اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

شرح نهاية The Sixth Sense: كيف أخفى الفيلم الحقيقة أمام أعيننا؟

كنيسة القديس أوغسطين في فيلادلفيا التي ظهرت في فيلم The Sixth Sense
كنيسة القديس أوغسطين في فيلادلفيا، أحد مواقع تصوير The Sixth Sense. صورة من Historic American Buildings Survey / National Park Service – ملكية عامة.
حين نكتشف أن الخدعة لم تكن في النهاية، بل في الطريقة التي شاهدنا بها الفيلم منذ البداية

هناك أفلام تفاجئنا في الدقيقة الأخيرة لأنها أخفت عنا معلومة حاسمة، وهناك أفلام أكثر مكرًا تفعل شيئًا مختلفًا: تضع الحقيقة أمامنا منذ البداية، ثم تجعلنا نحن الذين نرفض رؤيتها. فيلم The Sixth Sense، أو «الحاسة السادسة»، ينتمي بامتياز إلى النوع الثاني. ولذلك لم تبقَ نهايته في ذاكرة السينما لمجرد أنها كانت صادمة، بل لأن المشاهد حين يعرف الحقيقة يشعر بحاجة شبه فورية إلى العودة إلى الفيلم من أوله، كأن الفيلم الذي شاهده قبل دقائق لم يكن هو الفيلم نفسه.

هذا هو السر الحقيقي في عمل م. نايت شيامالان الصادر عام 1999. فالسؤال ليس فقط: كيف لم نكتشف أن مالكوم كرو كان ميتًا؟ السؤال الأهم هو: كيف استطاع الفيلم أن يعرض أمامنا رجلًا ميتًا طوال هذا الوقت، من دون أن يكذب علينا مرة واحدة تقريبًا؟

هنا تتحول نهاية The Sixth Sense من مجرد «مفاجأة» إلى درس في السرد وفي طبيعة الإدراك نفسه. الفيلم لا يخفي الحقيقة خلف جدار، وإنما يضعها في زاوية النظر التي اعتدنا ألا نشك فيها.

تنبيه: تحتوي القراءة التالية على كشف كامل لنهاية الفيلم وأحداثه الأساسية. إذا لم تشاهد The Sixth Sense بعد، فمن الأفضل مشاهدة الفيلم أولًا ثم العودة إلى المقالة.

ما الذي حدث لمالكوم كرو فعلًا؟

يبدأ الفيلم بالطبيب النفسي للأطفال مالكوم كرو، الذي يؤدي دوره بروس ويليس، وهو يعيش لحظة يفترض أنها من أسعد لحظات حياته المهنية. فقد حصل على تكريم تقديرًا لعمله، ويبدو أن أمامه حياة مستقرة مع زوجته آنا. لكن الماضي يقتحم المنزل في صورة فينسنت غراي، أحد مرضاه السابقين، الذي يحمل في داخله غضبًا عميقًا لأن الطبيب، في نظره، لم يفهم ما كان يعانيه.

يطلق فينسنت النار على مالكوم، ثم يقتل نفسه. بعد ذلك ينتقل الفيلم زمنيًا، فنرى مالكوم وقد بدأ الاهتمام بطفل جديد يدعى كول سير، يؤدي دوره هالي جويل أوسمنت. ولأن جرح إطلاق النار لا يعود موضوعًا مباشرًا، يتعامل عقل المشاهد تلقائيًا مع الانتقال الزمني بوصفه إعلانًا ضمنيًا بأن مالكوم نجا وتعافى وعاد إلى عمله.

لكن الفيلم لم يقل ذلك قط.

هذه نقطة شديدة الأهمية. نحن الذين أكملنا الفراغ. رأينا رجلًا مصابًا في مشهد، ثم رأيناه بعد أشهر يسير ويتحدث، فأنشأنا بأنفسنا الجزء المفقود من القصة: نُقل إلى المستشفى، عولج، نجا، عاد إلى حياته. لا يعرض شيامالان شيئًا من ذلك، لكنه يعرف أن المتفرج سيكتبه في ذهنه من دون أن يطلب منه أحد.

وفي النهاية نكتشف أن الرصاصة قتلت مالكوم في تلك الليلة. الرجل الذي تابعناه طوال معظم الفيلم ليس ناجيًا من الموت، بل واحد من الموتى الذين يراهم كول.

لماذا لم نلاحظ أن مالكوم ميت؟

لأن الفيلم لم يحتج إلى خداع العين بقدر ما احتاج إلى خداع التوقع.

نحن ندخل الحكاية ونحن نعرف أن بروس ويليس هو الشخصية الرئيسية، وأنه طبيب نفسي، وأن الطفل الذي أمامه يعاني مشكلة غامضة. وبمجرد أن يتشكل هذا الإطار، تبدأ عقولنا في تفسير كل شيء وفقه: الطبيب يعالج الطفل، وزوجته غاضبة منه، وزواجه يتفكك، وهو يحاول استعادة التواصل معها.

لكن بعد معرفة النهاية يتغير معنى هذه المشاهد جذريًا. آنا لا تعاقب مالكوم بالصمت. إنها لا تراه أصلًا. وعندما يجلس أمامها في المطعم في ذكرى زواجهما، لا نشاهد زوجة ترفض الحديث مع زوجها المتأخر، بل امرأة تجلس وحدها أمام ذكرى رجل فقدته.

إنه مثال بالغ الذكاء على الفرق بين ما تعرضه الكاميرا وما يستنتجه المتفرج. الصورة واحدة في المشاهدتين الأولى والثانية، لكن المعنى مختلف تمامًا.

الفيلم لا يجعل أحدًا يتحدث مع مالكوم بعد موته

هذه من أكثر الحيل السردية جرأة في الفيلم. بعد المشهد الافتتاحي، لا يقدم لنا شيامالان حوارًا طبيعيًا واضحًا بين مالكوم وشخص حي آخر باستثناء كول.

ومع ذلك لا يبدو الأمر غريبًا في المشاهدة الأولى.

حين نراه في منزل كول، يمكن أن نفترض أن الأم تعرف أنه طبيب جاء لمساعدة ابنها. وحين يجلس أمام آنا في المطعم، نفترض أنها غاضبة منه. وفي مشاهد أخرى يضع المخرج مالكوم في المكان المناسب بصريًا، فيبدو وجوده طبيعيًا حتى لو لم يعترف به أحد فعليًا.

هنا تكمن براعة المونتاج. الفيلم يضع لقطتين متجاورتين، بينما عقل المشاهد هو الذي ينشئ العلاقة السببية بينهما. فإذا رأينا مالكوم جالسًا في غرفة، ثم رأينا والدة كول في الغرفة نفسها، نفترض أن لقاءً وقع بينهما، حتى لو لم نسمع تحية ولم نشاهد مصافحة ولم يحدث حوار حقيقي.

إننا لا نشاهد فقط ما تعرضه الشاشة؛ نشاهد أيضًا ما نتوقع أن يكون قد حدث خارج حدودها.

العشاء مع آنا: المشهد الذي يغير معناه بالكامل

من أشهر الأمثلة على ذلك مشهد المطعم. يصل مالكوم إلى الطاولة حيث تجلس آنا وحدها. يعتذر، لكنها لا تجيبه. ثم تدفع الحساب وتغادر.

في المشاهدة الأولى يبدو التفسير جاهزًا: الزوج أهمل زوجته بسبب انشغاله بعمله، وهي تعاقبه بالصمت. بل إن الفيلم سبق أن زرع في أذهاننا فكرة وجود أزمة زوجية، ولذلك نستقبل المشهد من دون مقاومة.

لكن الحقيقة أكثر حزنًا بكثير. آنا لم تكن في موعد مع مالكوم. كانت وحيدة في ذكرى زواجهما، تستعيد علاقتها بزوج مات.

وعندما نعيد مشاهدة المشهد نكتشف شيئًا قاسيًا: مالكوم هو الذي يحتاج إلى تفسير سلوكها بوصفه غضبًا، لأن البديل هو الاعتراف بأنه لم يعد جزءًا من عالمها.

وهنا يصبح الالتواء السردي مأساة، لا مجرد لعبة ذكية. فالرجل لا يخدع المشاهد فقط؛ إنه يخدع نفسه.

لماذا لا يعرف مالكوم أنه ميت؟

الجواب موجود داخل الفيلم نفسه، وفي الجملة الأشهر التي يقولها كول عن الموتى. فهو يشرح أنهم لا يعرفون أنهم ماتوا، وأنهم يرون ما يريدون رؤيته.

في المشاهدة الأولى نتعامل مع هذه القاعدة بوصفها وصفًا للأشباح التي ترعب الطفل. لكن الفيلم يكون في الحقيقة قد أعطانا المفتاح إلى شخصيته الرئيسية.

مالكوم لا يرى نفسه شبحًا. يرى طبيبًا فشل سابقًا مع طفل، ويحاول الآن إنقاذ طفل آخر. إنه يحتاج إلى هذه المهمة كي يمنح وجوده معنى. لذلك يبني وعيه عالمًا يستطيع فيه الاستمرار: زوجته غاضبة منه، باب القبو مغلق، حياته الزوجية تمر بأزمة، وعمله مع كول ما زال مستمرًا.

بهذا المعنى، لا يكون الموت في الفيلم مجرد توقف للجسد، بل عجزًا عن إدراك أن مرحلة من الوجود انتهت.

الباب الذي لم يكن مغلقًا كما اعتقدنا

من الإشارات الصغيرة التي تصبح واضحة بعد معرفة الحقيقة باب القبو في منزل مالكوم. نراه يتعامل معه كما لو كان مغلقًا أمامه، ونقبل تفسيره الطبيعي للمشهد.

لكن الفيلم يتعمد ألا يرينا مالكوم وهو يفتح الأبواب بالطريقة العادية. وعند النهاية نفهم أن الأمر الذي بدا عائقًا منزليًا بسيطًا كان دليلًا على انفصاله عن العالم المادي.

المثير هنا أن المشاهد لا يسأل عادة: كيف دخل مالكوم إلى هذه الغرفة؟ كيف خرج؟ من فتح له الباب؟ لأن السينما دربتنا على قبول الحذف الزمني. يكفي أن نراه في مكان ثم في مكان آخر حتى نفترض أن الحركة الطبيعية بينهما حدثت خارج الشاشة.

شيامالان يحول هذه العادة السينمائية نفسها إلى أداة للخداع.

اللون الأحمر: عندما يقترب العالمان

من أكثر العناصر البصرية شهرة في The Sixth Sense الاستخدام المقصود للون الأحمر. الفيلم ذو لوحة لونية هادئة نسبيًا، ولذلك يكتسب الأحمر حضورًا لافتًا حين يظهر.

نراه في باب الكنيسة، وفي البالون، وفي خيمة كول، وفي مقبض باب القبو، وفي ملابس أو أشياء مرتبطة بلحظات تتقاطع فيها حدود الحياة والموت أو تبلغ فيها المشاعر درجة عالية من التوتر.

ولا يعمل اللون هنا كرمز ساذج بمعنى أن «كل شيء أحمر يعني شبحًا». وظيفته أكثر مرونة: إنه إشارة بصرية إلى منطقة أصبح فيها العالم المألوف ملوثًا بحضور العالم الآخر، أو إلى لحظة يقترب فيها المكبوت من الظهور.

والجميل أن المشاهد يستطيع رؤية الأحمر من دون أن يفهم القاعدة. إنه يشعر به قبل أن يفسره. وحين يعود إلى الفيلم بعد معرفة النهاية تتحول هذه البقع اللونية إلى علامات كانت موجودة طوال الوقت.

حتى ملابس مالكوم كانت تقول الحقيقة

هناك تفصيل أكثر خفاءً يتعلق بملابس مالكوم. ما يرتديه خلال الفيلم مرتبط بالملابس التي كان يرتديها أو تعامل معها في الليلة التي مات فيها. ظاهريًا يبدو أنه يغير مظهره، لكن هذا التغيير لا يعني بالضرورة أن خزانة ملابسه ما زالت جزءًا من حياة يومية مستمرة.

هذه الفكرة تنسجم مع قاعدة الفيلم الأساسية: الموتى لا يعيشون حاضرًا طبيعيًا؛ إنهم يدورون حول أشياء لم يستطيعوا تجاوزها.

ولهذا يبدو مالكوم، بطريقة خفية، عالقًا في الليلة التي انتهت فيها حياته، حتى وهو يعتقد أنه يتحرك إلى الأمام.

لماذا يستطيع كول رؤية مالكوم؟

كول لا يعاني من هلوسة بالمعنى الذي يفترضه الكبار المحيطون به داخل الحكاية. الفيلم يطلب منا، ضمن منطقه الدرامي، أن نقبل أن قدرته حقيقية: إنه يرى الموتى ويسمعهم.

لكن المفارقة أن مالكوم، الطبيب الذي جاء لكي «يعالج» الطفل، يبدأ من الفرضية نفسها التي يبدأ منها المشاهد: كول طفل مضطرب يحتاج إلى تفسير نفسي لما يراه.

ثم يبدأ الشك عندما يستمع مالكوم إلى تسجيل قديم لجلسة مع فينسنت غراي، المريض الذي أطلق عليه النار. في خلفية التسجيل يسمع صوتًا لم يكن قد أدركه من قبل. عندها يصبح احتمال أن يكون فينسنت قد عانى التجربة نفسها التي يعانيها كول أكثر إقناعًا بالنسبة إليه.

وهنا تظهر عقدة الذنب التي يحملها مالكوم. لقد أخطأ في فهم فينسنت، ويريد ألا يكرر الخطأ مع كول. لذلك تصبح مساعدة الطفل فرصة متأخرة لإصلاح فشل لم يعد بالإمكان إصلاحه مع المريض الأول.

لكن من الذي يعالج من؟

هذه ربما أجمل مفارقة في الفيلم كله.

في الظاهر، مالكوم هو الطبيب وكول هو المريض. الرجل البالغ يمتلك المعرفة المهنية، والطفل خائف ومضطرب ومنعزل عن الآخرين. لكن العلاقة تتغير تدريجيًا. مالكوم يساعد كول على فهم موهبته المخيفة، وكول يساعد مالكوم على فهم حقيقة وجوده.

حين ينصح مالكوم الطفل بأن يستمع إلى الموتى بدل الهرب منهم، يبدأ كول باكتشاف أن الأشباح ليست كلها قادمة لإيذائه. بعضها يريد شيئًا لم يستطع إنجازه، أو رسالة لم يتمكن من إيصالها.

ومن هنا تأتي قصة كيرا، الطفلة الميتة التي تقود كول إلى دليل يكشف حقيقة ما جرى لها. في هذه اللحظة تتحول «الحاسة السادسة» من لعنة خالصة إلى إمكانية للتواصل وإكمال القصص التي انقطعت.

لكن القاعدة نفسها تنطبق على مالكوم. هو أيضًا ميت لديه أمر غير مكتمل. يحتاج إلى مساعدة كول، وإن كان لا يعرف ذلك بعد.

لماذا كانت قصة فينسنت ضرورية؟

يمكن النظر إلى فينسنت باعتباره مجرد وسيلة لقتل مالكوم في بداية الفيلم، لكن وظيفته أعمق بكثير.

فينسنت هو الصورة الممكنة لمستقبل كول إذا استمر الجميع في تكذيب تجربته. طفل خائف كبر وهو يحمل رعبه وحده، بينما الشخص الذي كان يفترض أن يساعده أخطأ في تشخيص ما يحدث له داخل منطق الفيلم.

ولذلك فإن علاقة مالكوم بكول ليست حالة مهنية جديدة فحسب. إنها محاولة للتكفير عن خطأ قديم. إنه يريد أن ينجح هذه المرة، لأن نجاحه مع كول يعني أنه لم يفشل تمامًا بوصفه طبيبًا وإنسانًا.

وهذا يفسر لماذا يظل متعلقًا بالعالم بعد موته. لديه مهمتان لم تكتملَا: أن يساعد الطفل الذي يذكره بفشله القديم، وأن يقول لزوجته ما لم يستطع قوله قبل رحيله.

المشهد الأخير: خاتمة قصة حب لا قصة أشباح

تصل الحقيقة إلى مالكوم عندما يرى آنا نائمة ويسمع كلماتها ويرى خاتم الزواج يسقط من يدها. ينظر إلى يده ويدرك أن الخاتم ليس فيها.

عندها تنهار القصة التي كان قد بناها لنفسه.

تعود الصور السابقة في ذاكرته وفي ذاكرة المشاهد: إطلاق النار، صمت آنا، الأبواب، كول، قاعدة الموتى الذين لا يعرفون أنهم ماتوا. وفجأة تصبح كل التفاصيل أجزاء من إجابة كانت موجودة منذ البداية.

لكن شيامالان لا يترك الفيلم عند لحظة «لقد كان ميتًا طوال الوقت». لو فعل ذلك لتحولت النهاية إلى خدعة سينمائية ممتازة فحسب. بدلًا من ذلك، يمنح مالكوم لحظة وداع.

يتحدث إلى آنا وهي نائمة، ويخبرها بما تحتاج إلى سماعه كي تستطيع الاستمرار. وفي الوقت نفسه يفهم هو أن عليه الرحيل.

وهكذا تصبح معرفة موته وسيلة لتحريرهما معًا: هي من انتظار رجل لن يعود، وهو من وهم أن حياته القديمة ما زالت مستمرة.

هل الفيلم عن الأشباح فعلًا؟

على السطح نعم. لدينا طفل يرى الموتى، وأشباح تظهر فجأة، وبيوت باردة وأصوات مجهولة ووجوه تحمل آثار موتها.

لكن تحت هذا البناء، يبدو The Sixth Sense فيلمًا عن أناس لا يستطيعون قول ما يؤلمهم.

كول لا يستطيع إخبار أمه بما يراه خوفًا من ألا تصدقه. مالكوم لم يفهم فينسنت حين حاول التعبير عن خوفه. آنا لا تستطيع الحديث إلى زوجها الميت. الموتى أنفسهم يظهرون لأن شيئًا ما بقي عالقًا بينهم وبين الأحياء.

المشكلة المشتركة ليست الموت وحده، بل انقطاع الاتصال.

ولهذا تبلغ العلاقة بين كول وأمه ذروة عاطفية حين يقرر أخيرًا أن يقول لها الحقيقة، ويقدم لها شيئًا لا يمكن تفسيره بسهولة بوصفه خيال طفل. في تلك اللحظة لا ينتصر كول على الأشباح؛ ينتصر على الخوف من الكلام.

الخوف الحقيقي هو ألا يصدقنا أحد

الأشباح مخيفة، لكن عزلة كول أشد قسوة منها. إنه يعيش تجربة لا يستطيع مشاركتها، وكل محاولة للكلام قد تجعله يبدو كاذبًا أو مريضًا أو غريبًا.

ومن هنا تأتي القوة الإنسانية للفيلم. فكثير من الناس لا يرون موتى، بطبيعة الحال، لكنهم يعرفون شعور أن تحمل تجربة لا تجد اللغة المناسبة لشرحها، أو أن تقول الحقيقة فينظر الآخرون إليك كما لو أنك تتحدث عن عالم لا وجود له.

يصبح الإصغاء لذلك قيمة أخلاقية في الفيلم. مالكوم ينجح مع كول عندما يتوقف عن محاولة وضع تجربته فورًا داخل تفسير جاهز، ويبدأ بالاستماع إليه.

وكول ينجح مع الموتى بالطريقة نفسها: حين يتوقف عن الهرب منهم ويسأل، ضمنيًا، ماذا يريدون؟

هل The Sixth Sense مبني على قصة حقيقية؟

لا يقدم الفيلم نفسه بوصفه قصة مبنية على واقعة حقيقية، وشخصيات مالكوم كرو وكول سير والحكاية المركزية جزء من بناء درامي خيالي كتبه شيامالان. لذلك لا ينبغي الخلط بين مواقع التصوير الحقيقية في فيلادلفيا وبين كون الأحداث نفسها حقيقية.

الكنيسة الظاهرة في الصورة أعلى المقالة، على سبيل المثال، مكان حقيقي هو كنيسة القديس أوغسطين في فيلادلفيا، وقد استُخدمت في تصوير مشاهد من الفيلم. لكن حقيقة المكان لا تجعل حكاية كول ومالكوم واقعة تاريخية.

وهذا التمييز مهم لأن قوة الفيلم لا تأتي من ادعائه أن الأشباح التي نراها حقيقية، بل من قدرته على بناء عالم داخلي متماسك يجعلنا، أثناء المشاهدة، نقبل قوانينه ونشعر بالخوف والحزن من خلالها.

لماذا تعمل النهاية حتى بعد أن نعرفها؟

عادة ما تكون المشكلة في الأفلام التي تعتمد على المفاجأة أن قيمتها تنخفض بمجرد معرفة السر. إذا كان كل ما تملكه الحكاية هو الإجابة عن سؤال «من فعلها؟» أو «ما الحقيقة؟»، فإن المشاهدة الثانية قد تتحول إلى تكرار.

أما The Sixth Sense فيحدث معه العكس تقريبًا.

المشاهدة الأولى تجعلنا نعيش مع مالكوم داخل وهمه. المشاهدة الثانية تجعلنا نعيش مع كول داخل معرفته.

في المرة الأولى نعتقد أن الطفل هو الشخصية التي لا نفهم عالمها. وفي المرة الثانية ندرك أنه، في بعض المشاهد، الشخص الوحيد الذي يعرف طبيعة الرجل الجالس أمامه.

حتى صمته ونظراته إلى مالكوم تتغير دلالتها. ما بدا في البداية تردد طفل أمام طبيب غريب يصبح أكثر تعقيدًا: كول يرى رجلًا ميتًا، لكنه لا يعرف بعد إن كان هذا الميت سيؤذيه أم لا.

وبذلك لا تدمر النهاية الفيلم السابق عليها، بل تعيد كتابته في ذهن المشاهد.

هل خدعنا شيامالان بطريقة غير عادلة؟

هذا سؤال مهم لأن هناك فرقًا بين المفاجأة العادلة والمفاجأة المصطنعة. يستطيع أي كاتب أن يخفي معلومة ثم يكشفها في النهاية، لكن ذلك لا يصنع بالضرورة نهاية جيدة.

قوة The Sixth Sense أن الفيلم يترك الأدلة في الصورة وفي الحوار وفي قواعد عالمه. لا نحتاج بعد النهاية إلى اختراع تفسير جديد كي تعمل الحكاية. بل نستطيع العودة إلى المشاهد السابقة واكتشاف أن معظمها كان قابلًا لقراءة أخرى منذ البداية.

إنه لا يقول لنا إن آنا تحدثت مع مالكوم ثم يتراجع عن ذلك. يجعلنا نفترض أنها كانت تتجاهله. ولا يرينا مالكوم يتعافى من الرصاصة ثم يعلن أنه مات. يقطع ببساطة من حادثة إطلاق النار إلى زمن لاحق، ونحن نملأ الفراغ.

بهذا المعنى، كان المشاهد شريكًا في الخدعة.

فيلادلفيا ليست مجرد خلفية

اختيار فيلادلفيا يمنح الفيلم أيضًا ملمسًا مختلفًا عن الرعب الذي يعتمد على الأماكن المعزولة أو القصور المهجورة. الأشباح هنا موجودة في مدينة مأهولة: في البيوت والشوارع والمدارس والكنائس والحافلات.

إنها تعيش بجوار الحياة اليومية.

وهذا ينسجم مع الفكرة الأساسية للفيلم. العالم الآخر ليس مملكة منفصلة نصل إليها عبر باب سحري؛ إنه حاضر داخل العالم العادي، لكن معظم الناس لا يرونه.

لذلك تبدو الكنيسة التي يلجأ إليها كول مناسبة بصورة خاصة. إنها مكان يبحث فيه الطفل عن الأمان من شيء لا يستطيع الآخرون رؤيته، وفي الوقت نفسه تصبح أبوابها وألوانها جزءًا من اللغة البصرية التي ينسج بها الفيلم علاقته بين المرئي والخفي.

سر The Sixth Sense الحقيقي

بعد أكثر من عقدين على ظهوره، قد يعرف كثير من المشاهدين سر النهاية قبل مشاهدة الفيلم للمرة الأولى. أصبحت المفاجأة جزءًا من الثقافة السينمائية الشعبية، مثل بعض النهايات الشهيرة التي انفصلت عن أفلامها وصارت معروفة حتى لمن لم يشاهدها.

ومع ذلك، فإن اختزال The Sixth Sense في عبارة «بروس ويليس كان ميتًا» يظلمه كثيرًا.

لأن السر ليس أن مالكوم مات.

السر هو كيف استطاع الفيلم أن يجعلنا نعيش معه بعد موته ونفسر العالم بالطريقة التي يفسرها هو. مالكوم يريد أن يعتقد أن زوجته غاضبة منه، ونحن نصدقه. يريد أن يعتقد أن الباب مغلق، فنراه مغلقًا. يريد أن يعتقد أنه جاء لإنقاذ كول، فنمنحه تلقائيًا دور الطبيب الذي يملك الإجابات.

ثم يقلب الفيلم العلاقة كلها: الطفل الذي حسبناه محتاجًا إلى العلاج كان الشخص الوحيد القادر على رؤية حقيقة الطبيب.

وهنا تتجاوز الحكاية لعبة الأشباح. كل شخصية تقريبًا ترى جزءًا من الحقيقة وتفشل في رؤية الجزء الآخر. الأم ترى خوف ابنها ولا تعرف سببه. مالكوم يرى ألم كول ولا يعرف في البداية أنه حقيقي داخل عالم الفيلم. كول يرى الموتى لكنه لا يعرف لماذا يأتون إليه. وآنا تشعر بحضور زوجها في حياتها من دون أن تستطيع الوصول إليه.

إنها حكاية عن المسافة بين أن يكون الشيء أمام أعيننا وأن نكون قادرين فعلًا على رؤيته.

النهاية التي تعيدنا إلى البداية

أفضل النهايات ليست تلك التي تغلق الحكاية فحسب، بل تلك التي تغير معنى الطريق الذي أوصلنا إليها. وهذا بالضبط ما يفعله The Sixth Sense.

بعد انكشاف الحقيقة، لا تعود البداية مجرد مشهد إطلاق نار، ولا يصبح صمت آنا مجرد أزمة زوجية، ولا تبدو نظرات كول مجرد خوف من طبيب جديد. كل شيء يتحرك إلى مكان مختلف داخل الصورة.

ولهذا بقي الفيلم حاضرًا في النقاش السينمائي رغم أن مفاجأته لم تعد سرًا. يمكن حرق النهاية في جملة واحدة، لكن لا يمكن اختصار الطريقة التي بناها بها الفيلم في تلك الجملة.

ربما لهذا السبب يكون السؤال الأكثر إثارة بعد انتهاء الفيلم ليس: «كيف لم أعرف أن مالكوم كان ميتًا؟» بل سؤال أكثر إزعاجًا: كم مرة أعطاني الفيلم الحقيقة، ثم أقنعتُ نفسي بتفسير آخر لأنها لم تكن الحقيقة التي توقعتها؟

لو شاهدت The Sixth Sense مرة ثانية بعد معرفة النهاية، فأي مشهد تعتقد أنه سيتغير أكثر في عينيك: عشاء مالكوم وآنا، أم لقاءاته الأولى مع كول، أم لحظة اكتشافه الأخيرة؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق