كيف يستطيع إنسان لم يرَ خصمه قط، ولا يعرف لغته، وربما لم يلتقِ في حياته شخصًا من بلده، أن يشعر نحوه بالخوف أو الكراهية أو الاحتقار؟ في زمن الحرب لا تترك الدول هذه المسألة للصدفة. قبل أن يصبح العدو جنديًا خلف خط النار، يصبح صورة على الشاشة، ووجهًا في الملصق، وصوتًا في نشرة الأخبار، وشخصيةً ذات صفات محددة في الحكاية التي ترويها الجماعة عن نفسها.
وهنا تبدأ وظيفة الدعاية الأكثر خطورة. فهي لا تقول للناس فقط من يجب أن يقاتلوا، بل تساعدهم على تخيل من يقاتلون. قد تحوله إلى وحش، أو جبان، أو متآمر، أو همجي، أو آلة بلا قلب. وفي المقابل، تمنح الطرف الذي يخاطب الجمهور صفات أخرى: الشجاعة، العقل، البراءة، الحضارة، الدفاع عن البيت، أو الوقوف إلى جانب التاريخ.
لكن المسألة أعقد من القول إن الدعاية «تكذب» والحقيقة تقف خارجها كاملة وواضحة. بعض أفلام الحرب استخدمت صورًا حقيقية، وبعضها وثق وقائع فعلية، وبعضها خلط الوثيقة بالمشهد المعاد تمثيله، وبعضها أخذ صور الخصم نفسه ثم أعاد ترتيبها وإحاطتها بالموسيقى والتعليق والمونتاج حتى تغير معناها. إن الكاميرا لا تحتاج دائمًا إلى اختراع الصورة؛ أحيانًا يكفي أن تختار أين تبدأ اللقطة وأين تنتهي، وأي صورة تسبقها وأي صوت يرافقها.
لذلك فإن سؤال «كيف صنعت السينما صورة العدو؟» لا يتعلق بالسينما وحدها. إنه سؤال عن اللغة والذاكرة والرواية والصحافة والأدب، وعن الطريقة التي تستطيع بها الحرب أن تجعل ملايين البشر يرون إنسانًا آخر من خلال قصة جاهزة قبل أن يعرفوه.
قبل أن يُصنع العدو على الشاشة، تُصنع كلمة «نحن»
الدعاية الناجحة لا تبدأ عادةً بالعدو. تبدأ بالجماعة التي تتحدث إليها. تقول لها، بصورة مباشرة أو ضمنية: نحن أصحاب البيت، نحن المهددون، نحن الذين نحمل قيمة تستحق الدفاع عنها. وبعد أن تكتمل صورة «نحن»، يصبح من الأسهل وضع صورة مقابلة اسمها «هم».
لهذا السبب تتكرر في سينما الحرب صور العائلة، والأطفال، والحقول، والمصانع، والمدن، والأعلام، والجنود المغادرين إلى الجبهة. ليست هذه العناصر مجرد خلفية عاطفية. إنها تحدد ما الذي يُفترض أن يشعر المشاهد بأنه مهدد. عندما تبدو الحرب دفاعًا عن أم وطفل ومنزل وذاكرة وطنية، يصبح الطرف الآخر في السردية هو القوة التي تهدد كل ذلك.
في الجزء الأول من سلسلة Why We Fight، وهو Prelude to War الصادر عام 1942، يظهر هذا البناء بوضوح. أُنتجت السلسلة تحت إشراف فرانك كابرا لمصلحة وزارة الحرب الأمريكية، وكان جمهورها الأول الجنود قبل أن تصل إلى جمهور أوسع. لا يكتفي الفيلم بعرض خصوم الولايات المتحدة، بل يبني ثنائية واسعة بين عالم يقدمه بوصفه عالم الحرية وبين عالم يقدمه بوصفه عالم الاستبداد والتوسع العسكري.
ولا تأتي قوة الفيلم من المعلومات وحدها. الخرائط تتحرك، الحدود تتغير، الموسيقى ترفع الإحساس بالخطر، الخطب تُقتطع، الصور القادمة من ألمانيا وإيطاليا واليابان تدخل في بناء جديد، ثم يأتي صوت الراوي ليمنحها تفسيرًا. المادة المصورة قد تكون حقيقية، لكن ترتيبها هو الذي يبني الحجة.
وهذا يوضح فرقًا أساسيًا بين الحدث وصورته. فالحدث وقع في مكان وزمان محددين، أما الصورة فتستطيع السفر إلى قاعة سينما بعيدة، حيث يراها شخص لا يعرف شيئًا عن سياقها إلا ما يقوله له الفيلم.
وقد ناقشنا في مقالة كيف غيّرت الحربان العالميتان الأدب والسينما أن الحرب لم تغير موضوعات الفنون فقط، بل غيرت أيضًا علاقتها بالتاريخ والتقنية والجمهور. والدعاية السينمائية واحدة من أوضح النقاط التي التقت عندها الحرب الحديثة بالصورة الحديثة: لم يعد المطلوب فقط أن تقع المعركة، بل أن تُروى أيضًا.
المونتاج لا يصف العدو فقط.. إنه يستطيع أن يصنعه
إذا وضع المخرج لقطة لوجه إنسان ثم أتبعها بلقطة لسلاح، فإن العقل يبدأ في إقامة علاقة بين الصورتين. وإذا كرر وجوهًا معينة إلى جانب الدمار والخطر والموسيقى القلقة، فقد يصبح الربط نفسه نوعًا من الحجة، حتى من دون أن ينطق الراوي بجملة صريحة.
هذا هو أحد أسرار المونتاج في الدعاية. الصورة المفردة قد تحتمل أكثر من معنى، لكن سلسلة الصور تضيق الاحتمالات. وهكذا يستطيع الفيلم أن يأخذ حشدًا في شارع، أو تدريبًا عسكريًا، أو خطابًا سياسيًا، أو طفلاً في مدرسة، ثم يضعه داخل سردية تقول للمشاهد كيف ينبغي أن يفهمه.
في زمن الحرب العالمية الثانية أصبحت هذه القدرة شديدة الأهمية. كانت السينما وسيطًا جماهيريًا هائل التأثير قبل ظهور التلفزيون في صورته اللاحقة وانتشاره الواسع. وكانت نشرات الأخبار المصورة والأفلام القصيرة والوثائقيات ترافق الجمهور في قاعات السينما. بالنسبة إلى ملايين المشاهدين، كان العالم البعيد يصل أولًا بوصفه صورة.
لكن الصورة لا تعمل وحدها. هناك الموسيقى. عندما يدخل الخصم على الشاشة مصحوبًا بإيقاع ثقيل أو نغمة مهددة، ثم يظهر «أبطالنا» مع موسيقى مختلفة، يكون الفيلم قد بدأ بتقسيم العالم عاطفيًا قبل أن يناقش أي فكرة.
وهناك أيضًا التعليق الصوتي، ذلك الصوت الذي يبدو أحيانًا وكأنه يعرف كل شيء. إنه يحدد للأعين ما ينبغي رؤيته في الصورة. قد نشاهد رجالًا يسيرون، لكن الراوي يستطيع أن يحولهم إلى «جحافل»، أو «غزاة»، أو «مدافعين»، أو «محررين». الصورة واحدة تقريبًا، أما الكلمة فتضعها داخل التاريخ الأخلاقي الذي يريده الفيلم.
حين يتحول الإنسان إلى نوع لا إلى فرد
تبلغ الدعاية أخطر مراحلها عندما تتوقف عن تصوير الخصم بوصفه أشخاصًا يقومون بأفعال، وتبدأ في تصوير جماعة كاملة كما لو كانت تحمل طبيعة ثابتة لا تتغير. عندها لا يعود لدينا جنود أو قادة أو مؤسسات أو قرارات سياسية، بل «نوع» من البشر يُقدَّم باعتباره شريرًا بطبيعته.
كانت الدعاية النازية مثالًا متطرفًا على هذا الانتقال من الخصومة السياسية والعسكرية إلى نزع الإنسانية. ففي فيلم Der ewige Jude ــ «اليهودي الأبدي» ــ الذي عُرض سنة 1940 وأخرجه فريتس هيبلر تحت مظلة جهاز الدعاية النازي، لا يجري التعامل مع اليهود باعتبارهم أفرادًا مختلفين أو مواطنين لهم حيوات متباينة، بل يُدفع المشاهد إلى رؤيتهم من خلال صور نمطية عنصرية موحدة. ويبلغ الفيلم درجة صريحة من نزع الإنسانية حين يستخدم تشبيهات حيوانية ومرضية لإثارة الاشمئزاز والخوف.
هذا ليس مجرد «تحيز» سينمائي بالمعنى البسيط. نزع الإنسانية يزيل المسافة بين الكراهية الرمزية والعنف الواقعي. فالإنسان الذي يمتلك اسمًا وعائلة وذكريات يصعب اختزاله في كلمة، أما الإنسان الذي ينجح الخطاب في تحويله إلى طفيلي أو مرض أو خطر مجرد، فيصبح الاعتداء عليه أسهل في المخيلة التي جرى إعدادها مسبقًا.
ومن هنا لا يمكن التعامل مع كل أشكال الدعاية زمن الحرب كما لو كانت متساوية لمجرد أنها دعاية. توجد فروق حقيقية بين فيلم يحاول تعبئة الجنود ضد قوة عسكرية معادية، وبين خطاب عنصري يجعل جماعة بشرية كاملة عدوًا وجوديًا بسبب أصلها أو دينها. فهم آليات الدعاية لا يعني محو الاختلافات الأخلاقية والتاريخية بينها.
وعندما نقرأ هذه المرحلة إلى جانب المحرقة في الأدب والسينما وكيف تتحول الكارثة إلى ذاكرة، يتضح لماذا لا تنتهي المسألة بانتهاء الحرب. الصورة التي ساعدت على اضطهاد الإنسان تصبح بعد الكارثة نفسها وثيقةً تحتاج الأجيال اللاحقة إلى تفكيكها: كيف استطاع خطاب ثقافي كامل أن يجعل الاضطهاد قابلًا للتصور، ثم للتبرير، ثم للتنفيذ؟
والديمقراطيات صنعت صورًا للعدو أيضًا
سيكون من السهل، لكنه غير دقيق، أن نربط الدعاية السينمائية بالأنظمة الشمولية وحدها. فالدول الديمقراطية التي خاضت الحرب العالمية الثانية استخدمت هي الأخرى السينما للتعبئة، والتجنيد، وشرح أهداف الحرب، والمحافظة على الروح المعنوية، وتعريف الجمهور بالخصم.
سلسلة Why We Fight نفسها مثال واضح. لقد أعادت استخدام أفلام ولقطات مأخوذة من مصادر عديدة، بينها مواد صنعتها دول المحور، ثم أعادت تركيبها لتخدم الرواية الأمريكية عن أسباب الحرب وضرورتها. والنتيجة ليست وثيقة خامًا تترك للمشاهد أن يستنتج وحده، بل حجة سينمائية متكاملة.
بل إن بعض إنتاجات الحلفاء وقعت هي الأخرى في الصور النمطية العنصرية، وخصوصًا عند تصوير اليابانيين خلال حرب المحيط الهادئ. ففي المناخ الذي أعقب بيرل هاربر، لم يكن الخطاب الأمريكي دائمًا قادرًا أو راغبًا في الفصل بين المؤسسة العسكرية اليابانية وبين الشعب الياباني بوصفه مجتمعًا متعدد الأفراد والخبرات. وهكذا يمكن أن يتحول «معرفة العدو» إلى تعميم على ملامح شعب كامل.
وهنا تظهر إحدى مشكلات الدعاية الملازمة للحرب: لكي تعبئ جمهورًا واسعًا بسرعة، تميل إلى الاختصار. والإنسان هو أول ما يتضرر من الاختصار.
العدو الحقيقي معقد. قد يكون الجندي خائفًا، وقد يكون مجندًا قسرًا، وقد يرفض الحرب سرًا، وقد يكون مؤمنًا بها، وقد يكون أبًا يكتب رسالة إلى طفل ينتظره. هذه التفاصيل تربك الخطاب التعبوي. أما «العدو» في الفيلم الدعائي فيحتاج غالبًا إلى أن يكون واضحًا وسهل القراءة من النظرة الأولى.
لهذا فإن الدعاية لا تحب التردد. لا تحب المساحات الرمادية. لا تحب الشخصية التي لا نستطيع أن نقرر بسرعة هل نكرهها أم نشفق عليها. إنها تحتاج إلى يقين بصري.
ما الذي يفعله الأدب حين تستبدل الدعاية الإنسان بصورة؟
هنا يبدأ الدور المختلف للأدب. فالرواية والقصة والشعر تستطيع، في أفضل حالاتها، أن تفعل عكس ما تفعله الدعاية: بدل أن تختزل الفرد في الجماعة، تعيد الجماعة إلى فرد. بدل كلمة «العدو» تمنحنا اسمًا وصوتًا وخوفًا وذاكرة.
في الحرب العالمية الأولى امتلأت الصحافة والملصقات والخطابات بصور البطولة والوطن والخطر القادم من الطرف الآخر. لكن الجنود الذين عاشوا الخنادق عرفوا شيئًا لا يمكن للملصق أن يقوله بسهولة: الجندي المقابل يعيش هو الآخر في الطين، يسمع القصف، يخاف الموت، ويكتب إلى البيت.
ولهذا كانت كتابة الجنود، التي تناولناها بتوسع في أدب الخنادق وكيف كتب الجنود الحرب العالمية الأولى من الداخل، ضرورية لتصحيح المسافة بين الحرب كما تُعلن والحرب كما تُعاش. فحين ينتقل السرد من مقر القيادة إلى الخندق، تتغير الكلمات نفسها: المجد يصبح بردًا، والخريطة تصبح وحلًا، و«التقدم» العسكري قد يصبح أمتارًا يدفع ثمنها بشر لهم وجوه.
وفي رواية إريش ماريا ريمارك كل شيء هادئ على الجبهة الغربية، تظهر لحظة شديدة الدلالة عندما يقتل بول بويمر جنديًا فرنسيًا في حفرة قذيفة ثم يظل عالقًا إلى جواره. لا يعود الرجل أمامه مجرد فرنسي أو عدو. يكتشف اسمه وحياته، وينهار الاختصار الذي صنعته الحرب.
هذه اللحظة لا تقول إن الحرب بلا أطراف أو مسؤوليات، ولا تمحو الفروق بين المعتدي والمدافع في أي حرب بعينها. ما تفعله أدبيًا أكثر دقة: تذكر القارئ بأن التصنيف العسكري لا يستنفد حقيقة الإنسان.
وهنا يتعارض الأدب مع الدعاية في بنية السرد نفسها. الدعاية تحتاج إلى شخصيات واضحة الوظائف: بطل، خائن، ضحية، عدو. أما الرواية الجيدة فتسمح للشخصية بأن تناقض نفسها، وأن تخاف رغم شجاعتها، وأن تكره ثم تشك، وأن تكتشف أن العالم أوسع من الشعار الذي دخلت به إلى الحرب.
الطفل يرى العدو قبل أن يعرف معنى السياسة
تزداد خطورة صورة العدو عندما تدخل عالم الطفل. فالطفل لا يملك دائمًا الأدوات التاريخية التي تسمح له بفصل الحكومة عن الشعب، والجندي عن المدني، والسياسة عن الهوية. ما يراه متكررًا في الصورة قد يتحول بسهولة إلى تعريف للعالم.
إذا ظهر شعب ما دائمًا بملامح مشوهة، أو بلهجة للسخرية، أو في دور الشرير، فإن الصورة تسبق المعرفة. وبعد سنوات قد ينسى المشاهد الفيلم نفسه، لكنه يحتفظ بالإحساس الذي صنعه الفيلم.
ولهذا ناقشنا في الحرب والطفولة: كيف يرى الأدب والسينما العالم من عيني الطفل؟ أن الطفل ليس مجرد ضحية صغيرة في خلفية الحرب، بل هو أيضًا متلقٍّ للغة الحرب وصورها. إنه يتعلم مبكرًا من هو «نحن» ومن هو «هم»، وأحيانًا قبل أن يستطيع أن يسأل كيف تشكل هذا التقسيم أصلًا.
وفي هذا السياق يصبح أدب الطفل وسينماه ومسؤولية التعليم أكبر من مجرد حماية الصغار من المشاهد العنيفة. المطلوب أيضًا حمايتهم من فكرة أن الشعوب شخصيات بسيطة في حكاية أخلاقية: شعب بطل وشعب شرير، أمة شجاعة وأمة جبانة، وجوه تستحق التعاطف ووجوه لا تستحقه.
هل الصورة الأرشيفية تقول الحقيقة وحدها؟
تمنحنا الصورة الأرشيفية إحساسًا قويًا بالصدق. الأبيض والأسود، الحبيبات، حركة الكاميرا القديمة، الزي العسكري، الشوارع التي تغيرت منذ زمن؛ كل ذلك يجعلنا نشعر أننا «نرى التاريخ».
لكن رؤية التاريخ ليست الأمر نفسه الذي كانت عليه رؤية الحاضرين له.
قد تكون اللقطة حقيقية تمامًا، لكننا لا نعرف ما قبلها وما بعدها. قد تكون الكاميرا موجودة بإذن جهة عسكرية لا تسمح بتصوير أشياء أخرى. قد يكون المصور اختار ما يرفع المعنويات وتجنب ما يضعفها. قد تأتي اللقطة بعد سنوات في فيلم جديد، مع تعليق مختلف تمامًا عن الغرض الذي صُورت من أجله أول مرة.
وهذه إحدى المفارقات المهمة في Why We Fight: استخدام صور صنعها الخصم نفسه، ثم إخراجها من سياقها الأصلي ووضعها في بناء مضاد له. الصورة لم تتغير كيميائيًا، لكن وظيفتها تغيرت.
لذلك ينبغي أن نتعامل مع الأرشيف لا باعتباره كذبًا، ولا باعتباره حقيقة مكتفية بذاتها، بل باعتباره أثرًا يحتاج إلى قراءة. من صور؟ لمن؟ لماذا؟ ماذا كان خارج الإطار؟ ومن الذي أعاد استخدام الصورة بعد ذلك؟
حين تسبق الصورة الرصاصة
في كثير من الحروب تسبق عملية نزع الإنسانية القتل الواسع أو ترافقه. لا يعني ذلك أن فيلمًا واحدًا يصنع مجزرة، أو أن الجمهور يصبح بلا إرادة أمام الشاشة. الناس ليسوا أجهزة تستقبل الدعاية بالطريقة نفسها. بعضهم يصدق، وبعضهم يشك، وبعضهم يسخر، وبعضهم يرى التناقض بين الخطاب وما يعيشه.
لكن التكرار يغيّر حدود الممكن في اللغة. عندما يصبح وصف جماعة بشرية بالحشرات أو المرض أو القذارة مألوفًا، تتحرك حدود الكلام. وما كان صادمًا بالأمس قد يبدو عاديًا اليوم. وبعد أن تتغير اللغة، يصبح من الأسهل أن تتغير الاستجابة الأخلاقية للصور والأخبار.
لهذا لا تكون الدعاية مجرد مادة هامشية حول الحرب. إنها جزء من البنية التي تجعل الحرب قابلة للاستمرار اجتماعيًا. الجبهة تحتاج ذخيرة، لكن الدولة الحديثة تحتاج أيضًا تفسيرًا مستمرًا: لماذا نقاتل؟ من بدأ؟ ماذا سيحدث إن خسرنا؟ لماذا يستحق القتلى تضحيتهم؟ ومن هو الطرف الذي ينبغي أن نخافه؟
السينما أجابت عن هذه الأسئلة بقوة لم تكن متاحة للخطابة وحدها، لأنها جمعت الوجه والصوت والموسيقى والحركة والوثيقة في لحظة واحدة.
لكن الدعاية لا تصنع العدو فقط.. إنها تصنع البطل أيضًا
من الصعب فهم صورة العدو من دون النظر إلى صورة البطل. هما مرآتان متقابلتان.
إذا كان العدو فوضويًا، يصبح جندي «نحن» منظمًا. إذا كان الخصم بلا رحمة، يصبح الطرف الآخر إنسانيًا. إذا كان العدو جبانًا، يصبح البطل مستعدًا للموت. وإذا كان الخصم كتلة بلا وجوه، تُمنح شخصيات الطرف الذي ينتج الفيلم أسماءً وأمهات ورسائل حب وأحلامًا للمستقبل.
هذه اللامساواة السردية شديدة الأهمية. فالتعاطف في السينما لا يتوزع تلقائيًا على البشر بالتساوي. الفيلم يقرر من نتبعه إلى البيت، ومن نرى دموع أمه، ومن نسمع أفكاره، ومن يظهر لثوانٍ فقط خلف منظار بندقية.
وقد تستطيع الأعمال الأكثر نضجًا كسر هذا التوزيع. بعض أفلام الحرب اللاحقة لم تعد تسأل فقط كيف ينتصر الجندي، بل ماذا تفعل الحرب به. عندها تنتقل الكاميرا من الجسد البطولي إلى الجسد الخائف والمتعب والمصدوم، ومن النصر المجرد إلى تكلفته الإنسانية.
وفي فيلم جون هيوستن The Battle of San Pietro، الذي صُوّر في سياق الحرب العالمية الثانية وأصدره الجيش الأمريكي سنة 1945، تتقدم إلى الواجهة مشاهد القتال وثمنه البشري بدرجة جعلت الفيلم بعيدًا عن صورة الحرب النظيفة. هنا يصبح توثيق الحرب نفسه قادرًا على خلخلة بعض صور البطولة البسيطة التي تحتاجها الدعاية.
هذه مفارقة السينما الحربية: الأداة التي تستطيع تجميل الحرب هي نفسها الأداة التي تستطيع أن تجعل تجميلها أصعب.
ماذا يحدث لصورة العدو بعد انتهاء الحرب؟
تنتهي المعارك، لكن الصور لا تُسرَّح من الخدمة بالسهولة نفسها.
تبقى في الأفلام والكتب المدرسية والطرائف واللهجات المقلدة والكلمات التي دخلت الاستخدام اليومي. وقد تنتقل صورة صنعها ظرف حربي محدد إلى جيل لم يعش الحرب أصلًا. عندها تتحول الدعاية من خطاب آني إلى طبقة في الذاكرة الثقافية.
ولهذا تعود السينما بعد الحرب إلى العدو السابق بطريقة مختلفة. يصبح بالإمكان أن يظهر كإنسان، أو كشخصية مأساوية، أو حتى كضحية لنظامه وجيشه. وتظهر أفلام تطرح أسئلة كانت صعبة في أثناء التعبئة: هل كان كل من في الجانب الآخر مقتنعًا بالحرب؟ ماذا عرف المدنيون؟ ماذا كان يمكن أن يفعله الفرد؟ أين تبدأ المسؤولية الشخصية وأين تنتهي سلطة النظام؟
الأدب يفعل الشيء نفسه. فعندما تنتهي الحاجة إلى الشعار اليومي، تبدأ الذاكرة في تفكيكه. تظهر الشهادات والمذكرات والرسائل والروايات التي تعيد أصواتًا حذفتها الرواية الرسمية أو وضعتها في الهامش.
ولا يعني ذلك أن المسافة الزمنية تقود دائمًا إلى حقيقة واحدة نهائية. الذاكرة نفسها ساحة صراع. كل جيل يعيد مشاهدة الصور القديمة بأسئلته الخاصة. ما رآه جمهور سنة 1942 فيلمًا تعبويًا ضروريًا، قد يراه باحث بعد ثمانين عامًا وثيقة عن الطريقة التي فهم بها مجتمعٌ ما نفسه وخصومه في تلك اللحظة.
من الدعاية إلى الترفيه: هل تختفي صورة العدو فعلًا؟
المثير أن الكثير من القوالب التي صنعتها الدعاية لا تموت بانتهاء المؤسسات الدعائية. تنتقل أحيانًا إلى السينما التجارية والرواية الشعبية وألعاب الفيديو والمسلسلات.
تتغير الأسماء والأزياء، لكن البنية تبقى: خصم يتحدث بلكنة محددة، لا نعرف شيئًا عن عائلته، يظهر غالبًا في الظل، ويملك قدرًا من القسوة يكفي لتبرير كل ما يفعله البطل به.
وهنا لا يعود السؤال: هل هذا الفيلم دعاية رسمية؟ بل: هل ورث الفيلم طريقة دعائية في النظر؟
فالعمل الفني قد لا يكون ممولًا من حكومة ولا صادرًا في أثناء حرب، ومع ذلك يعيد إنتاج خيال قديم عن شعب أو ثقافة أو منطقة كاملة. والأسوأ أن الصورة القديمة يمكن أن تصبح غير مرئية من شدة الاعتياد عليها. لا يلاحظها الجمهور لأنها أصبحت جزءًا من القاموس السينمائي.
لهذا فإن النقد الثقافي لا يكتفي بالسؤال عن نية المخرج. قد لا يقصد المخرج إطلاقًا إنتاج خطاب سياسي متكامل، لكن الصورة التي يستخدمها تحمل تاريخًا سابقًا عليه. والوجه الذي يبدو له «مناسبًا لدور الشرير» قد يكون مناسبًا فقط لأن عشرات الأفلام السابقة دربت الجمهور على قراءته بهذه الطريقة.
هل يمكن صنع فيلم حرب من دون صنع عدو؟
ربما يكون هذا أصعب أسئلة سينما الحرب. فالحرب نفسها تقوم على صراع، والصراع يحتاج دراميًا إلى قوى متقابلة. لكن وجود خصم لا يفرض بالضرورة نزع إنسانيته.
يمكن للفيلم أن يحدد المسؤولية السياسية والعسكرية بوضوح، وأن يدين جرائم موثقة، وأن يقف أخلاقيًا إلى جانب الضحايا، من دون أن يحول كل فرد ينتمي إلى مجتمع الخصم إلى نسخة واحدة من الشر.
وهذا الفرق أساسي. الإنسانية ليست حيادًا بين الجلاد والضحية. الاعتراف بإنسانية الشخص لا يعني تبرئة فعله، تمامًا كما أن إدانة نظام أو جيش أو جريمة لا تتطلب محو الفروق بين ملايين الأفراد.
الأعمال الأكثر قوة هي التي تستطيع الحفاظ على هذا التوتر: أن تعرف من فعل ماذا، وأن ترفض تمييع المسؤولية، وفي الوقت نفسه ترفض الراحة التي تمنحها الكراهية الشاملة.
عندما ينجح الفن في ذلك، لا يعود العدو مجرد أداة وظيفتها أن تجعل البطل أكثر بطولة. يصبح الإنسان المقابل جزءًا من السؤال الأخلاقي نفسه.
من يملك الكاميرا يملك جزءًا من الذاكرة
الحرب لا تترك وراءها قبورًا وخرائط وحدودًا جديدة فقط. تترك أرشيفًا. وبعد عقود قد يعرف جيل كامل حربًا لم يعشها من خلال عدد محدود من الصور التي نجت وانتشرت وتكررت.
لهذا فإن معركة الصورة أطول من معركة الميدان. قد تسقط الحكومة التي أنتجت الفيلم، لكن الفيلم يبقى. وقد يختفي الشعار، بينما تبقى الطريقة التي درّب بها الجمهور على رؤية وجه معين.
وهذا ما يجعل دراسة الدعاية اليوم مهمة ثقافيًا، لا لأنها حكاية قديمة عن حكومات اكتشفت قوة السينما، بل لأنها تكشف شيئًا دائمًا في علاقتنا بالصورة: نحن نميل إلى الثقة بما نراه، مع أن كل صورة لها إطار، وكل مونتاج له اختيار، وكل حكاية تضع بعض البشر في المركز وتترك آخرين خارجه.
الدرس الذي تقدمه أفلام الدعاية الكبرى ليس أن علينا الشك في كل صورة حتى نفقد القدرة على معرفة الحقيقة. العكس هو الأهم: علينا أن نتعلم كيف نبحث عن الحقيقة من دون أن نمنح الصورة حصانة من السؤال.
من صنعها؟ ما الذي أراد منا أن نشعر به؟ ما الذي يظهر داخل الإطار؟ ما الذي غاب؟ هل نتعرف إلى أفعال محددة أم يجري تعريف جماعة كاملة بصفة واحدة؟ هل نرى الإنسان، أم نرى صورة أُعدت لنا مسبقًا كي تحل محله؟
الحرب تنتهي.. لكن معركة الحكاية تستمر
في الميدان تحاول الجيوش السيطرة على الأرض. وفي الدعاية تحاول السرديات السيطرة على المعنى.
ولهذا لم تكن السينما خلال الحروب مجرد وسيلة تسلية توقفت قليلًا لتصور الجنود. لقد أصبحت جزءًا من الحرب على المخيلة. ساعدت أحيانًا على تفسير خطر حقيقي ومقاومة أنظمة توسعية، وساهمت أحيانًا أخرى في الكراهية العنصرية ونزع الإنسانية. وبين الحالتين ظهرت درجات كثيرة من التعبئة والاختيار والتبسيط.
أما الأدب، ولا سيما الأدب الذي يخرج من تجربة الجندي والمدني والناجي والأسير والمهجّر، فيعود غالبًا إلى المكان الذي محته الدعاية: الفرد.
الدعاية تقول «العدو». والرواية تسأل: ما اسمه؟
الدعاية تعرض الحشود. والشهادة تبحث عن وجه.
الدعاية تحتاج إلى يقين سريع. والأدب يستطيع أن يعيش طويلًا داخل الشك.
وربما لهذا تبقى الحروب في الثقافة بعد توقف المدافع. لأن المعركة التي جرت على الأرض تنتهي في تاريخ معين، أما المعركة على معناها، وعلى صورة الضحية والبطل والعدو، فتظل مفتوحة في الروايات والأفلام والصور والذاكرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق