اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

ألف ليلة وليلة: من كتبها فعلًا؟ وكيف أصبح أشهر كتاب عربي بلا مؤلف؟

مخطوطات وحكايات متراكمة في مشهد ليلي يستحضر عالم ألف ليلة وليلة
صورة توضيحية أصلية تستحضر عالم المخطوطات والسرد الليلي في ألف ليلة وليلة، وليست وثيقة تاريخية.
كتاب صنعته قرون من الرواة والنسّاخ والمترجمين بدل أن يكتبه مؤلف واحد

من كتب ألف ليلة وليلة؟ يبدو السؤال بسيطًا إلى درجة أننا نتوقع اسمًا، وتاريخ ميلاد، وربما حكاية عن كاتب جلس في ليلة بعيدة وبدأ تأليف شهرزاد وشهريار. لكن البحث عن ذلك الكاتب يقود إلى نتيجة أكثر غرابة من كثير من حكايات الكتاب نفسه: لا نعرف مؤلف ألف ليلة وليلة لأن الكتاب، بالمعنى الذي وصل إلينا، لم يكن على الأرجح عمل مؤلف واحد أصلًا.

إنه كتاب تكون ببطء. انتقلت إليه حكايات من بيئات مختلفة، وعاشت بعض مواده شفهيًا، ونسخت أجزاء منه، وأعيدت صياغتها، ودخلت عليه قصص جديدة، وسقطت أخرى، وتغير ترتيب الليالي والحكايات. ولهذا فإن محاولة البحث عن "المؤلف الحقيقي" تشبه أحيانًا البحث عن الشخص الذي ألّف مدينة قديمة: يمكن معرفة من بنى هذا الجدار أو ذلك الباب، لكن المدينة بأكملها ثمرة أزمنة وأيد كثيرة.

الجواب المختصر: لا يوجد دليل على أن شخصًا واحدًا كتب ألف ليلة وليلة. تشير الشواهد التاريخية إلى أن للكتاب نواة قديمة ارتبطت بمجموعة فارسية عرفت باسم "هزار أفسان"، ثم انتقلت الحكايات إلى العربية وتوسعت فيها على مدى قرون، وأضيفت إليها مواد عربية وفارسية وهندية وغيرها. لذلك فالأدق أن ننظر إلى ألف ليلة وليلة بوصفه نصًا تراكميًا ذا تاريخ طويل، لا كتابًا ذا مؤلف مجهول فحسب.


إذا لم يكن لها مؤلف، فمن أين بدأت الحكاية؟

واحدة من أقدم الخيوط التي تسمح لنا بالعودة إلى تاريخ الكتاب تقود إلى اسم فارسي هو "هزار أفسان"، أي ما يقارب معنى "ألف حكاية". في القرن العاشر الميلادي ذكر المسعودي كتابًا بهذا الاسم ضمن حديثه عن القصص والكتب المترجمة، وربطه بالحكاية التي تقوم على ملك وفتاة تروي له القصص. وبعده تحدث ابن النديم في "الفهرست" عن المجموعة نفسها، ووصف بنية قريبة بصورة لافتة من الإطار الذي نعرفه اليوم.

هذه الشهادات لا تعني أن نسخة ألف ليلة وليلة الموجودة على رفوف المكتبات اليوم كانت موجودة بكاملها في القرن العاشر. هنا تحديدًا يقع الخطأ الذي قد يصنعه الاسم الواحد. عندما نسمع أن كتابًا قديمًا كان يسمى "ألف ليلة" أو أن نواة فارسية سبقت النص العربي، يسهل أن نتخيل كتابًا كاملًا انتقل من الفارسية إلى العربية كما تترجم رواية حديثة من لغة إلى أخرى.

لكن تاريخ الليالي يبدو أعقد من ذلك. ما انتقل في مرحلة مبكرة ربما كان إطارًا حكائيًا ومجموعة محدودة من القصص، ثم بدأت عملية طويلة من الإضافة والتعديل والاستيعاب. احتفظ النص بذاكرة أصوله القديمة، لكنه لم يبق أسيرها.

وهذه إحدى الصفات التي تجعل السؤال عن أصل ألف ليلة وليلة مختلفًا عن سؤال من نوع "من كتب رواية البؤساء؟". في حالة فيكتور هوغو لدينا مؤلف معروف ونص يمكن تتبع طبعاته ومخطوطاته. أما هنا فنحن أمام تقليد سردي تشكل قبل أن تصبح فكرة المؤلف الفرد صاحب النص بالصورة الحديثة هي الطريقة الوحيدة التي نفهم بها الأدب.

شهرزاد أقدم من النسخة التي نقرأها

المثير أن الإطار السردي نفسه، ذلك الذي صار أشهر من كثير من الحكايات الداخلية، يبدو من العناصر القديمة في تاريخ الكتاب.

ملك يكتشف الخيانة، فيتحول غضبه إلى عقاب متكرر للنساء. ثم تأتي شهرزاد، لا بسيف ولا بجيش، بل بحكاية. تبدأ قصة ولا تمنح الملك نهايتها عند الفجر. يضطر إلى تأجيل قتلها لكي يسمع البقية، وتتكرر اللعبة ليلة بعد أخرى.

ليست أهمية هذا الإطار في أنه مجرد حيلة تجمع القصص المتفرقة. إنه يمنح فعل القص نفسه ضرورة وجودية. شهرزاد لا تحكي لكي تملأ الوقت، بل لكي تصنع وقتًا إضافيًا. الجملة التالية تعني ليلة أخرى، والفضول يتحول إلى وسيلة لتأجيل الموت.

ولهذا يبدو من الجميل، وربما من المناسب جدًا، أن يكون الكتاب نفسه قد نجا بالطريقة التي نجت بها بطلته: عبر الاستمرار.

كل عصر يكمل ما قبله. كل راو يمكن أن يضيف. وكل ناسخ قد يجد أمامه نصًا غير مكتمل أو مختلفًا عن نص آخر. الكتاب الذي جعل استمرار الحكاية وسيلة للبقاء، بقي هو نفسه لأنه لم يتوقف عن التحول.

هل أصل ألف ليلة وليلة فارسي إذن؟

نعم ولا.

هناك أساس تاريخي قوي لربط مرحلة مبكرة من تاريخ الليالي بالمجموعة الفارسية "هزار أفسان". لكن تحويل هذه الحقيقة إلى عبارة مثل "ألف ليلة وليلة كتاب فارسي ترجم إلى العربية" يختصر قرونًا من التاريخ في خطوة واحدة.

فحتى عندما تصل مادة قصصية من ثقافة إلى أخرى، فإنها لا تبقى بالضرورة كما كانت. تتغير أسماء، ومدن، وأطعمة، وعادات، وأنماط كلام. تدخل قصص جديدة بجوار القديمة. وقد تنتقل الحكاية شفهيًا قبل أن تعود إلى الورق في صيغة أخرى.

وتكشف الليالي نفسها عن هذا التعدد. بغداد والقاهرة ودمشق ومدن بعيدة وجزر متخيلة وقصور وأسواق وطرق بحرية تتجاور في عالم سردي لا ينتمي إلى زمن واحد ولا مكان واحد. يظهر الخلفاء والتجار والبحارة والفقراء والمحتالون والقضاة والعشاق والجواري، وتختلط الذاكرة التاريخية بالخيال الشعبي والعجائبي.

إن البحث عن جنسية واحدة للكتاب يشبه، لذلك، البحث عن جنسية النهر عند المصب من دون النظر إلى الروافد التي صنعت مياهه.

يمكن الحديث عن أصل فارسي لإحدى طبقاته المبكرة، وعن عناصر ذات صلات هندية وفارسية، لكن ألف ليلة وليلة الذي أصبح جزءًا من الأدب العربي تكون داخل الثقافة العربية أيضًا، وامتص منها مدنًا وشخصيات ولغة وحياة اجتماعية وخيالًا سرديًا هائلًا.

أقدم ورقة لا تعطينا مؤلفًا

من الشواهد المهمة في هذا التاريخ قطعة مخطوطة درستها الباحثة نبيهة عبود في القرن العشرين، ورجعتها إلى القرن التاسع الميلادي. أهميتها أنها تثبت وجود تقليد عربي مبكر يحمل اسم "ألف ليلة" قبل المخطوطات الكبيرة التي وصلتنا بقرون.

لكن المفارقة أن الوثيقة كلما دفعت تاريخ الكتاب إلى الوراء، أبعدتنا أكثر عن فكرة العثور على مؤلفه.

لو كان لدينا مخطوط يقول في مقدمته إن فلانًا وضع هذا الكتاب في سنة محددة لتغير السؤال جذريًا. لكن ما يظهر بدلًا من ذلك هو سلسلة من الشواهد المتناثرة. نعرف أن نصوصًا وحكايات كانت موجودة، ونجد إشارات إليها في كتب قديمة، ثم تظهر مخطوطات من عصور لاحقة لا تتطابق تمامًا فيما بينها.

نحن إذن لا نفتقد اسم المؤلف لأن الصفحة الأولى من نسخة وحيدة ضاعت. نحن نفتقده لأن تاريخ النص نفسه لا يشير بوضوح إلى وجود ذلك المؤلف الفرد الذي نبحث عنه.

لماذا تختلف نسخ ألف ليلة وليلة؟

هذه هي النقطة التي تكشف طبيعة الكتاب أكثر من أي نظرية عن أصله.

لا يوجد نص مخطوط واحد كامل وقديم يمكن أن نقول إنه الأصل الذي نسخت عنه كل الطبعات اللاحقة. المخطوطات تختلف في الحكايات وعدد الليالي وترتيب المواد وأسلوبها. ومع مرور الزمن ظهرت تقاليد نصية مختلفة، وخصوصًا ما يصنفه الباحثون عادة ضمن تقاليد سورية ومصرية.

ولذلك قد يقرأ شخص طبعة من ألف ليلة وليلة ثم يفتح طبعة أخرى فيكتشف أن بعض القصص تغير موقعها أو اختفت أو ظهرت حكايات لم يجدها في الأولى.

الأمر ليس خطأ مطبعيًا ضخمًا امتد مئات السنين. الاختلاف نفسه جزء من تاريخ الكتاب.

إننا معتادون اليوم على تصور النص باعتباره شيئًا يثبته المؤلف ثم تحرسه الطبعة. أما ألف ليلة وليلة فينتمي إلى عالم كان الحد بين الشفهي والمكتوب فيه أكثر مرونة، وكانت الحكاية قادرة على الانتقال وإعادة التشكل من دون أن يشعر ناقلها أنه يرتكب جريمة في حق "النص الأصلي".

وربما لهذا السبب يبدو الكتاب، عندما ننظر إليه عن قرب، أشبه بمكتبة صغيرة داخل كتاب. بعض الحكايات قصيرة، وبعضها يمتد عبر ليال كثيرة. قصة تدخل في قصة، وداخلها يبدأ شخص آخر في السرد، حتى يجد القارئ نفسه بعيدًا طبقات عن اللحظة التي بدأت فيها شهرزاد الكلام.

هل كان عدد الليالي ألفًا وواحدة منذ البداية؟

ليس لدينا ما يثبت أن جميع المراحل المبكرة للكتاب احتوت فعلًا على ألف ليلة وليلة مرقمة بالحساب الذي نعرفه الآن.

فالرقم يمكن أن يعمل أدبيًا قبل أن يعمل حسابيًا. ألف في المخيلة القديمة ليست دائمًا مجرد حاصل عد دقيق، بل يمكن أن توحي بالكثرة والامتداد. وإضافة الواحد تجعل الرقم أكثر غرابة، وكأن الحكاية تجاوزت الاكتمال المتوقع بليلة أخرى.

ومع تطور النصوص والنسخ ظهر ميل إلى جعل العنوان حقيقة داخل بنية الكتاب، أي إلى ملء العدد وتوزيع القصص على الليالي حتى يصل السرد إلى الليلة الألف والواحدة.

وهكذا يمكن أن يحدث شيء نادر في تاريخ الكتب: بدل أن يصف العنوان كتابًا مكتملًا، قد يسهم العنوان نفسه في دفع الأجيال اللاحقة إلى توسيع الكتاب حتى يصبح جديرًا باسمه.

ثم جاء أنطوان غالان وتغير مصير الليالي

في أوائل القرن الثامن عشر بدأ المستشرق الفرنسي أنطوان غالان نشر ترجمته الفرنسية لألف ليلة وليلة. وكانت هذه الترجمة محطة حاسمة في انتقال الكتاب إلى أوروبا، حتى إن صورة "الليالي العربية" في الخيال الغربي أصبحت لاحقًا مرتبطة في جانب كبير بما وصل عبر غالان ومن جاء بعده.

استخدم غالان مخطوطًا عربيًا أصبح من أهم الشواهد على التقليد القديم للكتاب، ومحفوظًا اليوم في المكتبة الوطنية الفرنسية. لكنه وصل إلى نهاية المادة التي كانت لديه قبل أن ينتهي مشروع النشر.

ثم وقع حدث يكاد يصلح بنفسه لأن يكون حكاية من الليالي.

في باريس التقى غالان شابًا مارونيًا من حلب اسمه حنا دياب. كان دياب يعرف مجموعة من القصص، فاستمع إليه غالان ودون عناوين وحكايات مما رواه. ومن هذه الحلقة دخلت إلى عالم ألف ليلة وليلة الأوروبي قصص أصبحت مع الزمن أشهر من أجزاء كبيرة من المخطوطات القديمة.

المفاجأة: علاء الدين لم يكن في مخطوط غالان القديم

حين يسأل طفل اليوم عن ألف ليلة وليلة، فربما يكون أول ما يخطر بباله علاء الدين والمصباح السحري. وقد ينافسه علي بابا والأربعون لصًا.

لكن حضور الحكاية في الذاكرة الحديثة لا يعني أنها كانت جزءًا من أقدم النسخ التي نعرفها.

قصة علاء الدين، التي ارتبطت بقوة بالكتاب في الثقافة العالمية، لم تكن موجودة في المخطوط العربي القديم الذي بدأ منه غالان. ويرتبط وصولها إليه بحنا دياب، الذي روى له حكايات أثناء إقامته في باريس. وتشير مذكرات غالان ووثائقه إلى دور دياب في هذا الجزء من تاريخ الليالي.

هذه الحقيقة تغير قليلًا السؤال الذي بدأنا به.

فبدل أن نسأل فقط: من كتب ألف ليلة وليلة؟ يصبح علينا أن نسأل أيضًا: متى تصبح الحكاية جزءًا من كتاب؟

هل تدخل إليه لأنها ظهرت في مخطوط قديم؟ أم لأنها ضمت إلى ترجمة واسعة الانتشار؟ أم لأن أجيالًا من القراء قبلتها حتى لم يعد بإمكانهم تصور الكتاب من دونها؟

لو نزعنا من الذاكرة العالمية كل ما لم يكن موجودًا في أقدم المخطوطات، فقد نحصل على نص أكثر نقاء من منظور التحقيق، لكنه لن يكون بالضرورة ألف ليلة وليلة التي عاشها القراء عبر القرون.

هل كان غالان مترجمًا أم مؤلفًا مشاركًا؟

وصف غالان بأنه مترجم صحيح، لكنه لا يشرح كل شيء.

فالترجمة في عصره لم تكن دائمًا محكومة بفكرة الأمانة الحرفية التي يطالب بها قارئ معاصر. عدل غالان مواد، واختصر مواضع، وكيّف أسلوب الحكايات لذائقة جمهوره الفرنسي. ثم استخدم مصادر لم تكن كلها المخطوط الذي بدأ منه.

هذا لا يعني أنه "اخترع ألف ليلة وليلة"، كما لا يصح اختزال حنا دياب إلى مجرد شخص زوده بقصص جاهزة. ما نراه هو مرحلة جديدة في حياة نص كان أصلًا يتغير عبر النقل.

الترجمة هنا لم تكن نافذة شفافة تطل منها أوروبا على كتاب عربي ثابت. كانت حدثًا أدبيًا أسهم في تكوين الصورة العالمية للكتاب.

ولعل هذا يفسر لماذا يصبح الحديث عن "النسخة الأصلية" شديد التعقيد. أي أصل نقصد؟ النواة الفارسية المفقودة؟ نصًا عربيًا في القرن التاسع؟ المخطوط السوري القديم؟ النسخ المصرية الموسعة؟ طبعة عربية لاحقة؟ أم الشكل العالمي الذي صنعته الترجمات وأضاف إليه تاريخ التلقي ما لم يكن موجودًا في بعض مراحله الأولى؟

أين يقف المؤلف وسط كل هؤلاء؟

حين نقول إن ألف ليلة وليلة بلا مؤلف، قد توحي العبارة بأن الكتاب ظهر من تلقاء نفسه. وهذا غير صحيح بالتأكيد.

وراءه بشر كثيرون.

كان هناك من روى الحكايات، ومن ترجمها، ومن كتبها، ومن نسخها، ومن هذب لغتها، ومن أضاف قصة سمعها في مكان آخر، ومن حذف شيئًا لم يناسب جمهوره، ومن جمع مواد متفرقة في مخطوط واحد.

المشكلة ليست غياب المؤلفين، بل كثرتهم إلى درجة أن مفهوم المؤلف المفرد يفقد قدرته على وصف العملية.

ولا نملك أسماء معظم هؤلاء.

قد يكون بينهم قصاصون مجهولون في الأسواق والمجالس، وكتبة محترفون، وأدباء أعادوا الصياغة، ورواة حملوا القصص من مدينة إلى أخرى. وبعض الحكايات ربما كانت موجودة في تقاليد مستقلة قبل أن تجد طريقها إلى عالم شهرزاد.

لهذا فإن كلمة "مجهول المؤلف" صحيحة فقط إذا فهمناها بحذر. إنها لا تعني بالضرورة أن شخصًا واحدًا كتب العمل وضاع اسمه. وقد تكون العبارة الأدق: إنه كتاب متعدد الصانعين، ضاعت أسماء معظمهم.

شهرزاد ليست مجرد راوية داخل الكتاب

إذا نظرنا إلى هذه الرحلة الطويلة، تأخذ شخصية شهرزاد معنى جديدًا.

فهي لا تؤلف عالمها من الصفر. إنها تعرف حكايات، وتختارها، وتعيد روايتها، وتضع الواحدة داخل الأخرى، وتعرف متى تتوقف ومتى تواصل.

وهذا قريب بصورة مدهشة من الطريقة التي تكون بها الكتاب نفسه.

شهرزاد، بهذا المعنى، ليست صورة للمؤلف الحديث المنعزل أمام ورقة، بل صورة لثقافة سردية تقوم على الذاكرة والنقل وإعادة التشكيل. قوتها ليست في الادعاء أن كل قصة خرجت من خيالها وحده، وإنما في قدرتها على تحويل ما تعرفه إلى بناء جديد يخدم اللحظة التي تعيش فيها.

وهنا يصبح الشكل الفني للكتاب متصلًا بتاريخه بطريقة نادرة. الحكايات المتداخلة داخل النص تشبه طبقات انتقال النص عبر التاريخ. راو يسلم الحكاية إلى راو، وشخصية تفتح قصة داخل قصة، وجيل من النسّاخ يسلّم الكتاب إلى جيل آخر وقد تغير قليلًا.

من الهند وفارس والعالم العربي إلى كتاب واحد

يحاول الباحثون منذ زمن طويل تتبع أصول كثير من أنماط الليالي وحكاياتها، وقد ظهرت صلات واضحة أو محتملة بتقاليد هندية وفارسية وعربية. لكن الرغبة في رسم شجرة نسب دقيقة لكل حكاية تصطدم غالبًا بطبيعة الأدب الشعبي نفسه.

الحكايات تسافر أسرع من المخطوطات.

يمكن لموضوع سردي أن يظهر في أكثر من ثقافة، ويمكن لقصة أن تنتقل شفهيًا من لغة إلى أخرى قبل أن يسجلها أحد. وبعد قرون يصبح من الصعب أحيانًا إثبات الطريق الذي سلكته.

لهذا يجب التمييز بين أمرين: وجود عناصر يمكن تتبعها تاريخيًا إلى تقاليد سابقة، والادعاء بأننا نستطيع تحديد مصدر نهائي لكل قصة.

الأول ممكن في حالات كثيرة، والثاني أكثر صعوبة.

ويزداد الأمر تعقيدًا لأن المدن الإسلامية في العصور الوسطى لم تكن جزرًا معزولة. التجارة والحج والسفر والترجمة والحروب والهجرة حملت البشر واللغات والحكايات معًا. كانت بغداد مثلًا مركزًا تستقبل فيه معارف وكتب ومواد من ثقافات متعددة، ثم يعاد إنتاجها بالعربية داخل بيئة جديدة.

ألف ليلة وليلة ثمرة مناسبة تمامًا لعالم من هذا النوع.

كتاب شعبي أم أدب كبير؟

لم يتمتع ألف ليلة وليلة دائمًا بالمكانة الأدبية التي نمنحه إياها اليوم. فقد نظر إليه بعض أصحاب الثقافة الرسمية القديمة باعتباره أدب تسلية أو حكايات للعامة، ولم يعامل بالطريقة التي عوملت بها كتب الشعر والبلاغة والتاريخ ذات المكانة العالية.

وربما كان هذا أحد أسباب حريته.

فالكتاب غير الخاضع تمامًا إلى سلطة الأدب الرسمي يستطيع أن يستقبل مواد لا تدخل بسهولة في الأجناس الرفيعة. فيه الجسد والشهوة والحيلة، وفيه السوق إلى جانب القصر، والنصاب إلى جانب الخليفة، والتاجر إلى جانب الجني.

وتتحرك الحكايات أحيانًا بجرأة بين الطبقات الاجتماعية، وتسمح للضعيف بأن ينتصر بالذكاء، وللمرأة بأن تنقذ نفسها بالكلام، وللفقير بأن يدخل عالم السلطان، وللحاكم أن يصبح موضوعًا للحكاية مثل غيره.

هذه المرونة هي جزء من سر بقاء الليالي. لم تكن ملحمة لسلالة واحدة ولا سيرة لبطل واحد ولا كتابًا مكرسًا لفكرة عقائدية ثابتة. كانت وعاء قادرًا على ابتلاع حكايات جديدة من دون أن يفقد هويته.

هل نستطيع إذن العثور على "ألف ليلة وليلة الأصلية"؟

يمكن للباحث أن يبحث عن أقدم طبقات النص، ويقارن المخطوطات، ويحاول إعادة بناء صيغة مبكرة. وهذا ما فعله محققون كبار في العصر الحديث، ومن أبرزهم محسن مهدي الذي عمل على تقليد المخطوط السوري القديم.

لكن استعادة صيغة قديمة لا تعني العثور على لحظة ولادة واحدة للكتاب بكل محتوياته.

النسخة المبكرة مهمة لأنها تسمح لنا برؤية النص قبل مراحل كثيرة من التوسع، لكنها ليست آلة زمن تعيدنا إلى شخص مجهول كتب أول جملة من المشروع الذي نعرفه.

وربما يكون البحث عن نسخة واحدة "حقيقية" ناتجًا عن عادتنا الحديثة أكثر مما هو نابع من طبيعة الليالي نفسها.

لقد تعلمنا من الرواية الحديثة أن هناك نصًا يكتبه شخص ثم ينشر. لكن ألف ليلة وليلة جاءت من نظام آخر للحياة الأدبية، تتجاور فيه الشفاهية والكتابة، ويستطيع النص أن يبقى مفتوحًا أجيالًا قبل أن تمنحه الطباعة شكلًا يبدو نهائيًا.

الطباعة هي التي جعلت البحر يبدو كتابًا

حين دخلت الليالي عصر الطباعة، بدأت النسخ تتصلب.

فالكتاب المطبوع يحتاج بداية ونهاية وصفحات مرقمة ومادة محددة. وعلى الناشر أن يقرر ماذا يدخل وماذا يستبعد. وما كان في عالم المخطوطات تقليدًا متحركًا أصبح في كل طبعة كيانًا له غلاف وحدود واضحة.

وهذا ما يجعل القارئ الحديث يتساءل تلقائيًا عن المؤلف.

الغلاف أمامه يقول: ألف ليلة وليلة. وتحت العنوان مساحة اعتاد أن يرى فيها اسم الكاتب. فإذا لم يجد الاسم، ظن أن هناك لغزًا تاريخيًا ينبغي حله.

لكن الفراغ تحت العنوان ليس مكانًا فقد منه اسم رجل واحد. إنه المكان الذي يقف فيه تاريخ كامل من الرواة والنسّاخ والمترجمين والمحررين.

من كتب ألف ليلة وليلة فعلًا؟

بعد كل هذه الرحلة يمكن أن نعود إلى السؤال الأول من دون أن نهرب منه.

لا نعرف شخصًا يمكن إثبات أنه مؤلف ألف ليلة وليلة، والأدلة المتوفرة لا تجعل وجود مؤلف واحد فرضية جيدة أصلًا. هناك نواة قديمة مرتبطة بتقاليد فارسية، وهناك شاهد عربي مبكر من القرن التاسع، وإشارات في مصادر القرن العاشر، ثم مخطوطات وتقاليد نصية توسعت وتبدلت، وحكايات أضيفت في أزمنة مختلفة، ثم جاءت الترجمات والطباعة لتصنع أشكالًا جديدة من الكتاب.

بعض ما نعده اليوم جوهر ألف ليلة وليلة أقدم من بعضه بقرون. وبعض أشهر ما نربطه بها دخل إلى شهرتها العالمية في مرحلة متأخرة نسبيًا.

ولهذا فالإجابة ليست "المؤلف مجهول" وحسب.

الإجابة الأعمق هي أن ألف ليلة وليلة يتحدى أصلًا الطريقة الحديثة التي نربط بها كل كتاب باسم فرد.

لقد صنعه الزمن كما صنعه الرواة.

وإذا كان الأدب الحديث يمنح المؤلف سلطة على نصه، فإن ألف ليلة وليلة يقدم النموذج المعاكس: نص استطاع أن يعيش طويلًا لأنه لم يكن ملك صوت واحد. كان قابلاً لأن تتبناه ثقافات ومدن وأجيال مختلفة، وأن تدخل إليه قصص جديدة، وأن تتغير صورته من دون أن يختفي اسمه.

ربما لهذا لم يؤد غياب المؤلف إلى موت الكتاب، بل حدث العكس تقريبًا. فقد سمح غياب المركز الواحد للحكايات بأن تبقى مفتوحة، تستقبل وتطرد وتتغير وتترجم وتعود مرة أخرى.

وشهرزاد نفسها تقدم الصورة الأخيرة الأنسب لهذا التاريخ: لا نحتاج أن نعرف من اخترع أول حكاية لكي نفهم قوة من أعاد روايتها في اللحظة المناسبة.

إذا كان كتاب ما قد صنعته مئات السنين وعشرات الأصوات المجهولة، فهل يصبح غياب اسم المؤلف نقصًا في تاريخه، أم أنه جزء من سر بقائه؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق