من سواد الجرح إلى فجر الحرية
يحتلّ محمد
الفيتوري مكانة بارزة في الشعر العربي الحديث؛ فقد استطاع أن يحوّل تجربته
الذاتية، بما تحمله من اغتراب وتمييز وحنين، إلى تجربة إنسانية واسعة تعبّر عن
آلام الشعوب الإفريقية والعربية وتطلّعها إلى الحرية. ولا يبدو الشعر عنده ترفًا
لغويًا أو تأملًا منعزلًا عن الحياة، بل يتحول إلى موقف من الظلم، وصرخة في وجه
الاستبداد، ومحاولة لإيقاظ الإنسان من الخوف والخضوع. ولذلك تتكرر في قصائده
مفردات الثورة والفجر والدم والجوع والوطن، لتشكّل عالمًا شعريًا تتصارع فيه قوى
الموت والحياة.
تقوم تجربة
الفيتوري على ارتباط وثيق بين الشاعر وجماعة المقهورين. ففي قصيدة "الضعف"
يخاطب شعبه قائلًا: "أنت أليمٌ / وأنا أحمل آلامي معك"، فلا يقف منه
موقف المتفرج، وإنما يشاركه ألمه وجوعه وعريه. ويؤكد تكرار كلمة "معك"
وحدة المصير بين الفرد والجماعة؛ فألم الشعب ألم الشاعر، وضعفه صورة من ضعف الذات.
غير أن عنوان القصيدة لا يشير إلى الاستسلام وحده، بل يكشف مأساة الشاعر الذي يدرك
المرض ولا يمتلك في البداية القدرة على علاجه: "ما بيدي أن أرفعك / ولا بها
أن أضعك". ومن هذا الإحساس بالعجز تتولد الرغبة في المقاومة، حتى يتمنى أن
يصبح "عاصفة قاصفة" تستطيع إيقاظ الشعب وإسماعه الحقيقة.
ويعتمد الفيتوري في
هذه القصيدة على الرمز لتجسيد خمول الأمة، فيشبهها بـ"الجميزة العجوز" و"غرسة
الخمول". والجميزة شجرة راسخة الجذور، لكنها في السياق الشعري فقدت حيويتها
واستسلمت للظلام. ومن هنا يوجه إليها أسئلة متلاحقة: "أما سئمت تحت أقدام
الدجى مضجعك؟". ولا ينتظر الشاعر جوابًا؛ لأن السؤال نفسه يحمل معنى التوبيخ
والتحريض. وهكذا تصبح الطبيعة جزءًا من الصراع: فالدجى رمز للخضوع، والفجر رمز
للثورة، ونهر الطموح وسيلة للتطهر من آثار الضعف.
أما في قصيدة "أنا
زنجي"، فينتقل الفيتوري من الشعور بالجرح إلى إعلان الاعتزاز بالهوية. تبدأ
القصيدة بأمر حاسم: "قلها لا تجبن"، ثم يتكرر التصريح: "أنا زنجي"
و"أنا أسود"، ولكن السواد لا يظهر علامة نقص، بل يتحول إلى مصدر كرامة
وقوة: "أسود لكني حر أمتلك الحرية". وبذلك يقلب الشاعر الدلالة العنصرية
التي أُلصقت باللون الأسود، فيجعله لون الثورة والتحرر. كما ينتقل من ضمير الفرد
إلى صوت الجماعة، فيصبح "الأنا" لسان إفريقيا كلها، ويغدو "الطوفان
الأسود" صورة لنهضة الشعوب بعد طول خضوع.
يؤدي التكرار في
هذه القصيدة وظيفة إيقاعية ونفسية؛ فتكرار الهوية والوطن والحرية يشبه الهتاف
الجماهيري، ويمنح النص حرارة خطابية واضحة. وقد يقترب هذا الأسلوب أحيانًا من
المباشرة والشعار السياسي، فتتراجع كثافة الصورة الشعرية أمام وضوح الرسالة، لكن
هذه المباشرة تنسجم مع طبيعة القصيدة التحريضية؛ إذ يريد الفيتوري للكلمات أن تصل
إلى الجمهور وأن تتحول إلى قوة محركة، لا أن تبقى حبيسة التأمل الغامض.
ولا ينفصل الوطن في
شعر الفيتوري عن الحرية. ففي قصيدة "لو لحظة من وسني" يستدعي السودان من
منفاه استدعاءً حسيًا، فيراه في الشمس والحقول والمراعي ووجوه العمال والزراع.
وتظهر صورة الوطن جميلة وقريبة من القلب: "أجمل من فراشة مجنحة على ضفاف
المقرن الجميل". غير أن هذا الجمال ليس طبيعيًا فحسب؛ فـ"رائحة النضال"
أجمل ما في صباح الوطن. وبذلك يمتزج الحنين بالوعي السياسي، ويتحول الوطن من مكان
جغرافي إلى مشروع للتحرر والعدالة.
ويبلغ نقد السلطة
ذروة ساخرة في "وصية الشاعر القديم". فالقصيدة تقوم على مشهد درامي
قصير: شاعر ينصح الأمير ويحذره من السم والخنجر، لكن الأمير يأمر السياف بقطع
رأسه. والمفارقة أن صوت الشاعر يبقى، في حين يهلك الحاكم الذي رفض النصيحة. تكشف
هذه البنية عن رؤية الفيتوري إلى العلاقة بين المثقف والسلطة؛ فالحاكم يستطيع قتل
صاحب الكلمة، لكنه لا يستطيع إبطال الحقيقة التي نطق بها. كما أن العبارة الساخرة "ما
أعدله وأعدلك!" تفضح زيف العدالة التي يتغنى بها الطغاة.
وفي قصيدة "تحت
الأمطار" يقدم الشاعر صورة رمزية أخرى للاستبداد. فالخيول المتعبة تمثل
الشعوب المنهكة، والسائق الذي يواصل ضربها يجسد سلطة فقدت الرحمة والبصيرة. يوظف
الفيتوري الأفعال المتتابعة: "تلوت، وتهاوت، ثم سارت في ذهول" ليجعل
القارئ يشعر بحركة الألم نفسها. كما يكتسب السوط صوتًا حين يقول: "غنى سوطه
الباكي"، وهي صورة تجمع بين القسوة والحزن، وتوحي بأن نظام الظلم لا يجرح
ضحاياه فقط، بل يشوّه العالم كله.
ويتسع أفق الفيتوري
في قصائد مثل "صرخة الميلاد" و"قصيدة الرياح"، فلا يعود منشغلًا
بإفريقيا والسودان وحدهما، بل يتابع مآسي العراق وسقوط الأنظمة وتحولات العالم.
وهو يواجه الحكام بلغة نبوئية ساخرة: "أقيموا جثامينكم فوق تلك العروش"،
فيحوّلهم إلى موتى وإن ظلوا ممسكين بالسلطة. وتكشف صورته لهم بوصفهم "قطرة
غيم معلقة في سقوف الشتاء" عن هشاشتهم؛ فالقوة التي تبدو مطلقة ليست إلا حالة
عابرة تنتظر لحظة السقوط.
تتميز لغة الفيتوري
بكثرة الرموز الطبيعية والكونية، مثل الشمس والفجر والريح والطوفان والنهر
والظلام. وهذه العناصر ليست زينة بلاغية، وإنما تحمل الصراع المركزي في شعره: صراع
النور والظلمة، والحياة والموت، والثورة والخضوع. كما يعتمد على الجمل القصيرة
والنداء والاستفهام والأمر، فتبدو القصيدة خطابًا حيًا موجّهًا إلى شعب أو وطن أو
حاكم. وفي أعماله المتأخرة تزداد الصور تركيبًا وغموضًا، كما في "قصيدة
الرياح" و"رؤيا"، حيث تتداخل الأزمنة والأمكنة وتظهر لغة أكثر
كثافة وتأملًا.
ومع قوة هذا الشعر،
يمكن ملاحظة غلبة النبرة الخطابية في بعض نصوصه، حتى تكاد القصيدة تقترب من البيان
السياسي. كما أن التقابل المتكرر بين الفجر والظلام أو الشعب والطاغية قد يفقد
شيئًا من طاقته الفنية بسبب كثرة استعماله. إلا أن أفضل قصائد الفيتوري تنجح في
تجاوز الشعار؛ لأنها تمنح الأفكار أجسادًا وصورًا ومشاهد نابضة، كالخيول النازفة
والجميزة العجوز والطوفان الأسود وجثامين الحكام فوق العروش.
إن القيمة الكبرى
لشعر محمد الفيتوري تكمن في قدرته على تحويل الهامش إلى مركز، واللون الذي عُدّ
سببًا للاضطهاد إلى راية للكرامة، والضعف إلى بداية للثورة. لقد كتب بلسان الزنجي
والمنفي والجائع والمقموع، لكنه لم يحصر صوته في حدود تجربة فردية أو قومية ضيقة؛
بل جعله صوتًا إنسانيًا يدافع عن حق الإنسان في الحرية والعدل. لذلك يظل شعره
شاهدًا على عصره ومتجاوزًا له في آن واحد، لأنه يذكّرنا بأن الطغاة يرحلون، أما
الكلمة التي توقظ الشعوب فتبقى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق