بقلم: الورّاق الجزائري
تبدأ قصيدة "تأويلات في مسارات الحصان" من سرّ ذائع، وتنتهي بدرب يهيئه الله حين يضيع الدرب الأول. وبين البدء والنهاية تتحرك ذات مثقلة بالأسئلة، تلاحق معنى لا يستقر في صورة واحدة، وتعبر فضاءات متباعدة تجمع الميناء والروابي والأدغال والجنائن والأسوار والغبار. لا يقدّم علي طه النوباني حكاية يمكن تلخيصها في حادثة، ولا يبني اعترافًا عاطفيًا يتقدم في خط واضح، بل يضع القارئ داخل تجربة تتشابك فيها المحبة بالخذلان، والغياب بالحضور، والموت بالحياة. لذلك يبدو عنوان القصيدة دقيقًا؛ فالنص لا يتحدث عن حصان ظاهر يقف في مركز المشهد، وإنما عن مساراته، أي عن الأثر الذي تتركه الحركة وهي تشق طريقها في اللغة والذاكرة والوجدان.
تقوم القصيدة على توتر مستمر بين الرغبة في الإفصاح والخوف من اكتمال القول. المطلع يأمر اثنين غامضين بأن ينثرا ما يجمعان، ثم يترك هويتهما معلقة. ومن هذا التعليق ينشأ سؤال القراءة الأول: من هما؟ أهما الحلم والألم، أم الحب والغياب، أم الشاعر وقرينه، أم قوتان متنازعتان في داخله؟ لا يحسم النص الإجابة، لكنه يوزع إشارات تسمح بكل احتمال من غير أن تمنح أيًّا منها السيادة الكاملة. وعلى هذا الأساس لا يعود الغموض ستارًا يخفي المعنى، بل يصبح طريقة لبنائه؛ فكل صورة تفتح بابًا، ثم تمنع الباب من أن يتحول إلى ممر وحيد.
عنوان يؤجل ظهور الحصان
يحضر الحصان في العنوان ثم يغيب عن معظم أبيات القصيدة، وهذا الغياب من أهم حيلها الفنية. فالقارئ يدخل النص وهو ينتظر الحيوان المسمّى، لكنه لا يجده في وصف جسدي ولا في مشهد فروسية مألوف. لا لون للفرس، ولا سرج، ولا حوافر تضرب الأرض، ولا فارس يعلن انتصاره. الذي يتكرر بدلًا من ذلك هو معجم الطريق والحركة: الأرض، الموانئ، الأفق، الدروب، الارتقاء، العود، النأي، المدار، الغبار، الأسوار، العنان. هكذا يتوزع الحصان في مفردات القصيدة قبل أن يظهر اسمه، كأنه طاقة كامنة تسري في أعضائها ولا تحتاج إلى جسد مستقل.
يفتح العنوان كذلك علاقة بين "التأويلات" و"المسارات". التأويل بطبيعته انتقال من ظاهر العبارة إلى احتمالها، والمسار انتقال في المكان من نقطة إلى أخرى. حين يجمع الشاعر الكلمتين، يجعل فعل القراءة شبيهًا بالرحلة؛ فالمعنى لا ينتظر قارئه ساكنًا، وإنما يراوغه ويستدرجه إلى منعطفات متتابعة. أما إضافة المسارات إلى الحصان فتمنح هذه الرحلة سرعة واندفاعًا وكبرياء، لكنها تحتفظ أيضًا بإمكان التعثر والجموح وشد العنان. الحصان هنا رمز للحرية، غير أن حريته ليست مضمونة؛ إذ يمكن للطريق أن يضيق به، وللفارس أن يكبحه، وللغبار أن يحجب وجهته.
لا يصل الاسم المنتظر إلا قرب نهاية القصيدة، في لحظة تتخذ طابع الوصية الشعرية:
واتركِ التأويلَ يجري
في مساراتِ الحصانِ
كصهيلٍ مستديرٍ
نامَ في حضنِ الأغاني
في هذا الموضع يتضح أن الحصان ليس موضوعًا للقصيدة بقدر ما هو صورة لطريقتها في إنتاج الدلالة. فالتأويل "يجري" كما يجري الفرس، والصهيل يتحول من صوت ينطلق في الفضاء إلى شكل "مستدير"، ثم ينام في الأغاني. يجمع المقطع بين الحركة والسكون، وبين المسموع والمرئي، وبين اليقظة والنوم. والاستدارة توحي بأن الطريق لا يمضي إلى نهاية قاطعة؛ إنه يعود إلى نفسه، أو يحيط بتجربة لا تستنفدها قراءة واحدة. لذلك لا تُغلق الخاتمة ما فتحه المطلع، بل تمنح القارئ حق متابعة الجري بعد انقضاء الأبيات.
ضمير المثنى وبناء السر
تستند البنية العميقة في القصيدة إلى ضمير المثنى. منذ "تكتمان" و"تجمعان" يتشكل حضور كائنين لا نعرفهما، ثم يخاطبهما الشاعر مباشرة: "أنتما حيث التقينا في دروبي تعبثان". ويعود إليهما بصيغة الغائب في قوله: "وهما في كل حال جمرة تكوي كياني"، قبل أن تظهر ثنائيات أخرى مثل العود والنأي، والنار والدخان، والوجد والتفاني. هذا الإلحاح النحوي ليس زينة صوتية؛ إنه الطريقة التي يصوغ بها النص انقسام التجربة. فالمتكلم لا يواجه شعورًا مفردًا، بل قوتين متلازمتين، كل واحدة منهما تستدعي نقيضها.
قد يكون الاثنان شخصين أو قيمتين أو صورتين للذات، لكن القصيدة تتعمد إبقاء المرجع مرنًا. وإذا حاولنا تثبيته في معنى واحد، سنصطدم بتحول الضمائر وبانتقال الخطاب من "أنتما" إلى "هما" ثم إلى "أنت والأحلام" و"أنت والأشواك". كأن المثنى وعاء تتبدل محتوياته، بينما تبقى العلاقة نفسها: اقتران لا يبلغ تمام الوحدة، وافتراق لا يستطيع أن يصير قطيعة. وهذا ما يفسر اجتماع عبارات مثل "حبل القران" و"دون لمس أو تدان"، فالنص يختبر قربًا روحيًا يشتد بقدر ما يتعذر اكتماله في الواقع.
في عبارة "وهما وجد قديم وهما مستدركان" تتكثف هذه المفارقة. الوجد قديم، أي إن أصله سابق للحظة القول، لكن الطرفين "مستدركان"، كأنهما يأتيان لاحقًا لتصحيح ما فات أو لاستكمال معنى ناقص. يلتقي القدم بالاستدراك، فتغدو التجربة ذكرى تتجدد ولا تنتهي. ولعل ذلك يفسر شيوع صور الرسوم والخيالات والأسماء؛ فما لا يتحقق حضورًا كاملًا يعود أثرًا، وما لا يمكن امتلاكه في الزمن يُستعاد باللغة.
إن الغموض المرجعي يمنح القصيدة اتساعًا، لكنه يحمّل القارئ عبئًا واضحًا. ففي بعض المواضع تتراكم الضمائر قبل أن يتوافر سياق كاف يضبط علاقاتها، فيصبح الانتقال بينها أقرب إلى الومض منه إلى البناء المتدرج. غير أن هذا العبء ينسجم، في جانب كبير منه، مع موضوع القصيدة؛ فالنص يتحدث من قلب ارتباك وجداني وفكري، ولا يدّعي أن العالم مرتب بحيث يمكن تسمية كل قوة فيه منذ السطر الأول.
بين الخسف والارتقاء
منذ الأبيات الأولى تتحرك الذات بين قطبين متعارضين. كلما هام الشاعر بأرض قذفته التجربة إلى الموانئ، وكلما أشهر حلمه لأفق وجده مكفهر الوجه عانيًا. الأرض التي يُفترض أن تمنح الثبات تؤدي إلى الميناء، والميناء مكان وصول ومغادرة في آن. أما الأفق، وهو موضع الأمل واتساع الرؤية، فيطل بوجه متجهم. وبذلك لا تسير الحركة من ضيق إلى فرج على نحو مستقيم، بل تتعرض باستمرار لانقلاب وجهتها.
بينَ خسفٍ وارتقاءٍ
يتوالى كوكبانِ
هذا البيت يختصر قانون القصيدة. الخسف هبوط ومحو، والارتقاء صعود وتحقق، لكنهما لا يتعاقبان كمرحلتين تنتهي إحداهما لتبدأ الأخرى؛ إنهما كوكبان يتواليان في مدار واحد. وتشبيههما بالكوكبين يرفع التجربة الشخصية إلى فضاء كوني، ويجعل التعارض جزءًا من نظام أكبر من إرادة الفرد. لذلك تتكرر الألفاظ الكونية: الآفاق، الأكوان، الثريا، الفضاء، المدار، النجم. ليست هذه المفردات مجرد توسيع للمشهد، بل محاولة لقياس الجرح الإنساني بمقياس يتجاوز حدوده اليومية.
في مقابل هذا العلو الكوني، يستدعي النص أشياء شديدة القرب من الجسد: الكف، الروح، العيون، الأهداب، الجراح، الدم، القلب. ويولد المعنى من احتكاك المستويين. فالأكوان تنزف نارًا، بينما الطرفان الغامضان لا ينزفان؛ والروح تشف حتى تعتلي عرش الحنان؛ والأحلام تحط بين أهداب الزمان. بذلك تتبادل الكائنات صفاتها: للكون جسد، وللزمن عين، وللروح قدرة على الصعود، وللحلم جناح يحط. هذه الاستعارات لا تصف الواقع، بل تعيد تركيبه وفق حساسية الذات.
تبلغ جدلية الحركة ذروة أخرى في اجتماع "عود ونأي" داخل الفضاء نفسه. العودة اقتراب، والنأي ابتعاد، لكنهما يسطعان معًا. لا يبدو الحضور نقيضًا بسيطًا للغياب؛ فالغياب قد يحيي حضورًا، كما يقول النص لاحقًا، واللقاء يمكن أن يكون فيضًا "دون لمس أو تدان". ومن هنا يتحدد الحب في القصيدة بوصفه قوة تبقي البعيد حيًا، لكنها لا تزيل ألم المسافة. إنه يضيء الطريق ويضاعف في الوقت نفسه الإحساس بما يتعذر بلوغه.
من الجرح الفردي إلى صورة المظلوم
في منتصف القصيدة تقريبًا تتسع دائرة الصوت. بعد المقاطع التي يغلب عليها الوجد الشخصي، يظهر "المظلوم" رافعًا سمت البنان، ويظهر دمه المسفوك جورًا وثراه المشرق. هذا التحول لا يقطع السياق العاطفي، بل يكشف طبقة كانت كامنة فيه؛ فالجرح الخاص يجد صورته الأوسع في الظلم، والخذلان الفردي يتصل بخذلان جماعي. ومع ذلك لا يسمّي الشاعر مكانًا أو واقعة أو شخصية تاريخية، فيبقى المظلوم قابلًا لأن يمثل شهيدًا بعينه أو أن يكون صورة جامعة لكل من قاوم الإهانة ودفع ثمن موقفه.
دمُهُ المسفوكُ جوراً
وثراهُ مشرقانِ
يعتلي موتاً حياةً
رافضاً طعمَ الهوانِ
المفارقة في "يعتلي موتًا حياةً" تنقل الموت من نهاية إلى معبر. المظلوم يعلو بالموت نحو حياة رمزية، لأن رفض الهوان يمنح دمه معنى يتجاوز الفناء الجسدي. غير أن القصيدة لا تحوّل الألم إلى انتصار سهل؛ فبعد هذا الصعود تعود الأشواك والغبار والدخان والصوت المخذول. هناك بطولة، لكن ثمرتها لا تصل كاملة إلى أصحابها، وهناك تضحية، لكن الطريق يظل مدلهمًا. هذا التوازن يحمي المقطع من خطاب احتفالي منفصل عن الخسارة الفعلية.
ويأتي التعبير القرآني "السبع المثاني" داخل هذا السياق ليمنح المشهد بعدًا روحيًا. دارة السبع المثاني تشع في مدى المظلوم، فتجاور الدم والثّرى والنهر والجنان. الإشارة لا تُستعمل لشرح عقيدة أو تقرير موعظة، وإنما لتشكيل هالة من الحفظ والرجاء حول من وقع عليه الجور. وهي تتناغم مع الخاتمة التي تردّ إمكان الطريق الثاني إلى الله، فتجعل الإيمان جزءًا من مقاومة الانسداد، لا تعويضًا لفظيًا عن واقع الألم.
ثم تعود القصيدة من الصورة الجمعية إلى مأساة الصوت المفرد: "صوته المخذول أقعى تحت رجم في المكان". الفعل "أقعى" يهبط بالصوت إلى هيئة جسدية منكمشة، أما الرجم فيحوّل المكان إلى قوة تضغط عليه. هنا لا يعود الظلم حادثة خارجية فقط؛ إنه حصار للقول نفسه. ولذلك يصبح الترديد، الذي وصفه الشاعر بأنه يشفي من جراح واحتقان، وسيلة بقاء. تكرار العبارة أو الصهيل أو الأغنية يحفظ الصوت من الاختفاء الكامل، حتى حين يعجز عن تغيير العالم فورًا.
الصورة الشعرية ومنطق التحول
تكثر في القصيدة الصور التي تُسند أفعالًا غير متوقعة إلى الأشياء: الروابي تخلف الوعد، الآفاق تُجبل سحرًا، الأسماء تهطل، الشوك يلملم العبير، الطريق يذبح لهفته، النار تغيم، والأسوار تُسلَّم إلى الصمت. هذه التحولات تجعل العالم كله مشاركًا في التجربة، فلا تبقى الطبيعة خلفية محايدة. كل عنصر يتحول إلى فاعل أو جريح أو شاهد. ومن خلال هذا التشخيص تتسع الذات حتى ترى ألمها في الأشياء، وترى الأشياء وهي تعيد إليها صورتها.
من أجمل لحظات هذا المنطق قول الشاعر إن "ليل الدواهي" ينطوي في "غصن بان". فالليل بما يحمله من اتساع وثقل يختصر داخل غصن رقيق، والبَان الذي ارتبط في الذاكرة الشعرية باللين والجمال يستوعب زمن المحنة. لا تُلغي الصورة الدواهي، لكنها تضعها في شكل يمكن للروح أن تراه وتحمله. وهي تؤكد أن الجمال في النص ليس نقيض الألم ولا مهربًا منه؛ إنه الهيئة التي يستطيع الألم أن يعبر من خلالها إلى اللغة.
كذلك يستثمر الشاعر تراسل الحواس. الصهيل، وهو صوت، يصبح مستديرًا؛ الأسماء تهطل كما يهطل المطر؛ الوجد يشتعل في المزامير؛ ولمعة الأسياف تقوم مقام الحارس. هذا العبور بين الحواس يمنح الصور حيوية، ويحررها من الوظيفة الوصفية المباشرة. وفي الوقت نفسه، قد تدفع كثافة المجازات بعض المقاطع إلى حافة الإغلاق، ولا سيما حين تتجاور كلمات بعيدة الصلة من غير جسر دلالي ظاهر، كما في صور "آرمات فضن همسًا" أو "قطوف من حران". هنا يصبح الإيحاء أقوى من التحديد، ويختلف أثره باختلاف استعداد القارئ لقبول الانقطاع والالتباس.
لا ينبغي النظر إلى هذه الكثافة بوصفها نقصًا خالصًا، فهي جزء من رؤية النص للعالم. القصيدة نفسها تقول إن الأقوال خلط وإن الغثاء يعلو البيان، أي إنها واعية بأزمة اللغة وبصعوبة فصل الصافي من العكر. لكنها، في المقابل، تراهن على الترديد والمعنى والصهيل. ولهذا يتنازع أسلوبها ميلان: رغبة في كشف ما تكتمه التجربة، ورغبة أخرى في حماية التجربة من عبارة نهائية تختزلها. حين ينجح التوازن بينهما تتولد صور نافذة، وحين يطغى التراكم يطلب النص من قارئه جهدًا أكبر كي يحافظ على الخيط الواصل بين المقاطع.
تعمل الألوان أيضًا بوصفها علامات وجدانية، وإن وردت مقتصدة. الأرجوان يظهر في "بحور الأرجوان" فيجمع فخامة اللون بظلال الدم والغروب، والدخان يعتم النار، والغبار يحجب الطريق، والضوء يعود في الثريا والنجوم واللمعان والإشراق. المسار اللوني ليس انتقالًا كاملًا من الظلمة إلى النور، بل تبادل بينهما. حتى "أضواء الغموض" في الخاتمة تجمع الكشف والحجاب في تركيب واحد، كأن الغموض نفسه قادر على الإضاءة حين لا يُعامل بوصفه عجزًا عن الفهم.
الإيقاع بين الإنشاد والتردد
تأتي القصيدة في بناء عمودي ذي شطرات قصيرة، وتتحرك في الإطار الإيقاعي لمجزوء الرمل، حيث تتكرر نغمة "فاعلاتن فاعلاتن" بما يلائم حركة التموج والتردد. هذا البحر قادر على حمل النبرة الغنائية من غير صلابة خطابية ثقيلة، ولذلك ينسجم مع نص يراوح بين المناجاة والاحتجاج والتأمل. كما أن قصر الوحدات الإيقاعية يجعل كل صورة تظهر كنبضة مستقلة، ثم تلتحق بما بعدها في تيار طويل.
توحّد القافية النونية المكسورة القصيدة من أولها إلى آخرها. تتوالى نهايات من قبيل "تكتمان، تجمعان، المواني، كياني، امتحان، الهوان، الأماني، الدخان، العنان، المعاني"، ويمنح الألف السابق للنون الصوت امتدادًا قبل أن تحسمه الكسرة. في هذا الجرس شيء من الأنين، لكنه ليس انكسارًا صرفًا؛ فالنون صوت واضح الرنين، والألف تتيح للنبرة أن ترتفع قبل أن تهبط. لهذا تتجاور في القافية الشكوى والإنشاد، ويغدو الترديد الذي تتحدث عنه القصيدة ممارسة موسيقية داخل بنائها لا فكرة معلنة فقط.
وتخدم صيغ التثنية هذا النظام الصوتي بوضوح، إذ تمنح الشاعر نهايات طبيعية على وزن "ـانِ" مثل "تكتُمان، تجمعان، تعبثان، ينزفان، يسطعان، تسكنان، تذرفان، تهربان". وهنا يلتقي النحو بالقافية: ضمير المثنى الذي يحمل انقسام التجربة هو نفسه ما يرسخ موسيقاها. غير أن القافية الصارمة تدفع أحيانًا إلى تراكيب شديدة التكثيف أو إلى حذف ما يفهم من السياق، فيظهر أثر الضرورة الإيقاعية في بعض العبارات. وهذا مألوف في القصيدة العمودية، لكنه يصبح ملحوظًا أكثر حين يكون المعجم رمزيًا وغزير الانزياح.
أما التكرار، ولا سيما "وهما" و"أنت" و"حاذري" و"فإذا ما"، فيؤدي وظيفة قريبة من اللازمة. إنه يعيد تثبيت الصوت بعد كل ابتعاد صوري، ويوفر للقارئ نقاطًا يسمع عندها إيقاع الخطاب بوضوح. والتكرار لا يأتي دائمًا بالمعنى نفسه؛ فـ"أنت" مرة رفيق قرب الباب، ومرة يقترن بالأحلام، ومرة بالأشواك. الكلمة ثابتة، لكن محيطها يتغير، وهذا شبيه بعودة اللحن في أغنية بعد أن تكون التجربة قد أضافت إليه طبقة جديدة.
الحب بوصفه جرحًا وطاقة معرفة
يحتل الحب مساحة واسعة من القصيدة من غير أن يستقر في صورة غزلية مألوفة. فالمحب مستهام وعاشق في كل آن، لكنه يواجه وعدًا مخلفًا وحبل قران مقطوعًا ووصلاً بعيدًا. والحبيب الذي "ما سلا" يفتح دربًا منيرًا، غير أن قربه نفسه يمكن أن يكون سيفًا يسكن الجراح. هذه الازدواجية تمنع الحب من التحول إلى خلاص مريح؛ إنه يمنح الذات سببًا للتماسك، ويضاعف حساسيتها تجاه الفقد في الوقت ذاته.
أنتَ والأحلامُ سيفٌ
في جراحي تسكنانِ
تكويانِ الروحَ حتى
من عيوني تذرفانِ
يتحد المخاطب والأحلام في صورة سيف مفرد، مع أن الفعل يعود بعد ذلك إلى المثنى. هذه المفارقة النحوية والدلالية لافتة: الاثنان يصيران أداة جرح واحدة، ثم يستعيدان ازدواجهما حين يمارسان الكي والبكاء. والحلم هنا ليس بلسمًا؛ فهو يجرح لأنه يقيس الواقع بما كان ينبغي أن يكون. أما الحبيب فلا ينفصل عن هذا القياس، إذ يحمل إمكان القرب ويذكّر باستحالته أو تأجيله.
مع ذلك، لا تنتهي التجربة عند الاحتراق. الوجد يشعل الإدراك في "مزامير المعاني"، فتتحول العاطفة إلى معرفة. ليس المقصود معرفة عقلية باردة، بل وعي يولد من المرور في الألم ومن الإصغاء إلى صداه. لذلك تخاطب الذات روحها في النهاية وتحذرها من البكاء ومن شد العنان. التحذيران متقابلان: لا تستسلمي للحزن، ولا تكبحي الحركة. وبذلك تستعيد صورة الفرس معناها الداخلي؛ فالروح هي الفارس والفرس معًا، وعليها أن تضبط اندفاعها من غير أن تخنقه.
خاتمة تفتح دربًا ثانيًا
لا تنتهي القصيدة بانتصار صريح، كما لا تستسلم للعتمة التي ملأت كثيرًا من صورها. الأرزاء نفسها تصبح شمسًا، وكأسها "طلق المعاني"، وهي تحتفي بالزهر في الإنسان. إن تحويل الرزية إلى شمس لا يعني إنكار ما فيها من وجع، بل يعني أن التجربة القاسية قد تكشف ما لم تكشفه الطمأنينة. ومن هذا الكشف يولد الشموخ، لا بوصفه ادعاء قوة دائمة، وإنما قدرة على متابعة الطريق بعد أن يسقط اليقين الأول.
فإذا ما ضاعَ دربٌ
هيّأَ اللهُ لثانِ
نحوَ أضواءِ الغموضِ
وتصاريفٍ حسانِ
يختصر هذا المقطع الموقف الأخير للنص. الطريق الثاني ليس معلوم التفاصيل؛ إنه يتجه نحو "أضواء الغموض"، ولذلك يبقى الرجاء مقترنًا بالمجازفة. الله يهيئ الدرب، لكن الإنسان مطالب بأن يمضي فيه، وأن يترك التأويل يجري وألا يشد العنان. فالإيمان هنا لا يلغي السؤال، بل يسمح للذات بأن تعيش معه من غير أن تتوقف.
تكشف "تأويلات في مسارات الحصان" عن تجربة شعرية ترى الهوية والحب والظلم والذاكرة بوصفها قوى متداخلة. يتقدم النص بحركة دائرية، يعود فيها الغياب حضورًا، والموت حياة، والجرح إدراكًا، والغموض ضوءًا. وقد تتفاوت صوره في درجة صفائها؛ فبعضها يلمع فورًا، وبعضها يحتفظ بمسافة عصية، إلا أن هذا التفاوت لا يبدد وحدته الأساسية. الوحدة تأتي من الإيقاع، ومن ضمير المثنى، ومن شبكة الطريق والضوء والنار، ثم تتجسد أخيرًا في الحصان الذي ظل أثره حاضرًا قبل اسمه.
الحصان، في النهاية، ليس زينة تراثية ولا استعادة لصورة الفارس المنتصر. إنه حرية المعنى حين يرفض القالب، وقوة الروح حين تبحث عن مسار آخر، وصهيل القصيدة حين يغادر فم الشاعر ليستقر في ذاكرة القارئ. لهذا يبدو الأمر "اترك التأويل يجري" أقرب إلى ميثاق قراءة: لا تطلب من النص اعترافًا نهائيًا، ولا تحصره في مناسبة واحدة، بل اتبع آثاره وهي تتشعب. عندئذ يصبح كل قارئ فارسًا مؤقتًا، ويصبح كل معنى محطة في طريق لا يُراد له أن ينتهي.
تأويلات في مسارات الحصان
شعر: علي طه النوباني
| ذائِعٌ ما تَكتُمانِ | فانثُرا ما تَجمَعانِ | |
| كُلَّما هِمتُ بِأَرضٍ | طَوَّحَتني في المَواني | |
| شاهِراً حُلمي لِأُفقٍ | مُكفَهِرِّ الوَجهِ عانِ | |
| أَنتُما حَيثُ التَقَينا | في دُروبي تَعبَثانِ | |
| بَينَ خَسفٍ وارتقاءٍ | يَتَوالى كَوكَبانِ | |
| ضارِبٌ كَفّاً بِكَفٍّ | ساكِنٌ في الشَكِّ فانِ | |
| وَمُحِبٌّ مُستَهامٌ | عاشِقٌ في كُلِّ آنِ | |
| وَهُما في كُلِّ حالٍ | جَمْرَةٌ تَكوي كَياني | |
| تَنزِفُ الأَكوانُ ناراً | وَهُما لا ينزِفانِ | |
| وَهُما وَجدٌ قَديمٌ | وَهُما مُستَدرَكانِ | |
| كَرُسومٍ في فَضائي | مَزَجَتْ إنساً بِجانِ | |
| أَخلَفَتْ وَعْدَ الرَّوابي | قَطَّعَتْ حَبلَ القِرانِ | |
| تَجبُلُ الآفاقَ سِحراً | بَينَ لَمحٍ وَتَواني | |
| فَتَشِفُّ الرّوحُ حَتّى | تَعْتَلي عَرشَ الحَنانِ | |
| تَهطُلُ الأَسماءُ مِنها | رَغمَ هَمٍّ وامتِحانِ | |
| فَتَرى لَيلَ الدَّواهي | يَنطَوي في غُصنِ بانِ | |
| وَتَرى عَوْداً وَنَأياً | في فَضائي يَسطَعانِ | |
| لَيسَ في الأَدغالِ عَينٌ | تَقتَفي لَغْطَ اللِّسانِ | |
| حَيثُما الأقوالُ خَلطٌ | والغَثا فَوقَ البَيانِ | |
| إِنَّما التَّرديدُ يُشفي | مِن جِراحٍ واحتِقانِ | |
| قالَها المَظلومُ يَوماً | رافِعاً سَمتَ البَنانِ | |
| بالِغاً حَدَّ الثُّريّا | قُربَ نَهرٍ في الجِنانِ | |
| دَمُهُ المَسفوكُ جورا | وَثَراهُ مُشرِقانِ | |
| قَدْ أَشَعَّتْ في مَداهُ | دارَةُ السَّبعِ المَثاني | |
| يَعتَلي مَوتاً حَياةً | رافِضاً طَعمَ الهَوانِ | |
| عِندَما الأَحلامُ حَطَّتْ | بَينَ أَهدابِ الزَّمانِ | |
| لَملَمَ الشَّوكُ العَبيرَ | وَجَثا قُربَ الأَماني | |
| ذابِحاً لَهْفَ الطَّريقِ | في بُحورِ الأُرجُوانِ | |
| فَحَصَدنا في دُهورٍ | بَعضَ ما تُعطي الثَّواني | |
| مِن رُسومٍ عافِياتٍ | وَخَيالاتٍ حِسانِ | |
| وَلِقاءٍ كانَ فَيضاً | دونَ لَمسٍ أَو تَدانِ | |
| أَوقَدَ المُشتاقُ ناراً | وَبَرى رُمحَ المَعاني | |
| بَيدَ أَنَّ النّارَ غامَتْ | في دُخانِ البَيلَسانِ | |
| وَمَضَتْ تُزجي مَداراً | في قُطوفٍ مِن حِرانِ | |
| صَوتُهُ المَخذولُ أَقعى | تَحتَ رُجمٍ في المَكانِ | |
| وَبدا الوَصلُ بَعيداً | هارِباً لَمحَ السِّنانِ | |
| في غُبارِ المَوتِ يَسري | بَينَ نارٍ وَدُخانِ | |
| وَطَريقٍ مُدْلَهِمٍّ | يَزدَري مَجدَ الهِجانِ | |
| غَيبَةٌ تُحيي حُضوراً | وَرِماحاً في قَلْبِ شاني | |
| نَجمَعُ الأَلغازَ مِنها | نَتَفانى في الرِّهانِ | |
| فَإِذا ما لاحَ وَمْضاً | بانَ في حُزْنِ المَواني | |
| آرِماتٌ فِضنَ هَمساً | بَينَ جَلادٍ وَجاني | |
| يَقطِفُ الشُّطارُ مِنها | بِذرَةَ الدَّربِ الأَناني | |
| بَينَما القِدّيسُ يَمضي | بَينَ وَجدٍ وَتَفانِ | |
| يا رَفيقاً قُربَ بابي | يَتَحَلّى بالجُمانِ | |
| أَنتَ والأَحلامُ سَيفٌ | في جِراحي تَسكُنانِ | |
| تَكوِيانِ الرّوحَ حَتّى | مِن عُيوني تَذْرِفـانِ | |
| فَأَرى الأَكوانَ شَوكاً | ثُمَّ لَمحاً تَهْرُبانِ | |
| لَمْعَةُ الأَسيافِ تَبدو | حارِساً حَولَ المَباني | |
| يُسلِمُ الأَسوارَ صَمتاً | للرَّدى والطَّيلَسانِ | |
| أَنتَ وَالأَشواكُ دِرعٌ | وَأَنا حَدُّ السِّنانِ | |
| وَكِلانا في خُشوعٍ | في فَضاءٍ يَسبَحانِ | |
| قَلَّما سِرنا سَويّا | وَالتَقَينا في كَيانِ | |
| هذِهِ الأَشلاءُ نارٌ | فانتَصِبْ فيها وَعانِ | |
| واترِكِ التَّأويلَ يَجري | في مَساراتِ الحِصانِ | |
| كَصَهيلٍ مُستَديرٍ | نامَ في حُضنِ الأَغاني | |
| لَمْ تُقولِبْهُ اللَّيالي | لَمْ يُكابِدْ في الأَواني | |
| راجِياً دَرباً مُنيراً | مِن حَبيبٍ ما سَلاني | |
| أَشعَلَ الإِدراكَ وَجْداً | في مَزاميرِ المَعاني | |
| فَأَنارَت في مَدايَ | وَأَشَعَّت في كَياني | |
| حاذِري يا رُوحُ تَبكي | حاذِري شَدَّ العِنانِ | |
| إِنَّما الأَرزاءُ شَمسٌ | كَأسُها طَلقُ المَعاني | |
| تَحتَفي بالزَّهرِ فينا | في شُموخٍ وافتِتانِ | |
| فَإِذا ما ضاعَ دَربٌ | هَيَّأَ اللهُ لِثانِ | |
| نَحوَ أَضواءِ الغُموضِ | وَتَصاريفٍ حِسانِ |

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق