لماذا أخفى إدوارد روتشستر زوجته برثا ماسون في منزل ثورنفيلد، ثم حاول الزواج من جين أير وكأن الزوجة الأولى غير موجودة؟ يبدو السؤال في البداية واحدًا من أسرار الحبكة التي يمكن الإجابة عنها بجملتين: برثا مصابة باضطراب عقلي وخطرة، وروتشستر أبقاها تحت رعاية غريس بول بعيدًا عن الناس. لكن هذه هي إجابة روتشستر تقريبًا، وليست بالضرورة الإجابة الكاملة التي تمنحها الرواية.
المشكلة تبدأ عندما نسأل سؤالًا أبسط: من أخبرنا بقصة برثا أصلًا؟
نحن لا نسمعها منها. نراها غالبًا بعيني جين، ونعرف ماضيها من الرجل الذي سجنها، ونصل إليها بعد أن تكون صورتها قد بُنيت في أذهاننا من الضحكات الغامضة والحرائق والعنف والخوف. وحين تُكشف أخيرًا، تكون الرواية قد رتبت المشهد بحيث تقف جين وروتشستر في مركز الإنسانية المفهومة، بينما تظهر برثا بوصفها ذلك الشيء المخيف الذي يعطل زواجهما.
الجواب المختصر: أخفى روتشستر برثا لأنه عدّها مختلة وخطرة، ولأنه أراد أن يعزل زواجه الأول عن حياته الجديدة ويحافظ على حريته ومكانته، ثم حاول بناء مستقبل مع جين رغم أن برثا ما تزال زوجته قانونيًا. لكن القراءات اللاحقة غيرت السؤال نفسه: بدل الاكتفاء بالسؤال عن سبب سجن برثا، بدأت تسأل لماذا لا نسمع صوتها، ولماذا نعرفها أساسًا من رواية الرجل الذي حبسها.
قبل برثا: هناك سر آخر في تاريخ جين أير
صدرت Jane Eyre في أكتوبر/تشرين الأول 1847، بعنوان أطول هو Jane Eyre: An Autobiography، ونُسب تحريرها إلى كورر بيل، الاسم المستعار الذي استخدمته شارلوت برونتي. لم يكن الاسم المستعار تفصيلًا بلا دلالة؛ فقد كانت الأخوات برونتي يكتبن في عالم لا يستقبل المرأة الكاتبة بالطريقة نفسها التي يستقبل بها الرجل.
لكن من الخطأ تحويل الرواية كلها إلى سيرة مقنعة لشارلوت برونتي. فيها مواد من الخبرة والحياة والمكان، ثم يفعل الخيال بها ما يفعله دائمًا: يغيرها ويعيد تركيبها ويمنحها وظيفة جديدة.
حتى الحكاية الشهيرة عن أصل "المرأة المحبوسة" ليست محسومة بالبساطة التي تعرضها بها بعض المواقع. تربط مصادر تراثية إنجليزية بين إقامة شارلوت برونتي في هاذرسج سنة 1845 وبين North Lees Hall، حيث ارتبط المكان بحكاية امرأة مختلة احتُجزت في غرفة علوية. وفي المقابل، يرتبط Norton Conyers في يوركشاير أيضًا بتقليد محلي عن امرأة من الأسرة حُجزت في غرفة علوية، ويُعتقد أن برونتي زارت المنزل.
لدينا إذن صلات تاريخية معقولة، لكن ليس لدينا وثيقة تقول إن برثا ماسون نسخة مباشرة من امرأة واحدة بعينها. الفرق مهم. الأدب قد يلتقط بيتًا من مكان، وحكاية من مكان آخر، وخوفًا اجتماعيًا من عصره، ثم يصنع شخصية لا يمكن ردها إلى نموذج واقعي واحد.
برثا ليست في العلية تمامًا
هناك مفارقة صغيرة تكشف مقدار ما تستطيع الذاكرة الثقافية أن تفعله بالنصوص. برثا ماسون أصبحت أشهر "امرأة مجنونة في العلية" في الأدب الإنجليزي، حتى إن العبارة تجاوزت الرواية نفسها وأصبحت مصطلحًا نقديًا.
لكنها، حرفيًا، ليست محبوسة في علية بالمعنى الذي توحي به العبارة الشائعة.
النص يصعد بنا إلى الطابق الثالث من ثورنفيلد. وقد لفتت الباحثة ديانا كرايسل إلى هذا الخطأ المستمر في دراسة منشورة في مجلة PMLA بعنوان The Madwoman on the Third Story: Jane Eyre in Space. المسألة ليست تصحيحًا معماريًا تافهًا، لأن المكان في جين أير جزء من طريقة الرواية في تنظيم المعرفة: هناك غرف مفتوحة وأخرى مغلقة، أصوات نسمعها قبل أن نعرف مصدرها، أبواب وممرات وطبقات من البيت لا تعرف جين ما يجري داخلها.
وبرثا موضوعة في أعلى هذا النظام تقريبًا، قريبة بما يكفي كي نسمع أثر وجودها، وبعيدة بما يكفي كي يظل تفسير ذلك الوجود في يد الآخرين.
الأغرب أن برثا لا تبقى صامتة بالمعنى الحرفي. إنها تضحك وتصرخ وتتحرك وتهرب من مراقبتها وتمزق حجاب جين وتشعل النار. جسدها وصوتها يقتحمان الحكاية مرارًا. ومع ذلك لا تحصل على الكلام الذي يحول الصوت إلى رواية ذاتية مفهومة.
إنها تصدر أصواتًا، لكن الآخرين هم الذين يمنحون تلك الأصوات معناها.
ما قصة روتشستر كما يرويها روتشستر؟
بعد توقف زواجه من جين، يروي روتشستر قصته. كان الابن الأصغر، ولم يشأ أبوه تقسيم ثروة الأسرة، فدُفع نحو زواج من برثا ماسون، ابنة أسرة ثرية في جامايكا. كانت تملك ثروة كبيرة، ويقول روتشستر إن عائلته أخفت عنه تاريخ الاضطراب العقلي في أسرتها، وإنه اكتشف بعد الزواج أنه وقع في فخ.
هذه الرواية مهمة، لكنها تظل شهادته هو.
وفق منطقه، لم يكن نقل برثا إلى إنجلترا وحبسها في ثورنفيلد فعل انتقام، بل بديلًا أكثر رحمة من خيارات أشد قسوة. جعل غريس بول مسؤولة عن مراقبتها، وأبقاها في مكان يراه آمنًا ومريحًا نسبيًا. وهو يقدم نفسه، في جزء من دفاعه أمام جين، كرجل تحمل عبئًا لم يختره.
ولا يمكن ببساطة تجاهل الخطر الموجود في أحداث الرواية. برثا تهاجم أخاها ريتشارد، وتحاول مهاجمة روتشستر، وترتبط بمحاولات إشعال النار، وتنتهي بإحراق ثورنفيلد. أي قراءة تجعلها سجينة هادئة تمامًا وتحوّل كل ما نراه إلى اختلاق من روتشستر ستحتاج إلى تجاهل ما يرويه النص نفسه.
لكن الاعتراف بذلك لا يجبرنا على قبول دفاع روتشستر كاملًا.
فهو لا يعزل امرأة يعتقد أنها خطرة فحسب؛ إنه يخفي وجود زوجته عن المجتمع وعن جين، ويترك جين تدخل علاقة عاطفية معه من دون معرفة الحقيقة، ثم يقف معها أمام المذبح وهو يعلم أن الزواج لا يمكن أن يكون قانونيًا.
وهنا يتحول السؤال من "لماذا حبس برثا؟" إلى سؤال أكثر إزعاجًا: ماذا أتاح له اختفاؤها؟
أتاح له أن يعيش اجتماعيًا كما لو كان رجلًا بلا زوجة. وأتاح له أن يحب مرة أخرى من دون أن تدخل الزوجة الأولى في الصورة إلا بوصفها عائقًا. وحين تظهر الحقيقة، يحتاج إلى إقناع جين بأن وجود برثا القانوني لا ينبغي أن تكون له القيمة الأخلاقية نفسها التي يمنحها القانون له.
جين لا تقبل هذا المنطق، مع أنها تحبه.
المشكلة ليست فقط في الغرفة، بل في طريقة النظر
حين يكشف روتشستر برثا للآخرين، تستخدم الرواية صورًا تربك الحدود بين الإنسان والحيوان. يصعب على جين في اللحظة الأولى أن تحدد ما تراه، ثم يأتي الشعر والحركة والأصوات ليصنع المشهد القوطي المخيف.
يمكن فهم قوة المشهد روائيًا. برونتي تريد أن تجعل السر الذي كان يطارد ثورنفيلد مرئيًا دفعة واحدة. لكن القارئ الحديث يصعب عليه المرور فوق الطريقة التي يُسحب بها من برثا شيء من إنسانيتها في اللحظة نفسها التي تُكشف فيها إنسانًا له اسم وتاريخ وزواج.
نحن نعرف جين من الداخل. نعرف طفولتها، غضبها، خوفها، حاجتها إلى الاستقلال، إحساسها بالإهانة، حبها، ترددها وصلابتها. أما برثا فنراها من الخارج.
هذا الاختلاف في المسافة السردية هائل.
لو شاهدنا جين فقط في اللحظات التي تصرخ فيها أو تتمرد أو تضرب ابن خالتها بعد سنوات من إساءة معاملتها، لأمكن أيضًا لشخص ما أن يصنع منها فتاة "عنيفة". لكن الرواية أعطت جين امتيازًا حاسمًا: أعطتها قصة تفسر غضبها.
برثا لا تحصل على هذا الامتياز.
ومن هنا تبدأ إحدى أكثر التحولات إثارة في تاريخ قراءة الرواية. لم يعد النقاد يسألون فقط ماذا ترمز إليه برثا داخل رحلة جين النفسية، بل بدأوا يسألون ماذا يحدث عندما نعامل برثا كشخصية لها تاريخ خاص، لا كأداة في تطور بطلة أخرى.
هل برثا هي الوجه المظلم لجين؟
واحدة من أشهر القراءات النسوية ترى علاقة مضاعفة بين المرأتين. جين امرأة تتعلم طوال الرواية أن تضبط غضبها من دون أن تتخلى عن استقلالها، بينما تفعل برثا ما لا تستطيع جين فعله داخل قواعد المجتمع: تهاجم، تحرق، تمزق الحجاب، وتفلت من المكان الذي حُبست فيه.
من هذه الزاوية يمكن النظر إلى تمزيق حجاب الزفاف بوصفه أكثر من حادث قوطي. برثا، الزوجة الموجودة التي حُذفت من قصة روتشستر الجديدة، تمزق الرمز الذي سيحوّل جين إلى الزوجة التالية.
لكن تحويل برثا بالكامل إلى "جانب مكبوت من جين" يخلق مشكلة أخرى. فما إن نجعلها رمزًا لغضب البطلة حتى نكون قد أخذنا منها شخصيتها مرة ثانية. تصبح قيمتها فيما تقوله عن جين، لا فيما حدث لها هي.
وهذا بالضبط ما ستعترض عليه القراءات اللاحقة بقوة أكبر.
جامايكا ليست تفصيلًا هامشيًا
برثا ليست امرأة إنجليزية من قرية مجاورة. إنها آتية من جامايكا، ومن عالم كاريبي تشكل تحت الاستعمار البريطاني والعبودية واقتصاد المزارع والثروات التي عبرت الأطلسي.
والكلمة التي يستخدمها النص، Creole، تحتاج إلى حذر لأن معناها التاريخي لا يطابق دائمًا الاستخدامات المعاصرة ولا يحدد وحده هوية عرقية واحدة. لهذا لا يصح أن نستخرج من اللفظة يقينًا لا يمنحه النص.
لكن الصلة الاستعمارية نفسها واضحة.
روتشستر يذهب إلى جزر الهند الغربية ليتزوج امرأة ذات ثروة كبيرة. المال يأتي من فضاء استعماري إلى الرجل الإنجليزي، ثم تأتي المرأة نفسها إلى إنجلترا لتُغلق عليها الأبواب.
بهذا المعنى لم تعد ثورنفيلد، في القراءة ما بعد الاستعمارية، بيتًا إنجليزيًا معزولًا عن الإمبراطورية. الإمبراطورية موجودة داخله بالفعل، في المال، وفي الزواج، وفي جسد المرأة التي يحاول البيت إخفاءها.
وهذا لا يعني أن لدينا مفتاحًا واحدًا نقول به إن "برثا ترمز إلى الاستعمار" وتنتهي المسألة. مثل هذا الاختزال يقتل الشخصية بطريقة أخرى. لكنه يسمح لنا برؤية ما كان يمكن لقارئ أن يتجاوزه بسهولة: قصة حب جين وروتشستر لا تجري في فراغ اقتصادي وتاريخي.
ثم جاءت جين ريس وفتحت الباب من الجهة الأخرى
في عام 1966، أي بعد نحو 119 عامًا من صدور جين أير، نشرت جين ريس روايتها Wide Sargasso Sea، المعروفة عربيًا عادة بعنوان "بحر سارجاسو الواسع".
لم تكتب ريس تتمة بسيطة لجين أير، ولم تحاول إثبات أن شارلوت برونتي "كذبت" بشأن شخصية حقيقية. برثا وروتشستر شخصيتان روائيتان. ما فعلته أكثر إثارة: أخذت شخصية لم يمنحها النص القديم تاريخًا داخليًا كاملًا، وتخيلت كيف يمكن أن تبدو القصة إذا بدأت قبل الغرفة المغلقة، ومن منطقة الكاريبي لا من إنجلترا.
برثا عند ريس تصبح أنطوانيت كوزواي. لها طفولة وذاكرة ومخاوف وعلاقات وبيئة وصوت. لا نلتقي بها أول مرة بعد أن أصبحت ذلك الكائن المخيف الذي يراه زوار ثورنفيلد. نلتقي بإنسانة قبل أن تختصرها الحكاية الأخرى في كلمة "مجنونة".
وهذا التحول غيّر تاريخ قراءة جين أير.
لم تعد المسألة: هل كانت برثا شريرة أم ضحية؟ هذا التقابل أبسط من الروايتين معًا. السؤال الأهم صار: ماذا يحدث للشخصية حين تنتقل من موضوع يصفه الآخرون إلى ذات تتكلم؟
في جين أير، روتشستر يمتلك الجزء الأكبر من قصة زواجه. في بحر سارجاسو الواسع تتشقق هذه السلطة. ما بدا في روايته مأساة رجل خُدع في زواج كارثي يمكن أن يُرى من الجانب الآخر بوصفه قصة امرأة تدخل علاقة غير متكافئة، ثم تُقتلع من عالمها، ويعاد تعريفها حتى في اسمها.
لم "تكشف" ريس الحقيقة المخفية تاريخيًا عن برثا، لأنها لا توجد حقيقة تاريخية لشخصية متخيلة يمكن استخراجها من الأرشيف. لقد فعلت شيئًا أدبيًا أهم: أثبتت أن تغيير الراوي يمكن أن يغير أخلاق الحكاية من دون تغيير بعض وقائعها الأساسية.
هل يعني ذلك أن علينا محاكمة شارلوت برونتي؟
سيكون ذلك طريقًا سهلًا، لكنه لن يكون أكثر الطرق فائدة.
يمكن قراءة جين أير بوصفها رواية شديدة الاهتمام بحرية امرأة فقيرة وحقها في تقرير حياتها. جين ترفض أن تُعامل كزينة، وترفض أن تجعل الحب مبررًا للتنازل عن احترامها لنفسها، وترفض روتشستر حين يعني البقاء معه قبول وضع لا تستطيع أخلاقيًا قبوله.
هذه القوة في الرواية حقيقية.
وفي الوقت نفسه يمكن ملاحظة أن الرواية التي تمنح بطلتها مثل هذا العمق والحق في الكلام لا تمنح امرأة أخرى الحق نفسه.
ليس علينا اختيار واحدة من الجملتين وإلغاء الأخرى.
بل ربما تكمن أهمية إعادة القراءة في القدرة على الاحتفاظ بهما معًا: نص يمكن أن يفتح بابًا للحرية في موضع، وأن يعيد إنتاج حدود عصره في موضع آخر.
وهنا تصبح برثا أكثر من "مشكلة" يجب حلها كي تتزوج جين من روتشستر. إنها تكشف حدود التعاطف داخل الرواية نفسها: من يُسمح لنا بأن نراه من الداخل؟ ومن يبقى جسدًا خلف باب؟ من يملك حق تفسير أفعاله؟ ومن يفسره الآخرون؟
وماذا عن الاضطراب العقلي؟
من الخطأ تشخيص برثا بأثر رجعي بمرض نفسي حديث محدد. الرواية ليست ملفًا سريريًا، ومفردات القرن التاسع عشر وتصنيفاته لا تتطابق مع الطب النفسي المعاصر.
كما أن تصويرها يمر عبر تقاليد الرواية القوطية وخوف العصر من الجنون والوراثة والجسد الخارج عن السيطرة. لذلك فإن تحويل بعض الأوصاف الأدبية إلى قائمة أعراض ثم إعلان تشخيص حديث يمنح النص دقة طبية لم يكتب بها أصلًا.
لكن من الخطأ المقابل أن نقول إن اضطرابها كله اختراع من روتشستر. النص يقدم سلوكًا عنيفًا فعليًا. ما يمكن مساءلته بصورة أكثر دقة هو الطريقة التي يُستخدم بها هذا الاضطراب لسحب الصوت والشخصية منها.
هناك فرق بين أن نقول إن إنسانًا يحتاج إلى رعاية وحماية، وبين أن يصبح المرض مبررًا لاختفاء الإنسان كله خلف التشخيص.
وهذا ما يجعل برثا شخصية ما تزال تزعج القارئ الحديث. فالسؤال لم يعد فقط إن كان روتشستر يملك سببًا للخوف منها، بل إن كان الخوف يسمح له بأن يحتكر تعريفها.
روتشستر نفسه يتغير حين تتغير زاوية النظر
في القراءة الرومانسية البسيطة، برثا هي العقبة المأساوية بين رجل وامرأة يحبان بعضهما. كلما ابتعدت برثا عن دائرة التعاطف أصبح من الأسهل أن نرى محاولة زواج روتشستر من جين بوصفها خطأ ارتكبه رجل يائس بحثًا عن السعادة.
لكن ما إن تستعيد برثا شيئًا من إنسانيتها حتى تتغير صورة الرجل أيضًا.
لا يعود السؤال: كيف نخلّص روتشستر من زواج ميت؟ بل: هل يملك الحق في إعلان هذا الزواج ميتًا من جانب واحد، وإخفاء الطرف الآخر، ثم ترك امرأة ثانية تدخل العلاقة من دون معرفة الحقيقة؟
جين نفسها تقدم أقوى اعتراض على ذلك.
هي لا تحتاج إلى كراهية روتشستر كي ترفض منطقه. تحبه، وتفهم معاناته كما يقدمها لها، لكنها تغادر. بذلك تمنع الرواية الحب من أن يصبح تصريحًا بإلغاء الحدود الأخلاقية.
وهذه نقطة تجعل إعادة قراءة برثا أكثر تعقيدًا، لا أقل. فجين ليست ببساطة شريكة في سجنها. جين نفسها امرأة أقل قوة اجتماعية من روتشستر، وكان إخفاء الحقيقة عنها شكلًا من أشكال التحكم في معرفتها ومستقبلها.
ثمة إذن امرأتان مختلفتان جدًا، لكن الرجل نفسه يملك معلومات لا تملكها أي منهما كاملة.
لماذا كان لا بد من إحراق ثورنفيلد؟
النار موجودة في الرواية قبل النهاية بوقت طويل. برثا التي أخفيت في أعلى البيت لا تبقى قابلة للاحتواء. وفي النهاية تحرق ثورنفيلد، ثم تموت بعد سقوطها من السطح، بينما يصاب روتشستر إصابات جسيمة ويفقد بصره.
على مستوى الحبكة، يحل موت برثا العائق القانوني الذي منع زواجه من جين. وهذه الحقيقة بالذات جعلت بعض القراء يشعرون بعدم الارتياح: المرأة المحبوسة يجب أن تختفي نهائيًا قبل أن تحصل البطلة على النهاية الزوجية.
لكن النار تفعل أكثر من تنظيف الطريق إلى الزواج.
ثورنفيلد كان بيت السر. فيه حاول روتشستر أن يقسم حياته إلى عالم مرئي وعالم مخفي، إلى حب جديد وزواج قديم، إلى طوابق يستطيع ضيوفه دخولها وأخرى لا يعرفون حقيقتها. وحين يحترق البيت ينهار البناء المادي الذي حمل هذا الانقسام.
ولا تعود جين إلى روتشستر كما غادرته.
لقد أصبحت مستقلة ماليًا، وعرفت أن لها أسرة، ولم تعد المربية الفقيرة التي تعتمد في معيشتها على صاحب ثورنفيلد. أما روتشستر فقد فقد البيت والقوة الجسدية التي كانت جزءًا من حضوره المهيمن.
هذا لا يجعل النهاية معادلة حسابية للعدالة، لكنه يغير ميزان العلاقة الذي كان قائمًا حين طلب منها أول مرة أن تتبعه.
إذن، لماذا أخفى روتشستر زوجته؟
إذا عدنا الآن إلى السؤال الذي بدأنا منه، فلن تكفي عبارة "لأنها كانت مجنونة".
لقد أخفاها لأنه رأى أنها خطرة ويجب احتواؤها، نعم. وأبقاها تحت إشراف خادمة مخصصة لرعايتها بدل أن يتخلص منها جسديًا أو يتركها بلا رعاية، وهذه حقيقة يجب ألا تمحوها القراءة النقدية.
لكنه أخفاها أيضًا لأن وجودها كان يحكم حياته. ما دامت برثا زوجته المعروفة، فهو رجل متزوج لا يستطيع ببساطة أن يبدأ حياة زوجية أخرى. إخفاؤها جعل من الممكن فصل الحقيقة القانونية والعائلية عن الصورة الاجتماعية التي يقدمها للعالم.
ثم وقع في حب جين وحاول أن يجعل ذلك الفصل دائمًا.
لهذا يصبح الباب المغلق في ثورنفيلد أكثر من وسيلة لحبس شخص خطر. إنه وسيلة لتنظيم الحقيقة: ما الذي تعرفه جين، وما الذي يعرفه الضيوف، وما الذي يعرفه المجتمع، وما الذي يستطيع روتشستر وحده تفسيره.
وحين فُتح الباب، لم ينكشف سر امرأة واحدة فقط. انكشف أيضًا أن قصة الحب التي كنا نقرأها بُني جزء منها فوق معلومة حُجبت عن البطلة والقارئ معًا.
حين تغيرت برثا، تغيرت جين أير أيضًا
هذه ربما هي النتيجة الأهم في تاريخ برثا ماسون النقدي. الأعمال الكبيرة لا تبقى ثابتة لأن كلماتها تتغير، بل لأن الأسئلة التي نأتي بها إليها تتغير.
قارئ سنة 1847 لم يكن يعيش في العالم النقدي نفسه الذي جاء بعد إنهاء الاستعمار، وصعود النقد النسوي، ودراسات الإمبراطورية، وتغير النظرة إلى الصحة النفسية. ثم جاءت جين ريس لتفعل ما لا تستطيع مقالة نقدية وحدها فعله: كتبت رواية كاملة من المساحة التي تركتها رواية أخرى شبه فارغة.
بعد بحر سارجاسو الواسع صار من الصعب لقاء برثا بالطريقة القديمة نفسها.
نحن نعرف أنها ليست أنطوانيت ريس "الحقيقية"، لأن ريس أيضًا تخيلتها وأعادت كتابتها. لكن مجرد وجود رواية ثانية منح القارئ تجربة نادرة: أن يرى كيف تتغير الشخصية حين تنتقل الكاميرا السردية إلى الجهة الأخرى من الباب.
في جين أير نسمع ضحكة غريبة ونسأل: ما الشيء المخيف المختبئ في البيت؟
بعد إعادة القراءة يصبح ممكنًا أن نسأل: من المرأة الموجودة هناك، ومن الذي أغلق الباب عليها، ومن الذي روى لنا قصتها، وما الذي لم نسمعه منها؟
وهكذا لم تعد برثا مجرد سر من أسرار جين أير. أصبحت مثالًا على سر أكبر في الأدب نفسه: الراوي لا يحتاج إلى أن يكذب علينا كي يمنحنا رؤية ناقصة. يكفي أن تكون هناك شخصية لا تملك حق الرواية.
ربما لهذا بقي الباب في ثورنفيلد مفتوحًا في النقد بعد أن احترق البيت داخل الرواية. ففي القراءة الأولى نريد أن نعرف من وراء الباب. وفي القراءة الثانية نكتشف أن السؤال الأهم هو: من كان يملك المفتاح؟
ولو أُعطيت برثا فرصة رواية أحداث ثورنفيلد بصوتها، فهل كنا سنظل نقرأ روتشستر بالطريقة نفسها؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق