حين يصبح العاشق شاهدًا على وطن لم يعد يشبه الحلم
هل رواية "ذاكرة الجسد" قصة حب خائبة بين خالد وحياة، أم أن هذه القصة ليست سوى الوجه الشخصي لخيبة أكبر: رجل شارك في الثورة من أجل وطن تخيله على صورة معينة، ثم عاد ليكتشف أن الاستقلال لا يعني بالضرورة أن يصبح الواقع مطابقًا للحلم؟
هذا السؤال يفتح الرواية من مكان مختلف عن الملخصات الشائعة. فخالد لا يفقد امرأة فقط، ولا يحمل جرح حرب فقط، ولا يعيش منفى جغرافيًا فحسب. حياته كلها مبنية على سلسلة من الفقدان: ذراع ضاعت في زمن الثورة، وطن تغيّر بعد الاستقلال، مدينة بقيت في الذاكرة أكثر صفاء مما هي في الواقع، امرأة أحب فيها شيئًا يتجاوز شخصها، ورفاق غابوا أو تبدلت مواقعهم. لذلك يصبح الحب في الرواية طريقة أخرى لقراءة التاريخ، ويصبح التاريخ بدوره جزءًا من أكثر المشاعر حميمية.
والجواب المبكر هو أن فشل علاقة خالد بحياة لا يمكن فصله، داخل بنية الرواية، عن صدامه مع الجزائر التي جاءت بعد الثورة. لا يعني ذلك أن حياة "ترمز" ببساطة إلى الجزائر، أو أن كل تصرف تقوم به يمثل حدثًا سياسيًا بعينه. الرواية أكثر تعقيدًا من معادلة كهذه. لكن خالد نفسه يحمّل المرأة والمدينة والوطن ذاكرة واحدة، حتى يصبح من الصعب في وعيه أن يعرف أين ينتهي الحب وأين تبدأ قسنطينة، وأين ينتهي جرحه الشخصي وأين يبدأ جرح جيله.
لهذا لا يبدو عنوان "ذاكرة الجسد" مجرد استعارة جميلة. الجسد هنا يحمل التاريخ حين تعجز الخطب والوثائق عن حمله. ذراع خالد المبتورة ليست خبرًا عن إصابة قديمة؛ إنها ماضٍ يتحرك معه أينما ذهب. وكلما تغيرت الجزائر بقي جسده محتفظًا بالصورة الأولى: صورة الشاب الذي دفع ثمنًا جسديًا من أجل المستقبل.
رواية تبدأ بعد انتهاء البطولة
صدرت "ذاكرة الجسد" سنة 1993 عن دار الآداب في بيروت، وحصلت لاحقًا على جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية سنة 1998. لكن زمنها الداخلي أوسع بكثير من تاريخ نشرها؛ فهي تستعيد مراحل تمتد من ذاكرة الجزائر الاستعمارية والثورة إلى عقود الاستقلال وصولًا إلى أواخر الثمانينيات.
هذه المسافة الزمنية مهمة؛ لأن مستغانمي لا تكتب رواية حرب بالمعنى التقليدي. المعارك الكبرى وقعت في الماضي عندما يبدأ خالد فعليًا في إعادة بناء حكايته. البطولة حدثت، والشهداء رحلوا، والاستقلال تحقق. السؤال الذي يلاحق الرواية ليس: كيف ينتصر الثوار؟ بل: ماذا يحدث للثائر بعد أن تنتهي الثورة ويصبح عليه أن يعيش داخل الوطن الذي كان يحلم به؟
هنا يتغير معنى الجرح. أثناء الحرب يمكن فهم الذراع المبتورة بوصفها تضحية واضحة: هناك استعمار ومقاومة وثمن يدفعه المناضل. بعد الاستقلال تصبح المعادلة أقل بساطة. خالد لا يستطيع أن يستعيد ذراعه، لكنه يكتشف أيضًا أنه لا يستطيع استعادة الصورة التي حملها للوطن. لقد بقي الدليل على التضحية في جسده، بينما دخل الواقع مرحلة جديدة بقوانين ومصالح وشخصيات مختلفة.
وتزداد هذه المفارقة حين نتذكر أن الراوي فنان. كان يمكن للرواية أن تجعل خالد موظفًا سابقًا أو عسكريًا متقاعدًا، لكنها اختارت أن تجعله رسامًا. بعدما يفقد جزءًا من جسده، يتعلم أن يعيد امتلاك العالم بالصورة. الفرشاة تصبح امتدادًا آخر لليد، والرسم محاولة لترميم ما لا يمكن ترميمه جسديًا.
إنه لا يرسم قسنطينة لأنها منظر جميل فحسب. يرسمها لأن المدينة التي يمكن الاحتفاظ بها على القماش أكثر طواعية من المدينة التي تتبدل في الواقع. الصورة لا تهدم الجسر، ولا تغير الوجوه، ولا تعيد توزيع السلطة والثروة، ولا تشيخ كما يشيخ البشر. ولذلك تتحول اللوحة إلى شكل من أشكال المقاومة ضد الزمن نفسه.
لماذا أحب خالد حياة؟
يمكن الإجابة ببساطة: لأنها امرأة جذبته وأثارت فيه رغبة وحبًا. وهذا المستوى موجود ولا ينبغي إلغاؤه بتحويل كل علاقة بشرية إلى رمز سياسي. لكن الرواية تجعل هذا الحب منذ البداية مثقلًا بما يتجاوز حياة نفسها.
هي ابنة سي الطاهر، رفيق خالد وقائده في زمن الثورة. وهي تنتمي إلى الجيل الذي جاء بعد جيل التضحية، بينما يحمل خالد ذاكرة الأب الذي غاب. وحين يلتقي بها بعد سنوات، لا يقابل امرأة بلا تاريخ؛ يقابل ابنة رجل ارتبط في ذاكرته بفترة كان العالم فيها أكثر وضوحًا: عدو معروف، قضية واضحة، وتضحيات يمكن فهم معناها.
هنا تبدأ خطورة الحب. خالد لا يرى حياة كما هي فقط، بل كما تجعله يتذكر. حضورها يوقظ الأب، وقسنطينة، والشباب، والثورة، والخسارات القديمة. إنها امرأة حقيقية داخل الحكاية، لكنها تدخل إلى قلب رجل سبق أن ملأ الذاكرةَ بصور كثيرة قبل وصولها.
لهذا يبدو فارق العمر أكثر من تفصيل رومانسي. خالد ينتمي إلى زمن، وحياة تنتمي إلى زمن آخر. هو يريد، من حيث يدري أو لا يدري، أن يجد استمرارية بين الجيلين. كأن حب ابنة الشهيد يستطيع أن يصل الماضي بالحاضر، وأن يعيد إلى حياته وحدةً تكسرت بعد الثورة والمنفى.
لكن حياة لا تقبل أن تكون مجرد وعاء لذاكرته. لها رغباتها وخياراتها وموقعها الاجتماعي وعلاقتها بعالم مختلف. ومن هنا ينشأ أحد أكثر التوترات إثارة في الرواية: الرجل الذي يعتقد أنه يحب امرأة يجد نفسه أحيانًا يحب عبرها زمنًا كاملاً.
يمكن لذلك أن يجعل حبه بالغ القوة، لكنه يجعله أيضًا هشًا. لأن المرأة لا تستطيع أن تكون في الوقت نفسه الحبيبة، وقسنطينة، وابنة الرفيق، وصورة الوطن، وتعويض الشباب، والجسر إلى الماضي. لا يستطيع شخص واحد أن يحمل كل هذا دون أن تتحول العلاقة إلى صراع بين الإنسان الحقيقي والصورة التي صنعها المحب عنه.
حياة ليست الجزائر... لكنها تجعل الجزائر مرئية
من السهل جدًا القول: حياة ترمز إلى الجزائر، وخالد يرمز إلى جيل الثورة، وانتهى التحليل. غير أن مثل هذا الاختصار يفقر الرواية.
حياة شخصية روائية لها استقلال نسبي عن الرمز. وهي ليست مسؤولة عن خيبة خالد التاريخية، ولا يمكن محاكمتها أخلاقيًا لأنها لم تحقق أحلام رجل يكبرها بجيل. ومع ذلك، تستخدم الرواية علاقتها بخالد كي تجعل مشكلة الوطن محسوسة على مستوى يومي وعاطفي.
ما يحدث بينهما يشبه، من بعض الزوايا، ما حدث بين خالد وصورته المثالية للوطن: يقترب مما يحب، ثم يكتشف أن الشيء الحقيقي لا يطابق الشيء الذي بناه في الذاكرة.
هذا الفرق بين الواقع والصورة هو قلب الرواية. الثورة نفسها تبقى في ذهن خالد مرتبطة بشبابه وبالرفاق الذين خاطروا بحياتهم. أما الجزائر اللاحقة فهي دولة ومجتمع ومصالح وطبقات جديدة وعلاقات قوة لا يستطيع قياسها بالمقاييس الأخلاقية البسيطة التي صاغها زمن المقاومة.
من هنا تأتي الحساسية تجاه الشخصيات التي استفادت من زمن ما بعد الاستقلال من دون أن تحمل التجربة نفسها التي حملها جيل خالد. الرواية لا تقدم دراسة سياسية للجزائر ولا وثيقة تاريخية محايدة؛ ما تقدمه هو وعي رجل يرى الحاضر من خلال ذاكرة ثقيلة. ولذلك ينبغي التمييز بين تاريخ الجزائر الفعلي وبين الجزائر كما يرويها خالد.
هذا التمييز ضروري نقديًا. الراوي ليس المؤلفة، وغضبه ليس تقريرًا تاريخيًا، وأحكامه على الناس لا تتحول بمجرد ورودها في الرواية إلى حقائق. لكن اختيار مستغانمي هذا الراوي يسمح للنص بأن يلتقط ظاهرة إنسانية أوسع: الثورات تصنع وعودًا ضخمة في خيال المشاركين فيها، وعندما تبدأ الحياة العادية بعدها يصبح من الصعب على الفرد أن يتصالح مع الفارق بين البطولة التي عاشها والمؤسسات والمصالح والتسويات التي تأتي لاحقًا.
إنها صدمة العودة من المطلق إلى النسبي.
الذراع المبتورة: حين يسكن التاريخ في الجسد
إذا كان هناك رمز مركزي يصعب تجاهله فهو جسد خالد نفسه. لكنه ليس رمزًا مغلقًا له معنى واحد.
فقدان الذراع يعني أولًا إصابة حرب حقيقية داخل عالم الرواية. ثم يصبح أثرًا دائمًا للماضي، وعلامةً لا يستطيع الزمن محوها. يستطيع المجتمع أن ينتقل من الثورة إلى الدولة، ويستطيع الناس أن يغيروا مواقعهم وأفكارهم، لكن خالد لا يستطيع أن يستيقظ في صباح ما ويقرر أن الحرب أصبحت خلفه تمامًا. جسده يمنعه من ذلك.
بهذا المعنى، تختلف الذاكرة الجسدية عن الذاكرة الذهنية. العقل يستطيع أن ينسى أو يعيد ترتيب الأحداث أو يجمّلها. أما الجسد فيحتفظ بأثر مادي لا يحتاج إلى استدعاء واعٍ. ما حدث قبل عقود حاضر في كل حركة.
ولهذا يصبح عنوان الرواية دقيقًا: ليست "ذاكرة الثورة" ولا "ذاكرة الوطن" ولا "ذاكرة الحب"، بل "ذاكرة الجسد". فالتاريخ الكبير لا يصل إلينا في النهاية إلا من خلال أجساد الأفراد: من عاش، ومن مات، ومن جُرح، ومن هاجر، ومن أحب، ومن عاد.
لكن المفارقة الأعمق أن اليد التي فقدها خالد في الثورة تُستبدل فنيًا باليد التي ترسم. جسده الذي يحمل علامة النقص ينتج صورًا كاملة. والرسم لا يمحو الفقد، بل يحوله إلى لغة.
من هنا يمكن قراءة الفن في الرواية باعتباره وسيلة لإنقاذ التجربة من التحول إلى مجرد ذكرى. خالد يرسم قبل أن يكتب، وكأن الصورة مرحلة أولى من تحويل الألم إلى معنى. وحين لا تكفي اللوحة، تظهر الكتابة.
من اللوحة إلى الرواية: من يملك الذاكرة؟
"ذاكرة الجسد" ليست فقط رواية عن الحب والوطن؛ إنها أيضًا رواية عن رواية تُكتب.
خالد هو الذي يروي، وحياة كاتبة داخل النص. يوجد منذ البداية صراع خفي حول من يملك الحق في تحويل التجربة إلى أدب. هل من عاش الألم يملك حكايته؟ أم أن الكاتب، بمجرد أن يضع التجربة على الورق، يستطيع أن يعيد ترتيبها بطريقته؟ وهل الكتابة حفظ للذاكرة أم وسيلة للتخلص منها؟
هنا تصبح العلاقة بين الرسم والكتابة جزءًا من العلاقة بين خالد وحياة. هو يرسم، وهي تكتب. هو متعلق بالصور التي حفظها الماضي، بينما تبدو الكتابة أكثر قدرة على إعادة صنع الأشخاص والأحداث. اللوحة تجمد اللحظة، أما الرواية فتستطيع أن تبدأ من أي مكان، وتحذف، وتقدم، وتؤخر، وتقتل شخصية، وتعيد أخرى إلى الحياة.
حين يقرر خالد أن يكتب تجربته، فإنه لا يروي قصة انتهت فحسب. إنه يحاول استعادة السلطة على الذاكرة. الشخص الذي عجز عن الاحتفاظ بالمرأة وبالوطن كما أرادهما يستطيع على الأقل أن يختار كيف يرويهما.
لكن هذا الانتصار ليس كاملًا. الكتابة نفسها دليل على أن النسيان فشل. نحن عادة لا نكتب مئات الصفحات عن شيء خرج من حياتنا تمامًا. كل صفحة يكتبها خالد لكي يبتعد تكشف مقدار قرب ما يحاول التخلص منه.
من هنا تنشأ مفارقة الرواية: الكتابة قد تكون محاولة للشفاء، لكنها أيضًا آلة شديدة الفاعلية لحفظ الجرح.
قسنطينة: مدينة أم ذاكرة؟
قسنطينة في الرواية ليست خلفية هندسية توضع الشخصيات أمامها. جسورها وهاويتها وتضاريسها تدخل في طريقة خالد في فهم نفسه.
الجسر في أبسط معانيه يصل بين ضفتين. وهذا ما يحتاج إليه خالد طوال الرواية: جسر بين الثورة والاستقلال، بين الجزائر وفرنسا، بين الرجل الذي كانه والرجل الذي أصبحه، بين جيل سي الطاهر وجيل حياة، وبين الحب الذي تخيله والعلاقة التي عاشها فعلًا.
لكن قسنطينة مدينة الجسور والهاوية معًا. وهذا ما يجعل المكان ملائمًا على نحو يكاد يكون جسديًا للرواية. كل محاولة للوصل تجري فوق فراغ. والمسافة التي يريد الجسر تجاوزها تظل موجودة تحته.
باريس بدورها ليست مجرد نقيض جغرافي. إنها مكان المنفى ومكان الفن واللقاء أيضًا. خالد يستطيع أن يرسم الجزائر في فرنسا، وأن يقع في حب امرأة جزائرية بعيدًا عن الجزائر. كأن الوطن لا يعود مرتبطًا بحدود جغرافية فقط؛ ينتقل معه إلى المرسم واللوحة والجسد واللغة.
وهذا أحد وجوه المنفى الأكثر تعقيدًا: قد يغادر الإنسان وطنه، لكن الوطن لا يغادر الطريقة التي يرى بها العالم.
لماذا تنتهي قصة الحب بالخسارة؟
لو حصل خالد على حياة لكانت الرواية مختلفة جذريًا. ليس لأن الأدب يحتاج دائمًا إلى الحب المستحيل، بل لأن نجاح العلاقة كان سيحل مؤقتًا التوتر الذي بنت عليه الرواية رؤيتها للذاكرة.
خالد يريد استعادة شيء لا يمكن استعادته أصلًا. يريد الشابة التي أمامه، لكنه يريد أيضًا عبرها شبابه ومدينته وأصدقاءه والثورة وصورة نقية للوطن. المشكلة ليست أن حياة ترفض أن تمنحه الماضي؛ المشكلة أن الماضي نفسه غير قابل للإعادة.
وهكذا يصبح فقدانها اكتشافًا قاسيًا للزمن. لا يمكن للرجل أن يعود إلى اللحظة التي سبقت الجرح، ولا يمكن لقسنطينة أن تكون المدينة التي تركها، ولا يمكن لجيل جديد أن يعيش وفق الشروط العاطفية لجيل سابق.
في هذا المستوى، قصة الحب ليست نسخة مصغرة عن السياسة بقدر ما هي تجربة تجعل خالد يدرك قانونًا يشمل حياته كلها: الأشياء التي نحبها تتغير بمجرد أن تدخل الزمن.
وقد يكون هذا ما يجعل علاقته بحياة مؤلمة إلى هذا الحد. الوطن الذي خسره جزئيًا فكرة واسعة يمكن للإنسان أن يجادل حولها، أما المرأة فهي حضور مباشر. حين تختار طريقًا آخر يصبح التاريخ الشخصي فجأة ملموسًا.
صدمة ما بعد الثورة لا تعني أن الثورة كانت خطأ
ثمة فرق مهم بين نقد ما حدث بعد الثورة وبين نفي معنى الثورة نفسها. الرواية لا تجعل إصابة خالد عبثًا منذ البداية، ولا تصور النضال ضد الاستعمار بوصفه خطأً كان ينبغي تجنبه. على العكس، جزء كبير من مأساة خالد يأتي من إيمانه العميق بتلك التجربة وبالتضحيات التي قدمها جيله.
لو كان ساخرًا من الثورة أصلًا لما شعر بهذه الخيبة.
المفارقة أن الانتصار السياسي لا يضمن تحقيق كل التوقعات الأخلاقية والاجتماعية التي عُلقت عليه. وقد عرفت الجزائر، مثل مجتمعات كثيرة خرجت من الاستعمار، انتقالات اقتصادية وسياسية واجتماعية معقدة، وظهرت في الثمانينيات توترات كبيرة بلغت أحداث أكتوبر 1988. تستفيد الرواية من هذه الخلفية، لكن قيمتها الأدبية ليست في تقديم تفسير تاريخي شامل لها؛ بل في إظهار كيف يشعر الفرد عندما يكتشف أن التاريخ الذي ساهم في صنعه أصبح أكبر منه ولا يسير وفق أحلامه.
خالد بهذا المعنى ليس "الجزائر" كلها. إنه واحد من أبنائها، وذاكرته واحدة من الذواكر الممكنة. وربما تكمن قوة السرد في أنه لا يحتاج إلى الادعاء بأنه يمثل الجميع. يكفي أن نرى الجزائر من خلال رجل فقد ذراعًا وحمل مدينة في لوحاته كي نفهم أن الأحداث العامة لا تبقى عامة طويلًا؛ فهي تنزل في النهاية إلى الجسد والبيت والحب واللغة.
لماذا أهدت مستغانمي الرواية إلى مالك حداد؟
على عتبة الرواية يظهر اسم مالك حداد، ابن قسنطينة والكاتب الجزائري الذي ارتبطت تجربته الأدبية بالفرنسية وبمأزق اللغة بعد الاستقلال، كما يظهر إهداء إلى والد أحلام مستغانمي.
هذا الإهداء ليس هامشيًا؛ فهو يضع منذ البداية مشكلة اللغة بجانب مشكلة الوطن. أي لغة تستطيع أن تحمل ذاكرة الجزائر؟ وماذا يعني أن يكتب الجزائري تجربته بلغة ارتبطت بتاريخ الاستعمار؟ وماذا يعني في المقابل اختيار العربية بعد عقود كان فيها التعليم والثقافة في الجزائر واقعين تحت أثر فرنسي عميق؟
مستغانمي تكتب الرواية بالعربية، بينما تجعل خالد رسامًا يستطيع تجاوز اللغة بالكشف البصري. وحياة تكتب أيضًا. بذلك يصبح النص ملتقى لفنون وهويات لغوية مختلفة.
وقد لاحظت الناقدة فريال غزول أن الرواية يمكن قراءتها على مستويات متداخلة: قصة الحب، والوطن المفقود الذي يستدعيه خالد من منفاه، ثم حكاية القص نفسها والعلاقة بين الصورة والكلمة. هذه المستويات لا تتجاور فقط، بل يعيد كل منها تفسير الآخر.
الحب ينتج كتابة، والوطن يصبح لوحة، والجسد يتحول إلى سجل تاريخي.
هل اللغة الشعرية قوة الرواية أم عبئها؟
لا يمكن الحديث عن "ذاكرة الجسد" من دون التوقف أمام لغتها. نجاح الرواية الجماهيري ارتبط بدرجة كبيرة بقدرتها على إنتاج جمل قابلة لأن تبقى منفصلة في ذاكرة القارئ. اللغة مشحونة بالمفارقات والاستعارات والمقابلات بين الحب والوطن والغياب والذاكرة.
لكن هذه السمة نفسها تفتح بابًا نقديًا مشروعًا. في مواضع كثيرة تتقدم الجملة على الحدث، ويتباطأ السرد لكي يمنح خالد مساحة للتأمل والتذكر. من ينتظر رواية مدفوعة أساسًا بالحبكة قد يشعر أن الصوت الداخلي يحتل مساحة كبيرة.
وهذا ليس خللًا يمكن حسمه بعبارة واحدة. إنه اختيار فني له ثمنه ومكاسبه. كثافة اللغة هي التي سمحت للرواية بتحويل قصة رجل وامرأة إلى شبكة من العلاقات بين الذاكرة والتاريخ، لكنها تجعل الراوي شديد الحضور حتى يكاد كل شيء يمر عبر بلاغته.
وهنا ينبغي ألا نخلط مرة أخرى بين خالد ومستغانمي. قدرة كاتبة على بناء صوت رجل في الخمسين يحمل ذاكرة ثورية وفنية لا تعني أن كل حكم يصدر عنه هو موقفها الشخصي. بل إن المسافة بين الكاتبة والراوي واحدة من أكثر جوانب العمل إثارة. وقد كان بناء هذا الصوت الذكوري تحديدًا من العناصر التي لفتت الانتباه النقدي إلى الرواية.
الحب الذي لم يستطع إنقاذ الوطن
حين نعود إلى السؤال الأول يتضح أن "ذاكرة الجسد" لا تقول ببساطة إن حياة هي الوطن وإن زواجها من رجل آخر يعني سرقة الجزائر من الثوار. مثل هذه القراءة مريحة لأنها تحول الرواية إلى شفرة يمكن حلها مرة واحدة، لكنها لا تترك للشخصيات حقها في التعقيد.
الأقرب أن الحب والوطن يعملان في الرواية كمرآتين متقابلتين. خالد يدخل كل تجربة منهما محملًا بصورة سابقة. يحب الجزائر التي ضحى من أجلها، ثم يصطدم بتحولاتها. ويحب حياة محملًا بتاريخ أبيها ومدينتها وجيله، ثم يصطدم باستقلالها عنه.
في الحالتين، الألم يأتي من المسافة بين المتخيل والموجود.
ولهذا فإن أكثر ما بقي من الثورة في خالد ليس خطابًا سياسيًا بل جسدًا ناقصًا وذاكرة كاملة أكثر مما ينبغي. وأكثر ما بقي من الحب ليس حياة نفسها، بل الكتاب الذي يحاول أن يضعها خارجه فتعود إليه في كل صفحة.
هنا يصبح عنوان الرواية أكثر مرارة. الجسد يتغير، يشيخ، يُصاب، يفقد أعضاءه، لكنه يواصل التذكر. والذاكرة التي كان يفترض أن تحفظ الهوية تستطيع أيضًا أن تمنع الإنسان من العيش خارج الماضي.
ربما كانت مأساة خالد الحقيقية أنه ظل يقيس العالم بما فقده. يقيس الحاضر بالثورة، والمدينة بصورتها القديمة، وحياة بأبيها، والوطن بالشهداء، ونفسه بالشاب الذي كانه قبل بتر ذراعه. ولذلك لا يستطيع أي حاضر أن ينجح تمامًا في امتحانه.
لكن الرواية لا تطلب منا أن نسخر منه لهذا السبب. فالبشر لا يخرجون من التجارب الكبرى كما دخلوها. وبعض الأحداث لا تصبح "ماضيًا" لمجرد أن كتب التاريخ وضعت لها تاريخ بداية ونهاية.
وهذا هو المعنى الأعمق لذاكرة الجسد: التاريخ لا يعيش في الكتب وحدها. يعيش في طريقة الإمساك بفنجان، وفي يد غير موجودة، وفي مدينة نراها من نافذة بعيدة، وفي امرأة نحب فيها أكثر مما تعرف هي عن نفسها، وفي وطن قد نغادره سنوات طويلة ثم نكتشف أنه ما زال يسكن اللغة التي نفكر بها.
لذلك تبقى "ذاكرة الجسد" أبعد من حكاية عاشق خسر امرأة. إنها رواية عن صعوبة أن ينجو الإنسان من الصور الكبرى التي آمن بها في شبابه. انتصرت الثورة، لكن خالد لم يتوقف عن طرح أسئلتها. انتهت قصة الحب، لكنه كتبها. غادر قسنطينة، لكنه ظل يرسم جسورها.
في النهاية، لم يستطع خالد استعادة الوطن ولا المرأة ولا الذراع. ما استطاع استعادته هو الحكاية. وربما تكون الكتابة آخر أرض يستطيع المنفي أن يعود إليها حين تصبح الأمكنة والوجوه نفسها غير قابلة للاستعادة.
برأيك: هل كان خالد يحب حياة بوصفها امرأة كما هي، أم أنه أحب فيها قسنطينة والثورة وشبابه الذي لم يستطع العودة إليه؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق