اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

تحليل رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ: لماذا تحول سعيد مهران إلى قاتل؟

رجل وحيد يسير ليلًا في زقاق قاهري مظلم في صورة توضيحية تستحضر عالم سعيد مهران في رواية اللص والكلاب
صورة توضيحية أصلية تستلهم أجواء المطاردة والعزلة في رواية "اللص والكلاب".

حين تتحول المظلومية إلى رخصة للانتقام: الطريق الذي قاد سعيد مهران من السجن إلى الدم

لماذا تحول سعيد مهران إلى قاتل؟ يبدو السؤال بسيطًا إذا اختصرنا "اللص والكلاب" في حكاية رجل خرج من السجن فاكتشف أن زوجته خانته، وأن مساعده القديم أخذ مكانه، وأن الرجل الذي كان يعتبره أستاذه الفكري تخلى عنه. عندئذ تبدو الجريمة امتدادًا مباشرًا للغضب: خيانة أعقبها انتقام.

لكن نجيب محفوظ يبني شخصية أكثر تعقيدًا من هذه المعادلة السريعة. سعيد لا يقتل لأنه غضب فقط، ولا لأن المجتمع ظلمه فقط، ولا لأن نبوية وعليش ورؤوف علوان خانوه. إنه يتحول إلى قاتل حين يعيد تفسير كل ما حدث له بوصفه دليلًا على أن العالم كله فقد شرعيته، ثم يمنح نفسه، بالتدريج، حق إصدار الأحكام وتنفيذها. في هذه اللحظة تتحول المظلومية من تجربة إنسانية يمكن فهمها إلى أيديولوجيا شخصية تبرر العنف.

الجواب المختصر: يتحول سعيد مهران إلى القتل لأن ثلاث خسارات تتراكب داخله: خيانة حياته الخاصة، وانهيار الفكرة التي كان يبرر بها أفعاله، وفشله في قبول عالم تغير أثناء سجنه. وبدل أن يعيد بناء حياته، يختزل العدالة في الثأر، ثم يقنع نفسه بأن قتل "الخونة" سيعيد النظام إلى عالمه. غير أن الرواية تكشف أن الانتقام لا يسترد ما فُقد؛ إنه يضاعف الخسارة ويحوّل الضحية نفسها إلى مصدر لضحايا جدد.

لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان سعيد مظلومًا. في جوانب أساسية من حياته هو بالفعل إنسان تعرّض للخيانة والفقد والإقصاء. السؤال هو: كيف ينتقل الإنسان من امتلاك أسباب حقيقية للغضب إلى الاعتقاد بأن هذه الأسباب تمنحه حق قتل الآخرين؟


قبل سعيد مهران كان هناك محمود أمين سليمان

للقصة جذر واقعي معروف. ففي سنة 1960 انشغلت الصحافة المصرية بمطاردة محمود أمين سليمان، وهو لص تحولت أخباره وهروبه وملاحقته إلى قضية جماهيرية واسعة. تابعت الصحف مغامراته، وأحاطت شخصيته بهالة تجاوزت الجريمة نفسها، حتى صار حضوره في المخيلة العامة أقرب إلى شخصية روائية قبل أن يحوله نجيب محفوظ فعلًا إلى مادة للأدب.

لم ينسخ محفوظ حياة الرجل نسخًا تسجيليًا. أخذ من القضية هيكلًا أوليًا: اللص، الخيانة، المطاردة، الرغبة في الانتقام، المواجهة مع الشرطة، ونهاية رجل أصبح مطاردًا من عالم كامل. ثم فكك هذا الهيكل وأعاد تركيبه في شخصية سعيد مهران، مضيفًا إليه طبقة فكرية وأخلاقية لم تكن مجرد إعادة سرد لملف جنائي.

وهذا التفريق ضروري. القول إن محمود أمين سليمان "هو سعيد مهران الحقيقي" مفيد فقط بمعنى أن قضيته كانت الشرارة الواقعية. أما من حيث الشخصية والدوافع والدلالات، فسعيد كائن روائي مستقل. الأدب لم يحتفظ بالحادثة كما هي؛ لقد استخدمها ليطرح سؤالًا أكبر: ماذا يحدث حين يعتقد رجل أن العالم قد خانه إلى درجة تسقط معها القوانين الأخلاقية التي تلزمه هو نفسه؟

بدأت "اللص والكلاب" تظهر متسلسلة في ملحق الجمعة بجريدة "الأهرام" في 11 أغسطس 1961، بعد نحو عام من القضية التي شغلت الرأي العام. ويُروى عن يحيى حقي أنه شاهد بنفسه مدى استغراق محفوظ في التفكير في محمود أمين سليمان أيام المطاردة. لكن حقي أدرك أيضًا أن ما صنعه محفوظ كان أكبر من الحادثة التي بدأ منها؛ فالجريمة الواقعية قدمت الشرارة، بينما الرواية صنعت السؤال.

السجن لا يفسر سعيد.. لحظة الخروج هي الأهم

من اللافت أن الرواية لا تحتاج إلى عشرات الصفحات كي تخبرنا بتفاصيل سنوات السجن. المهم هو الرجل الذي يخرج منه. سعيد يعبر الباب إلى الحرية جسديًا، لكنه لا يخرج نفسيًا من اللحظة التي دخل فيها. يتوقع، في مكان ما من وعيه، أن يجد العالم متوقفًا في انتظاره.

وهنا تبدأ الكارثة.

لقد تغيرت العلاقات. نبوية لم تعد زوجته. عليش لم يعد مساعدًا تابعًا له، بل صار صاحب البيت والرجل الموجود إلى جوار نبوية. ابنته سناء لا تمنحه الاعتراف الذي ينتظره منها. ورؤوف علوان، الأستاذ القديم الذي ارتبط في ذاكرته بأفكار العدالة والتمرد على الأغنياء، أصبح صحافيًا ناجحًا يعيش في عالم اجتماعي مختلف تمامًا.

لا يواجه سعيد إذن خيانة واحدة، بل انهيار خريطة كاملة كان يعرف بها نفسه. كان زوجًا فأصبح مطرودًا من البيت، وكان أبًا فعاد إليه إحساس الأبوة من دون أن يستعيد ابنته، وكان تلميذًا لفكرة فوجد أستاذه وقد غيّر موقعه، وكان لصًا يعتقد أنه يستطيع منح السرقة معنى اجتماعيًا، فإذا به يُعامل الآن بوصفه مجرمًا عاديًا.

إنه لا يخرج من السجن ليجد الأبواب مغلقة فقط؛ يخرج ليكتشف أن الهوية التي حملها أربع سنوات لم تعد قابلة للاستعمال.

هذه النقطة تجعل "اللص والكلاب" قريبة، من زاوية مختلفة، من سؤال الاغتراب الذي يظهر أيضًا في "رجال في الشمس": لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟. ففي الروايتين لا تكمن المأساة في فرد معزول عن التاريخ، بل في إنسان يجد أن المسافة بين ما يتوقعه من العالم وما يسمح به العالم أصبحت واسعة إلى حد قاتل.

الخيانة الأولى تمس القلب.. والثانية تهدم المعنى

من السهل الاعتقاد أن نبوية وعليش هما السبب الأكبر في غضب سعيد، فخيانتُهما شخصية وقاسية وواضحة: مساعده القديم صار مع زوجته، والبيت الذي كان بيته أصبح بيت خصمه، والابنة التي ينظر إليها بوصفها آخر ما يربطه بحياته القديمة تنكمش أمامه ولا تمنحه لحظة الاعتراف التي جاء يبحث عنها.

لكن خيانة رؤوف علوان أخطر على بنية سعيد النفسية من خيانة الزوجة والصديق.

نبوية تستطيع أن تخونه بوصفه رجلًا. عليش يستطيع أن يخونه بوصفه شريكًا. أما رؤوف فيخونه، من وجهة نظره، بوصفه معنى.

كان رؤوف في ذاكرة سعيد أكثر من شخص. ارتبط بمرحلة تعلّم فيها أن الفقر ليس قدرًا طبيعيًا، وأن الثروة موزعة بطريقة غير عادلة، وأن السرقة من الأغنياء يمكن تأويلها في ذهنه بوصفها تمردًا على ظلم اجتماعي. لا يعني هذا أن الرواية تبرئ سرقاته؛ المهم أن سعيد نفسه لم يكن يراها مجرد وسيلة للكسب. لقد احتاج إلى فكرة أخلاقية تجعل صورته أمام نفسه أكبر من صورة اللص العادي.

وحين يذهب إلى رؤوف بعد السجن، يريد شيئًا أعمق من المال أو المساعدة. يريد شهادة بأن حياته السابقة لم تكن قائمة على خدعة.

لكنه يكتشف أن الأستاذ تغير.

وهذه الصدمة تفتح داخله هوة خطيرة. يستطيع الإنسان أن يحتمل أن يخونه شخص إذا بقيت القاعدة التي يفهم بها العالم ثابتة. أما سعيد فيجد أن القاعدة نفسها قد انهارت. الرجل الذي ساهم في تكوين منطقه القديم صار ينظر إليه الآن من خارج ذلك المنطق.

ومن هنا يصبح رؤوف في مخيلة سعيد "الخائن الأكبر". ليس لأنه أضر به أكثر من الجميع بالضرورة، بل لأنه يجعل سعيد يواجه احتمالًا مرعبًا: ربما كانت حياته مبنية على تفسير لم يعد أحد يؤمن به سواه.

لماذا لا يعيد سعيد التفكير؟

كان يمكن لانهيار هذه الأفكار أن يقود الشخصية إلى المراجعة. لكن المراجعة تحتاج إلى قبول شيء لا يستطيع سعيد احتماله: أن يكون قد أخطأ هو أيضًا.

هنا ينتقل بناء الشخصية من المظلومية إلى المسؤولية.

سعيد قادر على رؤية أخطاء الجميع بتفاصيل دقيقة، لكنه أقل قدرة على رؤية دوره في مصيره. العالم في وعيه موزع سريعًا بين خائن ومخلص، بين بريء ومذنب، بين من يستحق الولاء ومن يستحق العقاب. وكلما ازدادت الوقائع تعقيدًا، ازداد هو تمسكًا بهذا التقسيم البسيط.

لذلك يصبح الانتقام جذابًا. إنه يوفر عليه إعادة بناء العالم من الصفر. إذا كان عليش خائنًا، ونبوية خائنة، ورؤوف خائنًا، فإن المشكلة لم تعد في خيارات سعيد ولا في الماضي كله، بل في بضعة أشخاص يمكن التخلص منهم. وبمجرد إزالتهم، يتخيل أن الحساب سيستقيم.

هذه واحدة من أكثر الحيل النفسية قسوة في الرواية: سعيد يحول أزمة لا يستطيع حلها إلى قائمة أسماء يستطيع إطلاق النار عليها.

لا يستطيع إعادة سناء إلى طفولتها الأولى، ولا محو سنوات السجن، ولا إعادة نبوية إلى ما قبل الخيانة، ولا إجبار رؤوف على العودة إلى أفكاره القديمة، ولا استرجاع صورته السابقة عن نفسه. لكنه يستطيع امتلاك مسدس. والعنف يمنحه للحظات إحساسًا زائفًا بأن المستحيل أصبح قابلًا للتنفيذ.

الانتقام يمنحه شيئًا أهم من النصر: يمنحه دورًا

منذ خروجه من السجن، يعاني سعيد أزمة في تعريف نفسه. أين يذهب؟ من يكون؟ ما موقعه في العالم الجديد؟ لا يملك عملًا مستقرًا، ولا بيتًا، ولا أسرة، ولا مشروعًا واضحًا للمستقبل.

لكن الانتقام يحل هذه المشكلة مؤقتًا.

بمجرد أن يقرر قتل الخونة، يصبح لديه برنامج. صار له هدف يتحرك نحوه، وأعداء يراقبهم، وحساب ينتظر تصفيته، ومبرر للاستمرار. ولذلك ليست الرغبة في قتل رؤوف أو عليش نتيجة للكراهية فقط؛ إنها أيضًا طريقة لكي يتجنب سعيد الفراغ.

لو تخلى عن الثأر، ماذا يبقى له؟

يبقى رجل خرج من السجن وعليه أن يبدأ من الصفر. وهذا، بالنسبة إلى شخصيته، أكثر رعبًا من المطاردة نفسها.

هكذا يتحول الثأر إلى هوية بديلة. لا يعود سعيد رجلًا يبحث عن مستقبل، بل رجلًا يعيش لكي يصحح الماضي. والمفارقة أن الماضي بطبيعته لا يقبل التصحيح. يستطيع الإنسان أن يتعلم منه أو يتجاوزه أو يعيد فهمه؛ لكنه لا يستطيع الدخول إليه ومحو ما جرى.

لهذا فإن كل رصاصة يطلقها سعيد موجهة، في مستوى أعمق، إلى الزمن نفسه.

وقد تناول مقال "اللص والكلاب بين نجيب محفوظ والسينما" جانبًا آخر من هذه المأساة: لماذا ينتهي مشروع الانتقام نفسه إلى الهزيمة، وكيف تتحول الرصاصات التي يُراد بها استعادة العدالة إلى دليل على فساد الطريق الذي اختاره سعيد.

النقطة الفاصلة: حين يصبح الشعور بالحق بديلًا عن الحق

ليس كل إنسان يتعرض للخيانة يصبح قاتلًا. ولهذا لا تكفي الخيانة وحدها لتفسير سعيد مهران.

التحول الحاسم يحدث حين يساوي سعيد بين عبارتين مختلفتين: "لقد ظُلمت" و"إذن يحق لي أن أفعل ما أشاء بمن ظلمني".

الأولى قد تكون صحيحة. الثانية لا تنتج عنها منطقيًا أو أخلاقيًا.

لكن سعيد يمحو المسافة بينهما. وبمجرد أن يفعل ذلك يستطيع أن يحتفظ بصورة الضحية حتى وهو يطارد أشخاصًا ليقتلهم. إنه لا يرى العنف بوصفه خروجًا من قضيته، بل يراه إثباتًا لها.

وهنا تكشف الرواية مأزقًا يتجاوز شخصية واحدة: يستطيع الإنسان أن يمتلك قضية عادلة في أصلها ثم يفسدها حين يعتبر عدالة القضية ضمانًا لعدالة كل الوسائل التي يستخدمها باسمها.

وقد تحدث محفوظ نفسه، في مذكراته التي رواها لرجاء النقاش، عن ثلاثة محاور نقدية ترتبط بالرواية: خيانة المبدأ، ومبدأ الاغتيال، واللجوء إلى حلول روحية لا تعالج جذور الأزمة. هذه الإشارة مهمة لأنها تمنع قراءة سعيد باعتباره بطلًا ثوريًا منحازًا إليه النص بلا تحفظ. فالرواية تمنحه مساحة واسعة من الداخل، وتسمح لنا بفهم غضبه، لكنها لا تجعل فهم الغضب مساويًا لتبرير القتل.

لماذا نسمع عقل سعيد إلى هذا الحد؟

لو روى محفوظ الحكاية من الخارج فقط، لأمكن أن يظهر سعيد في صورة لص هارب قرر الانتقام من أعدائه. لكن البناء السردي يقرب القارئ باستمرار من اضطراب وعيه، من ذكرياته، وقفزاته بين الحاضر والماضي، ومن الطريقة التي يعيد بها تفسير الوقائع.

تستفيد الرواية من المونولوج الداخلي وتقنيات قريبة من تيار الوعي، بحيث لا نكتفي بمشاهدة رجل يركض في شوارع القاهرة، بل ندخل إلى الذهن الذي يحول تلك الشوارع إلى شبكة من الخيانة والمطاردة والذكريات.

وهذا الاختيار الفني بالغ الأهمية أخلاقيًا. محفوظ لا يقول للقارئ: هذا الرجل قاتل، وانتهى الأمر. بل يضعه على مسافة مزعجة منه؛ مسافة تسمح برؤية المنطق وهو يتكون قبل أن يتحول إلى فعل.

نسمع كيف تتصل نبوية بعليش، وعليش برؤوف، ورؤوف بالمجتمع، والمجتمع بالشرطة والصحافة، حتى يشعر سعيد أن أعداءه ليسوا أفرادًا منفصلين، بل شبكة واحدة.

عنوان "اللص والكلاب" نفسه يعمل داخل هذا الإدراك. سعيد هو "اللص"، أما "الكلاب" فتتسع في مخيلته لتشمل كل من يطارده أو يخونه أو يقف في طريقه. وبمجرد أن يتحول الآخرون إلى كتلة واحدة يفقدون فرديتهم، ويسهل أخلاقيًا استهدافهم.

إنه أحد شروط العنف: ألا يرى المرء أمامه بشرًا متباينين، بل فئة واحدة تحمل اسمًا واحدًا.

لكن الرصاص يرفض القصة التي صنعها سعيد

تأتي المفارقة الأشد قوة حين يبدأ سعيد تنفيذ أحكامه. فالواقع لا يتصرف وفق السيناريو الذي كتبه في رأسه.

يريد أن يصيب أعداءه، فيسقط آخرون.

وهنا يحدث شيء بالغ الدلالة. كان سعيد يتصور أن العالم منقسم بوضوح بين مظلومين وظالمين وأنه قادر على إعادة الميزان بالقوة. لكن الرصاصة، لحظة خروجها، تدخل عالمًا أعقد من هذا التقسيم. لا تعرف القصة التي اخترعها صاحبها، ولا تميز بين الشخص المقصود والإنسان الذي صادف وجوده في الطريق.

وبذلك تتحول الأخطاء في القتل إلى اختبار أخلاقي لشخصية سعيد.

لو كان هدفه العدالة حقًا، لكان سقوط الأبرياء سببًا كافيًا لمراجعة الطريق كله. لكنه يعامل الكارثة بوصفها عائقًا جديدًا في معركته، لا بوصفها دليلًا على أن المعركة نفسها أصبحت فاسدة.

من هنا لم يعد مهمًا فقط أنه يقتل. الأهم أنه لا يسمح للنتائج بأن تصحح الفكرة.

وهذه علامة خطيرة في أي يقين مغلق: حين تفشل الوقائع في تأكيده، لا يتغير اليقين؛ بل يعيد صاحبه تفسير الوقائع لكي يبقى هو صحيحًا.

نور: الحياة التي لا يستطيع سعيد أن يختارها

وجود نور يختبر تفسيرًا آخر لمصير سعيد. فالرواية لا تضع أمامه العنف وحده. هناك مأوى، وحنان، وشخص يقبله في لحظة يرفضه فيها الآخرون.

نور ليست حلًا مثاليًا، وليست رمزًا بسيطًا للخلاص. حياتها نفسها هامشية وقاسية. لكن علاقتها بسعيد تفتح احتمالًا مختلفًا: أن يعيش بدل أن ينتقم.

المشكلة أن سعيد يستطيع الاختباء في بيتها، لكنه لا يستطيع السكن في الاحتمال الذي تمثله.

فالنجاة بالنسبة إليه مشروطة بانتصار سابق. يجب أن يحاسب الخائن أولًا، ثم ربما يعيش. يجب أن يستعيد كرامته كما يتخيلها، ثم يبدأ من جديد. وهكذا يؤجل الحياة إلى ما بعد تصفية حساب لا يمكن أن ينتهي.

نور تقترح حاضرًا ناقصًا لكنه ممكن؛ سعيد يفضل ماضيًا كاملًا لكنه مستحيل.

ولهذا فإنها تساعدنا على رؤية مسؤوليته بصورة أوضح. لم يكن محاصرًا بين القتل والموت فقط. كانت هناك مسارات أخرى، لكنها تطلبت منه التخلي عن الصورة البطولية التي رسمها لنفسه بوصفه صاحب الحساب الأخير.

والشيخ الجنيدي لا يمنحه جوابًا جاهزًا

يلجأ سعيد كذلك إلى الشيخ الجنيدي، المرتبط بذاكرة أبيه وبعالم روحي مختلف جذريًا عن منطق المطاردة والثأر. لكن اللقاء بين الرجلين لا ينتج حلًا عمليًا؛ لغتهما ليست واحدة.

سعيد يريد جوابًا يصلح فورًا لأزمته: ماذا يفعل بالخونة؟ كيف يستعيد حقه؟ كيف ينتصر؟

أما عالم الشيخ فيعمل على مستوى آخر، ويطالبه ضمنيًا بتغيير علاقته بذاته وبالعالم لا بتغيير مواقع الأشخاص بالقوة.

ولهذا يظل سعيد يمر به ولا يصل إليه.

وقد أوضح محفوظ لاحقًا أنه لم يكن يقدم الانسحاب الروحي في الرواية باعتباره علاجًا اجتماعيًا جاهزًا. فالسكينة المؤقتة التي يجدها سعيد لا تغير بنية أزمته، مثلما لا تغيرها الرصاصة. وبين العنف من جهة والعزاء الذي لا يعالج الأسباب من جهة أخرى، تبقى الشخصية عاجزة عن ابتكار طريق ثالث.

هل سعيد مهران ضحية أم مجرم؟

قوة السؤال أنه يفترض اختيارًا قد لا تحتاجه الرواية أصلًا.

سعيد ضحية في مواضع، ومجرم في مواضع أخرى. تعرضه للخيانة لا يختفي لأننا ندين قتله، وقتله لا يصبح مباحًا لأننا نفهم خيانته.

الرواية ترفض الراحة التي يوفرها التصنيف الأحادي.

إذا قلنا إنه مجرم فقط، نفقد معظم المأساة التي جعلت منه شخصية أدبية مركبة، ونتجاهل العالم الاجتماعي والنفسي الذي صنع غضبه. وإذا قلنا إنه ضحية فقط، نمحو الأبرياء الذين يسقطون بسبب اختياره ونمنحه إعفاءً أخلاقيًا لا يمنحه النص نفسه.

إنه إنسان وقع عليه ظلم، ثم بدأ يصنع ظلمًا جديدًا وهو مقتنع بأنه يصحح القديم.

وهذا تحديدًا ما يجعل سعيد أكثر إثارة للقلق من الشرير التقليدي. الشرير الذي يعرف أنه شرير أبسط كثيرًا من شخص يقتل وهو قادر على الاحتفاظ بصورة عادلة عن نفسه.

وعلى نحو آخر، يذكّرنا هذا التعقيد بالطريقة التي تفكك بها ثلاثية نجيب محفوظ شخصية السيد أحمد عبد الجواد: فالإنسان عند محفوظ لا يُختزل بسهولة في صفة واحدة، وتكشف التناقضات بين صورته أمام نفسه وصورته في حياة الآخرين مناطق أعمق من الحكم السريع.

من اللص الحقيقي؟

يحمّل سعيد الآخرين تهمة السرقة بمعنى أوسع من سرقة المال. عليش سرق مكانه، نبوية سرقت صورة الأسرة التي ظن أنها ستنتظره، رؤوف سرق - في نظره - المبادئ التي لقنه إياها ثم غيّر موقعه، والمجتمع سرق منه فرصة العودة بالطريقة التي تخيلها.

لكن المفارقة أن سعيد نفسه يبدأ بسرقة حق لا يملكه: حق تقرير من يعيش ومن يموت.

من هذه الزاوية يصبح العنوان أكثر قسوة. اللص لا يظل مجرد الرجل الذي يسرق الممتلكات. هناك أشكال أخرى من السرقة تمر في الرواية: سرقة الثقة، سرقة المعنى، سرقة الأسرة، وسرقة حق الآخر في الحياة.

ولذلك لا يتحول سعيد إلى قاتل في اللحظة التي يحمل فيها السلاح فقط. التحول يبدأ أسبق: في اللحظة التي يقرر فيها أن ألمه يمنحه امتيازًا أخلاقيًا على الآخرين.

بعد ذلك يصبح المسدس مجرد أداة.

لماذا كان لا بد أن يفشل الانتقام؟

ليس لأن الرواية تريد تقديم درس أخلاقي بسيط عن أن "الجريمة لا تفيد". فمأساة سعيد أعمق من ذلك.

هو يطالب الانتقام بأشياء لا يستطيع الانتقام تحقيقها.

يريد منه أن يعيد ابنته إليه. وأن يمحو الخيانة. وأن يعيد رؤوف القديم. وأن يسترجع سنوات السجن. وأن يمنحه كرامته. وأن يثبت أن تفسيره للحياة كان صحيحًا. وأن يعيده، في النهاية، إلى نفسه السابقة.

لا يستطيع قتل عليش أن يفعل ذلك، ولا قتل رؤوف، ولا أي عدد من الرصاصات.

لهذا يفشل مشروعه حتى قبل أن يفشل في إصابة الأشخاص الذين يستهدفهم. لقد اختار أداة لا تناسب المشكلة.

وكلما أخفقت الأداة، لا يتراجع، بل يضاعف استخدامها. وإذا كان أول العنف محاولة لحل الأزمة، فإن العنف اللاحق يصبح محاولة لإخفاء فشل العنف السابق.

وهكذا تتقلص حياته تدريجيًا: من رجل يريد استعادة عالم كامل إلى جسد مطارد يبحث عن مكان يختبئ فيه.

إذن لماذا تحول سعيد مهران إلى قاتل؟

لأنه لم يستطع قبول أن الخيانة التي تعرض لها لا يمكن إصلاحها بإعادة الزمن إلى الوراء.

خرج من السجن وهو يحتاج إلى أن يجد عالمه القديم كما تركه، وحين وجده قد تغير قرأ التغيير كله بوصفه مؤامرة شخصية عليه. ثم جاءت خيانة رؤوف علوان لتسقط الأساس الفكري الذي كان يمنحه معنى. وفي مواجهة هذا الفراغ، أعاد سعيد بناء نفسه حول فكرة الانتقام.

لكن الانتقام لم يكن مجرد غضب؛ كان وسيلة لحماية صورته عن نفسه. فإذا اعترف بأن القتل ليس عدالة، سيضطر إلى الاعتراف بأن جزءًا من حياته السابقة يحتاج إلى المراجعة أيضًا. وإذا اعترف بأن رؤوف تغير وأن نبوية اختارت حياة أخرى وأن سناء لن تعود فورًا إلى حضنه، فعليه أن يبدأ مستقبلًا لا يعرف كيف يبنيه.

لذلك يختار المهمة التي تبدو أوضح: العدو أمامه، والمسدس في يده.

وهنا تكمن المأساة الإنسانية للشخصية. كان سعيد يبحث عن طريقة يستعيد بها معنى حياته، لكنه اختار فعلًا يلتهم ما بقي منها. كان يريد أن يعاقب من حوله لأنهم حوّلوه، في نظره، إلى شخص بلا مكان؛ ثم انتهى إلى القضاء بنفسه على آخر الأماكن التي كان يمكن أن يعيش فيها.

"اللص والكلاب" لا تطلب من القارئ أن يحب سعيد مهران أو أن يكرهه. إنها تضعه قريبًا بما يكفي ليرى الآلية التي يعمل بها الغضب حين يغلق الإنسان الأبواب بين الألم والحق، وبين الحق والانتقام، وبين الانتقام والقتل.

ولعل أخطر ما تكشفه الرواية أن القاتل لا يبدأ دائمًا من الرغبة في الشر. قد يبدأ من جرح حقيقي، ثم من تفسير مغلق لذلك الجرح، ثم من يقين بأنه الوحيد الذي يعرف أين تقع العدالة.

وفي اللحظة التي يصبح فيها الإنسان القاضي والخصم والمنفذ في آن واحد، تكون المسافة بين المظلوم والظالم قد أصبحت أقصر مما يتصور.

ويبقى السؤال للقارئ: لو استطاع سعيد مهران أن يعترف بأن بعض خساراته لا يمكن استردادها، فهل كان يمكن أن يبدأ حياة جديدة، أم أن الانتقام كان قد أصبح بالنسبة إليه الحياة نفسها؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق