هل يجوز أن نضحك في فيلم عن المحرقة؟ يبدو السؤال، للوهلة الأولى، أخلاقيًا أكثر منه سينمائيًا. فهناك كوارث تبلغ من الفظاعة حدًا يجعل الضحك بجوارها يبدو نوعًا من الخيانة. لكن روبرتو بينيني فعل شيئًا أكثر تعقيدًا من تحويل المأساة إلى كوميديا: وضع مهرجًا في مواجهة آلة للموت، ثم سأله ماذا يستطيع أن يفعل حين لا يملك بندقية، ولا جيشًا، ولا حتى القدرة على إنقاذ نفسه.
في فيلم Life Is Beautiful، أو La vita è bella بالإيطالية، لا يستطيع الأب غيدو أن يهزم النازية، ولا أن يفتح أبواب المعسكر، ولا أن يغير مسار الحرب. الشيء الوحيد الذي يمتلكه هو الخيال. وحين يصبح ابنه الصغير داخل عالم لا يستطيع الطفل فهم وحشيته، يستخدم الأب الخيال ليصنع فوق الواقع واقعًا آخر مؤقتًا: المعسكر مسابقة، الجنود حكام لعبة، الاختباء جزء من القواعد، ومن يجمع ألف نقطة يفوز بدبابة.
لكن السؤال الذي يبقى بعد انتهاء الفيلم ليس: هل كانت اللعبة مقنعة؟ بل: لمن كانت هذه اللعبة؟ هل كان غيدو يخدع ابنه، أم كان يحاول حماية آخر مساحة من طفولته؟ وهل الكوميديا هنا إنكار للكارثة، أم طريقة للنظر إليها من زاوية لا تمنح الجلاد حق السيطرة على خيال الضحية أيضًا؟
فيلم ينقسم إلى عالمين
صدر الفيلم في إيطاليا سنة 1997، وأخرجه روبرتو بينيني وشارك في كتابة السيناريو مع فينتشنزو تشيرامي، كما أدى بنفسه شخصية غيدو، بينما أدت نيكوليتا براسكي شخصية دورا، وجسّد جورجيو كانتاريني شخصية الطفل جوزويه.
ومن أكثر القرارات الفنية أهمية في الفيلم تقسيمه، بصورة تكاد تكون حادة، إلى عالمين. النصف الأول يبدو قريبًا من الكوميديا الرومانسية والحكاية الخرافية. غيدو يصل إلى المدينة، يقع في الحب، يصنع المصادفات، يلاحق دورا، ويحوّل الحياة اليومية إلى سلسلة من الألعاب والمفارقات. حتى الأشياء العادية تصبح تحت يديه قابلة للسحر.
ثم تمر السنوات، وتأتي الحرب، وتدخل العنصرية الفاشية إلى المشهد شيئًا فشيئًا، ويتغير كل شيء.
غير أن الفيلم لا يتخلى تمامًا عن لغته الأولى. وهذه هي الحيلة الأساسية في بنائه: العالم تغير، لكن غيدو يحاول ألا يسمح للغة التي صنع بها عالم ابنه أن تتغير معه. الكوميديا التي كانت في البداية وسيلة للغزل والاستمتاع بالحياة تصبح، في المعسكر، وسيلة دفاع.
لهذا لا يمكن فصل نصفي الفيلم بسهولة. لولا غيدو المهرج في النصف الأول، لما صدقنا غيدو الذي يخترع اللعبة في النصف الثاني. ما يبدو في البداية خفة شخصية يتحول لاحقًا إلى سلاحها الوحيد.
غيدو لا يغيّر الواقع... بل يغيّر تفسيره
هناك فرق جوهري بين أن تقول لطفل إن الخطر غير موجود، وأن تعرف أن الخطر موجود ثم تحاول أن تمنحه تفسيرًا يستطيع احتماله. غيدو لا يستطيع إزالة الأسلاك والحراس والجوع والخوف، ولذلك يقوم بالشيء الوحيد المتاح له: يعيد تسمية الأشياء.
حين يشرح الضابط الألماني قواعد المعسكر، يتقدم غيدو مترجمًا رغم أنه لا يعرف الألمانية، ويحوّل التعليمات المرعبة إلى قواعد لعبة طويلة. لا يغير كلمة واحدة من الواقع المادي؛ الضابط ما زال ضابطًا، والسجناء ما زالوا سجناء. لكنه يغير العالم الذي يصل إلى أذن ابنه.
وهنا يصبح الفيلم، من زاوية أدبية، حكاية عن سلطة اللغة.
فالجلاد لا يكتفي عادة بامتلاك السلاح. إنه يسمي أيضًا: هذا إنسان صالح، وهذا غير مرغوب فيه، وهذا مواطن، وهذا عدو، وهذا يستحق الحياة، وهذا يمكن إقصاؤه. تبدأ أنظمة الاضطهاد، في جانب منها، بإعادة تسمية البشر قبل أن تبدأ بتدميرهم.
وغيدو يقاوم العملية نفسها بلغته الخاصة. أمام لغة السلطة التي تحوّل البشر إلى فئات وأرقام، يخترع لغة تحول المعسكر إلى لعبة. إنه كذب بالتأكيد، لكنه كذب غريب: لا يستعمل لإخفاء جريمة الجلاد عن التاريخ، بل لحجبها مؤقتًا عن طفل.
هل قصة Life Is Beautiful حقيقية؟
هنا يجب الفصل بوضوح بين الفيلم والتاريخ. Life Is Beautiful ليس إعادة تمثيل لحادثة تاريخية محددة، وغيدو وجوزويه ليسا شخصيتين ينبغي التعامل مع قصتهما بوصفها سجلًا لما حدث فعلًا داخل معسكر نازي.
الفيلم حكاية متخيلة تتحرك داخل سياق تاريخي حقيقي.
بدأ النظام الفاشي الإيطالي سنة 1938 بسن قوانين عنصرية معادية لليهود، استبعدتهم من قطاعات واسعة من الحياة العامة، ومنعت الزواج بين اليهود وغير اليهود، وأقصت اليهود من وظائف ومؤسسات مختلفة. وبعد سقوط موسوليني واستسلام إيطاليا للحلفاء سنة 1943، احتلت القوات الألمانية شمال إيطاليا ووسطها، وبدأت عمليات اعتقال اليهود وترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال والإبادة.
هذه الخلفية حقيقية، وهي ضرورية لفهم الانتقال الذي يحدث في الفيلم من الإهانات العنصرية والإقصاء التدريجي إلى الاعتقال والترحيل.
أما تفاصيل اللعبة التي يخترعها غيدو، وبقاء الطفل مختبئًا بهذه الطريقة، وتسلسل الأحداث داخل المعسكر، فهي جزء من البناء الحكائي وليست وثيقة تاريخية. وهذه نقطة مهمة جدًا، لأن الفيلم يصبح مضللًا إذا استُخدم لتعلم التفاصيل الواقعية للحياة في معسكرات الإبادة.
إنه يريد أن يكون حكاية عن أب وابنه في قلب المحرقة، لا إعادة بناء دقيقة للمحرقة نفسها.
المشكلة الأخلاقية: الطفل الذي كان يصعب أن يبقى حيًا
أحد أقوى الاعتراضات على الفيلم يتعلق بعمر جوزويه نفسه. فالواقع التاريخي لمعسكرات الإبادة كان أشد قسوة بكثير مما تسمح به الحكاية. الأطفال الصغار كانوا من الفئات الأكثر تعرضًا للقتل، وكانت فرص طفل في عمر جوزويه في النجاة من عملية الاختيار عند الوصول ضئيلة للغاية.
ولهذا فإن بقاء الطفل هو واحد من المواضع التي يبتعد فيها الفيلم بوضوح عن الاحتمال التاريخي كي يحافظ على بنيته الرمزية.
ولا ينبغي حل هذه المشكلة بالقول ببساطة إن «هذا فيلم وليس وثائقيًا». فالفن حر في التخيل، لكن حين يضع خياله داخل كارثة تاريخية حقيقية، يصبح السؤال عن حدود هذه الحرية مشروعًا.
هل يحق للفنان أن يغير احتمال النجاة لكي يصنع قصة عن الحب؟ نعم، بوصفه خيالًا. لكن هل يجوز للمشاهد أن يخرج من الفيلم معتقدًا أن ما رآه صورة واقعية للحياة اليومية في معسكرات الإبادة؟ هنا تصبح الإجابة مختلفة.
ومن هنا تأتي أهمية قراءة الفيلم على مستويين في وقت واحد: أن نتأثر بحكاية غيدو وجوزويه، وألا نسمح للحكاية بأن تحل محل التاريخ.
لماذا لا نرى الرعب كاملًا؟
لا يعرض بينيني كثيرًا من الفظائع التي نعرف أنها كانت جزءًا من عالم المعسكرات. لا يقدم مشاهد مطولة لغرف الغاز، ولا يجعل العنف الجسدي المباشر مركز الصورة، ولا يبني فيلمه على استعراض الموت.
لكن الغياب لا يعني دائمًا الإنكار.
في واحدة من أكثر لحظات الفيلم رعبًا، يسير غيدو في الضباب حاملًا ابنه، ثم يجد نفسه أمام كومة من الجثث. المشهد قصير، صامت تقريبًا، ولا يحاول تحويل الموتى إلى استعراض بصري. للحظة تتوقف اللعبة. لا توجد نكتة قادرة على إعادة تسمية ما يراه.
هذه اللحظة مهمة لأن الفيلم يعترف فيها بحدود استراتيجية بطله. يستطيع غيدو أن يكذب بشأن التعليمات، وأن يحول الجوع إلى نقاط، وأن يجعل الاختباء جزءًا من المسابقة، لكنه لا يستطيع أن يجعل الموت شيئًا آخر.
هنا يصل الخيال إلى جداره.
ولعل هذا الجدار هو ما يمنع الفيلم، في أفضل لحظاته، من التحول إلى مجرد قصة متفائلة عن قوة التفكير الإيجابي. لا يقول الفيلم إن الإنسان يستطيع أن يتخيل الشر فيختفي. غيدو نفسه لا ينجو. والحرب لا تتوقف لأن الأب مضحك. الجريمة تقع كاملة، بصرف النظر عن اللغة التي يحاول بها حماية ابنه.
هل يضحك الفيلم على المحرقة؟
هذا هو السؤال الذي رافق Life Is Beautiful منذ ظهوره، وهو أيضًا السؤال الذي قد يضللنا إذا صيغ بهذه البساطة.
فموضوع النكتة مهم بقدر أهمية وجود النكتة نفسها.
الفيلم لا يجعل السجناء أو ضحايا الإبادة مادة للسخرية. الضحك يأتي غالبًا من غيدو، ومن الطريقة التي يعيد بها ترتيب الواقع، ومن اصطدام منطقه الطفولي العبثي بصرامة السلطة. وفي كثير من الأحيان يكون الجلاد، لا الضحية، هو الذي يفقد هيبته داخل اللعبة.
حين يحول غيدو أوامر الضابط إلى قوانين مسابقة، لا تصبح المحرقة مضحكة. الذي يحدث هو أن لغة السلطة تفقد، لبضع دقائق، قدرتها على الوصول إلى الطفل.
وهذه مسألة مختلفة تمامًا.
غيدو لا يستطيع منع الحارس من حمل السلاح، لكنه يستطيع منعه مؤقتًا من امتلاك خيال ابنه. قد يسيطر النظام على الجسد والمكان، لكن الأب يحاول الاحتفاظ بمنطقة صغيرة لا يصل إليها: الطريقة التي يرى بها الطفل العالم.
لهذا تصبح الكوميديا في الفيلم شكلًا من أشكال المقاومة النفسية، لا لأنها تهزم النازية، بل لأنها ترفض منحها انتصارًا إضافيًا.
لكن لماذا أثار الفيلم كل هذا الجدل؟
لأن الموضوع ليس مجرد خلفية درامية عادية. المحرقة حدث تاريخي حقيقي قُتل فيه ملايين البشر، ولهذا فإن تحويل المعسكر إلى فضاء لحكاية ذات عناصر كوميدية يثير سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل تمنحنا الحكاية مسافة إنسانية لفهم الفاجعة، أم تمنحنا راحة عاطفية أكثر مما ينبغي؟
بعض النقاد رأوا أن الفيلم يخفف الواقع، ويجعل المعسكر قابلًا للاحتمال سينمائيًا بطريقة لم يكن بها قابلًا للاحتمال تاريخيًا. ومن هذا المنظور، يمكن للمشاهد أن يبكي على تضحية غيدو ثم يغادر مطمئنًا لأن الحب انتصر رمزيًا، بينما الحقيقة التاريخية أكثر قسوة بكثير من أن تسمح بهذا النوع من التعويض.
وفي المقابل، قرأ آخرون الفيلم بوصفه حكاية رمزية لا تزعم أصلًا أنها تقدم المعسكر كما كان. فالفيلم، وفق هذه القراءة، لا يسأل كيف كانت الحياة في معسكرات الإبادة، بل يسأل ماذا يستطيع أب أن يفعل لطفله حين يُسلب منه كل شيء.
ولعل قوة الفيلم ومشكلته تنبعان من المكان نفسه: إنه يقترب من التاريخ ثم يصر على ألا يصبح تاريخًا، ويستعير من المحرقة أقصى شروط الشر لكي يختبر أمامها قدرة الخيال والحب.
دورا: من خارج اللعبة إلى داخل المصير
يبدو التركيز على علاقة الأب والابن طبيعيًا، لكنه قد يحجب أهمية دورا.
دورا ليست يهودية في الفيلم، وكان بإمكانها، من حيث المبدأ، أن تبقى خارج المصير الذي ينتظر زوجها وابنها. لكنها حين تعرف أنهما رُحّلا، تطلب أن تصعد إلى القطار.
هذا القرار يغيّر معنى الحب في الفيلم.
في النصف الأول يطارد غيدو دورا داخل فضاء رومانسي، ويظهر لها في المصادفات، ويناديها «أميرتي»، ويجعل العالم مسرحًا لحبه. أما في النصف الثاني فتنقلب الحركة: دورا هي التي تتجه نحوه، لا لأنها تستطيع إنقاذه، بل لأنها ترفض أن تكون سلامتها امتيازًا يفصلها عنه.
وهي لا تدخل لعبة غيدو بالكامل؛ فهي تعرف الحقيقة التي يحاول إخفاءها عن الطفل. لذلك تحمل شخصية دورا وجهًا آخر للحب: غيدو يحمي ابنه بالوهم، بينما تختار هي مشاركة زوجها وابنها الخطر وهي تعرف أنه حقيقي.
الحب هنا ليس شعورًا واحدًا. مرة يكون اختراعًا، ومرة تضحية، ومرة اختيارًا واعيًا للوقوف إلى جانب الآخر حين يصبح الوقوف إلى جانبه مكلفًا.
الدبابة: لعبة طفل أم مفارقة قاسية؟
يَعِد غيدو ابنه بأن الفائز سيحصل على دبابة حقيقية. تبدو الفكرة سخيفة، وهذا بالضبط ما يجعل ظهور الدبابة في النهاية بالغ التأثير.
بعد اختفاء الأب، يخرج جوزويه من مخبئه فيجد دبابة أمريكية أمامه. بالنسبة إلى الطفل، تحقق الوعد: لقد جمع النقاط وفاز.
أما المشاهد فيعرف شيئًا لا يعرفه الطفل.
الدبابة لم تأتِ لأن اللعبة كانت حقيقية. لقد جاءت لأن الحرب انتهت في ذلك المكان، بينما الأب الذي اخترع الجائزة لن يكون موجودًا ليشارك ابنه فرحته.
وهنا يعمل الفيلم على مستويين متناقضين في اللحظة نفسها. الطفل يرى انتصارًا، والمشاهد يرى ثمن الانتصار. الطفل يرى تحقق الحكاية، والمشاهد يعرف أن صاحب الحكاية مات.
وهذه المسافة بين معرفة الطفل ومعرفة المشاهد هي القلب العاطفي للنهاية.
لماذا يمشي غيدو بطريقة مضحكة قبل موته؟
ربما تكون هذه من أكثر اللحظات التي تلخص الفيلم كله.
يُقتاد غيدو تحت تهديد السلاح. يعرف أن ابنه مختبئ ويراقبه. وفي اللحظة التي كان يمكن أن يسقط فيها القناع نهائيًا، يختار أن يمشي مشيته الهزلية المبالغ فيها أمام الطفل.
المشهد مضحك في شكله ومفجع في معرفتنا بما سيحدث بعد ثوان.
غيدو لا يؤدي هذه الحركة كي ينقذ نفسه؛ لقد تجاوزت المسألة هذه المرحلة. إنه يؤدي آخر مشهد في اللعبة حتى لا يرى جوزويه أباه بوصفه رجلًا مذعورًا يُساق إلى الموت.
والأهم أن الفيلم لا يجعل الطفل يشاهد القتل نفسه.
نحن نعرف، وهو لا يعرف.
لذلك فإن آخر هدية يقدمها الأب ليست حياته، لأنه لم يعد قادرًا على الاحتفاظ بها، وإنما صورة أخيرة: أب ما زال يلعب.
هنا تبلغ الكوميديا أبعد نقطة ممكنة عن التسلية. تتحول إلى ستار يقف بين عين الطفل والموت.
الأب الذي انتصر وخسر في اللحظة نفسها
إذا قسنا مصير غيدو بمنطق الحرب، فقد خسر. قُتل ولم يهزم النظام، ولم يهرب، ولم يقُد تمردًا، ولم ينجُ مع أسرته.
لكن الفيلم يقترح مقياسًا آخر أصغر بكثير وأكثر إنسانية.
لقد أراد أن يبقى ابنه حيًا، وأن يحمي قدرًا من طفولته. وفي حدود الحكاية التي صنعها الفيلم، نجح في ذلك.
هذا النجاح لا يمحو المأساة. على العكس، هو الذي يجعلها أكثر إيلامًا. لو نجا غيدو لتحولت اللعبة بسهولة إلى حكاية انتصار عائلية. لكن موته يمنع النهاية من أن تكون مريحة تمامًا.
الحب لم يهزم آلة القتل؛ آلة القتل قتلت الأب.
كل ما استطاع الحب فعله هو إنقاذ شخص واحد من الموت، وربما إنقاذ شيء داخله من المعرفة المبكرة بما لا ينبغي لطفل أن يعرفه.
الابن هو الذي يروي حكاية الأب
الصوت الذي يؤطر الفيلم يمنح القصة بعدًا آخر. نحن لا نتعامل فقط مع مغامرة تجري أمامنا، بل مع ذكرى يعاد بناؤها بعد مرور الزمن.
حين نفهم أن الحكاية هي، في أحد مستوياتها، استعادة الابن لتضحية أبيه، تتغير طبيعة اللعبة كلها.
الطفل الذي صدق أن المعسكر مسابقة سيكبر بالتأكيد ويعرف أن المسابقة لم تكن موجودة، وأن النقاط كانت وهمًا، وأن الدبابة لم تكن جائزة، وأن أباه كان يعرف أكثر بكثير مما قال له.
لكن اكتشاف الكذبة لا يلغي قيمتها.
على العكس، حين يكبر الابن يستطيع للمرة الأولى أن يفهم حجم العمل الذي قام به أبوه. ما كان في طفولته لعبة يصبح في ذاكرته تضحية. وما كان يبدو سلسلة من النكات يصبح طريقة رجل محكوم بالخوف لكي يحمل الخوف وحده بدلًا من أن يقسمه مع طفله.
لهذا فإن عنوان الفيلم نفسه، «الحياة جميلة»، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه إنكارًا للشر أو إعلانًا ساذجًا بأن العالم مكان جميل. الفيلم يعرض عالمًا قادرًا على العنصرية والترحيل والقتل الجماعي. الجمال ليس وصفًا للعالم كله، بل لما يستطيع الإنسان أحيانًا أن يحفظه في داخله رغم العالم.
جوائز ضخمة لفيلم غير مأمون الجانب
لم يبق الفيلم تجربة إيطالية محدودة. فاز بالجائزة الكبرى في مهرجان كان سنة 1998، ثم وصل إلى جوائز الأوسكار بسبعة ترشيحات، بينها أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل سيناريو أصلي.
وفاز بثلاث جوائز أوسكار: أفضل ممثل لروبرتو بينيني، وأفضل فيلم بلغة أجنبية ممثلًا لإيطاليا، وأفضل موسيقى درامية أصلية لنيكولا بيوفاني.
لكن النجاح لم ينهِ الخلاف حوله، وربما كان العكس صحيحًا. فكلما اتسع جمهور الفيلم أصبح السؤال عن الطريقة التي يمثل بها المحرقة أكثر إلحاحًا. فالعمل الذي يشاهده الملايين لا يبقى مجرد تجربة جمالية؛ قد يصبح، لدى بعض المشاهدين، جزءًا من تصورهم لحدث تاريخي لم يقرأوا عنه كثيرًا.
ومن هنا لا يكون الجدل حول Life Is Beautiful علامة على فشله بالضرورة. إنه دليل على أنه دخل منطقة شديدة الحساسية تقع بين حق الفن في التخيل وواجب الذاكرة في ألا تسمح للخيال بأن يمحو الحقيقة.
الكوميديا لا تهزم الجلاد، لكنها تسلبه شيئًا
ربما كان الخطأ أن نسأل ما إذا كانت الكوميديا تستطيع «هزيمة» المحرقة. لا فن يستطيع أن يعيد الذين قُتلوا، ولا نكتة تستطيع أن تلغي غرفة غاز، ولا حكاية تستطيع تصحيح التاريخ بعد وقوعه.
لكن الكوميديا تستطيع أحيانًا أن تفعل شيئًا أصغر.
تستطيع أن تسلب الطاغية احتكاره للمشهد.
السلطة الشمولية تحب الجدية المطلقة. تحب الزي الرسمي، والاستعراض، والأوامر، والتصنيفات، والخطاب الذي لا يسمح بالاعتراض. الضحك يفتح شقًا صغيرًا في هذه الهيبة. إنه لا يكسر البندقية، لكنه يستطيع أن يكسر الصورة التي تريد البندقية أن تصنعها عن نفسها.
غيدو يفعل ذلك طوال الفيلم. قبل المعسكر يسخر من اللغة العنصرية ومن ادعاء التفوق، وفي المعسكر يستعمل المبالغة والتمثيل والخداع ليخلق لطفله عالمًا موازيًا.
لكن الفيلم يكون أكثر صدقًا حين يعترف بأن هذا السلاح محدود. في النهاية يبقى الحارس مسلحًا، ويبقى غيدو أعزل.
ولهذا فإن مشيته الأخيرة مؤثرة إلى هذا الحد: الجلاد يستطيع أن يقتل الرجل، لكنه لا يستطيع إجباره في تلك اللحظة الأخيرة على أن يؤدي أمام ابنه الدور الذي يريده الجلاد.
غيدو يختار دوره الأخير بنفسه.
هل نجح الفيلم في الموازنة بين الضحك والذاكرة؟
بعد أكثر من ربع قرن على ظهوره، ما زال السؤال مفتوحًا، وربما ينبغي أن يبقى كذلك.
من السهل الدفاع عن الفيلم بالقول إنه حكاية عن الحب، ومن السهل مهاجمته بالقول إنه يخفف فظائع المعسكر. لكن القراءتين، حين تتحول إحداهما إلى حكم نهائي، تفقدان شيئًا من تعقيد العمل.
الفيلم يخفف بالفعل كثيرًا من الواقع التاريخي للمعسكر، ولا ينبغي إنكار ذلك. وهو في الوقت نفسه لا يقدم نفسه بوصفه تسجيلًا تاريخيًا محايدًا، بل يبني منذ البداية عالمًا أقرب إلى الحكاية التي تختلط فيها المصادفة والمبالغة والكوميديا والرومانسية.
السؤال الأكثر فائدة إذن ليس: هل ما حدث لغيدو وجوزويه يمكن أن يحدث بهذه الصورة حرفيًا؟ كثير من تفاصيله مصنوعة للحكاية. السؤال هو: ماذا يفعل هذا الابتعاد عن الواقع بذاكرتنا عن الواقع؟
إذا جعلنا نعتقد أن المعسكرات كانت أقل وحشية مما كانت عليه، فهناك مشكلة حقيقية. أما إذا دفعنا إلى البحث عن التاريخ، ثم عدنا إلى الفيلم ونحن نعرف المسافة بين الحقيقة والحكاية، فإن الخيال يستطيع أن يؤدي وظيفة أخرى: أن يجعلنا نفكر في تجربة إنسان واحد داخل حدث يتجاوز قدرة الخيال على استيعاب أرقامه.
الحياة جميلة... لكن الفيلم لا يقول إن العالم جميل
العنوان نفسه يحمل مفارقة قاسية. كيف يمكن لفيلم ينتهي بموت الأب ويتحرك نصفه الثاني داخل معسكر نازي أن يسمى «الحياة جميلة»؟
ربما لأن الجملة لا تصف الظروف، بل تصف القيمة التي يحاول غيدو الدفاع عنها.
الحياة ليست جميلة لأن الشر غير موجود. ولو كان الشر غير موجود لما احتاج الفيلم كله إلى أن يُروى. إنها جميلة لأنها، حتى حين تضيق إلى مساحة صغيرة خلف صندوق أو داخل مخبأ، تظل شيئًا يستحق أن يخاطر شخص بحياته من أجله.
والفيلم لا يمنحنا انتصارًا كاملًا. دورا تستعيد ابنها، والطفل يفرح بالدبابة، لكن المشاهد يحمل معرفة ثقيلة: الرجل الذي جعل النهاية تبدو للطفل سعيدة ليس موجودًا فيها.
وهذه المفارقة هي التي تنقذ النهاية من التفاؤل السهل.
جوزويه يعتقد أنه فاز باللعبة. ونحن نعرف أن الفوز الحقيقي كان شيئًا آخر تمامًا: أبٌ نجح، حتى اللحظة الأخيرة، في إبقاء طفله خارج المشهد الذي كان سيحطم عالمه.
بعد سنوات، حين يكبر الطفل ويفهم الحقيقة، لن يتذكر أن أباه خدعه. سيفهم لماذا اضطر إلى الكذب.
عندها فقط تكتمل اللعبة.
ولهذا قد لا يكون السؤال الذي يطرحه Life Is Beautiful هو ما إذا كانت الكوميديا قادرة على مواجهة المحرقة. فالكوميديا أصغر كثيرًا من المحرقة، ولا تستطيع تغيير ما حدث. لكنها تستطيع، في لحظة شديدة الهشاشة، أن تقف بين طفل والرعب، وأن تمنح أبًا أعزل وسيلة أخيرة ليقول للجلاد: تستطيع أن تأخذ حياتي، لكنك لن تختار الصورة الأخيرة التي سأتركها في ذاكرة ابني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق