بقلم: الورّاق الجزائري
ديوان محمد مقدادي "رَجلٌ
بِرسم الحبّ والمنفى: إلى امرأة ليست من هذا العصر" يُقيمُ عالَمه الشعري على
قطبين متقابلين ومتداخلين في آن: الحُبّ والمنفى. فالحب ليس تجربة وجدانية منفصلة
عن الاغتراب، والمنفى ليس مكانًا جغرافيًا فحسب؛ إنهما حالتان تتبادلان تشكيل
الذات الشاعرة. كلما اشتدّ شعور المتكلم بالوحدة والاقتلاع، اتسعت صورة المرأة حتى
تغدو وطنًا ومدينةً وبيتًا وذاكرةً؛ وكلما ابتعدت المرأة أو غابت، عاد العالم إلى
صورته القاحلة: شارعًا بلا معنى، وليلًا عَقيمًا، ومدىً من الرَّماد.
تدل العتبة الأولى،
«مُتّكأ»، على هذه الوظيفة الوجودية للحب:
أيُّها الحُبّ...
كفى بي...
كفايتي بك.
فالحب هنا ليس
موضوعًا للقصيدة بقدر ما هو "متّكأ" للذات في مواجهة الانكسار. ويظهر
ذلك بوضوح في افتتاح "ضراعات"، حين يخاطب الشاعر المنفى طالبًا منه
صدرًا يتسع كلما ضاق العالم، وكفًّا تنبسط كلما "انقبضت راحة الغيم"،
وعينًا تملأ روحه بنور الكواكب التي لا يراها. وتنشأ المفارقة من أن الشاعر يطلب
الحنان من المنفى نفسه؛ أي من القوة التي أنتجت احتياجه إلى الحنان. وبذلك يتحول
المنفى من مكان خارجي إلى مخاطَب داخلي، ومن حادثة واقعية إلى بنية نفسية ملازمة
.
المرأة بين الحبيبة والوطن
المرأة في الديوان
كائن مركّب يتجاوز صفاته الفردية. إنها الحبيبة، لكنها أيضًا الوطن البديل،
والمدينة، واللغة، والماء، والخصب، والذاكرة. يقول الشاعر في "فاتحة":
ما حاجتي للناسِ...
ـ كلّ الناس ـ
وهي مدينتي
ثم يصفها بأنها "وطن
جديد"، وبأنها كل ما يحتاج إليه من "سفر" و"سهر" و"لغة".
وفي "غابة الكستناء" يبلغ التماهي بين المرأة والبلاد ذروته:
وهي البلادُ،
تجوبني...
وأجوبها
لا يعود الوطن هنا
مساحة ثابتة يقيم فيها الشاعر، بل كيانًا متحركًا يقيم داخله ويتنقل في أعماقه.
وهذا التبادل بين الجسد والجغرافيا من أبرز سمات الديوان؛ فعينا المرأة بحار
وسواحل، وضفيرتها غابة، وراحتاها بيت وإيوان، وشرفاتها أمكنة للحج، بينما تتحول
ذات الشاعر إلى نهر وحقول وأشرعة وقوافل. وهكذا يذيب الخيال الشعري الحدود بين
الإنسان والمكان، حتى يبدو الحب محاولة لإعادة بناء وطن فقده الشاعر في الواقع.
لكن هذا التماهي لا
يخلو من مفارقة: فالمرأة التي تمنح الشاعر وطنًا جديدًا هي نفسها التي يمكن أن
تعيده إلى المنفى. حُضورها خصب وامتلاء، وغيابها اقتلاع وتصحر. ففي "مزمور
الغياب" تأخذ "ليلى" أشجاره ووقاره، وتتركه في "صحراء العمر"
باحثًا عن نفسه. وفي "مزمور الغريب" يصبح بعد غيابها غريبًا على "قارعة
الأرض"، بلا أب يحنو ولا أم تداوي. لذلك لا يقف المنفى خارج تجربة الحب، بل
يسكن قلبها؛ فالعاشق منفي قبل اللقاء، ومهدد بمنفى أشد بعد الفراق.
شعرية التحوّل والخصب
تنهض الصور في
الديوان على ثنائية العقم والخصب. قبل حضور المرأة يكون العالم رمادًا وعتمةً
وصحراء؛ وعندما تلمسه يورق ويجري فيه الماء. في «مزمور الاثنين» يلتف الرماد حول
الجسد كأنه الأبد، لكنه يتقد حين تمس يداها "عناقيد الروح". وفي "مزمور
التحولات" يؤدي حضورها إلى اخضرار العشب واندفاع النهر إلى العينين. أما في "مزمور
الخاتمة"، فيعلن الشاعر رغبته في العودة "نباتيًا" وزرع بذوره في
الصحارى.
تتكرر لذلك مفردات
اللوز والسوسن والزنبق والورد والنعناع والآس والسنابل والكروم والفاكهة. ولا تؤدي
هذه النباتات وظيفة زخرفية فقط؛ إنها معجم للحياة المضادة للموت. فالحب يعيد الجسد
إلى أصله الطبيعي، ويبعث فيه "ذاكرة الطين"، كما يقول الشاعر في إحدى
ومضات "ضراعات". إنَّ الطين هنا يجمع بين الخلق والرغبة والأرض؛ ولذلك
يصبح جسد المرأة امتدادًا للطبيعة، ويغدو العناق نوعًا من استعادة الخلق الأول.
وتقابل هذا المعجم
النباتي منظومة أخرى من الرماد والقبر والعتمة والجفاف والليل العقيم. ومن تصادم
المنظومتين تتولد دينامية الديوان: المرأة ماء في مواجهة القحط، ونار في مواجهة
البرودة، وضوء في مواجهة العتمة. إنها ليست سكينة خالصة؛ فالشاعر يصرح في "مزمور
السيدة" بأن الاطمئنان يقتله، وأنه يحيا بنارها ويعبر حلمه في فوضاها. ومن ثم
فإن الحب الذي ينشده ليس استقرارًا، بل توتر خلاق يبقي الذات متوهجة.
بنية «المزامير» والنبرة الطقسيَّة
اختيار كلمة
«مزمور» لعناوين عدد كبير من النصوص ـ مثل "مزمور الألفة"، و"مزمور
البحر"، و"مزمور الكينونة"، و"مزمور الغياب" ـ يضفي على
التجربة العاطفية طابعًا طقسيًا. فالمحبوبة تُخاطَب أحيانًا بلغة الابتهال، وتتحول
الكتابة إلى صلاة، واللقاء إلى حج، والعناق إلى تعميد، والشعر إلى ترتيل وتسبيح. ففي
"ضراعات" يشبه الشاعر القناديل بالتسابيح في "صلوات حميمة"،
وفي "مزمور التحولات" يظل القلب، على الرغم من توحده، لا يتقن غير
التسبيح.
غير أن هذه القداسة
تتجاور مع حسية واضحة. فالسرير وطن، والجسد حقل وكرمة، والشفاه فاكهة، والعطر
والماء والخمر عناصر متكررة في مشهد اللقاء. وبذلك يمزج الديوان بين المقدس
والجسدي، فلا ينظر إليهما باعتبارهما عالمين متناقضين، بل لغتين للتعبير عن شدة
واحدة. الحبيبة "مبهمة حتى الوضوح" و"رائعة حتى الوجع"، وهذه
التراكيب القائمة على الجمع بين المتناقضات تكشف رغبة الشاعر في الإمساك بتجربة
تتجاوز المنطق المألوف.
الصورة الشعرية وتراسل الحواس
تعتمد شعرية
الديوان بدرجة كبيرة على الصورة المركبة، ولا سيما الصور التي تنقل الأشياء من
مجال حسي إلى آخر. فالصوت يورق، والعطر يطوّق، والليل يُحرث، والضوء يُشرب،
والغيوم تبذر، والرماد يتقد، والشرفات لها دم، والقصيدة يمكن أن تزهر في البستان.
هذا التراسل بين الحواس يمنح اللغة كثافة ويجعل العالم متحركًا وقابلًا للتحول. كما يَكثر التشخيص؛ فالدروب
"تمتص" العاشق، والمسافات "تقتلع الخطى"، والحقول تتكور على
ظلالها، والبيوت يهجرها سكانها المهزومون، والليل يكون عاقرًا، والشارع يتنبأ
بعودة الغائبة. ومن خلال هذا التشخيص تنتقل أزمة الذات إلى الأشياء، فلا يبقى
الحزن حالة نفسية خاصة، بل يصبح مرضًا يصيب المكان والزمان والطبيعة.
ومن أجمل نماذج هذا
الأسلوب المقطع الذي يرسم خراب العالم في «ضراعات»: الحدائق بلا أزهار، والسواحل
بلا ضفاف، والسلال مفرغة من الغلال، والبيوت مهجورة، والمدى غابة من رماد، ثم تأتي
الخلاصة: "روحك فقط تعيد كل شيء إلى نصابه". ويعتمد المقطع على التراكم،
فينشئ عالمًا مقلوبًا قبل أن يجعل الحبيبة قوة تعيد إليه نظامه.
قال
العاشقُ ايضاً:
لا
شارعَ في الشارع،
لا
ضوءَ في الشمعدان..الذي،
خلا
من زيته،
واسودّت
فتائلُهُ
لا
نافذةَ في النافذةْ
لا
مكانَ في المكانْ...،
لكن
المشهدَ منضبطٌ تماماً،
أنا
وأنت في الإطار،
الإطارُ
نافذتُنا الى شارعٍ بعيد،
والشارعُ،
يحتفل
بقناديل تنثر دهشتها،
مثل
التسابيح،
في
صلواتٍ حميمةٍ،
ومكتظّةٍ
بالنداء!!
الغنائية والتكرار والحوار
يتحرك الديوان بين
قصيدة التفعيلة والنثر الشعري والمقاطع ذات القافية الواضحة. بعض "المزامير"
يميل إلى الإيقاع العمودي أو شبه العمودي، كما في "مزمور الألفة"، بينما
تتحرر نصوص أخرى من انتظام الوزن، معتمدة على إيقاع الجملة والتكرار والتوازي. ويؤدي التكرار وظيفة
بنائية بارزة. ففي "فاتحة" تتوالى عبارة "ما حاجتي" لتصنع
إيقاع الاستغناء عن العالم والاكتفاء بالحبيبة. وفي "مزمور الأربعاء"
تتكرر "أحتاج"، فتقلب المعنى من الاكتفاء إلى الافتقار. وبين "ما
حاجتي" و"أحتاج" تتكشف هشاشة الذات العاشقة: فهي تعلن اكتمالها
بالحبيبة، لكنها تعترف في الوقت نفسه بأن هذا الاكتمال معلق بحضورها.
أما "ضراعات"
فتقوم على حوار بين العاشق والعاشقة. ويتيح هذا البناء تعدد الأصوات ويمنع
القصيدة، ولو مؤقتًا، من التحول إلى مناجاة أحادية. كذلك تستثمر بعض النصوص
الحكاية والمشهد، ولا سيما "مزمور المقهى" و"مزمور التحولات"،
حيث يُبنى النص على دخول الشخصية وتتابع الأيام وتحول العلاقة من الترحيب
والامتلاء إلى الطرد والغياب. وهذا العنصر السردي يمنح الديوان تنوعًا داخل
غنائيته الكثيفة.
المكان والذاكرة
تظهر اللاذقية
والبحر وصلنفة وسوق التجار بوصفها أمكنة ذات شحنة وجدانية، لا مجرد إشارات
جغرافية. وفي "مزمور البحر" يعود الشاعر إلى اللاذقية بعد عشرين عامًا،
فيجد أن زرقة البحر لم تعد كما كانت بعدما مرّت بها "العاديات" وألقت
على معطف الشيخ ليلًا ثقيلًا. البحر هنا شاهد على تبدل الزمن، وأب أو معلم يخاطب
الشاعر بعبارة "يا ولدي". ومن خلال العودة إليه يحاول المتكلم استعادة
شبابه وهويته، لكنه يكتشف أن المكان نفسه أصابه الاغتراب.
لم
يقلْ سيدي البحرُ شيئاً...
راحَ
يخلعُ جبَّتهُ،
ويعودُ
الى زرقةٍ
لم
تعدْ زرقةً،
حين
مرّت به العادياتُ
وألقت
على معطفِ الشيخ،
ليلاً..ثقيلا!!
وها
أنذا..
بعد
عشرين عاماً
أعودُ
اليها
وأخلعُ
قلبي
على
شرفاتِ بنفسجها
كي
يُسَبّجَها..
بكرةً..وأصيلا.
لذلك يرتبط المنفى
في الديوان بالزمن بقدر ارتباطه بالمكان. تتكرر إشارات "عشرين خريفًا" و"ثلاثين
خريفًا"، ويبدو العمر سلسلة من الانتظار والهدر. والعودة لا تعيد الماضي
كاملًا؛ إنها تكشف المسافة بين الذات الراهنة وصورتها القديمة. ومن هنا تأتي كثرة
الأرصفة والشوارع والمقاهي والمرافئ والقطارات: كلها فضاءات عبور وانتظار، لا
أماكن إقامة نهائية.
حدود التجربة ومآزقها الفنية
تمنح كثافة الصور
الديوان ثراءه، لكنها تمثل أحيانًا أحد مآزقه. فالتتابع المستمر للورد والغيم
والنجوم والحقول والأنهار والأشرعة والخيول قد يؤدي إلى تضخم الصورة وإضعاف
المفاجأة، ولا سيما عندما تتزاحم الاستعارات من غير أن تنتظم حول مركز دلالي واضح.
في بعض المقاطع تكون الصورة حادة ومقتصدة، مثل "شعرك يبعث في قلبي ذاكرة
الطين"، بينما تميل مقاطع أخرى إلى الاسترسال الإنشائي وتكديس الصفات.
ويتفاوت المستوى
الإيقاعي أيضًا بين نص وآخر؛ فحين ينسجم التكرار مع التجربة يتحول إلى إنشاد مؤثر،
لكنه قد يصبح تدويرًا للمعنى نفسه حين يطول النص. وكان يمكن للاقتصاد اللغوي أن
يمنح بعض القصائد توترًا أكبر. كما أن تمجيد المرأة لا
يمنع ظهور نزعة إلى احتوائها داخل صورة صنعها المتكلم. فهي كثيرًا ما تتحول إلى "مليكة"
أو "غزالة" أو "فاكهة" أو "بلاد"، أي إلى رمز يؤدي
وظيفة خلاص الذات. وتبلغ مركزية الأنا ذروتها في خاتمة الديوان، حين يصور الشاعر
نفسه صاحب القدرة على إشعال المرأة وإطفائها وبعث الحياة فيها. يكشف ذلك انتقال
الخطاب من التقديس إلى الامتلاك، ومن الاحتفاء بالمحبوبة إلى تثبيت تفوق الذات
الذكورية. غير أن هذا التوتر يمكن قراءته أيضًا بوصفه قناعًا دفاعيًا: فالأنا التي
تدعي السيطرة في الخاتمة هي ذاتها التي ظهرت في معظم الديوان ضعيفةً، منتظرةً،
ومهددةً بالضياع. لذلك تبدو نبرة الكبرياء محاولة متأخرة للتعويض عن جرح الفقد.
خاتمة
تتمثل القيمة
الأساسية لديوان «رجلٌ برسم الحبّ والمنفى» في قدرته على وصل التجربة العاطفية
بأسئلة الوطن والهوية والزمن. فالحبيبة ليست امرأة منفردة فحسب، والمنفى ليس
حدودًا بعيدة؛ كلاهما يدخل في تشكيل الذات واللغة. ومن هذا التداخل تنشأ أبرز
خصائص شعرية الديوان: تحويل المرأة إلى جغرافيا روحية، وبناء الصور على جدلية
الخصب والعقم، والجمع بين المقدس والحسي، وتوظيف المزامير والتكرار في خلق نبرة
إنشادية، ومزج الغنائية بالسرد والحوار، وتشخيص الطبيعة والمكان.
إنه ديوان يكتب
الحب بوصفه طاقة بعث، لكنه يكشف في الوقت نفسه هشاشة هذا البعث؛ لأن الوطن الذي
تصنعه الحبيبة يمكن أن ينهار بغيابها. وهكذا يظل الرجل "برسم الحب والمنفى"
معلقًا بين حضور يعيد العالم إلى نصابه، وغياب يحوّل العالم إلى قبر. وفي هذه
المسافة القلقة، بين الامتلاء والفقد، تتولد قصائد محمد مقدادي وتجد نبرتها الأكثر
صدقًا وتأثيرًا.
لقراءة ديوان "رجل برسم الحب والمنفى" أنقر هنا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق