اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

The Voice of Hind Rajab: كيف جمع الفيلم بين الحقيقة والدراما؟

مسعفون من الهلال الأحمر الفلسطيني يتفحصون سيارة إسعاف مدمرة في دير البلح بقطاع غزة
عناصر من الهلال الأحمر الفلسطيني يتفحصون سيارة إسعاف مدمرة في دير البلح بقطاع غزة، يناير 2024. الصورة ليست من حادثة هند رجب نفسها. تصوير: أشرف عمرة / UNRWA، بترخيص CC BY-SA 3.0 IGO.
حين يصبح التسجيل الحقيقي قلب الحكاية: كيف صنعت كوثر بن هنية فيلمًا يقع على الحدود بين الشهادة والتمثيل؟

هناك أفلام تستند إلى قصة حقيقية، ثم تعيد صنعها أمام الكاميرا من البداية إلى النهاية. وهناك أفلام وثائقية تترك للصور والشهادات الأصلية أن تحمل العبء كله. أما The Voice of Hind Rajab، أو "صوت هند رجب"، فيختار منطقة أصعب بين الاثنين: الصوت الذي نسمعه لهند حقيقي، لكن الغرفة التي نراقبها والشخصيات التي تتحرك داخلها جزء من بناء سينمائي يعيد تشكيل الساعات التي حاول فيها موظفو الهلال الأحمر الوصول إلى طفلة تستغيث.

كيف بُني الفيلم بين الوثيقة والدراما؟ اعتمدت المخرجة التونسية كوثر بن هنية على التسجيلات الحقيقية لمكالمات هند مع الهلال الأحمر، وأبقت صوت الطفلة كما هو، ثم استعانت بممثلين لتجسيد موظفي غرفة العمليات الحقيقيين، وبنت الحوار والحركة والانفعال حول شهاداتهم وذكرياتهم. لذلك لا نشاهد إعادة تمثيل لما جرى داخل السيارة، بل نعيش الواقعة من الطرف الآخر للهاتف.

تنبيه: تتناول هذه القراءة البناء الكامل للفيلم ومصير الواقعة الحقيقية التي يستند إليها، ولذلك تتضمن تفاصيل قد تُعد حرقًا للأحداث.

فيلم يبدأ من سؤال أخلاقي قبل أن يبدأ من حبكة

السؤال الأول الذي يواجه "صوت هند رجب" ليس: ماذا حدث؟ فالمصير العام للقصة كان معروفًا قبل صناعة الفيلم، والتسجيلات نفسها سبقت العمل السينمائي وانتشرت على نطاق واسع. السؤال الأصعب هو: ماذا تستطيع السينما أن تفعل بقصة حقيقية كهذه من دون أن تحول الألم إلى فرجة؟

هذه المعضلة هي مفتاح الشكل كله. كان بإمكان الفيلم أن يعيد بناء السيارة، وأن يضع طفلة ممثلة في داخلها، وأن يعيد إطلاق النار والصراخ والمطاردة والدمار كما تفعل أفلام الحرب. لكنه لا يفعل. العنف يقع في مكان آخر، خارج مجال الرؤية. السيارة لا تصبح مسرحًا سينمائيًا، والطفلة الحقيقية لا تستبدل بطفلة تؤدي خوفها أمام الكاميرا.

بدل ذلك، يحبسنا الفيلم مع الذين يسمعون.

غرفة عمليات، هواتف، شاشات، خرائط، ممرات زجاجية، أشخاص يحاولون أن يفعلوا شيئًا وهم بعيدون عن المكان الذي يأتي منه الصوت. إننا لا نرى الخطر مباشرة، وإنما نراه منعكسًا على الوجوه. وهنا تنشأ المفارقة القاسية: كلما قلّ ما تعرضه الصورة، ازداد ما يضطر خيالنا إلى رؤيته.

ما الحقيقي في The Voice of Hind Rajab؟

الأساس الواقعي للفيلم ليس مجرد عنوان مأخوذ من خبر أو شخصية مستوحاة من إنسان حقيقي. في 29 يناير 2024 أصبحت الطفلة هند رجب عالقة في سيارة في غزة بعد تعرضها لإطلاق النار، وامتدت الاتصالات بينها وبين الهلال الأحمر الفلسطيني بينما كان العاملون يحاولون تنظيم وصول سيارة إسعاف إليها. عُثر على هند لاحقًا متوفاة، كما قُتل المسعفان اللذان خرجا في مهمة الإنقاذ.

لكن الأثر الوثائقي الأكثر أهمية بالنسبة إلى الفيلم هو الصوت.

حصلت كوثر بن هنية على التسجيل الكامل للمكالمات من الهلال الأحمر. لم تستبدل صوت هند بصوت ممثلة، ولم تطلب من طفلة إعادة قول الكلمات أمام ميكروفون. ما يصل إلى المشاهد هو التسجيل نفسه: صوت إنسان حقيقي عاش تلك الساعات فعلًا.

وهنا يتغير معنى كلمة "تمثيل". الممثلون موجودون في الصورة، لكن الشخص الأكثر حضورًا في الفيلم ليس ممثلًا أصلًا. هند غائبة بصريًا وحاضرة سمعيًا، بينما الموظفون الذين كانوا معها على الهاتف حاضرون بصور ممثلين يؤدون شخصياتهم.

لهذا يصعب وضع العمل ببساطة في خانة الفيلم الروائي أو الوثائقي. إنه يستخدم مادة أرشيفية لا يمكن التعامل معها كعنصر زخرفي، ثم يبني حولها فضاءً دراميًا كاملًا.

أين تبدأ الدراما إذن؟

الدراما تبدأ من كل ما يحيط بالتسجيل.

تؤدي سجا الكيلاني دور رنا حسن فقيه، ويجسد معتز ملحيس شخصية عمر القم، بينما يؤدي عامر حليحل دور مهدي الجمل، وتجسد كلارا خوري شخصية نسرين قواس. هذه الشخصيات ليست اختراعات سينمائية خالصة؛ إنها مبنية على أشخاص حقيقيين كانوا جزءًا من محاولة الاستجابة لهند.

غير أن وجود شخص حقيقي وراء الشخصية لا يعني أن كل حركة أمام الكاميرا وثيقة تاريخية حرفية. الممثل يحتاج إلى موقع يقف فيه، ونظرة يوجهها، ولحظة صمت، وإيقاع يتحرك وفقه. السينما تحتاج إلى اختيار زاوية الكاميرا، وتحديد متى نرى شخصًا ومتى نتركه خارج الكادر، ومتى نقترب من وجه ومتى نصغي إلى الصوت وحده.

بن هنية تحدثت مع الأشخاص الحقيقيين، وجمعت شهاداتهم وذكرياتهم وانفعالاتهم، ثم كتبت منها بناءً دراميًا. وهنا يكمن الفرق المهم بين "اختلاق قصة" و"صياغة قصة". المادة الأساسية موجودة، لكن الفيلم يمنحها شكلًا.

هذه المسافة بين الحياة والشكل السينمائي تشبه، من زاوية مختلفة، ما ناقشناه في قراءة القصة الحقيقية وراء فيلم A Beautiful Mind وما الذي غيّرته السينما. غير أن الفارق هنا جوهري: "صوت هند رجب" لا يحاول أن يجعل التسجيل الحقيقي أكثر إثارة، بل يضع التمثيل في خدمته ويمنع الصورة من مزاحمته.

لماذا بقيت هند خارج الصورة؟

هذا القرار هو أقوى قرارات الفيلم وأصعبها.

في السينما التقليدية، الشخصية الرئيسية هي التي نراها أكثر. وجهها يصبح مركز التعاطف، والكاميرا تلاحق حركتها، ونقرأ مشاعرها في العين والجسد. أما هنا فالشخصية التي يحمل الفيلم اسمها لا تحصل على جسد تمثيلي داخل الحدث.

لا يعني ذلك أن هند هامشية. العكس تمامًا: غيابها يجعل بقية العالم يدور حول صوتها.

يصبح الهاتف مركز الكادر حتى عندما لا يكون في منتصف الصورة. ويصبح انتظار نبرة جديدة أو كلمة أو رد فعل أكثر توترًا من حركة كاميرا سريعة. كل الأشخاص في الغرفة يعرفون أنهم بعيدون عنها، والمشاهد يعرف الشيء نفسه. هذه المسافة المكانية تتحول إلى موضوع الفيلم نفسه.

هناك طفلة في مكان، وأشخاص يريدون إنقاذها في مكان آخر، وبينهما أسلاك وهواتف وإجراءات ومسافة وزمن يمر.

لذلك فإن "صوت هند رجب" ليس فيلم مطاردة، مع أن الجميع فيه يسابق الوقت. وليس فيلم حرب بالمعنى البصري المعتاد، مع أن الحرب تحاصر كل ثانية فيه. إنه فيلم عن المسافة بين الاستغاثة والاستجابة.

الصوت هنا ليس خلفية للصورة

نتعامل عادة مع الفيلم بوصفه فنًا بصريًا أولًا. نقول إننا "نشاهد" فيلمًا، ونمنح الصورة سلطة طبيعية على الصوت. لكن عمل بن هنية يقلب هذه العلاقة.

الصورة هنا تخدم التسجيل.

عندما يأتي صوت هند من الهاتف لا نحتاج إلى رؤية دبابة كي نصدق خوفها، ولا إلى رؤية السيارة كي نفهم أنها محاصرة. التسجيل نفسه يحمل أثر اللحظة. خشونة الهاتف، التشويش، الانقطاع، المسافات داخل الصوت، وطريقة انتقال الكلام بين الطفلة والموظفين؛ كلها تصبح مادة درامية.

وفي بعض اللحظات يصبح الصمت جزءًا من هذه المادة. الصمت في مكالمة عادية فراغ. أما حين يكون شخص ينتظر رد طفلة محاصرة على الطرف الآخر، فإنه يتحول إلى حدث.

من هنا نفهم قرار عدم تنظيف المادة الصوتية حتى تصبح ناعمة كحوار الاستوديو. فالتشويش ليس عيبًا تقنيًا في هذه الحالة؛ إنه جزء من حقيقة التسجيل. إنه يذكرنا بأن ما نسمعه لم يُنتج أصلًا من أجل فيلم، ولم يُؤدَّ داخل استوديو، ولم يُكتب ليصنع تأثيرًا دراميًا.

ولهذا تحمل كل كلمة وزنًا مختلفًا عن الكلمة المكتوبة في سيناريو تقليدي. المشاهد لا يسمع شخصية تقول جملة؛ إنه يسمع أثرًا بقي من لحظة وقعت فعلًا.

غرفة واحدة والعالم كله خارجها

تدور معظم التجربة في مكان واحد تقريبًا. وهذا الاختيار كان يمكن أن يجعل الفيلم مسرحيًا أو ساكنًا، لكنه يؤدي وظيفة عكسية: يضاعف الإحساس بالعجز.

الغرفة مكان يمكن السيطرة عليه. فيها أجهزة وهواتف ومكاتب وإجراءات. لكن الواقع الذي يحاول العاملون التأثير فيه يقع بعيدًا تمامًا عن سلطتهم المباشرة.

لذلك تتحول الحدود الزجاجية داخل المكتب إلى صورة ذات معنى. الناس يستطيعون رؤية بعضهم، والتحرك بينهم، ورفع أصواتهم، لكنهم لا يستطيعون اجتياز المسافة الحقيقية التي تفصلهم عن هند بمجرد الرغبة.

ويصنع الفيلم توتره من هذا الاصطدام بين الحركة وعدم القدرة. الموظف يمشي، يتصل، يسأل، يحتج، ينتظر، يعود إلى الهاتف، لكن الحركة الجسدية الكثيرة لا تضمن حدوث تقدم حقيقي.

هذا النوع من السرد يجعل الزمن محسوسًا. الدقيقة ليست وحدة محايدة؛ كل دقيقة يمكن أن تعني أن طفلة ما زالت تنتظر.

وعلى الرغم من أن المادة الأصلية امتدت ساعات، فإن الفيلم يعيد تشكيلها ضمن زمن سينمائي أقصر. هنا يعمل المونتاج لا لكي يخترع نتيجة جديدة، بل لكي يحول الانتظار الطويل إلى تجربة يمكن للمشاهد أن يعيش ضغطها من دون أن يعيد الزمن الواقعي حرفيًا.

هل ما نراه في غرفة الهلال الأحمر حدث حرفيًا؟

ليس بهذه البساطة.

هذه هي النقطة التي ينبغي الانتباه إليها حتى لا يتحول وصف الفيلم بأنه "قصة حقيقية" إلى اعتقاد بأن كل لقطة تسجيل مباشر لما حدث.

الغرفة أعيد بناؤها سينمائيًا بالاستناد إلى المكان الحقيقي ومظهره. الممثلون التقوا أو تواصلوا مع الأشخاص الذين يجسدونهم. بعض الكلمات التي نسمعها مرتبطة بالمكالمات والوقائع الأصلية، وبعض الحوار والحركة الدرامية صيغ من شهادات وذكريات المشاركين.

معنى ذلك أن الحقيقة هنا موجودة في أكثر من طبقة.

هناك تسجيل صوتي أصلي. وهناك أشخاص حقيقيون. وهناك شهادات عن ذلك اليوم. ثم هناك سيناريو، وممثلون، وديكور، وكاميرا، ومونتاج. الفيلم لا يخفي هذه التركيبة؛ قوته تأتي أصلًا من التوتر بينها.

لو كانت الصورة كلها تسجيلًا أرشيفيًا لكنا أمام فيلم مختلف. ولو كان الصوت كله تمثيلًا لكنا أمام دراما مستوحاة من حادثة. أما هنا فنحن أمام صورة مصنوعة تحتضن صوتًا لم تصنعه السينما.

من هو بطل الفيلم الحقيقي؟

الإجابة السهلة هي هند، والعنوان نفسه يقول ذلك. لكن من ناحية البناء السردي، هناك إجابة أخرى موازية: الاستماع.

الفيلم يضعنا مع أشخاص لا يستطيعون رؤية الطفلة التي يحاولون إنقاذها. كل ما يعرفونه يأتي من الصوت ومن المعلومات المتفرقة ومن محاولات الاتصال. وبذلك يصبح المشاهد في وضع قريب منهم: نحن أيضًا نسمع أكثر مما نرى.

هذه الزاوية تمنع العمل من ادعاء المعرفة المطلقة. الكاميرا لا تطير إلى السيارة لتخبرنا بكل شيء. لا يوجد راوٍ كلي المعرفة يفسر العالم. نحن محصورون في نطاق معرفة محدود، وهذه المحدودية نفسها جزء من المأساة.

في السرد الأدبي يستطيع الراوي أن يدخل رأس الشخصية ويخبرنا بما تفكر فيه. أما الفيلم هنا فيرفض أن يمنح نفسه هذه السلطة. لا يكتب أفكار هند نيابة عنها، ولا يتخيل مونولوجًا داخليًا لم نسمعه. ما بقي منها في التسجيل يكفي.

حين تواجه السينما خطر تحويل الألم إلى مشهد

كل فيلم يعيد تقديم معاناة حقيقية يواجه مشكلة أخلاقية: هل يمنح الضحية حضورًا، أم يستخدم ألمها لصناعة التأثير؟

لا توجد إجابة سهلة تصلح لكل الأفلام. لكن "صوت هند رجب" يضع هذه المشكلة داخل شكله نفسه. الامتناع عن إعادة تمثيل الطفلة وهي في السيارة ليس مجرد اقتصاد إنتاجي، بل حد أخلاقي يضعه العمل أمام ذاته.

لا يعني ذلك أن الفيلم محايد عاطفيًا. هو يريد بوضوح أن نتأثر، وبنيته كلها مصممة حول التوتر والخوف والعجز. لكنه يحاول تحقيق ذلك من خلال الاستماع وردود الفعل البشرية أكثر من استعراض الجسد المتألم.

هنا تظهر صلته بسؤال أوسع في تمثيل الحروب: كيف يستطيع الفن أن يتحدث عن الموت من دون أن يجعل الموت مادة استهلاك بصري؟

وفي قراءة مختلفة نشرتها "الورّاق الجزائري" عن شعرية الحرب وتفكيك الخراب عند عبد المنعم المحجوب ظهر سؤال قريب: كيف يمكن للنص أن يقاوم اعتياد صور الموت بدل أن يضيف صورة أخرى إلى سلسلة الصور التي اعتدناها؟ فيلم بن هنية يجيب بطريقته: أحيانًا يكون حجب الصورة وسيلة لإعادة قدرتنا على الإصغاء.

لماذا يبدو التمثيل أحيانًا قريبًا من الوثائقي؟

لأن الممثلين لا يعملون في فراغ.

هم يسمعون مادة صوتية حقيقية، ويؤدون شخصيات لها وجود خارج الفيلم، ويعرفون أن اللحظة التي يعيدون بناءها ليست احتمالًا متخيلًا. هذا يخلق نوعًا مختلفًا من الأداء. الانفعال لا يأتي فقط من أن السيناريو يقول إن الشخصية حزينة أو خائفة، بل من الاحتكاك بتسجيل يعرف الممثل أنه لم يُصنع للتمثيل.

لهذا تعتمد الكاميرا كثيرًا على الوجه. عندما يتوقف الكلام، يبقى الوجه مكانًا تتحول فيه المعلومة إلى أثر. ليس المهم دائمًا أن يقول الموظف ما يشعر به؛ قد يكون النظر أو العجز عن الرد أكثر وضوحًا.

لكن يجب ألا نقع في وهم معاكس ونقول إن الممثل "لم يكن يمثل". مهما بلغت قوة استجابته العاطفية، نحن أمام عمل سينمائي له تصوير وإعادة مشاهد واختيارات أداء ومونتاج. قيمة الفيلم ليست في إلغاء التمثيل، بل في جعله قريبًا قدر الإمكان من شهادة لا يريد ابتلاعها.

ماذا غيّر الفيلم عن الواقع؟

السؤال الأدق ربما هو: ماذا فعل بالواقع؟

لم يغيّر صوت هند إلى صوت أكثر وضوحًا أو "سينمائية". لم يصنع بطلة بديلة تؤدي دورها أمام الكاميرا. لكنه اختصر الزمن، وانتقى من ساعات الواقعة ما يدخل بنية الفيلم، وأعاد بناء غرفة العمل، وجسد العاملين بممثلين، ورتب لحظات التوتر والصمت والحركة لكي تتحول التجربة إلى مسار درامي.

وهذه كلها تغييرات حقيقية، حتى لو لم تكن تغييرات في المصير أو جوهر الحدث.

فالواقع لا يحدث وفق إيقاع ثلاثة فصول. الناس يكررون الجمل، وينتظرون طويلًا، ويجرون مكالمات لا تقود إلى نتيجة، وتوجد لحظات ميتة لا معنى دراميًا واضحًا لها. السينما تختار وتحذف وتضغط وتعيد ترتيب الإدراك.

لذلك من الأدق وصف الفيلم بأنه عمل هجين: ليس وثيقة خامًا، وليس خيالًا حرًا. إنه يستخدم أدوات الخيال السينمائي لكي يضع وثيقة حقيقية في مركز تجربة المشاهدة.

الحقيقة والدراما لا تقفان هنا على طرفي نقيض

من السهل أن نتعامل مع الحقيقة والدراما كأن إحداهما تبدأ حين تنتهي الأخرى. لكن الفيلم يقترح علاقة أكثر تعقيدًا.

التسجيل الحقيقي لا يحتاج إلى السينما لكي يصبح حقيقيًا. لكنه حين يدخل الفيلم يحصل على سياق جديد: نرى من كان يسمعه، نرى ضغط الانتظار، نفهم المسافة بين المكالمة ومحاولة تحريك سيارة الإسعاف، ونشاهد كيف ينتقل الخوف من الطرف البعيد إلى الغرفة.

وفي المقابل، الدراما لا تستطيع أن تزعم أن ما صنعته هو الواقع نفسه. إنها ترتيب واختيار ووجهة نظر.

قوة "صوت هند رجب" تأتي من اعترافه الضمني بهذه الحدود. إنه لا يقول لنا: هذه هي الواقعة كاملة. بل يضعنا في مكان محدد منها، على طرف الهاتف الآخر، ويجعل ذلك المكان نافذتنا الوحيدة تقريبًا.

ما معنى النهاية حين نعرف المصير مسبقًا؟

في كثير من الأفلام تكون النهاية مكان المفاجأة: هل ينجو البطل؟ من القاتل؟ ماذا كان السر؟ هنا لا تعمل النهاية بهذه الطريقة، لأن قوة الفيلم ليست معلقة على خدعة روائية.

نحن نعرف أن السينما لا تستطيع تغيير ما حدث. وكلما تقدم الفيلم، يصبح هذا الوعي عبئًا إضافيًا على المشاهدة. هناك شخصيات داخل الغرفة ما زالت تحاول، بينما المشاهد القادم من خارج زمن الحادثة يعرف أن المحاولة لن تخلق تاريخًا بديلًا.

ولهذا تتحول النهاية من سؤال "ماذا سيحدث؟" إلى سؤال "كيف نتحمل معرفة ما حدث؟".

هذه المسافة بين أمل الشخصيات ومعرفة المتفرج تمنح العمل شيئًا من بنية المأساة الكلاسيكية. في المأساة قد يعرف الجمهور المصير مسبقًا، ومع ذلك يتابع لأن القيمة ليست في المفاجأة، بل في الطريق الذي يقود إليها وفي معنى العجز عن تجنبها.

من الخبر العابر إلى الذاكرة

الأخبار تعمل بسرعة. يظهر الاسم، تنتشر الصورة، يتكرر التسجيل، ثم يصل خبر آخر. هذه ليست بالضرورة مشكلة أخلاقية في الصحافة؛ إنها طبيعة تدفق الأحداث. لكن السينما تعمل بزمن مختلف.

حين تحمل قصة اسمًا وتمنحها ساعة ونصف من انتباه المشاهد، فإنها تنتزعها من تدفق الأخبار وتضعها داخل ذاكرة سردية.

هذا ربما هو أهم ما تحاول بن هنية فعله. الفيلم لا يملك قوة إلغاء الحدث أو إصلاح نهايته. لكنه يستطيع مقاومة الاختزال. هند ليست مجرد رقم داخل حصيلة، ولا مجرد ثانية من تسجيل متداول على هاتف. تصبح اسمًا وصوتًا وزمنًا يتعين على المشاهد أن يقضيه معها ومع الذين حاولوا الوصول إليها.

وهنا يصبح عنوان الفيلم دقيقًا للغاية. لم تسمه المخرجة "قصة هند رجب" ولا "إنقاذ هند رجب"، بل "صوت هند رجب". لأنها تعرف أن الشيء الذي تستطيع السينما أن تحافظ عليه فعلًا هو ذلك الأثر السمعي.

هل هو فيلم وثائقي أم دراما؟

إذا اضطررنا إلى اختيار كلمة واحدة، فمصطلح "دوكودراما" أو الدراما الوثائقية مفيد، لكنه لا يشرح كل شيء.

الوثيقة في الفيلم ليست مادة تأتي لتأكيد صدق المشاهد بعد وقوعها؛ إنها العمود الفقري الذي تتكيف بقية العناصر حوله. والدراما ليست قصة منفصلة أضيف إليها تسجيل حقيقي للحصول على تأثير أقوى؛ إنها الوسيلة التي تمنحنا موقعًا نستمع منه إلى التسجيل.

لذلك ربما يكون الوصف الأدق أن الفيلم حوار بين نوعين من الحقيقة: حقيقة الأثر الذي بقي من الحدث، وحقيقة التجربة التي تحاول السينما بناءها حول ذلك الأثر.

الأولى لا يملك المخرج تغييرها. الثانية هي مجال الفن.

الفيلم الذي يطلب منا أن نستمع

بعد انتهاء "صوت هند رجب" تبقى المفارقة الأساسية: فيلم كامل تقريبًا بُني حول شخص لا نراه في موقع الحدث.

ومع ذلك لا نشعر أن هند غائبة.

ربما لأن ثقافتنا البصرية جعلتنا نربط الحضور بالصورة أكثر مما ينبغي. نحن نعتقد أن رؤية الإنسان تقربنا منه، لكن هذا الفيلم يختبر احتمالًا مختلفًا: قد يكون الصوت أكثر حميمية، لأنه يصل من شخص لا يستطيع أن يرى من يصغي إليه ولا يعرف إن كان سيأتي.

في تلك المسافة بين الصوت والصورة يبني الفيلم أخلاقه وجمالياته معًا. الوثيقة تمنعه من الهرب إلى الخيال الكامل، والدراما تمنع الوثيقة من البقاء مجرد ملف صوتي منفصل عن الأشخاص الذين عاشوا لحظتها.

ولذلك فإن أهم إنجاز للفيلم ليس أنه "أعاد تمثيل" قصة هند رجب. العبارة نفسها لا تبدو دقيقة. ما فعله هو أنه بنى مكانًا سينمائيًا يمكن لصوتها الحقيقي أن يعود فيه إلى مركز الانتباه.

وهنا تصبح السينما أقل شبهًا بآلة لصناعة الصور، وأكثر شبهًا بغرفة إنصات كبيرة.

إذا كان الصوت الحقيقي وحده قادرًا على حمل كل هذا الألم، فهل كانت مهمة السينما هنا أن تضيف شيئًا إلى قصة هند رجب، أم أن أعظم ما فعلته هو أن تعرف متى تتراجع وتتركنا نصغي؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق