اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

الشاعر الليبي علي الفزّاني بين نار الثورة ومرارة الاغتراب

صورة ملوّنة للشاعر الليبي علي الفزّاني، يجلس متأملًا واضعًا رأسه على كفّه، مرتديًا بدلة داكنة، وخلفه صحراء ليبية يضيئها غروب أحمر يوحي بالمنفى والتمرّد والأمل.


بقلم: الوراق الجزائري

القصيدة بوصفها بندقيةً وحُلماً

لا يدخل علي الفزّاني إلى الشعر من باب الزينة اللفظية، ولا يتعامل مع القصيدة بوصفها فضاءً معزولًا عن صخب التاريخ، بل يكتب كأن الكلمة موقف، وكأن الصورة الشعرية فعل مقاومة. فالشعر عنده، كما يصرّح بوضوح، "تمرّد وغضب"، واللغة ليست أداةً لوصف العالم فحسب، وإنما قوة تسعى إلى تغييره. ومن هنا تتأسس تجربته على توتر دائم بين واقع عربي وإفريقي مثقل بالقهر، وذات شاعرة تحلم بالحرية والحب والخلاص، لكنها لا تكف عن الاصطدام بالمنفى والاستبداد وخيانة الثورات.

 

الشعر موقف من العالم

تتمثل السمة الأبرز في شعر الفزّاني في انحيازه الصريح إلى الإنسان المقهور. إنه شاعر لا يخفي موقعه الأخلاقي، بل يعلن أنه يبحث عن "الخلاص للإنسان المقهور" في وطنه وفي العالم كله. ولهذا تحضر في قصائده مفردات الطغيان والقتل والسجون والمنفى والفقر والخيانة، في مقابل الحرية والثورة والنور والإرادة.

في قصيدة "الغابة" ينطلق الشاعر من حقيقتين بسيطتين: للدم لون واحد، وللحليب لون واحد. غير أن الطغاة يرون هذه الحقائق "معكوسة" ويفرضون رؤيتهم على الأطفال. تكشف هذه المفارقة أن الاستبداد لا يكتفي بالسيطرة على الحاضر؛ إنه يعيد تشكيل الوعي منذ الطفولة، حتى يصبح العنف ميراثًا ينتقل من جيل إلى آخر. وتغدو الحديقة، التي يفترض أن تكون مكانًا للبراءة، صورةً مصغرة للمجتمع كله: منها قد يخرج العلماء والمصلحون، ومنها كذلك قد يخرج القتلة والمخبرون وطغاة المستقبل.

بهذا المعنى لا تكون "الغابة" مكانًا طبيعيًا، بل استعارة لعالم اختلطت فيه القيم، وأصبح الإنسان مطالبًا بأن يختار بين إمكان البناء وإمكان التوحش. غير أن الشاعر لا يقدم هذا المعنى في بناء رمزي مغلق؛ فهو يفسره ويعلنه مباشرة، لأن غايته الاحتجاج والتحريض أكثر من ميله إلى الإيحاء الهادئ.


لغة تقاتل

تبلغ علاقة الشعر بالمقاومة ذروتها في قصيدة "الألم"، حيث يعترف الفزّاني بأنه لا يملك شيئًا "سوى لغة تقاتل". وهذه العبارة تصلح مفتاحًا أساسيًا لقراءة تجربته كلها؛ فالقصيدة لديه سلاح رمزي، والأغنية والرقصة واللحن أدوات يمكن أن تشارك في معركة التحرر.

ولذلك تكثر في شعره الأفعال الحركية الحادة: أرفض، أغضب، أقاتل، أحرق، أرقص، أهدم، أبني. إنها أفعال تمنع النص من السكون وتحوّله إلى خطاب متوتر، متدفق، يكاد يُلقى في مظاهرة أو يُنشد في ساحة عامة. كما يعتمد الشاعر على النداء والتكرار والاستفهام والأمر، وهي أساليب تمنح القصيدة طاقة خطابية واضحة، كما في تكراره: "أيها الساقي الوسيم" في "رحلات قابيل العربي". فالتكرار هنا لا يؤدي وظيفة موسيقية فقط، بل يصنع لازمةً يعود إليها النص كلما انتقل بين حقبة تاريخية وأخرى.

ومع ذلك، تنطوي هذه المباشرة على مفارقة فنية. فهي تمنح القصيدة حرارة الموقف وصدقه، لكنها قد تدفعها أحيانًا نحو النبرة الخطابية والتقريرية، ولا سيما حين تتتابع أسماء الأعداء والصفات السياسية. في هذه المواضع يتقدم صوت المناضل على صوت الشاعر، ويصبح المعنى جاهزًا قبل أن تكتمل الصورة. غير أن الفزّاني يستعيد قوته الشعرية كلما ضغط موقفه الفكري في صورة حسية خاطفة، مثل قوله إن الموت، حين تُغتال الإرادة، يأخذ "شكل منفضة السجائر" التي تحتوي الأشياء الميتة والمطفأة. فهذه الصورة اليومية الصغيرة تختصر عالمًا كاملًا من الخمود واليأس.

 
التاريخ العربي بوصفه رحلةً لقابيل

في "رحلات قابيل العربي" يستدعي الفزّاني شخصية قابيل، لكنه لا يجعلها ذكرى دينية بعيدة، بل يحولها إلى نموذج متجدد في التاريخ. فقابيل ينتقل من وقائع العرب القديمة إلى صراعات القبائل، ومن غرناطة إلى حرب الخليج، حاملًا في كل عصر قناعًا جديدًا للجريمة.

تكمن قوة القصيدة في أنها لا تقدم التاريخ باعتباره سلسلةً من الأمجاد، بل بوصفه تكرارًا مأساويًا للعنف. فالقاتل يستطيع أن يحمل الرمح والمصحف معًا، وأن يقف في "اللعبتين" وفي الجبهتين، وأن يمنح جريمته اسم "العدل الجديد". إنها إدانة للوعي الانتهازي الذي يبدّل شعاراته ولا يبدّل جوهره، وللسلطة التي تستعير لغة الدين أو القبيلة أو القانون الدولي كي تمنح العنف شرعية زائفة.

ويستفيد الشاعر من التراث عبر أسماء مثل قابيل وأبي ذر والبسوس وكليب وذي قار وغرناطة، لكنه لا يستدعيها للزخرفة الثقافية. إنها مرايا يرى فيها الحاضر صورته القديمة. ومع امتداد القصيدة، تتشكل رؤية قاتمة مفادها أن الإنسان العربي لم يخرج تمامًا من دورته الدموية، وأن قابيل ليس فردًا مضى، بل قابلية كامنة في المجتمع والسلطة والتاريخ. غير أن كثافة الإشارات والأسماء قد تجعل بعض المقاطع أقرب إلى سجل تاريخي متلاحق، وتحمّل القارئ عبء الانتقال السريع بين الأزمنة. ومع ذلك فإن هذا التراكم نفسه يحقق غرضًا مهمًا: إظهار الجريمة وهي تغيّر أزياءها وتظل حاضرة.

 

الوطن والمنفى: وجهان للجرح

لا يظهر الوطن في شعر الفزّاني باعتباره مكانًا آمنًا مكتملًا، بل بوصفه سؤالًا موجعًا. يقول: "قيل لي هذا وطن / قلت ما معنى الوطن؟"، ثم يضع الخبز في مواجهة التراب والكفن. هنا تسقط البلاغة الوطنية التقليدية، لأن الوطن الذي لا يمنح الإنسان خبزًا وكرامة يتحول إلى قبر.

وفي قصيدة «أرقص حافيًا» تبدو المدينة جزءًا من جسد الشاعر؛ فقد حملها في داخله وطاف بها أنهار العالم ومحيطاته. لكن هذه العلاقة الحميمة لا تمنعه من محاكمتها. إنه يريد أن يغسل عارها من آثار الملكية والرجعية والنخاسة السياسية، ثم يكتشف أن الأقنعة القديمة عادت في ثياب ثورية جديدة. وهكذا تصبح الثورة نفسها موضع مساءلة عندما يعيد الانتهازيون إنتاج النظام السابق بأسماء مختلفة.

تتولد غربته، إذن، من مفارقة مؤلمة: إنه ينتمي إلى وطنه بقدر ما يرفض واقعه. والمنفى ليس بعدًا جغرافيًا فحسب، بل انقسام داخلي بين حلم الثورة وما آلت إليه. لذلك يعلن أن الثورة والاغتراب نقيضان، وأنه إذا فُرض عليه تغريب جديد باسم الأقنعة الجديدة، فسيختار موته بنفسه. إنها ذات ترفض أن تتحول الحرية إلى ذريعة لسلطة أخرى.

 

من صخب الثورة إلى همس الحب

على الرغم من هيمنة الهم السياسي، لا تنحصر تجربة الفزّاني في قصيدة الاحتجاج. ففي "سيدة" و"بريد" و"الصعود" يظهر صوت آخر أكثر حميمية، يعيد بناء العالم من خلال المرأة والحب والذكرى. وتقوم قصيدة "سيدة" على لقاء عابر بين رجل وامرأة يتخليان عن الأسماء الحقيقية؛ يسميها "السيدة نعم"، وتسميه "السيد عابر". وتكثف المفارقة بين "نعم" و"عابر" فلسفة اللقاء كله: قبول خاطف لا يطلب الامتلاك، وعبور يترك أثرًا يتجاوز الزمن. فبعد ربع قرن لم يلتقيا، لكن كلًا منهما عبر الآخر مرة واحدة، وكان ذلك كافيًا في نظر الصعلوك المتمرد. تمتاز هذه القصيدة بالاقتصاد والبساطة وبقدرتها على تحويل حادثة صغيرة إلى تأمل في هشاشة العلاقات وجمال ما لا يتكرر. أما "بريد" فهي نص شديد التكثيف، يقوم على الباب المغلق والسرداب الخاوي وظل العتبة. الحب هنا رسالة لا تصل، وماضٍ لا يقدم أجوبة. ويتضح في مثل هذه القصائد أن الفزّاني يكون أكثر صفاءً كلما خفف من حدة التصريح وترك للصورة أن تحمل المعنى.

وفي "الصعود" تتسع التجربة العاطفية لتصبح طقسًا كونيًا. تتحول المرأة إلى سحابة ومطر وسنديانة وفراشة ونبية، ويتحول العاشق إلى حارس معبد وولد يشتعل. وتختلط في النص مفردات الطبيعة بالأسطورة والدين والموسيقى، حتى يبدو الحب محاولةً للخروج من المنفى وصعودًا إلى "سماء" أخرى. غير أن كثافة الصور في هذه القصيدة تجعلها متفاوتة؛ ففي بعض المقاطع تبتكر رؤية آسرة، وفي بعضها تتزاحم الاستعارات إلى درجة تحجب العلاقة بين أجزائها. إن المخيلة هنا غنية، لكنها تحتاج أحيانًا إلى قدر أكبر من الحذف والاقتصاد.

 

الصورة الشعرية ومفارقاتها

يبني الفزّاني صوره من التقاء عناصر متباعدة: منفضة السجائر والموت، أعواد الثقاب والشعوب، الرمح والصاروخ، الخبز والكفن، النار والسنبلة، الرأس والمقصلة. وتنبع فاعلية هذه الصور من الصدام بين الأشياء، لا من التشابه المألوف بينها. كما تتكرر النار في شعره بوصفها علامة مزدوجة: إنها نار القتل والطغيان، لكنها كذلك نار الثورة والإضاءة والبعث. ويؤدي الرقص وظيفة مشابهة؛ فقد يأتي استجابةً للألم أو شكلًا من أشكال المقاومة. لذلك يقول: "إذ ترقصون هناك / أنا أرقص هنا، جسدًا حرفًا روحًا". فالرقص ليس هروبًا من المأساة، بل تحويل للجسد والكلمة إلى مشاركة وجدانية في مقاومة البعيد.

ومن الصور المركزية أيضًا صورة الجسر. يهدم الشاعر الجسور القديمة، ثم يدعو إلى بناء جسور جديدة من قلب اللغة. وهذه الصورة تكشف موقفه من التراث الشعري: فهو لا يريد قطع الصلة باللغة العربية، وإنما تحريرها من القوالب التي لم تعد قادرة على تمثيل العصر. المسافة بين الرمح والصاروخ، وبين "ميزان الذهب" وعصر الإلكترونات، تفرض في رأيه شعرًا جديدًا يستوعب فوضى العالم الحديث.

 

قصيدة تحتفظ بخشونتها

لا يسعى الفزّاني دائمًا إلى تنعيم عبارته أو إخفاء غضبه وراء أقنعة جمالية. لذلك تحتفظ قصيدته بخشونة مقصودة، تظهر في الألفاظ الصادمة وفي الانتقالات المفاجئة وفي كسر النبرة الغنائية بخطاب سياسي مباشر. هذه الخشونة جزء من هويته الشعرية، لأنها تناسب عالمًا يراه مشوهًا وعنيفًا.

لكن القيمة الفنية للغضب لا تكمن في شدته وحدها، بل في قدرته على إنتاج شكل لغوي جديد. ولهذا تتفاوت نصوص الفزّاني: عندما يتحول الغضب إلى صورة أو مفارقة أو إيقاع، يبلغ الشعر ذروة تأثيره؛ وعندما يبقى في مستوى التسمية والاتهام، تقترب القصيدة من البيان السياسي. ولا ينتقص هذا الحكم من صدق التجربة، بل يحدد موضع قوتها: الفزّاني شاعر صورة محتدمة أكثر منه شاعر حجة مفصلة، وكلما وثق بالصورة اتسعت دلالة نصه.

 

خاتمة

يمثل شعر علي الفزّاني تجربةً تجمع بين روح المتمرد وقلق المنفي وحساسية العاشق. إنه يكتب من داخل جرح شخصي، لكنه يوسّعه ليشمل الإنسان العربي والإفريقي وكل إنسان مقهور. وتتحرك قصيدته بين ساحات الثورة وغرف الحب، وبين ذاكرة قابيل وأحلام المستقبل، وبين وطن يسكنه الشاعر ووطن يطارده. وليست أهمية هذه التجربة في شعاراتها وحدها، بل في محاولتها منح الغضب جسدًا لغويًا: يصبح الموت منفضةً، والوطن كفنًا، والقصيدة سلاحًا، والرقص مقاومة، والمرأة سماءً بديلة. هكذا لا يكتب الفزّاني ليقيم "ميزان ذهب" للكلمات، وإنما ليهدم الجسور المتهالكة ويبني من اللغة معبرًا جديدًا. فالقصيدة لديه بندقية حين يواجه القهر، وحلم حين يضيق الواقع، وصرخة إنسان يريد أن يظل حيًا في زمن يتقن صناعة الموت.


اقرأ بعض أشعار علي الفزاني على موقع الديوان انقر هنا

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق