هل يكفي أن يكون سعيد وصفية قد أنجبا خلدون كي يظلا أبويه بعد عشرين عامًا من الفراق؟ يبدو السؤال قاسيًا، وربما غير عادل، لأن الطفل لم يضع من أسرته نتيجة اختيار شخصي، ولأن أبويه لم يقررا ببساطة التخلي عنه. لكن غسان كنفاني يبني «عائد إلى حيفا» بحيث لا يسمح لنا بالبقاء عند الجواب الأخلاقي السهل. يعود الأبوان إلى البيت بحثًا عن ابن تركاه رضيعًا، فيجدان شابًا يحمل اسمًا آخر، ولغة أخرى، وذاكرة أخرى، وانتماءً آخر. عندها تتحول العودة من استعادة للمفقود إلى محاكمة لفكرة الاستعادة نفسها.
الجواب المبكر هو أن الرواية لا تنكر رابطة الدم، لكنها ترفض اعتبارها وحدها كافية لصنع الأبوة أو الهوية. خلدون هو ابن سعيد وصفية بيولوجيًا، لكنه صار دوف من خلال عشرين عامًا من التربية واللغة والذاكرة والمؤسسة الاجتماعية والسياسية التي نشأ داخلها. ومن هنا يمتد السؤال من الأسرة إلى الوطن: إذا كان البيت الذي نغادره يبقى لنا في الذاكرة، فهل يكفي أن نعود إلى بابه كي يصبح الماضي حاضرًا من جديد؟ وإذا كان الوطن أرضًا وذكريات، فهل يمكن الاحتفاظ به بالحنين وحده؟
هذه هي العقدة التي تجعل «عائد إلى حيفا» أكبر من قصة أبوين يبحثان عن طفل ضائع. الرواية القصيرة، التي صدرت سنة 1969، تأتي من المسافة الفاصلة بين نكبة 1948 وحرب يونيو/حزيران 1967. وهي مسافة لا يقيسها كنفاني بالسنوات فقط، بل بما فعلته السنوات بالأشخاص والأسماء والأماكن. فالزمن لم ينتظر سعيدًا وصفية حتى يعودا؛ لقد عمل طوال غيابهما، وغيّر البيت، وربّى الطفل، وخلق واقعًا لا يمكن إلغاؤه بمجرد فتح الباب القديم.
لماذا اختار كنفاني العودة بعد عشرين عامًا؟
تبدأ قوة الرواية من مفارقة بسيطة: سعيد يعود فعلًا إلى حيفا، لكن العودة التي حلم بها لا تعيد إليه حيفا التي غادرها. الطريق هو نفسه تقريبًا، والمدينة تحمل أسماء الشوارع والبيوت والمناظر التي توقظ ذاكرته، إلا أن العلاقة بينه وبين المكان انكسرت. ما يراه بعينيه في الحاضر يتصادم باستمرار مع ما تحتفظ به ذاكرته من أبريل/نيسان 1948.
بهذا المعنى لا يستخدم كنفاني الذاكرة لتجميل الماضي. الذاكرة نفسها تصبح موضع اختبار. سعيد يتذكر التفاصيل كما لو كانت تنتظره في مكانها: البيت، الأثاث، الطريق، الرضيع. لكنه حين يدخل البيت يجد أن الأشياء قد استمرت من دونه. بعضها لا يزال موجودًا، إلا أن وجوده لا يعني أنه بقي ملكًا لذاكرته. شخص آخر عاش هنا، لمس الأثاث، فتح النوافذ، وراكم ذكريات جديدة فوق الذكريات القديمة.
وهذا ما يجعل البيت في الرواية أكثر من عقار مسلوب أو رمز مباشر للوطن. البيت مختبر للزمن. ففي مكان محدود تستطيع الرواية أن تجعل تاريخين يواجه أحدهما الآخر. سعيد وصفية يدخلان حاملين قصة المكان قبل 1948، ومريام تستقبلهما وهي تحمل قصة أخرى بدأت بعد خروجهما. ثم يدخل دوف ليصبح الصراع أشد تعقيدًا، لأن التاريخين لم يعودا متقابلين في الجدران وحدها، بل اجتمعا في جسد شخص واحد.
تشير دراسات نقدية للرواية إلى هذه الهوة بين المكان المحفوظ في ذاكرة اللاجئ والمكان كما أصبح في الواقع، وإلى أن كنفاني يعيد تعريف «البيت» بوصفه شيئًا يتجاوز الجغرافيا الجامدة. فالعودة إلى المكان لا تستعيد الزمن المفقود؛ إنها تكشف مقدار ما تغير أثناء الغياب.
وهنا تقترب تجربة سعيد من سؤال يتكرر بأشكال مختلفة في الأدب الفلسطيني. ففي قراءة تجربة محمود درويش بين الوطن والمنفى والهوية تظهر العودة أيضًا باعتبارها أكثر تعقيدًا من الوصول الجغرافي؛ لأن الإنسان قد يصل إلى المكان بينما تظل المسافة بين ذاكرته وواقعه قائمة.
خلدون أم دوف: هل الاسم هو الهوية؟
لعل أكثر ما يوجع في اللقاء أن الابن لم يعد ينتظر أبويه تحت الاسم الذي تركاه به. خلدون صار دوف. ومن السهل أن نقرأ تبدل الاسم باعتباره مجرد علامة على فقدان الهوية، لكن كنفاني يجعل المسألة أعمق. فالاسم ليس قشرة يمكن نزعها لنظهر «الإنسان الحقيقي» المختبئ تحتها. وراء اسم دوف طفولة كاملة، وأم ربته، ولغة تعلمها، ومدرسة ومجتمع وذاكرة وصورة عن نفسه.
لو كان خلدون قد ظل في البيت عشرين عامًا كشيء محفوظ من الماضي، لكانت العودة سهلة روائيًا وأخلاقيًا. لكن الإنسان ليس قطعة أثاث. إنه يتشكل مع الزمن. ولذلك يفاجئ دوف والديه البيولوجيين لأنهما يصلان حاملين صورة الرضيع الذي فقداه، بينما يقف أمامهما رجل لا يعرف تلك الصورة إلا بوصفها حكاية يرويها غرباء جاءوا فجأة ليقولوا له إن اسمه الأصلي خلدون.
هذا لا يجعل دوف «بلا أصل»، كما لا يجعل التربية تلغي حقيقة ولادته. الرواية تضع الأصل والتكوين في صدام بدل أن تمنح أحدهما انتصارًا سهلًا. الدم يقول شيئًا حقيقيًا، والتربية تقول شيئًا حقيقيًا آخر، والذاكرة تقول شيئًا ثالثًا. المأساة أن هذه الحقائق لا تتطابق.
لهذا تصبح مواجهة سعيد مع دوف مواجهة مع فكرته القديمة عن الأبوة. كان الأب يتصور أن الابن يمكن استعادته لأن الرابطة التي تجمعهما سبقت كل ما حدث بعد ذلك. لكن دوف يعامله وفق معيار مختلف: الأبوة ليست لحظة إنجاب فقط، بل حضور ورعاية وتربية ومسؤولية. اعتراضه جارح لأنه يتجاهل إلى حد كبير الظروف التاريخية التي فرقت الطفل عن أبويه، لكنه مع ذلك يضع إصبعه على السؤال الذي تريد الرواية دفع سعيد إلى مواجهته: ماذا تبقى من علاقة لم تستطع أن تتحول إلى حياة مشتركة؟
هنا تتحول المأساة من مأساة ضياع طفل إلى مأساة صناعة إنسانين مختلفين من طفل واحد. هناك خلدون الذي عاش عشرين عامًا في ذاكرة أبويه، وهناك دوف الذي عاش عشرين عامًا في العالم. وحين يلتقي الاثنان لا يحدث ذلك داخل الشخص نفسه بقدر ما يحدث بين نظرات الآخرين إليه. صفية ترى خلدون فورًا. مريام ترى الابن الذي ربته. أما الشاب فيرى نفسه دوف.
ولهذا كان الاسم من أهم مفاتيح الرواية. ليس لأنه يقرر وحده من يكون الإنسان، بل لأنه يكشف أن الهوية ليست جوهرًا ساكنًا نحمله منذ الولادة. إنها أيضًا قصة نتعلمها عن أنفسنا، ولغة نتكلمها، وذاكرة نصدقها، وجماعة نعرف من خلالها موقعنا في العالم.
الأبوة التي تتحول إلى سؤال عن الوطن
لو توقفت الرواية عند خلدون ودوف لبقيت حكاية عائلية شديدة القسوة. لكن كنفاني يبني علاقة متوازية بين الابن والبيت والوطن. الثلاثة أشياء يعتقد سعيد في البداية أنها «له» لأنه كان يملكها في الماضي: البيت كان بيته، والطفل كان ابنه، وحيفا كانت مدينته. ثم يكتشف أن صيغة الملكية وحدها لا تستطيع إيقاف التاريخ.
هذا لا يعني أن الرواية تساوي بين حق تاريخي في البيت وبين علاقة الأب بابنه، ولا أنها تقول إن من يسيطر على شيء مدة أطول يصبح مالكه الشرعي تلقائيًا. القراءة الأدق أن كنفاني يختبر الفرق بين الحق والقدرة على تحويل الحق إلى حياة. يمكن للحق أن يبقى قائمًا، بينما يواصل الواقع إنتاج نتائج جديدة كل يوم.
من هنا تتغير نظرة سعيد إلى الوطن. في بداية الرحلة تبدو العودة حركة نحو الوراء: الرجوع إلى البيت، العثور على الابن، لمس الأشياء القديمة، وإغلاق الجرح الذي ظل مفتوحًا عشرين عامًا. وفي نهايتها يصبح اتجاه التفكير نحو المستقبل. السؤال لم يعد فقط: ماذا فقدنا؟ بل: ماذا نفعل بما بقي لنا؟
وتظهر أهمية خالد، الابن الآخر، هنا. فهو لم يبق في حيفا ولم يتحول إلى صورة محفوظة في الماضي. إنه ابن الحاضر والمستقبل، والشخص الذي كان سعيد يحاول أن يمنعه من اتخاذ طريق يراه خطيرًا. لكن مواجهة دوف تجبر الأب على إعادة النظر. فالرواية تجعل خلدون ودوف يمثلان نتيجة الغياب، بينما يمثل خالد إمكانية الفعل.
هذه النقلة حاسمة لأنها تمنع «عائد إلى حيفا» من أن تصبح مرثية للبيت الضائع. كنفاني يسمح للحنين بأن يؤدي دوره ثم يكشف حدوده. الحنين يحفظ الذاكرة، لكنه لا يستطيع وحده تغيير الواقع. وقد يصبح خطرًا إذا أقنع صاحبه بأن الاحتفاظ بصورة الماضي يعادل العمل من أجل المستقبل.
لهذا لا يعود السؤال في النهاية: هل استعاد سعيد ابنه؟ فالجواب واضح ومؤلم. السؤال الأعمق هو: ماذا تعلم من فشل الاستعادة؟ لقد اكتشف أن الوطن لا يمكن أن يكون مجرد مجموعة أشياء نملكها في الذاكرة، مثل مفتاح قديم أو صورة بيت أو اسم طفل. الوطن علاقة مسؤولية أيضًا.
هل تحاكم الرواية سعيد وصفية لأنهما تركا طفلهما؟
هذه من أكثر النقاط التي تحتاج إلى الحذر في قراءة العمل. يمكن للقارئ أن يسمع اتهام دوف لأبويه، ثم يستنتج أن الرواية نفسها تدينهما لأنهما «تركا» طفلهما. لكن سرد كنفاني للعودة إلى يوم الخروج يجعل هذه الصيغة البسيطة غير كافية.
في أبريل/نيسان 1948 شهدت حيفا معارك وانهيارًا سريعًا للحياة المدنية الفلسطينية ونزوحًا جماعيًا واسعًا. وتختلف الدراسات التاريخية في تفسير بعض أسباب النزوح وتوزيع المسؤوليات والقرارات في تلك الأيام، لكن الثابت أن عشرات الآلاف من الفلسطينيين غادروا المدينة أثناء القتال وسقوط أحيائها العربية. كنفاني يضع مأساة سعيد وصفية داخل تلك الفوضى؛ أي إن انفصالهما عن الرضيع ليس قرارًا عائليًا هادئًا يمكن قياسه بمعايير الحياة اليومية.
ولهذا فإن دوف، عندما يحاكمهما من موقع الابن الذي عاش نتيجة الغياب، يمتلك تجربة حقيقية لكنه لا يمتلك بالضرورة التاريخ كاملًا. وجهة نظره ليست صوت المؤلف النهائي. إنها أحد الأصوات المتصارعة داخل الرواية.
وهذه نقطة من نقاط قوة كنفاني السردية. فهو لا يصنع خصمًا ورقيًا لكي يهزمه سعيد في الحوار. يسمح لدوف بأن يقول كلامًا مؤلمًا له منطقه الخاص، ويسمح لمريام بأن تظهر بوصفها امرأة ذات سيرة ومخاوف وارتباط بالطفل الذي ربته. هذا التعقيد لا يمحو عدم التكافؤ التاريخي الذي أنتج الموقف، لكنه يمنع الشخصيات من التحول إلى شعارات.
إن سردية الرواية تقوم على الحوار لأن كنفاني يريد للقارئ أن يشعر باستحالة إعادة ترتيب الماضي بمحاكمة بسيطة. من ترك من؟ ومن هو الأب الحقيقي؟ ومن هي الأم؟ ومن يملك البيت؟ الأسئلة تبدو قابلة لإجابات ثنائية، لكن كل إجابة تصطدم بطبقة أخرى من التاريخ.
والمهم أن الرواية لا تجعل الاعتراف بإنسانية مريام أو بتكوين دوف تنازلًا عن تجربة سعيد وصفية. إنها تقول، على مستوى البناء الأدبي، إن التاريخ حين يدخل البيوت لا ينتج ضحايا بلا علاقات جديدة، بل يصنع شبكة من الذكريات والولاءات يصعب تفكيكها بمجرد العودة إلى نقطة البداية.
البيت الذي لم يعد ينتظر صاحبه
من أجمل ما يفعله كنفاني أنه يجعل الأشياء اليومية تؤدي وظيفة الذاكرة من غير أن يحول كل شيء إلى رمز مغلق. الباب، الجرس، الأثاث، الصور، الشارع، الطريق إلى حيفا؛ كلها تستدعي الماضي لأن سعيد عاش معها، لا لأن الكاتب وضع أمام كل قطعة معنى قاموسيًا محددًا.
وحين يتعرف سعيد إلى الأشياء، يشعر القارئ للحظة أن الذاكرة انتصرت. لكن سرعان ما يتبين أن التعرف ليس استعادة. يستطيع أن يقول: هذه كانت هنا. يستطيع أن يتذكر كيف كانت زوجته تتحرك في البيت. لكنه لا يستطيع جعل السنوات العشرين تختفي.
وهنا تظهر المفارقة بين الذاكرة والمتحف. لو بقي البيت متحفًا مغلقًا منذ 1948 لكان من الممكن أن يعود سعيد إلى نسخة مجمدة من حياته. لكنه بيت عاش فيه آخرون. الزمن ترك عليه طبقات جديدة. لذلك تؤلمه الأشياء التي بقيت بقدر ما تؤلمه الأشياء التي تغيرت؛ لأن الباقي يثبت أن الماضي كان حقيقيًا، بينما استعمال الآخرين له يثبت أن الماضي لم يعد حاضرًا.
إنها المشكلة نفسها التي يعالجها الأدب الفلسطيني مرارًا عندما يسأل ماذا يبقى من الإنسان بعد اقتلاعه من المكان. وقد رأينا في قراءة «جدارية» محمود درويش كيف يتحول الاسم والذاكرة إلى وسيلتين لمقاومة الغياب، لكن الذاكرة لا تستطيع إلغاء الزمن. عند كنفاني أيضًا تصبح الذاكرة ضرورية وخطرة في الوقت نفسه: ضرورية لأنها تحفظ ما تعرض للفقد، وخطرة إذا تحولت إلى بديل من الحاضر.
ولهذا يستطيع قارئ «عائد إلى حيفا» أن يفهم لماذا لا تكون العودة الجسدية خاتمة للرواية بل بدايتها الحقيقية. فالإنسان لا يعرف معنى ما فقده وهو بعيد عنه فقط؛ أحيانًا يحتاج إلى الوصول إليه كي يكتشف أنه فقد أيضًا الزمن الذي كان يجعله جزءًا من حياته.
من خلدون إلى خالد: لماذا تتغير نظرة سعيد في النهاية؟
أهم تحول في الرواية لا يقع في دوف. الشاب لا يتغير تغييرًا واضحًا خلال اللقاء. التحول يقع في سعيد.
لقد جاء إلى حيفا متجهًا إلى الماضي، ويخرج منها وهو يفكر في ابنه الآخر. وما يحدث بين اللحظتين هو انهيار لفكرة كان يحملها عن الفقد. كان يعتقد، بطريقة ما، أن ما ضاع يمكن العثور عليه إذا فُتح الطريق إلى المكان. لكنه يكتشف أن عشرين عامًا ليست حاجزًا يمكن عبوره بالسيارة.
لهذا يصبح خالد مهمًا بقدر خلدون. الفرق بين الاسمين ليس لغويًا فقط، بل زمني. خلدون ينتمي إلى السؤال الذي يلاحق الماضي: ماذا حدث لابننا؟ خالد ينتمي إلى السؤال الذي يتجه إلى الأمام: ماذا سنفعل الآن؟
ليس من الضروري اختزال هذه النهاية إلى شعار سياسي واحد. الأدب الجيد أوسع من أن يوضع في معادلة تقول إن كنفاني استبدل الحنين بفكرة واحدة جاهزة. ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن سعيد يكتشف عجز الموقف السلبي. لقد عاش طويلًا مع الخسارة باعتبارها شيئًا وقع له، ثم تجبره العودة على التفكير في مسؤوليته تجاه ما لم يقع بعد.
ومن هنا يمكن فهم واحدة من أشهر أفكار الرواية: أن الإنسان في النهاية قضية. قيمتها ليست في تحويل الفرد إلى شعار، بل في رفض تعريف الإنسان بنسبه وحده. دوف ليس فلسطينيًا عمليًا لمجرد أنه ولد لوالدين فلسطينيين؛ فالهوية التي عاشها تشكلت داخل سياق آخر. وبالمقابل لا يكفي لسعيد أن يقول إن حيفا وطنه ثم يجعل علاقته بها علاقة ذاكرة فقط.
الوطن، وفق هذا التحول، ليس مجرد شيء ننتمي إليه، بل شيء نتحمل مسؤولية تجاهه. والأبوة كذلك ليست مجرد حقيقة بيولوجية، بل مسؤولية وحضور. بهذه الموازاة الدقيقة تصبح الأسرة طريقة لفهم الوطن، ويصبح الوطن بدوره طريقة لإعادة التفكير في الأسرة.
هل كان دوف ابنًا ضائعًا أم هوية جديدة؟
ربما يكون الجواب الأكثر صدقًا: إنه الاثنان معًا.
بالنسبة إلى سعيد وصفية، سيبقى خلدون الابن الذي فُقد. لا يستطيع قارئ منصف أن يطلب منهما محو هذه الحقيقة لأن الطفل كبر في بيت آخر. لكن بالنسبة إلى دوف، فإن الاسم القديم لا يملك القدرة السحرية على محو حياته التي عاشها. هذه المعضلة هي قلب الرواية لأنها لا تقبل حلًا عاطفيًا كاملًا.
لو عاد دوف إلى حضن أبويه فورًا لكانت الرواية قد منحت الدم سلطة مطلقة على الذاكرة. ولو أنكرت تمامًا صلته بهما لأصبحت التربية قادرة على محو التاريخ. كنفاني لا يفعل هذا ولا ذاك. يترك الجرح مفتوحًا لأن الواقع الذي أنتج الشخصيات لا يمكن إصلاحه بحركة ميلودرامية واحدة.
ومن هذه الزاوية نفهم لماذا تبدو «عائد إلى حيفا» أكثر حداثة من كثير من الروايات التي تتعامل مع الهوية بوصفها صندوقًا مغلقًا. الهوية هنا ليست جوابًا عن سؤال «من أبوك؟» ولا عن سؤال «أين ولدت؟» فقط. إنها علاقة بين الأصل والزمن والتربية واللغة والذاكرة والاختيار والقوة التاريخية التي تحدد الظروف التي ينشأ فيها الإنسان.
لكن الرواية لا تقع في النسبية التي تجعل كل الروايات متساوية أو تجعل التاريخ بلا حقيقة. هناك اقتلاع وقع، وعائلة فُصلت عن رضيعها، وبيت فقده أصحابه في سياق نزوح جماعي. الاعتراف بأن دوف أصبح شخصًا له وعيه المستقل لا يغير هذه الوقائع. إنه يجعل نتائجها الإنسانية أكثر تعقيدًا.
وهذا أحد أسباب بقاء الرواية قابلة للقراءة خارج لحظة صدورها. إنها تبدأ من سياق فلسطيني محدد جدًا، ثم تصل إلى سؤال إنساني يمكن أن يظهر في الهجرة والحروب والتبني القسري وفقدان العائلات وتبدل اللغات: كم من هويتنا نرث، وكم منها نصنع، وكم منها يصنعه العالم لنا قبل أن نملك القدرة على الاختيار؟
ما معنى الوطن بعد العودة إلى حيفا؟
في أول الطريق يبدو الوطن عند سعيد مكانًا يمكن الوصول إليه. وفي البيت يبدو شيئًا يمكن التعرف إليه. وأمام دوف يظهر بوصفه أصلًا يمكن إثباته. لكن كل تعريف من هذه التعريفات يفشل إذا بقي وحده.
المكان ضروري، لكنه يتغير. الذاكرة ضرورية، لكنها لا تعيد الزمن. الأصل مهم، لكنه لا ينتج تلقائيًا هوية حية. لذلك تتحرك الرواية نحو تصور أكثر صعوبة: الوطن علاقة بين الذاكرة والفعل.
الذاكرة تقول إن البيت لم يبدأ يوم دخلته مريام، وإن خلدون لم يبدأ يوم صار اسمه دوف. والفعل يقول إن معرفة ذلك ليست كافية. لا يمكن للمرء أن يقيم إلى الأبد داخل الإثبات التاريخي للماضي ثم يتوقع أن يتغير المستقبل وحده.
بهذا المعنى لا يهدم كنفاني الحنين، بل يضعه في مكانه الصحيح. الحنين يحفظ الجرح من النسيان، لكنه ليس علاجًا. والعودة تكشف الحقيقة، لكنها ليست نهاية التاريخ. والأبوة تمنح الإنسان صلة بابنه، لكنها لا تعفيه من مسؤولية أن يكون حاضرًا في حياة أبنائه الذين ما زال يستطيع الوصول إليهم.
ولهذا فإن أكثر ما تغير في سعيد ليس معرفته بهوية دوف، بل معرفته بنفسه. عاد إلى حيفا طالبًا جوابًا عن سؤال قديم، فخرج منها محملًا بسؤال جديد. وهذه الحركة من الماضي إلى المستقبل هي التي تمنح الرواية بنيتها الأخلاقية العميقة.
«عائد إلى حيفا» ليست رواية تقول إن الوطن مجرد فكرة، ولا إن البيت لا قيمة له، ولا إن الدم بلا معنى. إنها أكثر قسوة ودقة من هذه الخلاصات. تقول إن الأشياء التي نحبها يمكن أن تكون لنا حقًا ومع ذلك تضيع منا؛ وإن ضياعها لا يبطل حقنا فيها، لكنه يغير الطريقة التي يجب أن نفكر بها في استعادتها. وتقول إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد على ما كانه قبل عشرين عامًا.
سعيد لا يعود من حيفا وقد استعاد بيته أو ابنه. يعود بشيء أقل راحة وربما أكثر أهمية: وعي بأن المستقبل لا تحفظه الذاكرة وحدها. وإذا كان خلدون هو صورة ما صنعه الغياب، فإن خالد يصبح صورة لما لا يزال قابلًا لأن يُصنع.
وهنا يتغير معنى عنوان الرواية نفسه. «عائد إلى حيفا» يوحي في البداية بأن حيفا هي نهاية الرحلة. بعد القراءة ندرك أنها كانت نقطة التحول. العودة الحقيقية ليست إلى المكان فحسب، بل إلى المسؤولية التي حاول الحنين طويلًا أن يؤجلها.
لو كنت مكان سعيد وصفية، فهل كنت سترى الشاب الواقف أمامك خلدون الذي سُرق منه عشرون عامًا، أم دوف الذي صنعته عشرون عامًا لا تستطيع محوها؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق