ليس السؤال الأكثر إثارة في «اللص والكلاب» هو: لماذا أصبح سعيد مهران لصًا؟ ولا حتى: لماذا أراد الانتقام ممن خانوه؟ السؤال الأشد إزعاجًا يأتي بعد ذلك كله: لماذا أخطأ سعيد كلما أطلق النار تقريبًا، ولماذا انتهى الرجل الذي تخيل نفسه صاحب قضية إلى مطارد وحيد، تحاصره الشرطة والكلاب والظلام؟
هنا تحديدًا تتجاوز الحكاية حدود الفيلم البوليسي. فالرصاص الذي يطلقه سعيد على أعدائه لا يصيبهم كما يريد، بينما يسقط أبرياء لا علاقة لهم بمعركته. وكل خطوة يتصور أنها تقرّبه من استرداد حقه تدفعه أبعد عن العالم الذي يريد تغييره. لذلك لا تبدو هزيمته في النهاية مجرد انتصار للشرطة على مجرم هارب، بل انهيارًا كاملًا لفكرة كان سعيد قد أقنع نفسه بأنها تمنحه الحق في أن يكون القاضي والجلاد معًا.
وفيلم «اللص والكلاب» الذي أخرجه كمال الشيخ سنة 1962 عن رواية نجيب محفوظ، ليس مجرد نقل لحكاية أدبية ناجحة إلى الشاشة. إنه إعادة بناء لها بلغة أخرى: لغة الظلال، والمطاردة، والوجوه الخائفة، والشوارع التي تضيق تدريجيًا حول رجل يكتشف متأخرًا أن العالم الذي خرج إليه من السجن ليس العالم الذي تركه وراءه.
من هو سعيد مهران؟ لص أم صاحب قضية؟
يخرج سعيد مهران من السجن وهو يحمل تصورًا بسيطًا وخطيرًا في الوقت نفسه: هناك أشخاص خانوه، وهؤلاء يجب أن يدفعوا الثمن. عليش سدرة استولى على زوجته نبوية وعلى حياته القديمة، ورؤوف علوان، الذي كان في نظره معلمًا ومرشدًا فكريًا، انتقل إلى عالم آخر وصار صحافيًا ميسور الحال لا يريد أن يرى في تلميذه السابق إلا لصًا ينبغي التخلص من عبئه.
من هنا يبدو الانتقام في ذهن سعيد امتدادًا للعدالة. لكنه لا يسأل السؤال الذي كان يمكن أن يغيّر مصيره: هل كون الإنسان مظلومًا يمنحه الحق في أن يفعل أي شيء؟
إن مأساة سعيد تبدأ من الخلط بين أمرين مختلفين: وجود مظالم حقيقية في حياته، واعتقاده أن هذه المظالم تمنح أفعاله اللاحقة شرعية تلقائية. نعم، لقد تعرض للخيانة. ونعم، تبدلت مواقع الناس من حوله، ووجد نفسه خارج عالم أعاد ترتيب مصالحه أثناء غيابه. لكن الحقيقة الأخلاقية لا تتوقف هنا؛ لأن سعيد نفسه يتحول، مع تقدم الأحداث، إلى مصدر للموت والخوف.
وهذه الازدواجية هي التي تمنع الشخصية من التحول إلى بطل ثوري بسيط أو مجرم تقليدي. نحن أمام رجل يملك أسبابًا حقيقية للغضب، لكنه يختار لها طريقًا يقوده إلى تدمير نفسه والآخرين.
رؤوف علوان: الخيانة التي لا يستطيع سعيد احتمالها
إذا كانت خيانة نبوية وعليش تمس حياة سعيد الشخصية، فإن رؤوف علوان يجرحه في منطقة أعمق: منطقة الفكرة.
لم يكن رؤوف بالنسبة إليه مجرد معرفة قديمة. كان نموذجًا فكريًا، الرجل الذي فتح أمامه بابًا لتفسير الفقر والملكية والظلم الاجتماعي. لذلك حين يخرج سعيد من السجن ويتجه إليه، لا يبحث فقط عن مساعدة مادية. إنه يريد أن يتأكد أن العالم القديم لا يزال موجودًا، وأن الأفكار التي عاش عليها لم تكن خدعة.
لكنه يجد شخصًا آخر.
رؤوف أصبح جزءًا من الطبقة التي كان ينتقدها، يعيش حياة مريحة ويعمل في الصحافة، ولا يريد من ماضيه أن يعود في صورة رجل خرج لتوه من السجن. هنا يشعر سعيد بأن السرقة الحقيقية لم تكن سرقة المال، بل سرقة المعنى نفسه.
وهذا يفسر لماذا تصبح كراهية رؤوف أشد من كراهية عليش أحيانًا. عليش سرق امرأة وبيتًا ومكانًا، أما رؤوف ـ في وعي سعيد ـ فقد سرق الفكرة التي كان سعيد يبرر بها حياته.
لكن الفيلم لا يجعل هذه الخيانة شهادة براءة لسعيد. على العكس، يكشف كيف يمكن للفكرة، حين تتحول إلى يقين مغلق، أن تصبح أكثر خطرًا من الجريمة الصغيرة. سعيد لا يعود قادرًا على رؤية البشر إلا من خلال تقسيم حاد: خائن أو وفي، عدو أو صديق، جلاد أو ضحية. ولا توجد في هذا العالم مساحة للتردد أو التغيير أو المراجعة.
لماذا يفشل سعيد مهران في الانتقام؟
في أفلام الانتقام التقليدية يكون الطريق واضحًا: يتعرض البطل للظلم، ثم يطارد المسؤولين عنه واحدًا بعد الآخر، ويمنح المتفرج في النهاية لذة استعادة التوازن.
«اللص والكلاب» يفعل العكس تقريبًا.
سعيد يريد قتل خصومه، لكن رصاصه يسقط أبرياء. والمفارقة هنا ليست مجرد حيلة لزيادة التشويق، بل قلب المعنى كله. الرجل الذي يتحدث باسم المظلومين يبدأ في إنتاج مظلومين جدد.
في اللحظة التي يسقط فيها إنسان بريء بسبب رصاصة كانت موجهة إلى شخص آخر، لم يعد السؤال هو: هل لدى سعيد أسباب للانتقام؟ بل: ماذا بقي من قضيته بعدما صار الأبرياء يدفعون ثمنها؟
الفشل في إصابة الهدف يصبح لذلك رمزًا أكبر من مجرد سوء الحظ. سعيد أخطأ الهدف قبل أن يضغط الزناد. لقد ظن أن العالم يمكن اختزاله في بضعة أشخاص، وأن قتلهم سيعيد إليه زوجته وابنته وكرامته وماضيه، وربما سيعيد إليه نفسه القديمة أيضًا.
لكن الماضي لا يعود بالرصاص.
وهنا تكمن قسوة الفيلم: كلما حاول سعيد تصحيح حياته بالعنف، اتسعت المسافة بينه وبين الحياة التي يريد استعادتها.
هل كان سعيد مهران ثائرًا حقًا؟
وصف سعيد بالثائر يبدو مغريًا؛ لأنه يتحدث عن الظلم والفقر والخيانة، ويحمل غضبًا واضحًا تجاه تفاوت اجتماعي يراه أمامه. لكن الفيلم يجعل هذه الصفة موضع سؤال لا جوابًا جاهزًا.
الثورة، إذا كانت تعني تغييرًا يتجاوز المصلحة الشخصية، تحتاج إلى تصور لعالم أفضل. أما سعيد، فبعد خروجه من السجن، لا يملك مشروعًا للمستقبل. إنه يملك قائمة حسابات قديمة.
كل طاقته تتجه إلى الوراء: نبوية، عليش، رؤوف، البيت القديم، الابنة التي لم تعد تعرفه كما يتمنى، والأيام التي كان يعتقد فيها أنه يفهم العالم. ولذلك فإن حركته الظاهرة إلى الأمام ليست إلا دورانًا حول الماضي.
إنه لا يحاول بناء حياة جديدة، بل يريد إجبار الحياة على إعادة النسخة التي فقدها.
ومن هنا يمكن فهم هزيمته على مستوى أعمق. سعيد لا يُهزم فقط لأن الشرطة أقوى منه، بل لأنه دخل معركة يستحيل الانتصار فيها: معركة استعادة الزمن.
نور: الشخصية التي كان يمكن أن تفتح بابًا آخر
وسط هذا العالم القاسي تظهر نور، التي أدتها شادية، بوصفها نقيضًا غريبًا لمنطق سعيد. فهي ليست واعظة ولا بطلة مثالية، ولا تنتمي إلى عالم البراءة التقليدية، لكنها تمنحه ما لا يمنحه إياه أصحاب الشعارات: المأوى والاهتمام والحضور الإنساني.
سعيد يريد العدالة الكبرى، بينما نور تقدم أشياء صغيرة: مكانًا يختبئ فيه، طعامًا، قلقًا عليه، ورغبة في بقائه.
والمفارقة أن الرجل الذي يزعم أنه يبحث عن الحياة لا يستطيع رؤية الحياة حين تقترب منه في صورتها البسيطة.
نور لا تستطيع إنقاذه؛ لأن سعيد نفسه لا يريد النجاة بالطريقة التي تعرضها عليه. النجاة بالنسبة إليه لا تعني أن يبدأ من جديد، وإنما أن ينتصر على أعدائه أولًا. ولذلك تصبح علاقته بها واحدة من أكثر مناطق الفيلم حزنًا: هناك باب مفتوح، لكنه يظل ينظر إلى الباب المغلق.
ويزداد حضور نور أهمية لأنها تكشف شيئًا أساسيًا في الشخصية. سعيد ليس عاجزًا عن تلقي الحب، لكنه عاجز عن جعله أولوية. الانتقام عنده أقوى من فرصة الحياة.
الابنة سناء: الهزيمة التي تسبق الرصاص
ربما لا توجد ضربة أكثر إيلامًا لسعيد من مواجهته مع ابنته سناء. فالرجل الخارج من السجن يتوقع، بطريقة ما، أن يجد في الطفلة الجزء الذي لم يتغير من حياته. لكنها لا تستقبله بالصورة التي رسمها في خياله.
هنا تظهر حقيقة لا يستطيع قبولها: الزمن الذي قضاه في السجن لم يتوقف خارجه.
الطفلة كبرت في بيت آخر، ومع أشخاص آخرين، وداخل رواية مختلفة عن أبيها. ولهذا تصبح سناء رمزًا لما لا يستطيع سعيد استرداده بالقوة. يمكنه سرقة سيارة، وحمل مسدس، والتنكر، والاختباء، لكنه لا يستطيع أن يأمر طفلة بأن تستعيد ذاكرة لم تعد موجودة بالشكل الذي يتخيله.
ومن هذه اللحظة يمكن القول إن هزيمته بدأت بالفعل. فكل ما يأتي لاحقًا هو محاولة عنيفة لرفض حقيقة سبق أن أعلنت نفسها: حياته القديمة انتهت.
الشيخ: ملاذ لا يستطيع سعيد فهمه
في مقابل رؤوف الذي يمثل انقلاب الفكرة إلى مصلحة، ونور التي تمثل إمكانية الحياة اليومية، يقف الشيخ في منطقة مختلفة. يلجأ إليه سعيد، لكنه لا يجد لديه اللغة التي يريد سماعها.
سعيد يريد إجابات مباشرة، ويريد من العالم أن يعترف بوضوح بأنه مظلوم وأن خصومه أشرار. أما عالم الشيخ فيقوم على مراجعة الذات وعلى أسئلة لا يستطيع سعيد احتمالها؛ لأن النظر إلى الداخل قد يكون أشد ألمًا من مطاردة الأعداء في الخارج.
وهنا يظهر أحد الفروق المهمة بين الرواية والفيلم. عالم نجيب محفوظ الروائي يمنح التأمل الداخلي والأسئلة الوجودية مساحة أوسع، بينما تميل السينما، بطبيعتها وباختيارات كمال الشيخ، إلى تحويل الصراع إلى حركة وصورة ومطاردة.
وهذا لا يعني أن الفيلم ألغى العمق الفكري، لكنه أعاد توزيعه. ما كان يجري طويلًا داخل رأس سعيد أصبح يُرى في الشارع، وفي المطاردة، وفي المسدس، وفي علاقته بالوجوه والأماكن التي تضيق حوله.
ماذا غيّر الفيلم عن رواية نجيب محفوظ؟
صدرت رواية «اللص والكلاب» سنة 1961، ثم وصل الفيلم إلى الشاشة في العام التالي. وهذه المسافة القصيرة بين الرواية والفيلم ساعدت على أن يصبح العملان، في الذاكرة الثقافية العربية، متجاورين إلى درجة أن صور شكري سرحان وشادية وكمال الشناوي أصبحت بالنسبة إلى أجيال من المشاهدين الوجوه البصرية لسعيد ونور ورؤوف.
لكن الفيلم ليس نسخة مصورة حرفيًا من الرواية.
الرواية تعتمد بدرجة كبيرة على وعي سعيد الداخلي، وعلى التداعي والمونولوج والأسئلة التي تتحرك داخل ذهنه. وهذه منطقة يصعب نقلها إلى السينما كما هي من دون تحويل الفيلم إلى صوت داخلي طويل يشرح ما تفكر فيه الشخصية.
لذلك أعادت المعالجة السينمائية ترتيب بعض الأحداث، ووسعت الجانب الحركي والبوليسي، وقدمت أحداثًا سابقة زمنيًا تساعد المشاهد على رؤية الطريق الذي قاد سعيد إلى السجن. كما تحولت أجزاء من الصراع الداخلي إلى مواقف وحوارات ومطاردات يمكن للكاميرا أن تقدمها مباشرة.
ومن اللافت أن كمال الشيخ تحدث لاحقًا عن صعوبة تحويل المونولوج الداخلي في الرواية إلى سينما، وعن عرض أجزاء من السيناريو على نجيب محفوظ أثناء الكتابة للتأكد من فهم الرموز والشخصيات على نحو سليم.
وهكذا حافظ الفيلم على الهيكل الأخلاقي الأساسي للرواية، لكنه جعل الحركة الخارجية أكثر حضورًا. الرواية تدخل إلى عقل المطارد، أما الفيلم فيجعلنا نركض معه.
من محمود أمين سليمان إلى سعيد مهران
ترتبط الجذور الواقعية للرواية بقضية محمود أمين سليمان، التي شغلت الصحافة والرأي العام المصري في مطلع الستينيات. لكن من الخطأ مساواة سعيد مهران بالشخص الحقيقي مساواة كاملة.
نجيب محفوظ لم يكتب تحقيقًا صحفيًا عن القضية، بل أخذ من الواقعة شرارة أولى ثم صنع شخصية أدبية لها عالمها النفسي والفكري والرمزي. وبعد ذلك جاءت السينما وأضافت بدورها طبقة جديدة من المعالجة.
لذلك ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات: شخص حقيقي أثارت قضيته اهتمام المجتمع والصحافة، وشخصية روائية أعاد محفوظ خلقها داخل مشروعه الأدبي، وشخصية سينمائية أعاد كمال الشيخ وكتّاب الفيلم بناءها وفق احتياجات الشاشة.
هذا التمييز مهم؛ لأن قوة «اللص والكلاب» لا تأتي من سؤال: هل حدث كل ذلك فعلًا؟ بل من السؤال الأكثر دوامًا: لماذا يستطيع المجتمع أن يصنع من قصة مجرم مرآة لأسئلته عن العدالة والخيانة والطبقة والسلطة؟
الصحافة وصناعة «السفاح»
للصحافة حضور بالغ الدلالة في عالم الفيلم. رؤوف نفسه صحافي، وقضية سعيد تتحول تدريجيًا إلى مادة عامة. لم يعد الرجل يملك حكايته وحده؛ فالآخرون يكتبونها ويعيدون تعريفه من خلالها.
وهذه مفارقة مؤلمة بالنسبة إلى شخص يريد أن يكون صاحب قضية. سعيد يرى نفسه ضحية خيانة وصاحب حساب مع مجتمع فاسد، بينما يراه الجمهور من خلال الأخبار بوصفه سفاحًا هاربًا.
بين الصورتين تقع المأساة.
لكن الفيلم لا يطلب منا ببساطة اختيار إحدى الروايتين. فالصحافة قد تختزل الإنسان في عنوان مثير، إلا أن سعيد نفسه يمنحها الوقائع التي تجعل صورته أكثر رعبًا. الأبرياء يموتون، والمطاردة تتسع، والمسدس يظل في يده.
وبذلك يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: من يصنع صورة المجرم؟ أفعاله، أم المجتمع، أم الإعلام، أم الثلاثة معًا؟
الكلاب في العنوان: من هم؟
من السهل أن نبحث عن مقابل مباشر لكلمة «الكلاب» في العنوان: هل هم الشرطة؟ الخونة؟ المنتفعون؟ الصحافة؟ المجتمع الذي يطارد سعيد؟
لكن قوة العنوان تأتي من أنه لا يسمح بإجابة واحدة مستقرة.
من وجهة نظر سعيد، الكلاب هم الآخرون: الذين خانوه، والذين يطاردونه، والذين يعيشون في عالم يراه منافقًا. لكن الفيلم يدفعنا تدريجيًا إلى الشك في هذا التقسيم. فإذا كان سعيد يطلق النار فيقتل الأبرياء، فهل يستطيع الاحتفاظ إلى النهاية بموقع الضحية الخالصة؟
وهنا ينقلب العنوان على صاحبه. سعيد يريد أن يقسم العالم إلى «لص» و«كلاب»، لكنه لا ينتبه إلى أن الحدود الأخلاقية بدأت تتداخل. المطارد نفسه أصبح خطرًا على من لا يطاردونه.
وربما لهذا ظل العنوان حيًا بعد عقود من صدور الرواية والفيلم: لأنه لا يخبرنا على وجه اليقين من الحيوان ومن الإنسان، ومن المجرم ومن الضحية، بل يجعل هذه الحدود نفسها موضوعًا للسؤال.
لماذا تبدو الصورة السينمائية قاتمة إلى هذا الحد؟
التصوير بالأبيض والأسود في «اللص والكلاب» ليس مجرد أثر طبيعي لزمن الإنتاج. كمال الشيخ يستفيد من الظلال والأماكن الضيقة والليل ليحوّل المدينة إلى امتداد للحالة النفسية التي يعيشها سعيد.
في البداية لا يزال أمام الرجل فضاء يتحرك فيه. ومع تقدم الحكاية، تبدأ الأمكنة بالانغلاق: مخابئ، شوارع ليلية، أبواب، نقاط مراقبة، أماكن لا يصلح أي منها ليكون بيتًا.
إن سعيد بلا بيت بالمعنى العميق للكلمة.
بيته القديم صار لغيره، وبيت نور مخبأ مؤقت، ومكان الشيخ لا يستطيع أن يجد فيه السكينة، والمدينة كلها تتحول تدريجيًا إلى مساحة للمطاردة.
لهذا لا تحتاج الكاميرا إلى أن تقول إن الشخصية محاصرة. يكفي أن تجعلنا نشعر بأن المساحة نفسها تنكمش حولها.
النهاية: لماذا كانت هزيمة سعيد مهران حتمية؟
تصل المطاردة في النهاية إلى لحظة لم يعد فيها سعيد يملك طريقًا حقيقيًا للخروج. الكلاب والشرطة تحاصر المكان، والرجل الذي بدأ رحلته معتقدًا أنه سيعيد ترتيب العالم ينتهي عاجزًا حتى عن ترتيب مصيره.
لكن الهزيمة النهائية حدثت قبل الحصار بزمن طويل.
حدثت حين رفض الاعتراف بأن ابنته تغيرت. وحدثت حين اعتبر خيانة رؤوف مبررًا لأن يجعل العالم كله ساحة حساب. وحدثت حين سقط أول بريء بسبب رصاصه. وحدثت حين لم ير في نور إمكانية لحياة جديدة، بل مجرد ملجأ يساعده على مواصلة حربه القديمة.
لهذا فإن الكلاب التي تحاصره في النهاية لا تصنع المأساة؛ إنها تعلن اكتمالها فقط.
سعيد خسر لأنه جعل الانتقام تعريفًا لهويته. ولو تخلى عنه، كان عليه أن يواجه السؤال الذي ظل يهرب منه: من يكون سعيد مهران إذا لم يعد الرجل الذي ينتقم؟
ذلك السؤال أصعب من مواجهة الشرطة؛ لأنه يتطلب منه أن يبدأ من الصفر.
بين التعاطف والإدانة
من أجمل ما يفعله «اللص والكلاب» أنه لا يطلب من المشاهد أن يحب سعيد أو يكرهه ببساطة.
نستطيع أن نفهم غضبه من دون أن نبرر قتله. ونستطيع أن نرى خيانة الآخرين من دون أن نحولها إلى رخصة للانتقام. ونستطيع أن نتعاطف مع خسارته لابنته والبيت والماضي، ثم نشعر في الوقت نفسه بالخوف من الرجل الذي أصبح عليه.
وهذه المسافة بين الفهم والتبرير هي التي تمنح العمل قيمته الإنسانية.
فالأدب والسينما لا يحتاجان دائمًا إلى بطل بريء حتى نصغي إليه. أحيانًا تكون الشخصية الأكثر أهمية هي التي تجبرنا على مواجهة منطقة مزعجة: الإنسان قد يكون مظلومًا وظالمًا في الوقت نفسه، وقد يبدأ مطالبًا بحقه ثم ينتهي معتديًا على حقوق من لم يظلموه.
لماذا ما زال «اللص والكلاب» قابلًا للقراءة اليوم؟
مر زمن طويل على الرواية والفيلم، لكن السؤال المركزي لم يهرم: ماذا يحدث حين يشعر إنسان بأن المجتمع خانه وأن القانون والأخلاق لم يعودا قادرين على إنصافه؟
الإجابة التي يقدمها سعيد هي أن يأخذ العدالة بيده.
لكن تجربته تكشف المأزق الكامن في هذه الإجابة. فمن يقرر وحده من هو المذنب؟ ومن يحدد العقوبة؟ ومن يعيد الحياة إلى البريء الذي تصيبه الرصاصة الخطأ؟
بهذا المعنى لا يكون «اللص والكلاب» حكاية عن لص فحسب، ولا عن مصر في لحظة تاريخية بعينها فقط. إنه عمل عن الإنسان حين تتحول مظلوميته إلى هوية، وحين يصبح الماضي أقوى من المستقبل، وحين يقتنع بأن الألم الذي تعرض له يمنحه حق توزيع الألم على الآخرين.
ولهذا تبقى صورة سعيد مهران مؤلمة. ليس لأنه وحش كامل، بل لأنه ليس كذلك. ففي داخله أب يريد ابنته، ورجل مجروح بالخيانة، وإنسان يتذكر أحلامًا قديمة، وشخص يريد أن يمنح غضبه معنى. لكن كل هذه العناصر الإنسانية لا تمنعه من اتخاذ خيارات تدمر ما بقي له من إنسانية.
سعيد مهران لم يخسر المعركة فقط
في القراءة الأولى قد تبدو نهاية «اللص والكلاب» واضحة: مجرم هارب تحاصره الشرطة، فتسقط مقاومته وتنتهي المطاردة.
لكن كمال الشيخ ونجيب محفوظ يتركان وراء هذه النهاية شيئًا أكثر مرارة.
سعيد لم يخسر أمام الشرطة وحدها، بل خسر أمام الفكرة التي صنعها عن نفسه. أراد أن يكون منتقمًا للمظلوم، فإذا به يصنع ضحايا جددًا. أراد معاقبة الخيانة، فانتهى معزولًا عن كل علاقة كان يمكن أن تنقذه. أراد استعادة الماضي، فأضاع الحاضر. وأراد أن يجعل رصاصه أداة للعدالة، فاكتشف متأخرًا أن الرصاصة لا تعرف الفرق بين مذنب وبريء.
لهذا ليست هزيمته دليلًا بسيطًا على أن السلطة أقوى من الفرد، ولا موعظة تقول إن الجريمة لا تفيد. إنها أعمق من ذلك: مأساة إنسان جعل ألمه مقياسًا وحيدًا للحقيقة، حتى لم يعد قادرًا على رؤية آلام الآخرين.
وربما لهذا السبب أيضًا لا تنتهي قصة سعيد مهران حين ينتهي إطلاق النار. يبقى السؤال الذي صنعه نجيب محفوظ ووسّعه الفيلم مفتوحًا: متى يفقد المظلوم حقه الأخلاقي في الاحتجاج؟ ليس حين يغضب، ولا حين يرفض الظلم، بل ربما حين يبدأ في صناعة أبرياء جدد باسم المظالم التي تعرض لها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق