اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

حمدة خميس: شعرية الذات التي تهتدي إلى حريتها بين الحب والمنفى والعزلة

 

بورتريه عمودي بالألوان المائية للشاعرة حمدة خميس، بخلفية شاعرية هادئة تجمع الماء والأشجار والسماء بألوان ناعمة.

بقلم: الورّاق الجزائري

لا تنفصل الكتابة الشعرية عند حمدة خميس عن تجربة ذاتٍ تسعى باستمرار إلى امتلاك صوتها ومصيرها. إنها كتابة تنطلق من جرح شخصي، لكنها لا تبقى حبيسة الاعتراف الفردي؛ إذ سرعان ما يتسع الجرح ليصبح سؤالًا عن الوطن والمنفى، والمرأة والأمومة، والحب والحرية، والكتابة والموت، والعلاقة الملتبسة بين الذات والآخر. لذلك لا تقوم شعريتها على موضوع واحد أو بناء أسلوبي مغلق، بل تتشكل من حركة دائبة بين الأضداد: القرب والابتعاد، الحنان والتمرد، الانتماء والاغتراب، الحاجة إلى الآخر والرغبة في الاستقلال عنه.

وإذا كان بعض الشعراء يبنون عالمهم على اليقين، فإن حمدة خميس تبنيه على السؤال. إنها لا تستخدم الشعر لإعلان أجوبة مكتملة، وإنما لتفكيك البداهات التي استقرت في الوعي: لماذا نحب أوطانًا تؤذينا؟ كيف تصبح الأم ملاذًا، من غير أن تتحول محبتها إلى حصار؟ هل العزلة نقص في العلاقات أم امتلاء بالذات؟ وهل الكتابة اختيار حر أم قوة غامضة تستولي على صاحبها؟ من هنا تنبع خصوصية تجربتها؛ فقصيدتها لا تطمئن طويلًا إلى معنى قبل أن تكشف عن نقيضه الكامن فيه.

 

الوطن بين الوشم والجرح

يتجلى الوطن في شعر حمدة خميس بوصفه علاقة عاطفية معقدة، لا شعارًا سياسيًا جاهزًا. ففي قصيدة "أسئلة الكمد" لا تتحدث الشاعرة عن وطن مثالي، بل عن وطن ينكر أبناءه ويجفوهم، ومع ذلك يظل أغلى الأمكنة:

ما الذي يجعل الأوطان
على نكرانها أغلى
ويجعل أهلنا فيها
على جفوتهم أحلى

منذ المطلع تتأسس القصيدة على مفارقة موجعة: قيمة الوطن لا تأتي من عدله أو حنانه، بل تستمر على الرغم من نكرانه وجفوته. وهذا ما يجعل الانتماء أقرب إلى قدر نفسي لا يستطيع الإنسان التخلص منه. فالوطن ليس اختيارًا عقلانيًا يمكن مراجعته وفق حسابات الربح والخسارة، وإنما أثر محفور في الكيان:

ما الذي يحفر الأوطان
مثل الوشم
في الروح وفي الذكرى

لا يوضع الوشم على سطح الذاكرة فحسب؛ إنه يُحفر "في الروح"، أي إنه يتحول إلى جزء من هوية الإنسان. غير أن هذا الانتماء العميق لا يحل التناقض، بل يزيده حدّة. فالعائد إلى وطنه لا يجد دائمًا السكينة التي تخيلها في المنفى؛ يعود محمّلًا بالشوق، ثم يصطدم بواقع يعيد تفتيته:

لماذا كلما عدنا كسربٍ
لم يأنس الهجرات
وعاد بحرقة المضنى
إلى الأوطان
تكسرنا!

صورة السرب هنا شديدة الدلالة. فالطيور المهاجرة تعرف عادة طريق عودتها، لكن هذا السرب "لم يأنس الهجرات"، أي لم يحوّل الغربة إلى موطن بديل. ومع ذلك لا تمنحه العودة اكتماله، بل تكسره. وهكذا تصبح الذات عالقة بين مكانين: وطن لا تستطيع العيش فيه بطمأنينة، ومنفى لا تستطيع الانتماء إليه كاملًا. وتبلغ المفارقة ذروتها في خاتمة القصيدة:

الله... ما أجمل المنفى!

لا ينبغي قراءة هذه العبارة بوصفها مديحًا ساذجًا للمنفى؛ فهي صرخة تنبثق من خيبة العودة. جمال المنفى هنا ليس صفة أصلية فيه، وإنما نتيجة لبشاعة ما تواجهه الذات في وطنها. لقد أصبح البعيد جميلًا لأن القريب أخفق في أن يكون مأوى. وبذلك تفكك الشاعرة التقابل التقليدي الذي يجعل الوطن فردوسًا والمنفى جحيمًا؛ فكلاهما قادر على التحول إلى نقيضه. وتختصر قصيدة "رغبة" هذه الرؤية في ثلاثة أسطر:

حين أموت
لن أحتاج تراب الوطن
أحتاجه لأحيا!

تقوم قوة هذا النص القصير على نقل الوطن من دائرة الرمز الجنائزي إلى حق الحياة. فالشاعرة ترفض اختزال الانتماء في قبر يحتضن الجسد بعد الموت؛ ما يحتاجه الإنسان هو وطن يمنحه الكرامة والحرية والقدرة على العيش. وهنا يتحول التكثيف إلى موقف نقدي كامل: لا قيمة لاحتفاء الوطن بالموتى إذا كان يضيّق الحياة على الأحياء.

 

الأنا الشامخة في مواجهة الشفقة

ترتبط الحرية في شعر حمدة خميس بالكرامة ارتباطًا وثيقًا. ففي قصيدة "لا تقتلني" نواجه ذاتًا جريحة، لكنها ترفض أن تتحول آلامها إلى وسيلة لاستدرار العطف:

فأنا لست بشحاذ جاء موانئكم
يستعطي كسرة عطف
أو يتسول من كأس محبتكم
قطرة ماء

تقر المتكلمة بالجوع والظمأ والوجع، لكنها ترفض الصورة التي يمكن أن يصنعها الآخر عنها. وهي لا تنكر حاجتها الإنسانية، بل تنكر أن تُستعمل هذه الحاجة لإذلالها. لذلك يأتي التكرار في القصيدة دفاعيًا واحتجاجيًا في آن واحد: "لا تقتلني"، "لا تسحقني"، "لست بشحاذ". وكل تكرار يعيد تثبيت الأنا أمام قوة تحاول محوها. ويمثل الجسد في هذه القصيدة ساحة الألم والمقاومة معًا. فالوجع يشطر المتكلمة "من قمة الرأس حتى القدمين"، والظمأ يحرق شفتيها، والجوع يسكن أحشاءها، لكنها لا تستسلم لهذا الجسد المنهك، بل تحمله كما تُحمل الحقائب:

سأشد حقائب هذا الجسد
الموغل في النزف إلى الأحشاء
وأخيط بقايا القلب
وسأرحل

تحويل الجسد إلى حقائب يكشف عن اغتراب الذات عن جسدها من جهة، وعن قدرتها على قيادته من جهة أخرى. إنه مثقل بالجراح، لكنه لا يمنعها من الرحيل. أما "خياطة بقايا القلب" فليست شفاءً رومانسيًا كاملًا؛ إنها إصلاح مؤقت يمكّن الذات من متابعة الطريق.

واللافت أن المتكلمة لا تبحث في رحيلها عن "كف العطف"، بل عن "قبضة طوفان" تقلب تاريخ القهر. تنتقل القصيدة بذلك من الدفاع عن الفرد إلى حلم جذري بتغيير العالم. والطفل الراكع على رصيف الجوع لا يُنتشل بصدقة عابرة، وإنما يتحول إلى قوة قادرة على صناعة التاريخ. إن رفض الشفقة هنا ليس قسوة، بل رفض لنظام يجعل العطف بديلًا عن العدالة.

هذه الأنا المقاومة تظهر أيضًا، في أقصى درجات التكثيف، في قصيدة "إصرار":

سأظل أنقش خطوتي
على وقع الوجود
لا العمر يرهبني
ولا وهم الخلود!

الفعل "أنقش" يمنح الخطوة ثقلًا وبقاءً؛ فهي ليست حركة عابرة على طريق، بل أثر واعٍ يُحفر في مادة الوجود. ومع ذلك لا تتعلق الذات بوهم الخلود. إنها تريد أن تحقق حضورها لا أن تنتصر على الموت، وأن تعيش وجودها بامتلاء لا أن تستبدله بوعد رمزي بالبقاء.

 

الحرية داخل الحب

الحب أحد أكثر محاور التجربة حضورًا، لكنه لا يظهر في صورة واحدة. فهو شغف جسدي وروحي، ومصدر للخصب، وطاقة كونية، وامتحان لاستقلال الذات. ففي قصيدة "أحبك كأنني لم أعرف الحب قبلك" تبلغ لغة العاطفة درجة عالية من الانخطاف:

لو كان حبك
قاتلي
كنت اشتهيت
الموت
بين يديك

تستدعي هذه الصورة تراث الحب الذي يمحو الحدود بين اللذة والفناء، غير أن القصيدة لا تقف عند التماهي الكامل، بل تكشف عن الحركة المتناقضة التي تصنع الرغبة:

هاربةً
منك
إليك

هذه البنية الموجزة تختصر جدلية الحب في شعر حمدة خميس. فالآخر هو الخطر والملاذ معًا، والهرب منه لا يقود إلى خارجه، بل يعيد الذات إليه. إنها رغبة لا تتحرك في خط مستقيم، وإنما تتأرجح بين الاقتراب والابتعاد، والوعي والانجذاب، واحتدام الحب و"احتمال الجنون".

وفي قصيدة "التوأم" يتجاوز الحب علاقته بشخص بعينه ليصبح مبدأً داخليًا يولد مع الذات:

الحب مملكتي
والحب مدرستي
والحب أغنيتي
والحب محبرتي

يمنح التكرار الحب وظائف متعددة: إنه فضاء للسيادة، ومصدر للمعرفة، ومادة للغناء، وأداة للكتابة. ولهذا لا يبدو الحب تجربة تضاف إلى الحياة، بل البنية التي ترى الشاعرة الحياة من خلالها. وتصل القصيدة إلى القول:

كأنني والحب في مجرى دمي
التوأم الذي من رحم يولد

إنه قرين الهوية، لا حادث عابر فيها. لكن هذا الاحتفاء لا يلغي وعي الشاعرة بما في الحب من خطر الاستلاب. ففي خطابها إلى الأم، مثلًا، تُعلن حبها العميق، ثم تضع لهذا الحب شرط الحرية.

 

الأم: الأصل الذي لا ينبغي أن يتحول إلى قيد

تُعد الأم من أغنى الرموز في شعر حمدة خميس. إنها النبع الأول، والضوء، والذاكرة، واللغة، والطبيعة الخصبة. في قصيدة "أحبك كل هذا الحب" لا تدخل الأم المشهد بوصفها شخصًا منفصلًا عن العالم؛ حضورها يغير الأشياء من حولها:

وأمي حين تخطو في الحديقة
تشرئب القرنفلات
وترن أجراس البنفسج
وينوس الياسمين

الطبيعة لا تؤدي هنا وظيفة زخرفية، بل تستجيب لحركة الأم. فالقرنفل يتطلع، والبنفسج يرن، والياسمين يتمايل. وبذلك تتحول الأم إلى قوة إحياء، حتى إن مرورها يجعل العشب ينتشي و"تخضر السنون". ولا يقتصر أثرها على المكان، وإنما يصل إلى الزمن نفسه. لكن قوة القصيدة تظهر عندما تغادر المديح التقليدي للأم وتدخل منطقة أكثر تعقيدًا:

نعم أمي أحبك كل هذا الحب
ولكني أحب فضائي الطلقا

تأتي "لكن" لتفصل بين الحب والذوبان. فالمتكلمة تريد أمًا تحيط بها كما تحيط "رحاب الله"، أي حضورًا واسعًا لا يغلق الأفق. إنها تعود إلى الأم من التعب والأسفار والخيبات، لكنها تريد أن تكون هذه العودة فعلًا حرًا، لا إقامة مفروضة داخل حماية خانقة. وتوضح القصيدة هذا المطلب بجرأة أكبر:

أحبك أن تحبينا كما نحن
بحكمتنا أو حماقتنا
بطيش الروح والأهواء والنزوات
بما نختار وما نؤمن

لا تطلب الابنة حبًا مشروطًا بالامتثال، وإنما اعترافًا بحق الأبناء في الاختيار والخطأ. والأمومة المثلى، وفق هذه الرؤية، لا تصنع نسخًا مطابقة لرغباتها، بل تظل نبعًا يعود إليه الأبناء بعد أن يخوضوا تجاربهم الخاصة.

أما قصيدة "غني لي يا أمي... وانتظريني" فتجعل الأم ذاكرة ثقافية ولغوية، لا ذاكرة شخصية فقط. صوتها يحمل حداء الصحارى وأغاني القوافل والموروث الشعبي، وتتداخل في القصيدة اللغة الفصحى مع مقاطع باللهجة الشعبية التي حفظتها الأم. وبذلك يصبح صوتها مستودعًا لذاكرة الجماعة.

تقول الشاعرة:

صوتك الذي يردده البدو

 في حدائهم المكتظ بالحنين
فيرطب الليل، ويزهر النهار

الصوت هنا ليس أثرًا سمعيًا فحسب؛ إنه ماء ونبات وخصب. يرطب الليل ويزهر النهار، أي يعيد بناء العالم الذي أفسده اليباس والغياب. وحين تخاطب الشاعرة أمها الراحلة، تنقلب الأدوار في قولها:

أسندي رأسك المتعب

على صدري...
وأسنديني

فالابنة تريد أن تسند الأم، وفي اللحظة نفسها تطلب منها السند. هذه الصيغة المتبادلة تكسر الترتيب الزمني المعتاد بين الأم والطفلة؛ كل واحدة منهما تحمل الأخرى، والحاضر يحمل الماضي بقدر ما يحمله الماضي.

ويستمر التبادل في صورة الخلق:

أعيدي خلقي وتكويني:
من الضياء
كي أتحد بالماء والتراب
فألد الأجنة، والبصائر، والثمر

الأم قادرة، في المخيلة الشعرية، على ولادة ابنتها مرة ثانية، لكن الابنة التي يعاد خلقها تصبح بدورها قوة ولادة. إنها لا تلد أجسادًا فقط، بل "البصائر والثمر"، فتتحول الأمومة من وظيفة بيولوجية إلى طاقة معرفية وإبداعية.

 

العزلة بوصفها اهتداءً إلى الذات

تبلغ شعرية التأمل ذروتها في نص "في مدح العزلة"، وهو نص طويل يقترب أحيانًا من قصيدة النثر التأملية وأحيانًا من المناجاة الفلسفية. والعزلة فيه ليست انسحابًا كئيبًا من الحياة، بل استعادة للحواس التي أفسدها الضجيج:

في العزلة... في التوحد بالنفس
تتفتح الحواس كلها:
البصر والبصيرة

تقوم هذه التجربة على التمييز بين النظر والرؤية، وبين السمع والإنصات، وبين الوحدة والوحشة. ففي صمت العزلة تستعيد التفاصيل حضورها: هسهسة العشب، وطقطقة الغصون، ودقات الزمن، وبكاء الطفل البعيد، ووجوه الذاكرة، وما كان خافتًا في الحياة اليومية يصبح واضحًا، لأن الوعي تحرر من "بلادة المألوف".

ومن أجمل تحولات النص انتقال المكان من كونه جدرانًا مغلقة إلى كائن حميم:

المكان أجمل ما يكون المكان
الضوء أبهى، والظلال ندى
الأشياء صديقة، والجدران رأفة الرحم
الأبواب رحمة، والنوافذ أجنحة

لا تعني العزلة هنا إغلاق النوافذ، بل تحويلها إلى أجنحة. وهذا التحول يلخص فلسفة القصيدة: حين تسكن الذات إلى نفسها لا ينكمش العالم، وإنما يتسع. أما الوحشة الحقيقية فتبدأ عندما تصبح الذات مشغولة بالآخر إلى درجة تغيب فيها عن نفسها:

هل تستشعرين الوحشة وأنت وحدك؟
إذن لست وحدك
أنت مسكونة بغيرك
لم تسكني إليك

بهذه المفارقة تعيد الشاعرة تعريف الوحدة. قد يكون الإنسان منفردًا لكنه ممتلئ بالكون، وقد يكون محاطًا بالناس لكنه غائب عن ذاته. ولذلك تضع القصيدة تعريفات دقيقة لمفاهيم متقاربة:

الغربة: إن اغتربت الذات عن الذات
الوحشة: إن استوحشت النفس بالنفس
الوحدة: إن فرغت الروح من الكائنات والوجود

هذه العبارات تكاد تؤدي وظيفة خلاصات فكرية، لكنها تظل مرتبطة بنسيج القصيدة وصورها. فالتوحد ليس قطعًا للعلاقة بالآخر، بل تأسيسًا أكثر صحة لها: "إن آنست إليك، آنست إلى غيرك". لا تستطيع الذات أن تحب العالم إذا كانت تكره وجودها أو تعجز عن احتمال صحبتها.

وتستخدم الشاعرة صورة مائية لتفسير العلاقة بين الفرد والناس:

وما الصلات بين الناس
سوى جسور بين الضفة والضفة
جدفي، جدفي...
وحدتك النهر
وجسدك زورق
وقلبك المجاديف

لا تلغي الجسور انفصال الضفتين، لكنها تسمح بالتواصل بينهما. وكذلك الحب لا يمحو فرادة الكائنين. يظل الإنسان في زورقه الخاص، حتى وهو يجدف داخل محيط المحبة. إنها رؤية ناضجة للعلاقة، تقوم على الوصل من غير إلغاء المسافة.

 

الكتابة: سلطة وجرح وبديل عن الوأد

تتحدث حمدة خميس عن الكتابة بوصفها قوة تتجاوز إرادة الكاتبة. ففي قصيدة "بلا سبب" لا تكون الشاعرة سيدة الكلمات تمامًا؛ فالكتابة هي التي تأمر وتسوق وتنهر:

تنهرنا الكتابة
تأمرنا الكتابة
تسوقنا إلى النعيم مرة
ومرة إلى اللهب

وهكذا، يتحول الإبداع إلى سلطة مزدوجة: يمنح اللذة ويقود إلى الألم. ثم تنقلب العلاقة حين تقول المتكلمة:

مليكتي الكتابة
وصولجان سلطتي

الكتابة هي الملكة، لكنها في الوقت ذاته صولجان الشاعرة حيث تبدو الشاعرة محكومة بها وحاكمة من خلالها. وهذه الثنائية تكشف طبيعة الفعل الإبداعي عند حمدة خميس: لا ينشأ النص من سيطرة عقلية مطلقة، ولا من إلهام غامض خالص، بل من صراع بين تدفق الأفكار ومقاومة اللغة والزمن والزحام.

وتعبر صورة "الشوك في وسادتي" عن قلق الكتابة الذي يمنع النوم، بينما يكشف قولها:

قد أنسج الكلام في الأحلام
وحين يقظتي
يضيع في الزحام

عن هشاشة القصيدة قبل تدوينها. اللغة تأتي في المسافة بين النوم واليقظة، لكنها قد تتبدد حين تدخل العالم اليومي. وحين تنجح الشاعرة في القبض عليها، تصبح الكتابة فعل نحت شاقًا:

ومرة أنقش كالأزميل
في ضراوة الرخام

إنها لا تكتب على سطح ليّن، بل تواجه "ضراوة الرخام". وفي هذا التعبير تتحول مادة الكتابة إلى خصم صلب، ويصبح إنجاز القصيدة نتيجة مواجهة لا استرسال.

وفي "لهذا البهاء الصباحي" تتكرر كلمة "أغني" لتصنع عمودًا إيقاعيًا يربط المتناقضات: البهاء والأسى، الصمت والهدير، المحو والتدوين، الظن واليقين، الاستقامة والمنعطف. وهي لا تغني للمكتمل وحده، بل لما أخفقت في فعله أيضًا:

لما لم أفعله
طوال أيام وأعوام
وميلاد وموت
أغني

والغناء هنا استعادة رمزية للإمكانات الضائعة. ما لم يتحقق في الحياة يمكن أن يجد صورة له في القصيدة. ولهذا تنتهي الشاعرة إلى إعلان شديد المرارة:

لي أنا
الموءودة باختياري
أو بوهم اختياري...
أغني!

تكشف عبارة "أو بوهم اختياري" عن مراجعة عميقة لمفهوم الحرية. فقد تظن الذات أنها اختارت صمتها أو تراجعها أو وأد رغباتها، بينما تكون الضغوط الاجتماعية قد تسللت إلى داخلها حتى بدت أوامرها الخارجية قرارات ذاتية. والغناء محاولة لاكتشاف هذا الوهم ومقاومته. إنه صوت الموءودة التي استطاعت أن تتكلم من داخل الردم.

 

الطبيعة بوصفها لغة داخلية

تحتل الطبيعة مساحة واسعة في شعر حمدة خميس، لكن عناصرها قلّما تظهر مستقلة عن الحالة النفسية. الماء والورد والغيوم والأشجار والطيور والضوء ليست خلفية للمشهد، بل مفردات تتجسد فيها مشاعر الذات. ففي قصيدة "تعريف" تقول:

القلب ليس سوى تفاحة
تؤرجحها الرياح
إذا مرت عليها الفجائع
أوشكت أن ترتمي
قبل الفطام

التفاحة هنا كائن هش لم يكتمل نضجه. والفاجعة لا تجرح القلب فقط، بل تهدده بالسقوط "قبل الفطام"، أي قبل أن يبلغ استقلاله. ثم يظهر الرمان داخل القلب:

وليس في داخل القلب
سوى الرمان
مزهوًا بجمرته
وطفولة
ضيعت عتباتها الأولى

يجمع الرمان بين الجمال والاشتعال؛ حباته جمر، لكنها جمر خصب ومغلق داخل قشرة. وهكذا يصبح القلب مستودعًا لطفولة ضائعة لم تنضجها الأعوام. أما الروح فهي طائر "لا يؤوب" ولا يحط على غصون، فتتجسد فيها حالة القلق الدائم وعدم الاستقرار.

وتتكرر الاستعارة المائية بكثافة لارتباطها بالحنين والحياة والأم والحب فترى الأمَّ محيطًا، والابنةَ مركبًا، والقلب مجاديفًا، والصوتَ نبعًا، والدمعَ طوفانًا، والمحبةَ بحرًا. وهذه الشبكة لا تقوم على تكرار الزينة نفسها، بل تكشف أن الذات عند حمدة خميس لا تتصور وجودها ثابتًا؛ إنها ترى نفسها في حركة دائمة، مهددة بالغرق، وباحثة عن شاطئ، ومدفوعة إلى الإبحار حتى عندما تهجرها الرياح.

أما الضوء فيرتبط غالبًا بالحضور والولادة والمعرفة. الأم تترك ضوءها في أبنائها، والحب يحول البشر إلى شمس وكوكب، والمصباح المطلوب في "فاء السبب" يُعلّق في "مشجب السماء" كي يتبع الخطى والأحلام. وفي مقابل الضوء تحضر العتمة بوصفها هاوية أو قهرًا أو غيابًا. ومع ذلك لا تكون الحدود مطلقة؛ فالذات تستطيع أحيانًا استخراج الرؤية من العتمة، كما تفعل في العزلة حين تتحد البصيرة بالمرئي واللامرئي.

 

السؤال والتكرار وإيقاع الانفعال

تعتمد حمدة خميس كثيرًا على السؤال، ولا سيما عندما يكون الموضوع عصيًا على التسوية. في "أسئلة الكمد" يتكرر "ما الذي" و"لماذا"، وفي قصيدة "كيف يكبر؟" تقوم البنية كلها على الدهشة:

كيف يكبر
كل ما كان صغيرًا
كيف يكبر؟
كيف يزهر
يابس الغصن ويخضر؟

السؤال هنا ليس طلبًا لتفسير منطقي، بل تسجيل لتحول الذات تحت تأثير الحب. والمتكلمة لا تفهم كيف يستطيع حضور الآخر أن يجعل اليابس يزهر، أو أن يحول ليالي الأمس إلى "نبع ضوء". إنها تعيش التحول قبل أن تعثر على لغة تفسره.

ويؤدي التكرار دورًا إيقاعيًا ودلاليًا بارزًا. ففي "أحبك كل هذا الحب" تعود عبارة "وأمي" لتجدد حضور الأم في كل صورة. وفي "غنِّ لي يا أمي" يصبح فعل "غنِّ" شبيهًا بنداء طقسي يحاول استحضار الغائبة. وفي "في غيابك" يتجدد الغياب مع كل تكرار، حتى يتسع الشوق "إلى حدود الكون". أما تكرار "أغني" في "لهذا البهاء الصباحي" فيحوّل الغناء إلى فعل مقاومة يواجه تعاقب الخسارات.

ولا تعتمد موسيقى هذه النصوص دائمًا على الوزن الخليلي الصارم؛ إنها تنبع في كثير من الأحيان من التوازي، وتكرار الصيغ، وتقابل الكلمات، وتدرج الجمل. ومن ذلك قولها:

للتناقضات، للائتلاف
للمحو والتدوين
أغني
للظنون، لليقين

تصنع الثنائيات المتقابلة إيقاعًا فكريًا يوازي الإيقاع الصوتي. فالقصيدة تتحرك بين قطبين، ولا تتخذ أحدهما مقرًا نهائيًا. وهذا البناء ليس شكليًا منفصلًا عن الرؤية؛ إنه الصورة اللغوية لذات تعيش في التناقض ولا تسعى إلى إخفائه.

 

القصيدة القصيرة وقوة المفارقة

إلى جانب النصوص الممتدة، تكتب حمدة خميس قصائد شديدة القصر، تقوم على المفارقة والضربة الختامية. في قصيدة "الدنيا" تقول:

سواسية جئنا
إلى هذه المصيدة
لكننا لم نكن
سواسية
في حضرة السيدة!

تتولد المفارقة من تكرار "سواسية" ثم نقضها. فالبشر متساوون في دخول الحياة، لكنهم غير متساوين في شروطها وحظوظها. ووصف الدنيا بـ"السيدة" يحمل سخرية ضمنية؛ فهي صاحبة الحضرة والسلطة، بينما الداخلون إليها واقعون في مصيدتها.

وفي "رغبة" ينهض النص على قلب التوقع بين الحياة والموت، وفي "إصرار" على التقابل بين العمر والخلود. هذا اللون من الكتابة يثبت قدرة الشاعرة على الاستغناء عن الامتداد البلاغي حين تكون الفكرة قادرة على إشعال النص في أسطر قليلة. غير أن لغتها في القصائد الطويلة تميل أحيانًا إلى تراكم الصور والنعوت، فيما تحقق القصائد المكثفة صفاءً أكبر لأنها تترك للمفارقة أن تعمل من غير شرح.

 

من التجربة الفردية إلى الحس الإنساني

لا تنغلق شعرية حمدة خميس على هموم الذات، حتى عندما تبدأ منها. ففي "أيها الحب" يتحول الحب إلى خطاب موجه إلى العالم المرهق بالحروب:

تعبت هذه الأرض
من ضجة الرصاص
تعب الناس والنبات
تعبت البيوت والطرقات
تعبوا وتعبنا

التدرج من الأرض إلى الناس والنبات والبيوت والطرقات يجعل الحرب اعتداءً على الوجود كله. حتى الجمادات أصابها التعب، لأن العنف غيّر معنى المكان وأفسد إيقاع الحياة. ولا تدعو القصيدة إلى سلام سياسي مجرد، بل إلى نهوض الحب والسلام "في أرواحنا". فالعالم الخارجي لا يتغير، في رؤيتها، من دون تحول داخلي يعيد بناء علاقة الإنسان بالإنسان والأرض.

وفي قصيدة "الحب ينبئكم" تحضر الجماعة من خلال ضمير "نحن"، بوصفها جماعة مسحوقة بالخوف والعجز:

نحن الذين تنقش السنون في وجوهنا
سطور الاندحار
نحن الذين لم نزل
نشحذ في أرصفة الزمان
كسرًا من البقاء
وحفنة من الأمان

تنتقل الشاعرة هنا من وجع الأنا إلى ذاكرة جمعية محفورة في الوجوه. ويبدو الخوف قوة تلتهم اللسان وتحول الحياة إلى "جثة ومقبرة تسير في جنازة الفصول". غير أن الصوت قادر على كسر هذا الصمت، فتتحول الجماعة إلى شعلة وشرارة وجسر إلى الحضارة. وتلخص النهاية القيمتين اللتين تقوم عليهما الرؤية: الحب والإنسان؛ إنها صيغة بسيطة، لكنها تكشف مركز التجربة: الإنسان لا يظهر منفصلًا عن الحب، والحب لا تكون له قيمة إن لم يتحول إلى دفاع عن الإنسان.

 

الجسد الأنثوي وصناعة القرار

يظهر الصوت الأنثوي في هذه التجربة بوصفه صوتًا يسعى إلى تحرير نفسه من الوأد، والوصاية، والخوف، لكنه لا يقدم الحرية في صورة انتصار ناجز. إنها عملية شاقة، تتخللها الشكوك والانتكاسات. فالمرأة التي تقول "أحب فضائي الطلقا" هي نفسها التي تطلب من الأم أن تعيد خلقها، والتي تعترف بأنها قد تكون "موءودة باختيارها أو بوهم اختيارها".

هذا الوعي بالتناقض يمنح الخطاب النسوي في شعر حمدة خميس عمقًا يتجاوز المباشرة. فالذات لا تلقي مسؤولية أسرها على الخارج وحده؛ إنها تفتش عن أثر السلطة داخل وعيها، وفي قرارات حسبتها يومًا خاصة بها. لكنها لا تنتهي إلى جلد الذات، بل إلى استرداد الصوت بواسطة الكتابة.

كما أن الحرية لا تعني لديها إنكار الحاجة إلى الحب والأم والعائلة. إنها تريد علاقة لا يتحول فيها الحنان إلى امتلاك، ولا الأمومة إلى رقابة، ولا العشق إلى محو للشخصية. وبذلك يصبح جوهر التحرر هو القدرة على الجمع بين الانتماء والاستقلال: أن تعود الذات إلى نبعها الأول من غير أن تتخلى عن فضائها الطلق.

 

شعرية التناقض الخلاق

يمكن القول إن أبرز خصائص شعرية حمدة خميس هي قدرتها على الإقامة داخل التناقض من دون الإسراع إلى حله. الوطن وشم وجرح، والمنفى غربة ونجاة، والأم أصل وفضاء ينبغي ألا يضيق، والحب اكتمال واحتمال للجنون، والعزلة انفصال واتصال أعمق بالكون، والكتابة نعيم ولهب، والاختيار حرية قد تخفي داخلها أثر الإكراه.

ولا يبدو هذا التناقض ضعفًا في الرؤية، بل مصدر حيويتها. فالإنسان في هذه القصائد ليس كائنًا أحاديًا يعرف دائمًا ما يريد؛ إنه يهرب من الآخر إليه، ويشتاق إلى الوطن ثم يحن إلى الهجرة، ويطلب العزلة كي يمتلئ بالناس، ويغني لما فعله ولما لم يستطع فعله. هذه الحركات المتعاكسة هي التي تمنح القصيدة توترها الداخلي.

لغتها حسية في جوهرها، حتى عندما تقترب من التأمل الفلسفي. الأفكار لا تقدم مجردة غالبًا، بل تتجسد في التفاحة والرمان والماء والخبز والبحر والغيوم والنوافذ والأجنحة. ويتحول الجسد إلى خريطة للألم والرغبة: الوجع يشطره، والملح يشقق شرايينه، والخوف يأكل لسانه، والحب يجري في دمه. لذلك تبقى الفكرة متصلة بالمحسوس، ويظل التأمل نابضًا بحرارة التجربة.

أما صورتها الشعرية فتقوم كثيرًا على منح العناصر قدرة على الفعل: القرنفلات تشرئب، والبنفسج يقرع أجراسه، والسنون تخضر، والعتمة تنسحق، والعصافير تنتفض في الأوراق الذابلة. وبذلك لا تكون الطبيعة صامتة، بل تشارك الإنسان حزنه ونهوضه، حتى يصبح العالم كله ذاتًا موسعة تستجيب لتحولات الداخل.

 

خاتمة: القصيدة طريق إلى الذات

شعر حمدة خميس هو، في جانب عميق منه، رحلة اهتداء. لكن الطريق لا يقود إلى جواب نهائي، بل إلى ذات أكثر وعيًا بتناقضاتها. إنها ذات تتعلم أن الوطن ليس ترابًا للموت، بل مساحة ضرورية للحياة؛ وأن الحب لا يكتمل إلا إذا احترم الحرية؛ وأن الأم لا تغيب ما دام صوتها قادرًا على إنبات الذاكرة؛ وأن العزلة قد تكون أعمق أشكال الحضور؛ وأن الكتابة تستطيع أن تمنح الموءودة صوتًا، حتى لو كان الوأد قد ارتدى يومًا هيئة الاختيار.

من هنا تنبع قيمة هذه الشعرية: إنها لا تفصل الجمالي عن الوجودي. الصورة ليست زينة، بل أداة لفهم الألم، والموسيقى ليست إطرابًا، بل إيقاع مقاومة، والحب ليس موضوعًا وجدانيًا محدودًا، بل طاقة تعيد وصل الذات بالناس والطبيعة والعالم. وبين المرفأ والبحر، والجذر والجناح، والأم والفضاء الطلق، تكتب حمدة خميس قصيدتها بوصفها بحثًا متجددًا عن حياة يستطيع الإنسان أن ينتمي إليها من غير أن يفقد نفسه.

اقرأ بعض أشعار حمدة خميس على موقع الديوان انقر هنا

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق