو إيروتيكيًا فحسب. فالحسية فيها ليست غاية منفردة،
وإنما هي وسيلة لاختبار قدرة اللغة على الاقتراب مما يصعب قوله صراحة. إنها قصيدة
عن الرغبة، ولكنها أيضًا قصيدة عن اللغة حين تحاول أن تلمس موضوعها من غير أن
تسميه، وعن النظرة حين تتأرجح بين الانبهار والاستحواذ، وعن الجسد حين يكون
مكشوفًا ومحجوبًا في وقت واحد.
ينتمي
النص إلى أفق قصيدة النثر الحديثة، وإن استفاد من التقطيع البصري والتكرار
والإيقاع الداخلي. وهو لا يعتمد الوزن والقافية التقليديين، بل يبني موسيقاه من
تراكم الكلمات، وتوالي الأوامر، وتكرار الألوان، وتفكيك الجمل على أسطر قصيرة. ومن
هنا تأتي فرادته: إنه لا يروي واقعة مكتملة، بل يكوّن مشهدًا متحركًا من الشذرات
والصور والروائح والانفعالات.
العنوان: شعرية الستر والكشف
يختصر
عنوان القصيدة، "وردة الدانتيلا السوداء"، جانبًا كبيرًا من عالمها
الدلالي. فالوردة من أقدم رموز الجمال والتفتح والرائحة والرغبة، لكنها تحمل كذلك
معنى الهشاشة وسرعة الذبول. أما الدانتيلا فهي نسيج يقوم على الثقوب والتخريم، أي
إنها تستر الجسد وتكشفه في الوقت نفسه. إنها ليست حجابًا كاملًا ولا انكشافًا
كاملًا، بل منطقة وسطى تجعل المستور مرئيًا جزئيًا وتضاعف الرغبة في رؤيته.
أما
السواد فلا يأتي هنا باعتباره لونًا سلبيًا أو علامة على الغياب، بل بوصفه موضعًا
للقوة والسر والفتنة. تقول القصيدة:
الأسود
يواري القوة ويدخرها
القوة التي تبسط
الكهرباء التي تشل
السواد
إذن ليس انعدامًا للنور، بل مستودع للطاقة. إنه يحجب كي يحفظ، ويستر كي يضاعف أثر
الكشف. ومن اجتماع الوردة والدانتيلا والسواد يتكون مبدأ القصيدة كله: الجمال
المتفتح، والحجاب الشفيف، والقوة المخبأة. فالعنوان لا يسمّي الشيء الذي يشير إليه تسمية تقريرية، وإنما
يمنحه اسمًا استعاريًا. وهذا ما تفعله القصيدة في مجملها؛ إذ تستبدل أسماء الجسد
بأسماء الطبيعة والحلي والثمر والنسيج. لذلك يمكن القول إن "الدانتيلا"
ليست جزءًا من المشهد وحده، بل صورة لطريقة الكتابة نفسها: اللغة نسيج مثقّب يتيح
لنا أن نرى موضوعها من خلال فتحاته، من غير أن تمنحه ظهورًا كاملًا.
الجسد بوصفه طبيعة
من
أبرز خصائص القصيدة تحويل الجسد إلى تضاريس طبيعية. فالمتكلم يرى فيه حقولًا
وأغصانًا وثمارًا وتلالًا وأعشابًا ومياهًا وبراكين. يقول:
بهذين
الحقلين المحروثين
بقرني ثور سأضمن القطاف
ويقول:
"قليل من الهواء للغصن المنحني بكمثراه"
كما
تظهر "الكمأة التي تنبلج تحت المحراث"، و"ثمرة الكستناء"،
و"الحبق"، و"قطع الأعشاب في الصباح". وبهذا التداخل تمحو
القصيدة الحدود بين الجسد والعالم الخارجي، فيصبح الجسد أرضًا، وتصبح الطبيعة
جسدًا كبيرًا. وتمنح هذه الاستعارات الجسد معنى الخصوبة
والنماء. فالحقل المحروث ينتظر الإنبات، والثمرة قابلة للقطاف، والكمأة تنبلج من
تحت التراب، والمطر يوقظ الأرض. غير أن معجم الزراعة لا يخلو من معنى السيطرة؛
فالحقل يُحرث، والثمرة تُقطف، والكنز يُستخرج. لذلك تحمل الصور الطبيعية دلالتين
متلازمتين: الاحتفاء بخصوبة الجسد من جهة، والنظر إليه بوصفه إقليمًا قابلًا
للاكتشاف والامتلاك من جهة أخرى.
هذه
الازدواجية ضرورية لفهم القصيدة. فالمجاز الطبيعي لا يضفي الجمال والبراءة على
الجسد فقط، وإنما يكشف عن علاقة قوة بين الناظر والمنظور إليه. المتكلم لا يكتفي
بالتأمل، بل يريد الوصول إلى الخفي، ويستعمل في سبيل ذلك صور المحراث والشفرة
والسهم والفتح. وبذلك يتحول اللقاء الجسدي إلى رحلة استكشاف، لكنها رحلة تنطوي على
احتمال الاقتحام أيضًا.
هيمنة الصورة الاستعارية
الصورة
الشعرية هي العنصر الأكثر بروزًا في النص. فالقصيدة لا تتقدم بواسطة حكاية أو
حوار، بل بواسطة انتقال متواصل من صورة إلى أخرى. الجسد لؤلؤة ونجمة وذهب ومرمر
وفيروز وسكر وزيتون وأعشاب وأفعى وأيقونة ووردة. وليست هذه الصور مجرد بدائل
زخرفية للأسماء المباشرة؛ إذ تمنح كل صورة الجسد صفة جديدة. فاللؤلؤة تدل على الندرة واللمعان، والذهب يدل
على القيمة والفتنة، والمرمر يدل على البياض والصلابة المصقولة، والسكر يدل على
الحلاوة والذوبان، والأفعى تدل على الحركة والخطر والإغواء، أما الأيقونة فتضفي
على الجسد طابعًا مقدسًا. ومن خلال اجتماع هذه الحقول الدلالية يصبح الجسد شيئًا
طبيعيًا ونفيسًا وخطرًا ومقدسًا في آن واحد.
غير
أن هذا التدفق الاستعاري يخلق أثرًا مزدوجًا. فهو من جهة يمنح النص ثراءً بصريًا
وحسيًا استثنائيًا، ويبعده عن المباشرة والابتذال. لكنه من جهة أخرى يهدد أحيانًا
بإغراق الدلالة في كثرة الصور؛ إذ لا تكاد صورة تستقر حتى تزيحها صورة أخرى.
تتراكم الاستعارات بلا توقف، فيتحول الجسد إلى سطح تعرض عليه المخيلة قدرتها على
الابتكار.
وهنا
يمكن تسجيل إحدى الملاحظات النقدية الأساسية: بلاغة القصيدة مصدر قوتها ومأزقها معًا.
إنها تفتن القارئ بكثافتها، لكنها قد ترهقه بسبب التزاحم. وبعض الصور يمتلك ضرورة
داخلية واضحة، في حين يبدو بعضها الآخر ناتجًا من الرغبة في مواصلة التدفق
البلاغي. ومع ذلك فإن هذا الإفراط ليس غريبًا عن طبيعة التجربة؛ فالرغبة نفسها
تظهر في النص بوصفها حالة لا تكتفي بصورة واحدة ولا تصل بسهولة إلى الإشباع.
ثنائية الأبيض والأسود
يقوم
البناء اللوني للقصيدة أساسًا على التوتر بين الأبيض والأسود. غير أن النص لا
يستخدم اللونين وفق دلالاتهما التقليدية؛ فلا يكون الأبيض رمزًا خالصًا للطهارة،
ولا الأسود رمزًا خالصًا للعتمة. يقول الشاعر:
أبيض
هذا الليل بقلب أسود
أبيض
مخاتل
غال
وعال
بحذاءين أسودين
إن
عبارة "أبيض هذا الليل بقلب أسود" تقلب العلاقات المألوفة بين النهار
والليل، والظاهر والباطن. فالأبيض ظاهر مشرق، لكن قلبه أسود؛ والسواد مستور، لكنه
مركز القوة. ثم يواصل الشاعر بناء نشيد طويل للأبيض:
الأبيض
البراق
المسترق
الشاع
المجتلب الشهقات
ويضيف:
أبيض
النوم والندم
أبيض الغيم الممطر في المخادع
الأبيض المكين
لا
يحمل الأبيض معنى واحدًا، بل تتجاور فيه البراءة والمكر واللمعان والسلطة والندم
واللذة. إنه لون ظاهر لكنه ملتبس، ومكشوف لكنه "مخبأ" و"ملفوف
بالشرائط". أما الأسود فيرتبط بالدانتيلا والحرير والبرعم والقوة المدخرة. وبذلك لا تقوم العلاقة بين
اللونين على التضاد البسيط، وإنما على التداخل. الأبيض يخفي قلبًا أسود، والأسود
يسمح للذهب بأن يسطع فوقه. كل لون محتاج إلى الآخر لكي يكتمل أثره. ومن الناحية
البصرية، يعمل السواد كخلفية تزيد البياض والذهب لمعانًا، بينما يجعل الأبيض
السواد أكثر غموضًا.
إن
شعرية اللون في النص ليست وصفية، بل نفسية ورمزية. فالألوان تحل محل الأحكام
والانفعالات: الأبيض رغبة وانكشاف ومخاتلة، والأسود سر وقوة واحتفاظ. ولهذا تصبح
القصيدة أشبه بلوحة يتغير معناها كلما تغير توزيع الضوء والظل فيها.
تضافر الحواس
لا
تعتمد القصيدة على البصر وحده، على الرغم من وفرة الألوان واللمعان. إنها تستنفر
الحواس كلها، فتتحول القراءة إلى تجربة جسدية شبه كاملة. هناك اللمس في "اللمسة"
و"العناق"، والشم في "رائحة قطع الأعشاب في الصباح"
و"فوح الحمى"، والتذوق في "قمع سكر يذوب" و"ريق الصباح"،
والسمع في "الشهقات" و"الصرخة" و"نايات اليد"،
والبصر في الذهب واللؤلؤ والمرمر والفيروز. وفي بعض المواضع تتبادل الحواس وظائفها، وهو ما
يعرف بلاغيًا بتراسل الحواس. فاليد تصبح نايًا، واللون يستدعي الرائحة، والرائحة
"تبوح"، والهواء يكاد يُعبّ كما يُعبّ الماء:
أهذي
من الحب
وأعب الهواء المتروك
لا
يعود الهواء عنصرًا غير مرئي، بل يصبح مادة قابلة للشرب. كما أن الرائحة لا تكون
أثرًا عابرًا، بل لغة تكشف المكنون:
الرائحة
تبوح بمكنونها
رائحة الاحتفاظ بالكنز
وتحتل
الرائحة مكانة متميزة في القصيدة لأنها تقع بين الحضور والغياب. فهي تنبعث من
الجسد وتتجاوزه، وتظل شاهدة عليه حتى حين تغيب صورته. ولذلك يقول النص إن المرأة
تترك ثيابها ورائحتها وأنفاسها وآثار أصابعها. الرائحة هنا ذاكرة حسية، ودليل على
حضور انسحب وبقي أثره.
التكرار بوصفه إيقاعًا ورغبة
على
الرغم من غياب الوزن الخليلي، تمتلك القصيدة إيقاعًا قويًا قائمًا على التكرار
والتوازي والتعداد. ويتجلى ذلك بصورة خاصة في تكرار كلمة «أبيض». فالكلمة تعود في
بداية الأسطر كما لو كانت لازمة إنشادية:
أبيض
الزبد
أبيض الفيروز
أبيض الاستدارة
أبيض النوم والندم
أبيض الزلفى والطاعة
ينتج
من هذا التكرار إيقاع تراكمي لا يتقدم في خط مستقيم، بل يدور حول موضوعه، ويعود
إليه مرة بعد مرة ليضيف صفة جديدة. وهذا الإيقاع يشبه حركة الرغبة ذاتها: اقتراب
لا ينتهي، ومحاولة متكررة للإحاطة بشيء يفلت من التسمية النهائية.
كما
يظهر التوازي في:
تترك
الثياب
تترك رائحتها
تترك الأنفاس
وفي:
العناق
وقوفًا
العناق وقوفًا
وفي
تتابع الصفات المفردة:
نظيف
ومحفوف
وماثل
يمنح
التوازي القصيدة طابعًا طقسيًا، كأن المتكلم لا يصف جسدًا فقط، بل يرتل أسماءه
وصفاته. وتصبح عملية التسمية ضربًا من الابتهال أو التعويذة. لكن التكرار يؤدي أيضًا وظيفة نفسية؛ فهو يكشف
عجز اللغة عن بلوغ الاسم الكافي. لو استطاعت كلمة واحدة أن تحيط بالمرئي لما احتاج
المتكلم إلى هذا الحشد من الصفات. لذلك فإن كثرة الأسماء لا تؤكد امتلاك الموضوع
بقدر ما تفضح استحالته. كل صورة محاولة، وكل محاولة تستدعي أخرى.
التقطيع البصري وبطء الوصول
تستثمر
القصيدة شكل السطر والفراغ الأبيض في إنتاج المعنى. ففي بعض المقاطع تتفتت العبارة
إلى كلمات منفردة:
وعلى
ضوء
المياه
الشفيفة
أصل
إلى
أصل
الصرخة
ويظهر
التفكيك نفسه قرب النهاية:
أريد
أن
أراه
خارجًا من خدره
هذا
التقطيع ليس اعتباطيًا؛ فهو يبطئ القراءة ويجعل العين تهبط من كلمة إلى أخرى.
وبذلك تتحول هيئة النص على الصفحة إلى محاكاة لحركة الاقتراب والكشف. إن الوصول
إلى "أصل الصرخة" لا يقع دفعة واحدة، بل عبر درجات، كما أن المرئي لا
يخرج من "خدره" إلا بعد تعليق زمني تصنعه الأسطر القصيرة. ويخلق الفراغ المحيط
بالكلمات صمتًا دالًا. فاللغة هنا تتقدم وتتوقف، تقترب وتتردد، وكأن ما تريد قوله
يقع على الحد الفاصل بين الممكن والممنوع. ومن ثم يصبح البياض الطباعي جزءًا من
بلاغة الستر والكشف التي يعلنها العنوان.
المعجم بين المقدس والحسي
تجمع
القصيدة بين معجمين يبدوان متباعدين: معجم اللذة الجسدية ومعجم القداسة والطقوس.
نجد "الأيقونة"، و"الضراعة"، و"الزلفى"، و"الطاعة"،
و"سيدي"، و"الجوهرة"، إلى جوار العرق واللعاب واللمس والعناق. وهذا المزج يرفع الجسد من مرتبته اليومية
ويمنحه هالة طقسية. فالاقتراب منه يشبه الاقتراب من محراب أو أثر مقدس، والواصلون
إلى الجوهرة يأتون:
ضارعين
زحفًا على الأكواع
لكن
القصيدة لا تفصل المقدس عن الحسي، بل تجعل كلًا منهما يضيء الآخر. الجسد مقدس لأنه
مثير للرغبة، والرغبة تأخذ هيئة الطقس لأنها تملك قوة تتجاوز الإرادة الفردية.
والمتكلم لا يبدو سيدًا مطلقًا أمام موضوعه، بل يتحول أحيانًا إلى عابد مأخوذ
ومقهور. ويظهر هذا التداخل كذلك في
عبارة:
نزول
المادة
من صدع الأيقونة
فالأيقونة،
التي يفترض فيها الثبات والسمو، تنشق لتخرج منها المادة. وهذه صورة مركزية في
القصيدة؛ لأنها تهدم الفصل بين الروحي والمادي. المقدس ليس نقيضًا للجسد، بل يتجسد
فيه وينبثق منه.
الحركة الحيوانية ورمز الأفعى
يكثر
حضور الحيوان في النص: الثور، والأفعوان، والطائر، والوحش، والأفعى. وتمنح هذه
العناصر الرغبة طابعًا غريزيًا وحركيًا. فالثور يدل على القوة والخصوبة، والطائر
يدل على الهشاشة والانطلاق، أما الأفعى فترمز إلى التواء الحركة والخطر والإغواء
والمعرفة.
تقول
القصيدة:
الأفعوان
يتلوى في الزخم
العين الكبيرة تحدق
ثم
تقول:
حيث
تنزلق الأفعى المرقطة في النداوة
لتحرس الحبق
الحركة
هنا ليست خطية، بل ملتوية ومنزلقة. وهذا يتفق مع طبيعة اللغة في القصيدة؛ فهي لا
تصل إلى الجسد بطريق مباشر، بل تدور حوله وتلامسه استعاريًا. والأفعى لا تهاجم
الحبق، بل تحرسه، فتجمع بين التهديد والحماية. إنها خطر يحرس الكنز، مثل السواد
الذي يخفي القوة ويدخرها. كما أن الحيواني يمنح الجسد
بعدًا سابقًا على الثقافة والتهذيب. فالرغبة تظهر قوة بدائية لا تخضع تمامًا للوعي
أو للقوانين الاجتماعية. غير أن القصيدة لا تقدم هذه البدائية بصورة خشنة؛ إذ
تحيطها بالذهب والحرير والحلي، فتجمع الغريزة والزينة، والوحشي والمصنوع.
بلاغة الأثر والغياب
من
المقاطع اللافتة في القصيدة ذلك الذي يركز على ما تتركه المرأة خلفها:
"تترك
الثياب شاهدة برهبة"
"تترك رائحتها"
"تترك الأنفاس"
"والأصابع المنطبعة على استدارة القميص"
هنا
لا يحضر الجسد مباشرة، بل من خلال آثاره. تصبح الثياب شاهدة، والرائحة ذاكرة،
والانطباعات على القميص علامات على حضور مرّ بالمكان. وينطوي ذلك على مفارقة:
القصيدة تسعى إلى أقصى درجات الكشف، لكنها تبلغ بعض أجمل صورها حين تتحدث عن
الغياب. إن الأثر أكثر إثارة من
الحضور الكامل لأنه يترك مساحة للمخيلة. الثوب الفارغ يحتفظ بهيئة من كان يلبسه،
والرائحة تستدعي مصدرًا لم يعد مرئيًا. وهكذا تنسجم بلاغة الأثر مع رمز الدانتيلا؛
فكلاهما يقوم على الإظهار الجزئي. ليست الفتنة في المشاهدة المكتملة، بل في
المسافة بين ما يظهر وما يُستدل عليه.
المتكلم والمخاطبة: اختلال العلاقة
على
المستوى النحوي، يهيمن المتكلم على فعل الرؤية والطلب والتسمية، بينما تتلقى
المخاطبة سلسلة من الأوامر:
"اجلسي"
"باعدي"
"تقدمي"
"أرينيه"
وفي
المقابل، لا يمنح النص المخاطبة صوتًا مستقلًا. نحن لا نعرف رغبتها من كلامها، بل
نعرف جسدها كما تراه عين المتكلم. تبدأ القصيدة بفعل الرؤية المنسوب إلى طرف، ثم
بالإطراق والضم والجهل المنسوبة إلى الطرف الآخر:
وإذ
رأى ما رأى
أطرقت
وضمت
وجهلت
هذا
التوزيع للأفعال يكشف اختلالًا واضحًا: طرف يرى ويعرف ويطلب، وطرف يُرى ويُطلب
منه. ومن هنا تكتسب قراءة القصيدة بوصفها ممارسة لنظرة ذكورية استحواذية
مشروعيتها. فالجسد يتحول إلى حقل وكنز وثمرة وجوهرة، أي إلى موضوع للاكتشاف
والوصول. ويزداد هذا المعنى وضوحًا
في قول المتكلم:
باللمسة
أحرر المثال من قالبه
يقدم
المتكلم نفسه هنا بوصفه صاحب اللمسة المحررة، أي إن الجسد، وفق منطقه، يحتاج إليه
لكي يخرج من قالبه ويبلغ تحققه. لكنها حرية يمنحها الناظر للمنظور إليه، ولذلك تظل
مشروطة بسلطته. ومع ذلك، لا تستقر العلاقة على سيادة
المتكلم استقرارًا تامًا. فالجسد يمتلك قوة "تُشل"، ويفرض على الرائين
الخضوع والضراعة والزحف. المتكلم يأمر في اللغة، لكنه يبدو مأخوذًا أمام موضوع
رغبته. وهو يحاول امتلاك الجسد بالوصف، غير أن كثرة استعاراته تشهد على أن الجسد
يفلت منه باستمرار. لذلك فالعلاقة الأدق ليست
علاقة فاعل قوي بمفعول سلبي فحسب، بل صراع بين سلطتين: سلطة العين التي تنظر
وتسمي، وسلطة الجسد الذي يفتن العين ويقهرها. غير أن هذا الصراع لا يلغي غياب صوت
المخاطبة؛ فهي حاضرة كقوة حسية، لا كذات ناطقة.
الرغبة بين الحب والعنف
لا
تفصل القصيدة الرغبة عن العنف. فمعجمها يضم المحراث والسهم والشفرة والإرهاب
والحرب والبراكين إلى جانب الحب والعناق والقبلة. تقول: "تقترح حربًا تدوم"، وتقول:
الشفرة
تقطع
خيط
الألم
كما
تصف العناق بأنه:
"التفتح الضاري للضم"
إن
صفة "الضاري" تمنع العناق من أن يكون صورة حنان خالص. إنه تفتح، لكنه
تفتح عنيف؛ وضم، لكنه يحمل قوة الافتراس. وتكشف هذه المفردات عن تصور للرغبة
باعتبارها تجربة تهدد الحدود المستقرة للذات. فالمحب لا يخرج من اللقاء كما دخله،
لأن الرغبة تجرحه وتغيّر علاقته بنفسه وبالآخر. لكن حضور العنف يطرح سؤالًا نقديًا: هل تستعمل
القصيدة هذه المفردات لتصوير شدة الانفعال، أم أنها تجعل السيطرة جزءًا من جماليات
الرغبة؟ يبدو أن الاحتمالين حاضران. فالعنف مجازي في معظم المواضع، لكنه يتضافر مع
أفعال الأمر واستعارات الحرث والقطاف، فيجعل علاقة القوة مكوّنًا بنيويًا لا
تفصيلًا عابرًا.
لهذا
يصعب اعتبار القصيدة احتفاءً بريئًا أو متكافئًا بالجسد. إنها تحرر الرغبة من
التحفظ اللغوي، لكنها لا تحرر الطرف المرغوب فيه تمامًا من سلطة النظرة. جمالها
متوتر أخلاقيًا، وهذا التوتر جزء من حداثتها وقابليتها للقراءات المختلفة.
التناص والأسطرة
تستدعي
القصيدة أجواء الحكايات والأساطير من خلال عبارة:
"قبلة
الملك السعيد في الليلة الألف"
تحيل
"الليلة الألف" إلى عالم «ألف ليلة وليلة»، بما يحمله من قصور وأمراء
وكنوز وحجب وحكايات مؤجلة ورغبات ممنوعة. كما تظهر في النص صور الأمراء والجوهرة
والحلي والحرير والأقطان. وبذلك ينتقل المشهد من واقعة فردية إلى فضاء حكائي شرقي
فخم. غير أن استدعاء التراث لا
يأتي في صورة اقتباس مباشر، بل بوصفه مناخًا. الجسد يصبح مملكة، والكنز يحتاج إلى
حراسة، والأمراء يتقاتلون عند أبوابه:
يتطاحن
الأمراء تحت عقدته
وينسفك اللعاب
إنها
أسطرة للجسد؛ إذ يخرج من الحياة اليومية ويصبح موضوعًا للصراع والعبادة والحكاية.
وتتيح الأسطرة للشاعر أن يقول الحسي من خلال العجائبي، وأن يضاعف المسافة بين
الاسم المباشر والصورة الشعرية.
اللغة الفخمة ومفارقة الموضوع
تستعمل
القصيدة معجمًا عربيًا فخمًا في مواضع كثيرة: "مزدَهٍ"،
"الزلفى"، "الضراعة"، "الشآبيب"،
"مغتلم"، "الحقوان"، "العطفات". وتجاور هذه الكلمات
ألفاظًا حسية ويومية مثل الثياب والعرق واللعاب والقميص. وهذا التجاور يصنع مفارقة أسلوبية؛ إذ تلبس التجربة الجسدية لغة
ذات رنين تراثي واحتفالي. كأن الشاعر يريد انتزاع الجسد من هامش الممنوع ومنحه
فخامة الموضوعات الكبرى. فبدل أن تكون الرغبة أمرًا خافتًا أو مبتذلًا، تصبح جديرة
بمعجم المديح والابتهال والحماسة. غير أن الفخامة قد تتحول أحيانًا
إلى غموض مقصود. بعض الكلمات والصور يؤخر الفهم ولا يقدّم مرجعًا واضحًا، فيضطر
القارئ إلى التعامل مع الإيحاء الصوتي قبل المعنى المعجمي. وهذه من خصائص شعرية
النص: الكلمة لا تعمل بما تعنيه فقط، بل بما تحدثه من جرس وغرابة وهالة.
الزمن والمكان
لا
تقدم القصيدة زمنًا سرديًا واضحًا. فهناك ليل وقطار وصباح ومطر وبرد، لكن هذه
العناصر لا ترتبط بتتابع واقعي صارم. الليل قد يكون "أبيض"، والصباح
يُستدعى من خلال ريقه، والقطار تجره "ثيران كهلة". لذلك يبدو الزمن
حلميًا، خاضعًا لمنطق الرغبة لا لمنطق الساعة. أما القطار فهو مكان انتقالي ومغلق ومتحرك:
العناق
وقوفًا
في قطار يعبر صفين من الأشجار
يجمع
القطار بين العزلة والحركة، وبين الحيز الداخلي الضيق والعالم الخارجي المندفع خلف
النوافذ. ويمنح المشهد شعورًا بالعابر والمهدد بالانتهاء؛ فالقطار لا يستقر،
واللحظة تمضي حتى وهي تبلغ ذروتها. هذا المكان المتحرك ينسجم
مع بنية القصيدة؛ فهي نفسها تعبر صفوفًا من الصور من دون أن تقيم طويلًا في واحدة
منها. وكأن الانتقال المكاني للقطار يجد مقابله في الانتقال البلاغي السريع بين
الاستعارات.
خصائص القصيدة الشعرية
يمكن تلخيص أبرز
الخصائص الفنية للنص في النقاط الآتية:
1.
مركزية
الجسد: يتخذ النص
الجسد بؤرةً تتجمع حولها الطبيعة والألوان والروائح والأساطير.
2.
الاستعارة
الممتدة: لا
يصف الجسد مباشرة، بل يعيد تشكيله بوصفه حقلًا وثمرة وكنزًا وأيقونة ومملكة.
3.
بلاغة
الستر والكشف: تخفي
اللغة موضوعها بالاستعارة في الوقت الذي تكشفه فيه، وهو ما يجسده رمز الدانتيلا.
4.
تراسل
الحواس: تتداخل الرؤية والشم واللمس والتذوق والسمع، فتغدو التجربة الشعرية حسية
متعددة الأبعاد.
5.
التكرار
الإنشادي: تؤدي كلمات مثل "أبيض" وتراكيب مثل "تترك"
و"العناق وقوفًا" دور اللازمة الإيقاعية.
6.
التقطيع
البصري: يبطئ توزيع الكلمات على أسطر منفردة فعل القراءة، ويجعل شكل القصيدة جزءًا
من معناها.
7.
قلب
الدلالات اللونية: لا يكون الأبيض نقيًا ولا الأسود سلبيًا؛ فكلاهما مركب وملتبس.
8.
المزج
بين المقدس والحسي: يتجاور معجم الأيقونة والضراعة والطاعة مع معجم العرق واللعاب
والعناق.
9.
الأسطرة
والتناص: تستدعي القصيدة أجواء "ألف ليلة وليلة" والملوك والأمراء
والكنوز.
10.
التوتر
بين الحب والعنف: تظهر الرغبة بوصفها افتتانًا وجرحًا وحربًا في آن واحد.
11.
اختلال
العلاقة بين المتكلم والمخاطبة: يحتكر
المتكلم الرؤية والأمر والتسمية، بينما يغيب صوت الطرف الآخر.
12.
الفخامة
المعجمية: تستعين القصيدة بألفاظ تراثية وجزلة لرفع التجربة الحسية إلى مستوى
الطقس الشعري.
13.
التراكم
بدل السرد: يتولد المعنى من حشد الصور والصفات، لا من تطور حدث ذي بداية ونهاية
واضحتين.
14.
الغموض
المرجعي: تتبدل مرجعيات الضمائر والصور، فيظل الجسد حاضرًا بوصفه كلًا ولا يُختزل
في عضو أو اسم ثابت.
تقويم نقدي
تنجح
القصيدة بدرجة كبيرة في خلق عالم حسي خاص لا يشبه الوصف الغزلي التقليدي. فهي لا
تعتمد التشبيه المألوف، بل تبتكر شبكة واسعة من العلاقات بين الجسد والطبيعة
والمعدن والأسطورة. كما تنجح في بناء إيقاعها من خارج الوزن التقليدي، من خلال
التكرار والتقطيع والتوازي. وتبلغ القصيدة ذروتها حين
تكون الصورة دقيقة ومفاجئة وحسية، كما في "رائحة قطع الأعشاب في الصباح"،
أو حين يتحول اللون إلى مفارقة نفسية، كما في "أبيض هذا الليل بقلب أسود"،
أو حين يستخدم التقطيع البصري لتجسيد بطء الوصول إلى "أصل الصرخة".
أما
مواطن ضعفها فتظهر في الإفراط البلاغي. فكثرة الصور قد تحول بعض المقاطع إلى قوائم
من النعوت، ولا سيما في نشيد الأبيض الطويل. وقد يشعر القارئ بأن اللغة تستعرض
قدرتها على التوليد بدل أن تعمق التجربة في كل مرة. كذلك فإن غياب صوت المخاطبة
يجعل الاحتفاء بالجسد ملتبسًا؛ فالقصيدة تمنحه قوة أسطورية، لكنها تحرمه من أن
يتكلم بلسانه. ومع ذلك، يمكن النظر إلى
هذه المآخذ بوصفها جزءًا من رهان النص. فالإفراط يعكس رغبة لا تشبعها تسمية واحدة،
وغياب الصوت يكشف طبيعة النظرة الراغبة أكثر مما يقدم علاقة عاطفية متوازنة.
القصيدة لا تصف حبًا هادئًا بين شخصين نعرفهما، بل تسجل هذيان عين مأخوذة بما ترى.
خاتمة
«وردة
الدانتيلا السوداء» قصيدة في الرغبة بقدر ما هي قصيدة في استحالة القبض على موضوع
الرغبة باللغة. يحاول المتكلم أن يمتلك الجسد بكثرة الأسماء، لكنه كلما سماه ازداد
تحولًا: من حقل إلى جوهرة، ومن أيقونة إلى أفعى، ومن وردة إلى مملكة. وبدل أن تقود
الاستعارات إلى تعريف نهائي، تؤكد أن الجسد يظل فائضًا على كل تعريف. وقوة النص الأساسية كامنة في هذا الفيض: في
قدرته على تحويل اللون والرائحة والملمس إلى عناصر تفكير، وفي جمعه الرقة بالعنف،
والقداسة بالحسية، والانكشاف بالحجاب. أما مأزقه فيكمن في أن هذه البلاغة المتوهجة
تصدر عن عين تريد أن ترى وتكشف وتستحوذ؛ لذلك يظل الطرف الآخر حاضرًا بوصفه جسدًا
فاتنًا أكثر من حضوره بوصفه ذاتًا مستقلة.
إنها،
في المحصلة، قصيدة تحرر الرغبة داخل اللغة، لكنها لا تتحرر تمامًا من سلطة النظرة.
تحتفي بالجسد وتؤسطِره، إلا أنها تحوله أيضًا إلى أرض وكنز ومشهد. ومن هذا التناقض
بين التبجيل والتملك، وبين الانبهار والسيطرة، تستمد القصيدة توترها الجمالي
وأهميتها النقدية. فهي لا تقدم جسدًا مطمئنًا ولا حبًا مكتمل الانسجام، بل تقدم
رغبة قلقة، كثيفة، مترفة بالصور، تحاول عبور الدانتيلا اللغوية كي تصل إلى "أصل
الصرخة"، من غير أن تبلغ ذلك الأصل بلوغًا نهائيًا.
وردة الدانتيلا السوداء
شعر: أمجد ناصر
وإذْ رأى ما رأى
أطرَقَتْ
وَضَمَّتْ
وَجَهْلَتْ .
إجلسي
أرجوك
بهذين الحقلين المحروثين
بقرني ثورٍ سأضمنُ القِطافَ .
إجلسي
وباعدي,
قليل من الهواء للغصن المنحني بكمثراه.
اللؤلؤة في الأنف
نجمة الذهب الضئيلة
تشع تحت النظر المستقيم .
أيتها الفائقة النمش
يا بدوية البرد
باعدي قليلا ليصل الهواء
إلى الكمأة التي تنبلج
تحت المحراث .
أمطاري جافة
وشفتاك بليلتان .
البرد يطوينا من الأعماق
نرتجف لأن النمش الذي ترميننا به
يهطل على الجراح .
قلبي يرتجف من برد قديم.
الليل .
القطار الذي تجره ثيران كهلة
المرأة تنشر أبيضها على الغريب .
أبيض هو الحليب
أبيض هذا الليل بقلب أسود
أبيض
مخاتل
غال
وعال
بحذاءين أسودين
أبيض هو الأشقر المحروس بعشب ساهر ,
عشب الوحش اللطيف الهائج في السفح .
الأبيض
البراق
المسترق
الشّاعُ
المجتلب الشهقات
أبيض الزبد
والموت على وسادة الرعشة .
الأبيض
ذو الشامة
ذو المرمر
أبيض الفيروز
أبيض الإستدارة
أبيض على حواف الزهري
أبيض تلال بلا مرتقى
أبيض مخبؤ
ملفوف بالشرائط
غاف في الساتان
أبيضُ الغالبُ سواه
الأبيضُ السليط
أبيض النوم والندم
أبيض الغيم الممطر في المخادع
الأبيض المكين
الذي أخرجنا سافرين من كل أرث
أبيض الزلفى والطاعة
أبيض الضراعة والشآبيب .
يا أبيض غلابا
حمال روائح وارتجاجات .
نائم في أقطانه
سيدي الصغير
لا يفيق على نايات اليد .
قمع سكر يذوب في الرغاب .
غِرٌّ
وَمُزدَهٍ بِحِليهِ والتَّخاريم .
نظيف
ومحفوف
وماثل
يلمع في نداه الزيتون .
مغسول بأمطار وصواعق ,
له هذه الرائحة :
قطع الأعشاب في الصباح.
الأفعوان يتلوى في الزخم
العين الكبيرة تحدق .
تترك الثياب شاهدة برهبة
على السهم الذي شق
طائر الأكمة
تترك رائحتها
تترك الانفاس
والأصابع المنطبعة على استدارة القميص ,
عرق الركبتين
يمحو حبر الليل
ويشعشع فوح الحمى.
ذهب الهامة يضوي
مسكوبٌ ومنسابٌ
مُتَطَوِّحٌ بِعِنايَة
عارفٌ بمواضِعِهِ الباهرة
بالظلال التي يسقط فيها الغريب .
البتلة تتوتر
الصرخات يتلوها الفيض .
الرائحة تبوح بمكنونها
رائحة الاحتفاظ بالكنـز.
الأسود يواري القوة ويدخرها
القوة التي تبسط
الكهرباء التي تشل
الارهاب المجرب
فتنة الذهب الكبرى
تسيل على الكاحل
تقترح حربا تدوم .
تقدمي من الذراع المانحة
براكين الشبيه لا تكفي لتقدير الوطأة.
العذاب
مُصوَّرٌ
مُغتَلَمٌ
ومُشتَبَه.
العناق وقوفا
بالأعضاء على استقامتها
بالتفتح الضاري للضم
العناق وقوفا
في قطار يعبر صفين من الأشجار .
باللمسة
أحرر المثال من قالبه.
وعلى
ضوء
المياه
الشفيفة
أصل
إلى
أصل
الصرخة .
حر وطليق السارح في الظلمة
يحتمي بسفحه ويثقب الرائين ببرعم قاتم
ثمل بالصهباء
التي ترشح من عطفاته .
الشفرة
تقطع
خيط
الألم .
الحقوان وما يطويان
فوحُ
نـزولُ
المادة
من صدع الأيقونة .
وردة الدانتيلا السوداء
في أعالي الفخذ
قبلة الملك السعيد في الليلة الألف
حيث تنـزلق الأفعى المرقطة في النداوة
لتحرس الحبق .
الأعضاء تتنفس وتكنـز ثروتها
تنحنين على ثمرة الكستناء
الاستدارة تلمع في مرآة الهواء
وتهب رائحة المجرى.
في أعاليه
أسود هو الحرير
يتطاحن الأمراء تحت عقدته
وينسفك اللعاب
يَصِلون إلى الجوهرة ضارعين
زحفا على الأكواع .
أهذي من الحُبِّ
وَأَعُبُّ الهواء المتروك .
أرينيه ناهضا من نومه
مغمورا بالوعود .
على غرته ندى
وفي أقراطه رمان .
أريد
أن
أراه
خارجا من خدره
جاذبا إليه
ريق الصباح .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق