اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

كليلة ودمنة: هل ألّف ابن المقفع الكتاب أم ترجمه؟

صفحة مصورة من مخطوط عربي قديم لكليلة ودمنة تظهر مشهدًا من حكايات الحيوانات
صفحة من مخطوط عربي لـ"كليلة ودمنة" محفوظ في مكتبة بودليان بجامعة أكسفورد، نحو 1340م. الملكية العامة.
كتاب عبر لغات وحضارات عدة حتى صار أحد الأعمال المؤسسة للنثر العربي

هل ألّف ابن المقفع "كليلة ودمنة"، أم أنه لم يفعل أكثر من ترجمة كتاب هندي قديم؟

يبدو السؤال بسيطًا ما دمنا نستطيع أن نفتح طبعات حديثة فنجد اسم عبد الله بن المقفع على الغلاف، ثم نقرأ في المقدمات أن أصل الكتاب هندي، وأن الطبيب الفارسي برزويه نقله إلى الفهلوية، قبل أن ينقله ابن المقفع إلى العربية. عند هذه النقطة قد تبدو المسألة محسومة: بيدبا ألّف، وبرزويه ترجم، وابن المقفع ترجم مرة أخرى.

لكن تاريخ الكتب القديمة لا يسير بهذه النظافة. فالنسخة الهندية التي يفترض أن الرحلة بدأت منها ليست بين أيدينا، والترجمة الفهلوية التي عمل عليها ابن المقفع فُقدت، كما أن النص العربي الذي كتبه ابن المقفع نفسه لم يصل إلينا في مخطوطة بخطه أو في نسخة قريبة من عصره. ما لدينا شبكة من نسخ وحكايات وترجمات وإضافات، بعضها يعود إلى تقاليد هندية واضحة، وبعضها حمل آثار الثقافة الفارسية، ثم دخل العربية فأصبح فيها كتابًا جديدًا من حيث اللغة والبناء والتأثير.

الجواب المختصر: لم يؤلف ابن المقفع "كليلة ودمنة" من الصفر بالمعنى الحديث، وإنما عرّب في القرن الثامن الميلادي كتابًا وصل إليه من الفهلوية وكانت معظم مادته ذات جذور هندية. لكنه لم يكن مترجمًا حرفيًا؛ فقد أعاد صياغة المادة بأسلوب عربي واضح، وكتب مقدمة خاصة به، وتنسب إليه دراسات حديثة إضافات أخرى محتملة. لذلك يصح وصفه بالمترجم والمكيّف وصاحب الصيغة العربية التي صنعت شهرة الكتاب، لا بالمؤلف الوحيد ولا بالناقل المحايد.


قبل ابن المقفع: أين بدأ الكتاب فعلًا؟

تبدأ الرواية التي اشتهرت في التراث من الهند. ملك يدعى دبشليم، وفيلسوف حكيم يدعى بيدبا، وحوار بين السلطة والحكمة. يريد الحكيم أن ينصح الملك، لكنه لا يلقي أمامه محاضرة سياسية مباشرة، بل يحكي له قصصًا تتكلم فيها الأسود والثيران وبنات آوى والغربان والقردة والسلاحف. ومن داخل كل قصة تنفتح قصة أخرى، ثم تعود الحكاية إلى إطارها الأول.

غير أن التعامل مع بيدبا بوصفه مؤلفًا تاريخيًا يمكن أن نكتب له سيرة دقيقة ليس أمرًا مضمونًا. فالدراسة المقارنة لتقاليد "كليلة ودمنة" تربط جزءًا كبيرًا من مادته بمجموعة الحكايات الهندية المعروفة باسم "البنجاتنترا" أو "الكتب الخمسة"، وهي بدورها لم تصل إلينا في "نسخة أصلية" واحدة يمكن وضعها إلى جانب العربية ومقارنة الجمل بينها جملة جملة.

الحكايات كانت تتحرك قبل أن تصل إلى ابن المقفع. تنتقل شفهيًا وكتابيًا، تدخل مجموعات وتخرج منها، تتغير أسماء شخصياتها، وتضاف إليها حكايات جديدة. ولهذا فإن البحث عن مؤلف واحد لـ"كليلة ودمنة" يشبه إلى حد ما البحث عن المؤلف الوحيد لمجموعة حكايات تشكلت على مدى زمن طويل.

وهذه المسألة قريبة من السؤال الذي يطرحه تاريخ ألف ليلة وليلة ومن كتب حكاياتها؛ فبعض الكتب لا تولد في مكتب مؤلف واحد ثم تبقى ثابتة، وإنما تتكون وهي تنتقل بين الرواة واللغات والبيئات. الفرق أن "كليلة ودمنة" يحتفظ بسلسلة انتقال أوضح نسبيًا، وإن ظلت حلقات منها موضع نقاش.

الرحلة الفارسية: برزويه والكتاب المفقود

بحسب التقليد الذي حفظته النسخة العربية، سمع الملك الساساني كسرى أنوشيروان بكتاب هندي يضم حكمة نافعة في تدبير الحكم والحياة، فأرسل طبيبه برزويه إلى الهند للحصول عليه. يعود برزويه بالكتاب وينقله إلى الفهلوية، أي الفارسية الوسطى التي كانت مستخدمة في الدولة الساسانية.

هذه القصة نفسها جميلة بما يكفي لتبدو حكاية من "كليلة ودمنة": ملك يسمع عن كتاب سري في أرض بعيدة، وطبيب يسافر بحثًا عن الحكمة، ثم يعود بكنز ليس ذهبًا ولا دواءً وإنما قصص.

لكن هنا ينبغي الفصل بين تاريخ انتقال الكتاب وبين القصة التي يرويها الكتاب عن انتقاله. وجود مرحلة فارسية وسطى قبل العربية يحظى بقبول قوي في الدراسات الحديثة، وهناك ترجمة سريانية قديمة تساعد الباحثين على تصور بعض ملامح تلك المرحلة. أما التفاصيل القصصية لرحلة برزويه إلى الهند فلا نستطيع التعامل معها كلها بوصفها تقريرًا تاريخيًا موثقًا.

ويزيد الأمر تعقيدًا أن النسخة الفهلوية نفسها مفقودة. ولهذا لا نستطيع أن نضع نص برزويه إلى جانب نص ابن المقفع لكي نعرف بدقة أين ترجم، وأين اختصر، وأين وسع، وأين أضاف.

هذا الغياب مهم جدًا. فعندما نقول إن ابن المقفع "ترجم من الفهلوية"، فنحن نصف العلاقة التاريخية العامة بين النصوص، ولا نصف عملية ترجمة نستطيع مراقبتها سطرًا بسطر.

ماذا فعل ابن المقفع إذن؟

كان عبد الله بن المقفع، المتوفى في القرن الثاني الهجري، واحدًا من أبرز كتّاب النثر العربي في الفترة التي انتقلت فيها الدولة من الأمويين إلى العباسيين. كان فارسي الأصل، عرف التراث الإداري والثقافي الساساني، وكتب بالعربية في بيئة أصبحت فيها الكتابة السياسية والأدبية والإدارية أكثر تعقيدًا.

حين وصل "كليلة ودمنة" إلى يديه لم يتصرف مثل مترجم حديث يعمل تحت عقد يطالبه بالمحافظة على كل جملة وترتيبها. مفهوم الترجمة نفسه كان أوسع. المترجم يستطيع أن يشرح ويختصر ويضيف ويعيد تنظيم النص لكي يصبح صالحًا لجمهوره الجديد.

المصادر المرجعية الحديثة تنسب إلى ابن المقفع مقدمة خاصة به، كما ترجح أنه ربما كان مسؤولًا عن إضافة عدد من القصص أو الأبواب. والمهم، حتى عندما لا نستطيع تعيين جميع الإضافات بثقة، أن لغته لم تكن غلافًا شفافًا لمادة أجنبية. الصيغة العربية نفسها كانت فعلًا أدبيًا.

وهنا تتغير صيغة السؤال. بدل أن نسأل: هل هو مؤلف أم مترجم؟ ربما ينبغي أن نسأل: متى تصبح الترجمة شكلًا من أشكال التأليف؟

لو نقل شخص اليوم رواية فرنسية معاصرة إلى العربية ثم أضاف إليها فصولًا وغير بنيتها، فلن نقبل ذلك بوصفه ترجمة عادية. لكننا نتعامل هنا مع ثقافة مخطوطية قديمة لم تكن الحدود فيها بين النص والترجمة والاقتباس وإعادة الكتابة مطابقة لحدود النشر الحديثة.

لماذا لا يمكن استعادة "نص ابن المقفع" بسهولة؟

هناك مفارقة أخرى. اسم ابن المقفع أصبح مرتبطًا بالكتاب إلى درجة أن القارئ العربي يقول تلقائيًا "كليلة ودمنة لابن المقفع"، مع أن الباحثين لا يملكون مخطوطة يمكنهم القول بثقة إنها تمثل نصه الأصلي كاملًا كما خرج من يده.

أقدم النسخ العربية المؤرخة التي وصلت إلينا جاءت بعد وفاته بقرون، والمخطوطات تختلف في الألفاظ وفي عدد الحكايات وفي ترتيب بعض المواد. لهذا يحذر الباحثون من مساواة أي طبعة حديثة بالنص الذي كتبه ابن المقفع في القرن الثامن.

هذا لا يعني أن الكتاب الذي نقرؤه اليوم مزيف، بل يعني شيئًا أكثر إثارة: النص عاش.

كان النساخ والقراء والمحررون جزءًا من حياته. وفي عالم المخطوطات لا ينتقل الكتاب كما ينتقل ملف رقمي يمكن فحص بصمته والتأكد من أنه لم يتغير. كل نسخة يمكن أن تصبح لحظة جديدة في تاريخ النص.

لهذا يبدو "كليلة ودمنة" أقل شبهًا بتمثال ثابت، وأكثر شبهًا بنهر نعرف مجراه العام، لكن المياه التي مرّت فيه لم تكن واحدة.

الحيوانات تتكلم لأن البشر لا يستطيعون قول كل شيء

لو كانت قيمة الكتاب في رحلة ترجمته وحدها، لبقي موضوعًا جذابًا للمؤرخين وفقهاء اللغة. لكنه استمر لأن بنيته نفسها قادرة على السفر.

الحيوانات في "كليلة ودمنة" ليست شخصيات طفولية بالمعنى الذي رسخته كتب الأطفال الحديثة. الأسد ملك، والحاشية عالم من المصالح والمخاوف، ودمنة نموذج للذكاء حين ينفصل عن الأخلاق، وكليلة صوت أكثر حذرًا. وراء الثور وبنات آوى والغربان توجد أسئلة شديدة البشرية: كيف يصل شخص إلى الحاكم؟ كيف يصنع الوشاة العداوة؟ متى يصبح الطموح خطرًا؟ لماذا يصدق صاحب السلطة ما يريد سماعه؟ وكيف يمكن للكلمة أن تقتل من دون سيف؟

في أشهر أقسام الكتاب، حكاية الأسد والثور، لا يقوم الصراع أساسًا على قوة جسدية. دمنة لا يحتاج إلى أن يكون أقوى من الأسد أو الثور. يكفيه أن يتحكم في تدفق المعلومات بينهما. يقول لكل طرف ما يجعله يفسر سلوك الآخر بوصفه تهديدًا، ثم يترك الخوف يكمل العمل.

بهذا المعنى يبدو الكتاب حديثًا على نحو غريب. فالمشكلة ليست في الكذب وحده، بل في البيئة التي يصبح فيها الكذب قابلًا للتصديق: سلطة قلقة، وحاشية تتنافس على القرب، ومعلومات لا تصل مباشرة، ومصالح تستفيد من سوء الفهم.

ويمكن قراءة الحيوان هنا بوصفه قناعًا يسمح للنص بأن يتحدث عن السياسة من مسافة آمنة. لكنه ليس مجرد حيلة للهروب من الرقابة. الحيوان يجعل الحكاية قابلة للانتقال من ملك بعينه إلى كل ملك، ومن وزير بعينه إلى كل صاحب نفوذ. عندما يصبح الحاكم أسدًا، تفقد القصة جزءًا من تاريخها المحدد وتكسب قدرة أكبر على التكرار.

كتاب للحاكم أم كتاب لمن يخاف الحاكم؟

تُقدَّم الحكايات غالبًا بوصفها كتابًا في الحكمة والأخلاق والسياسة. وهذا صحيح، لكنه لا يكفي. فالحكمة في "كليلة ودمنة" ليست مجموعة قواعد مطمئنة من نوع "افعل الخير تجد الخير". العالم الذي ترسمه الحكايات أخطر من ذلك.

الصديق قد يخون، والقوي قد يُخدع، والكلمة الحسنة قد تخفي مصلحة، والقرار المتسرع قد يصبح غير قابل للإصلاح. بعض الشخصيات تنجو لأنها تعرف متى تتكلم ومتى تصمت، وبعضها يهلك لأنه يثق بمن لا ينبغي أن يثق به.

هذه ليست أخلاقًا مثالية، بل معرفة بواقع السلطة والمجتمع.

ومن هنا نفهم لماذا كان نقل كتاب كهذا إلى العربية في بدايات العصر العباسي أكثر من نشاط لغوي. كان انتقالًا لخبرة سياسية وأدبية تشكلت في ثقافات سابقة إلى لغة دولة صاعدة أصبحت العربية فيها لغة الحكم والكتابة والثقافة.

ابن المقفع لم يترجم أسماء الحيوانات فقط. نقل منظومة كاملة من الأسئلة عن الملك والوزير والصديق والعدو والمشورة والخديعة، وجعلها تعمل داخل نثر عربي استطاع قراء عصره ومن بعدهم أن يتعاملوا معه بوصفه جزءًا من أدبهم.

هل كان بيدبا شخصًا حقيقيًا؟

تقول الصيغة التقليدية إن الفيلسوف بيدبا وضع الكتاب للملك دبشليم. لكن البحث التاريخي لا يمنحنا أساسًا كافيًا لكتابة سيرة موثقة لبيدبا على الطريقة التي نكتب بها عن ابن المقفع.

وجود الاسم داخل الإطار الحكائي لا يكفي وحده لإثبات أن رجلًا محددًا جلس في زمن محدد وألف الكتاب بصورته التي نعرفها. كما أن الحكايات نفسها ترتبط بتقاليد هندية أوسع وأقدم ومتعددة.

الأدق إذن ألا نستبدل خطأ بخطأ. القول إن ابن المقفع مؤلف الكتاب كله يختصر تاريخًا طويلًا سبق العربية، لكن القول إن بيدبا ألّف النسخة الأصلية التي نقلها برزويه ثم ابن المقفع كما ينقل الناس كتابًا مطبوعًا اليوم يبسط المسألة أيضًا.

بين الطرفين تاريخ طويل من إعادة الصياغة.

ماذا أضافت العربية إلى الكتاب؟

قد يكون هذا أهم من سؤال من كتب الحكاية أول مرة.

لو بقيت المادة في إحدى صيغها الهندية أو الفهلوية المفقودة، لما عرفها القارئ العربي بالطريقة نفسها، وربما لم تسلك الطريق الذي سلكته لاحقًا إلى لغات أخرى. النسخة العربية أصبحت محطة مركزية في تاريخ الكتاب العالمي. ومنها انحدرت ترجمات إلى الفارسية الجديدة، كما ارتبط بها انتقال الكتاب إلى اليونانية والعبرية والإسبانية القديمة واللاتينية وغيرها.

وهنا تحدث مفارقة ثقافية جميلة: كتاب جاء إلى العربية مترجمًا، ثم أصبحت العربية نفسها أصلًا لترجمات جديدة.

لم يعد النص يتحرك في اتجاه واحد من الهند إلى فارس إلى العرب. أخذ ينتشر من العربية إلى ثقافات أخرى، ثم يعاد تشكيله مرة بعد مرة.

هذا ما يجعل "كليلة ودمنة" مثالًا قويًا على أن الأدب العالمي لم يبدأ مع عصر الطباعة ولا مع الجوائز الدولية الحديثة. قبل قرون طويلة كانت الحكايات تعبر الحدود، وتتغير وهي تعبرها، وتحمل معها آثار اللغات السابقة ثم تكتسب حياة جديدة في اللغة التالية.

حين تكون الترجمة نجاة للنص

عادة ننظر إلى الترجمة بوصفها نسخة أقل أصالة من "الأصل". الأصل أول، والترجمة ثانية. لكن "كليلة ودمنة" يقلب هذه العلاقة بطريقة مثيرة.

النسخة الفهلوية التي ترجم عنها ابن المقفع ضاعت. ولو لم تحدث الترجمة العربية لربما فقدنا قدرًا كبيرًا من هذا الفرع من الحكايات. هنا لا تعيش الترجمة في ظل الأصل؛ إنها تصبح إحدى وسائل بقائه.

بل إننا نعرف بعض مراحل تاريخ الكتاب المفقودة لأن نصوصًا بلغات أخرى احتفظت بآثارها.

وهذا يذكرنا بأن فقدان الكتب كان القاعدة أكثر مما نتصور. الحرائق والحروب والرطوبة والإهمال وتحول اللغات ونسخ ما يريده الناس وترك ما لم يعودوا يريدونه، كلها قررت أي نص يصل إلينا وأي نص يختفي.

لهذا فإن كل كتاب قديم نقرؤه ليس فقط نتيجة من كتبه، وإنما نتيجة سلسلة طويلة من البشر الذين قرروا أنه يستحق النسخ والترجمة والحفظ.

إذن: مؤلف أم مترجم؟

إذا اضطررنا إلى اختيار كلمة واحدة في بطاقة فهرسة، فالأدق أن نصف ابن المقفع بأنه مترجم أو معرِّب "كليلة ودمنة" إلى العربية، لا مؤلف الأصل الهندي.

لكن البطاقة الببليوغرافية لا تشرح ما حدث أدبيًا.

ابن المقفع أخذ مادة مرت بتاريخ سابق، وصاغها في لغة جعلتها تدخل قلب التراث العربي. كتب مقدمة توجه طريقة قراءة الكتاب، وتصرف في النص على نحو يصعب قياس مداه بسبب فقدان الأصل الفهلوي وفقدان نسخته العربية الأولى، وربما أضاف بعض الأبواب والحكايات.

والأهم أنه أعطى الكتاب صوتًا عربيًا قويًا بما يكفي لكي يتوقف القارئ، بعد قرون، عن الشعور بأنه أمام نص أجنبي مترجم.

هذا ربما يكون أحد أعلى أشكال نجاح الترجمة: أن تعترف بتاريخ النص القادم من الخارج، من دون أن يبقى غريبًا عن اللغة التي دخلها.

ولذلك فإن العبارة الأكثر دقة ليست "ابن المقفع ألّف كليلة ودمنة"، ولا "ابن المقفع ترجمه فقط". الأولى تمحو الهند وفارس وما سبقه، والثانية تمحو ما صنعته العربية على يديه.

الأقرب إلى الحقيقة أن "كليلة ودمنة" كتاب متعدد الحياة: جذور هندية، وتحول فارسي، وصياغة عربية صنعت واحدة من أشهر نسخه وأكثرها تأثيرًا. وابن المقفع ليس بداية الحكاية، لكنه الرجل الذي جعل مرحلة من مراحلها بداية جديدة.

ربما لهذا ظل اسمه ملتصقًا بالكتاب. فالذاكرة الأدبية لا تحفظ دائمًا أول من روى الحكاية؛ أحيانًا تحفظ من منحها اللغة التي استطاعت أن تعيش بها أطول.

إذا كان المترجم يعيد بناء كتاب حتى يصبح جزءًا من أدب لغته الجديدة، ففي أي لحظة تنتهي الترجمة ويبدأ التأليف؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق