ربما يكون أكثر ما يثير الفضول بعد مشاهدة «كيرة والجن» ليس مصير أبطاله، بل سؤال أبسط وأصعب في الوقت نفسه: هل كان هؤلاء الأشخاص موجودين فعلًا؟
هل عاش أحمد عبد الحي كيرة الذي نراه في الفيلم متخفيًا بين عالمين، يبدو في أحدهما قريبًا من الإنجليز بينما يعمل في الآخر ضدهم؟ وهل كان عبد القادر شحاتة، المعروف بالجن، ذلك الشاب الصعيدي المندفع الذي تحول إلى واحد من رجال التنظيم السري؟ وماذا عن دولت فهمي، المرأة التي دفعت ثمنًا فادحًا بسبب صلتها بالمقاومة؟
الإجابة القصيرة هي: نعم، وراء هذه الأسماء أشخاص حقيقيون. لكن الإجابة الطويلة أكثر إثارة، لأن «كيرة والجن» ليس درسًا في التاريخ، ولا تسجيلًا أمينًا لكل ما وقع. إنه عمل سينمائي بدأ من شذرات تاريخية حقيقية، ثم أعاد بناء عالم كامل حولها.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة الفيلم ومشكلته الجميلة في آن واحد: كلما بدا العالم الذي نراه مقنعًا، أصبح من الأصعب على المشاهد أن يعرف أين تنتهي الوثيقة وأين يبدأ الخيال.
أولًا: هل كيرة والجن شخصيتان حقيقيتان؟
نعم. أحمد حسن عبد الحي كيرة وعبد القادر شحاتة، المعروف بالجن، ليسا اسمين اخترعهما أحمد مراد من أجل رواية «1919»، التي انتقل منها العمل لاحقًا إلى السينما. كلاهما يرتبط بالتنظيمات السرية التي نشطت في مواجهة الاحتلال البريطاني في السنوات المحيطة بثورة 1919.
وهذه النقطة ضرورية منذ البداية، لأن الفيلم لا يفعل ما تفعله بعض الأعمال التاريخية حين تخترع بطلًا متخيلًا ثم تجعله يمر بجوار الشخصيات الحقيقية. هنا توجد نواة تاريخية فعلية. لكن هذه النواة صغيرة نسبيًا إذا قورنت بالتفاصيل الهائلة التي يحتاج إليها فيلم يمتد قرابة ثلاث ساعات.
المشكلة أن التاريخ لا يمنحنا سيرة يومية كاملة لكيرة والجن. لا يخبرنا بالتفصيل ماذا قالا في كل لقاء، وكيف تشكلت علاقاتهما الشخصية، وما الحوارات التي دارت بين أفراد التنظيم، ولا يقدم لنا بالطبع المشاهد الخاصة التي يحتاج إليها الروائي أو كاتب السيناريو.
لهذا يجب أن نقرأ الفيلم على مستويين: شخصيات وأحداث لها جذور تاريخية، وعالم درامي أعاد المؤلف بناءه حول تلك الجذور.
من كان أحمد عبد الحي كيرة الحقيقي؟
يظهر أحمد كيرة في الفيلم بوصفه رجلًا يجيد لعبة الأقنعة. يستطيع أن يكون شخصًا أمام البريطانيين، وشخصًا آخر داخل التنظيم، ويتحرك بين الطبقات والأماكن بقدر كبير من الحذر. وهذا التكوين ليس منفصلًا تمامًا عن الصورة التي نقلتها المصادر المتداولة عن الرجل الحقيقي.
كان أحمد حسن عبد الحي كيرة من الأسماء المرتبطة بالنشاط السري المناهض للاحتلال البريطاني. وتقدم الروايات التاريخية المتاحة عنه صورة لرجل عاش فعلًا في عالم السرية والمطاردة والتخفي، وهي عناصر تمنح أي روائي مادة مثالية تقريبًا.
لكن علينا هنا أن نكون حذرين. وجود أحمد كيرة تاريخيًا لا يعني أن كل ما يفعله كريم عبد العزيز على الشاشة وقع بالطريقة نفسها. فالفيلم يحتاج إلى شخصية يمكن للمشاهد متابعتها من مشهد إلى آخر، ويحتاج إلى دوافع وعلاقات وصراعات وتفاصيل منزلية وإنسانية، بينما لا توفر الوثائق المتاحة كل ذلك.
ومن هنا يتحول «كيرة» من اسم في التاريخ إلى شخصية روائية وسينمائية كاملة.
لماذا كان التخفي جزءًا أساسيًا من عالم المقاومة؟
قد يبدو للمشاهد المعاصر أن التنكر والاجتماعات السرية وتغيير الأسماء والرسائل المشفرة تنتمي إلى سينما الجاسوسية. لكنها في حالة التنظيمات المناهضة للاحتلال لم تكن مجرد زينة درامية.
العمل السري يقوم أصلًا على الفصل بين الهوية الظاهرة والهوية الحقيقية. الشخص الذي يعرفه الناس في المقهى أو الجامعة أو مكان العمل لا ينبغي بالضرورة أن يكون هو الشخص نفسه الذي تعرفه المجموعة السرية.
وهنا ينجح الفيلم في تحويل فكرة سياسية مجردة إلى حالة إنسانية: ماذا يحدث للإنسان حين يعيش طويلًا باسمين ووجهين وحياتين؟
كيرة لا يخفي نشاطه فقط، بل يضطر إلى إدارة صورته أمام الآخرين. ولذلك تصبح السرية في الفيلم عبئًا نفسيًا أيضًا. فالمقاوم الذي لا يستطيع أن يقول للناس من يكون قد يبدو في نظر بعضهم جبانًا أو متعاونًا أو انتهازيًا، بينما لا يستطيع الدفاع عن نفسه من دون أن يهدم الغطاء الذي يحميه ويحمي رفاقه.
ومن كان عبد القادر شحاتة «الجن»؟
عبد القادر شحاتة شخصية تاريخية كذلك، وارتبط اسمه بالنشاط السري خلال تلك المرحلة. وتشير الروايات المتداولة عن سيرته إلى أنه شارك في العمل المناهض للاحتلال، وأنه دخل في مواجهة مباشرة مع السلطات، وأصبح طرفًا في واحدة من أشهر الحكايات المرتبطة بالتنظيم السري وثورة 1919.
ومن أهم الوقائع المنسوبة إليه تاريخيًا محاولة اغتيال محمد شفيق باشا بعد قبوله منصبًا وزاريًا في ظرف سياسي شديد الحساسية. أُلقي القبض على عبد القادر شحاتة، وأصبح التحقيق معه خطرًا لا عليه وحده، بل على الشبكة التي تقف وراءه.
وهنا تدخل امرأة حقيقية أخرى إلى الحكاية: دولت فهمي.
دولت فهمي: حين تصبح السمعة جزءًا من المعركة
من أكثر الخطوط تأثيرًا في الفيلم خط دولت فهمي، التي تؤدي دورها هند صبري. والسبب ليس فقط ما تتعرض له الشخصية، بل طبيعة التضحية نفسها.
بحسب الرواية التاريخية الأشهر، احتاج التنظيم إلى تفسير يحمي المكان الذي كان عبد القادر شحاتة موجودًا فيه قبل العملية ويمنع التحقيق من الوصول إلى رفاقه. قبلت دولت فهمي أن تقول إن عبد القادر كان معها، وأن بينهما علاقة شخصية.
اليوم قد نقرأ جملة كهذه ولا ندرك فورًا حجم ما تعنيه في المجتمع المصري قبل أكثر من قرن. بالنسبة إلى امرأة في ذلك الزمن، لم يكن الادعاء بوجود رجل غريب معها تفصيلًا عابرًا، بل مخاطرة قد تهدم مكانتها الاجتماعية وحياتها كلها.
ولهذا تصبح قصة دولت أكثر من حكاية مساعدة قدمتها امرأة لرجل مطارد. إنها تكشف أن المقاومة لا تُدفع أثمانها دائمًا بالرصاص والسجون. هناك أثمان أخرى يفرضها المجتمع نفسه.
وتذهب الروايات المتداولة عن مصير دولت فهمي إلى نهاية مأساوية، إذ قُتلت بعد انكشاف الأمر ووصول خبره إلى أسرتها. ومع أن بعض التفاصيل المحيطة بالقصة انتقلت إلينا عبر روايات ومذكرات لاحقة وليست جميع جزئياتها موثقة بالمستوى نفسه، فإن وجود دولت فهمي وصلتها بقضية عبد القادر شحاتة يمثلان جزءًا من النواة التاريخية التي استند إليها العمل.
إذن، ما الذي اخترعه الفيلم؟
هنا ينبغي قلب السؤال قليلًا. بدل أن نسأل عن كل مشهد: «هل حدث فعلًا؟»، ربما يكون الأدق أن نسأل: «ما الذي نعرف أنه حدث فعلًا؟»
فنحن نعرف وجود أحمد كيرة وعبد القادر شحاتة ودولت فهمي ومحمد نجيب الهلباوي تاريخيًا، ونعرف ارتباط هذه الأسماء بعالم المقاومة السرية في تلك المرحلة. كما توجد وقائع أساسية مرتبطة بمحاولة اغتيال محمد شفيق باشا والتحقيق مع عبد القادر شحاتة وشهادة دولت فهمي.
أما كثير من العلاقات الشخصية والحوار والتفاصيل اليومية وتسلسل اللقاءات والمواجهات، وبناء الشخصيات بالشكل المتكامل الذي نشاهده، فهي تنتمي إلى المعالجة الروائية والسينمائية.
وهذا ليس اكتشافًا نخفيه عن الفيلم؛ بل إن أحمد مراد نفسه أوضح أن المعلومات التاريخية المتاحة عن بعض هؤلاء الأشخاص لم تكن تتجاوز صفحات قليلة، وأنه لجأ إلى الخيال لملء المساحات التي سكت عنها التاريخ.
وهذه العبارة تكاد تكون المفتاح الأفضل لفهم «كيرة والجن»: التاريخ أعطى الأسماء وبعض الوقائع، أما الفن فبنى المسافة بين واقعة وأخرى.
لماذا يحتاج الفيلم التاريخي إلى الخيال؟
لو اكتفى الفيلم بما هو موثق يقينًا، فربما حصلنا على مادة تصلح لفيلم وثائقي، لكنها لن تكفي بالضرورة لبناء دراما طويلة.
التاريخ يخبرنا أن شخصًا اعتُقل، مثلًا، لكنه لا يعرف دائمًا ماذا قال لأمه في الليلة السابقة. يخبرنا أن رجلين عملا في التنظيم نفسه، لكنه قد لا يسجل الحوار الأول الذي دار بينهما. ويحتفظ باسم امرأة ضحت من أجل قضية، لكنه لا يمنحنا بالضرورة كل ما شعرت به وهي تتخذ قرارها.
الروائي يدخل إلى هذه المناطق الصامتة.
لكن هنا أيضًا تقع المسؤولية. كلما كان الخيال أكثر إقناعًا، ازداد احتمال أن يتحول في ذاكرة الجمهور إلى «حقيقة تاريخية». وبعد سنوات قد يتذكر المشاهد مشهدًا كتبه السيناريست كما لو أنه قرأه في وثيقة.
لهذا لا ينبغي أن نقيس الفيلم بمقياس الكتاب التاريخي، ولا أن نتعامل معه باعتباره كتابًا تاريخيًا متنكرًا في هيئة فيلم.
ثورة 1919 ليست خلفية جميلة للفيلم
الميزة الأهم في «كيرة والجن» أن ثورة 1919 لا تظهر مجرد تاريخ مكتوب في بداية الشاشة. يحاول الفيلم أن يجعلها مكانًا يعيش فيه الناس: شوارع ومقاهي وبيوت وملابس ولهجات وجنود وحواجز ومظاهرات وخوف وشائعات.
والصورة التاريخية التي تتصدر هذه المقالة تساعدنا على رؤية الفارق بين الأمرين. في الصورة لا يوجد كريم عبد العزيز ولا أحمد عز، ولا إضاءة سينمائية محسوبة، ولا موسيقى تصويرية. هناك وجوه بشرية حقيقية خرجت إلى شوارع القاهرة قبل أكثر من قرن.
هذه الجماهير هي البطل الأكبر الذي يقف خلف الحكاية.
فثورة 1919 لم تكن قصة رجل واحد. اتسعت الاحتجاجات لتشمل فئات ومناطق مختلفة، وأصبحت لحظة وطنية واجتماعية كبرى في التاريخ المصري الحديث. ولذلك فإن اختيار الفيلم التركيز على أفراد يعملون في الظل هو في حقيقته تغيير لزاوية النظر: بدل أن ننظر فقط إلى القيادات المعروفة، ننزل إلى الطبقات الأقل ظهورًا من المقاومة.
لماذا لا يعرف الجمهور كيرة والجن كما يعرف سعد زغلول؟
هذا ربما يكون السؤال الأكثر أهمية الذي يتركه الفيلم خلفه.
التاريخ المدرسي يميل بطبيعته إلى الاختصار. يحتاج إلى أسماء كبيرة وتواريخ واضحة وأحداث يمكن ترتيبها في فصول. لكن الحركات الشعبية لا تعمل بهذه البساطة. وراء الزعيم المعروف أشخاص يطبعون المنشورات، وينقلون الرسائل، ويوفرون المخابئ، ويجمعون المعلومات، ويخاطرون بالسجن، وأحيانًا يموتون من دون أن تصبح صورهم جزءًا من الذاكرة العامة.
لهذا لا يستعيد «كيرة والجن» شخصيتين فقط، بل يطرح سؤالًا عن الطريقة التي نصنع بها ذاكرتنا الوطنية: من الذي يحصل على تمثال، ومن الذي يحصل على سطر، ومن الذي لا يحصل حتى على ذلك السطر؟
كيرة والجن: شخصيتان أم نموذجان؟
سينمائيًا، يبدو الاختلاف بين البطلين مقصودًا. كيرة أكثر حسابًا وتحكمًا في الظاهر، بينما يبدو الجن أكثر اندفاعًا ووضوحًا في انفعالاته. أحدهما تعلم كيف يخفي نفسه، والآخر يحتاج إلى رحلة كي يعيد اكتشاف نفسه.
هذا التضاد يخدم الفيلم أكثر مما يخدم كتابة السيرة التاريخية. السينما تحب الثنائيات: الهادئ والمندفع، الخبير والمبتدئ، العقل والعاطفة. وعندما يلتقي طرفان مختلفان يستطيع الكاتب أن يولد الصراع بينهما حتى وهما يقفان في الجانب نفسه.
لذلك ينبغي ألا نبحث عن تطابق حرفي بين شخصية أحمد كيرة التاريخية وكريم عبد العزيز، أو بين عبد القادر شحاتة التاريخي وأحمد عز. الممثلان يؤديان شخصيتين سينمائيتين لهما أصل تاريخي، وليسا إعادة تصوير فوتوغرافية لشخصين عاشا قبل قرن.
البريطانيون أيضًا ليسوا مجرد خلفية
يحتاج فيلم المقاومة عادة إلى عدو واضح، وهنا تظهر إحدى أصعب مشكلات هذا النوع من السينما. إذا تحول الخصم إلى كتلة شر مطلقة، أصبحت الدراما مسطحة. وإذا تحول الصراع إلى علاقات شخصية فقط، اختفت حقيقة الاحتلال نفسه.
يحاول «كيرة والجن» السير بين الجانبين. هناك شخصيات بريطانية محددة، لكن وجودها يستمد معناه من منظومة أكبر: قوة أجنبية تملك السلاح والمؤسسات والقدرة على الاعتقال والملاحقة.
ومن هنا لا يصبح الصراع مجرد سلسلة من المطاردات والانفجارات. السؤال الأعمق هو: كيف يقاوم أفراد عاديون سلطة أقوى منهم بكثير؟
لماذا يبدو الفيلم أحيانًا كفيلم أكشن حديث؟
لأن صانعيه لم يريدوا تقديم التاريخ بالسرعة التي نتخيل أن الماضي كان يتحرك بها.
الفيلم يستخدم إيقاع المطاردة والمواجهة والمؤثرات البصرية والموسيقى والتشويق، أي لغة السينما الجماهيرية المعاصرة، كي يعيد تقديم مادة عمرها أكثر من قرن. وهنا يمكن أن يختلف المشاهدون: قد يرى بعضهم أن هذا الأسلوب أعاد الحياة إلى التاريخ، بينما قد يرى آخرون أنه يجعل الماضي أحيانًا أقرب إلى فيلم حركة حديث يرتدي ملابس عشرينيات القرن الماضي.
لكن هذا التوتر نفسه مثير للاهتمام، لأن الفيلم كان أمام خيارين: أن يحافظ على مسافة تاريخية تجعله أكثر هدوءًا، أو أن يحاول إدخال المشاهد الحديث إلى قلب الأحداث باستخدام اللغة البصرية التي اعتادها.
وقد اختار بوضوح الطريق الثاني.
القاهرة بوصفها شخصية ثالثة
وراء كيرة والجن توجد شخصية لا يقل حضورها عنهما: المدينة.
المقاهي والشوارع والبيوت والملابس ووسائل النقل واللافتات ليست مجرد ديكور. الفيلم يحتاج إليها كي يقنعنا بأننا انتقلنا إلى عالم آخر. ولذلك كانت إعادة بناء القاهرة القديمة جزءًا جوهريًا من التجربة البصرية.
لكن المدينة تؤدي وظيفة أعمق أيضًا. فهي مكان الاختلاط بين المصري والأجنبي، الغني والفقير، السياسي والعابر، المقاوم والمتعاون. وفي المسافة القصيرة بين المقهى والشارع قد ينتقل الشخص من حياة طبيعية إلى عالم سري كامل.
لهذا تبدو القاهرة في الفيلم مدينة لها وجهان، تمامًا مثل كيرة: وجه معلن ووجه يعمل تحت السطح.
هل «كيرة والجن» فيلم عن ثورة 1919 فعلًا؟
نعم، ولكن ليس بالمعنى المدرسي للكلمة.
من يريد معرفة التسلسل السياسي الكامل للثورة وأسبابها ونتائجها وشخصياتها الرئيسية لن يجد في الفيلم بديلًا عن الكتاب التاريخي. ومن يشاهد الفيلم وحده ثم يفترض أنه أصبح يعرف بالتفصيل ما حدث بين 1919 و1924 سيخلط حتمًا بين التاريخ والدراما.
لكن الفيلم يفعل شيئًا مختلفًا: إنه يحاول منح تلك السنوات ملمسًا بشريًا.
فالاحتلال في الكتب مفهوم سياسي، لكنه في حياة الناس خوف في الشارع، وجندي يقف أمامك، ومعلومة لا تستطيع قولها، وصديق لا تعرف هل تثق به، وبيت قد يتحول إلى مخبأ، وكلمة قد تقود إلى السجن.
حين ينجح الفيلم في نقل هذا الإحساس، فإنه لا يشرح التاريخ بقدر ما يجعلنا نتخيل كيف كان يمكن أن تكون الحياة داخله.
محمد نجيب الهلباوي: الوجه الآخر للحكاية
ومن الشخصيات ذات الأصل التاريخي أيضًا محمد نجيب الهلباوي. وجود شخصية كهذه مهم دراميًا لأن حكايات المقاومة لا تقوم فقط على البطولة، بل على الخوف والمصلحة والانقسام والخيانة أيضًا.
والعمل السري، بطبيعته، يجعل الثقة مسألة حياة أو موت. فالخطر لا يأتي دائمًا من الجندي الذي تستطيع رؤيته؛ قد يأتي من الشخص الذي يعرف الاسم والمكان والموعد.
لهذا يمنح الهلباوي الفيلم فرصة للحديث عن هشاشة التنظيمات السرية: قد تنجح في مواجهة قوة عسكرية، لكنها تظل معرضة للانهيار من الداخل إذا وصل الخصم إلى الحلقة الصحيحة.
الحقيقة التاريخية ليست دائمًا يقينًا كاملًا
هناك إغراء شديد عند الحديث عن الأفلام التاريخية بأن نقسم كل شيء إلى صندوقين: «حقيقي» و«مزيف». لكن التاريخ نفسه أكثر تعقيدًا.
بعض الوقائع موثق بوثائق رسمية، وبعضها يصلنا عبر مذكرات كتبها المشاركون بعد سنوات، وبعضها تنقله كتب لاحقة عن روايات سابقة، وبعض التفاصيل تختلف حولها المصادر.
لذلك فعبارة «القصة الحقيقية لكيرة والجن» ينبغي التعامل معها بحذر. نستطيع تحديد النواة التاريخية، لكننا لا نملك كاميرا كانت تتبع هؤلاء الأشخاص في شوارع القاهرة قبل قرن.
وهذه المساحة الرمادية هي نفسها التي دخل منها الأدب.
من رواية «1919» إلى فيلم «كيرة والجن»
الفيلم ليس اقتباسًا مباشرًا من وثائق ثورة 1919، بل يصل التاريخ إليه عبر وسيط أدبي مهم: رواية «1919» لأحمد مراد.
وهذا يعني أننا أمام ثلاث طبقات لا طبقتين.
هناك التاريخ أولًا، ثم الرواية التي انتقت منه شخصيات ووقائع وأعادت بناءها أدبيًا، ثم السيناريو الذي أعاد بدوره تشكيل الرواية لتناسب السينما.
ولهذا قد يكون البحث عن «مدى دقة الفيلم» وحده مضللًا. فالسؤال الأدق هو: ماذا فعلت كل طبقة بالتي سبقتها؟
الوثيقة تسجل. الرواية تتخيل. والسينما تحول الكلمات والخيال إلى وجوه وأصوات وحركة. ومع كل انتقال، يتغير العمل.
هل نجح الفيلم في إعادة أبطاله المنسيين إلى الذاكرة؟
ربما تكون المفارقة أن كثيرين دخلوا الفيلم من أجل كريم عبد العزيز وأحمد عز، ثم خرجوا وهم يبحثون على الإنترنت عن أحمد كيرة وعبد القادر شحاتة ودولت فهمي.
وهنا يحقق الفيلم شيئًا لا تستطيع كتب كثيرة تحقيقه بسهولة: إنه يعيد فتح ملف أغلقته الذاكرة العامة.
ليس مطلوبًا أن نصدق الفيلم حرفيًا كي نعترف بهذه القيمة. بل ربما تكون أفضل استجابة له هي العكس تمامًا: أن يدفعنا إلى السؤال.
من كان كيرة فعلًا؟ ماذا نعرف عن الجن؟ هل حدثت قصة دولت بهذه الصورة؟ ماذا قالت الوثائق؟ وما الذي أضافه أحمد مراد؟
حين يقود العمل الفني إلى هذه الأسئلة، يصبح بابًا إلى التاريخ بدل أن يدّعي أنه التاريخ نفسه.
ما الحقيقي إذن وما المتخيل؟
الحقيقي هو أن أحمد حسن عبد الحي كيرة وعبد القادر شحاتة «الجن» ودولت فهمي ومحمد نجيب الهلباوي أسماء لها أصل تاريخي، وأن نشاط التنظيمات السرية ضد الاحتلال البريطاني كان واقعًا، وأن عبد القادر ارتبط بمحاولة اغتيال محمد شفيق باشا، وأن قصة دولت فهمي ارتبطت بمحاولة حماية التنظيم أثناء التحقيق.
أما الفيلم كما نشاهده — بتفاصيل العلاقات والحوار وتسلسل كثير من اللقاءات والمواجهات والحياة الخاصة والتكوين النفسي الكامل للشخصيات — فهو بناء درامي انطلق من تلك النواة ووسعها بالخيال.
وهذا التمييز لا ينتقص من الفيلم. على العكس، هو الذي يسمح لنا بقراءته قراءة عادلة: لا نحاكمه لأنه ليس كتاب تاريخ، ولا نأخذ كل ما فيه باعتباره وثيقة.
في النهاية: من يملك الحكاية؟
ربما لا تكمن قوة «كيرة والجن» في أنه أخبرنا بما حدث سنة 1919، بل في أنه جعل أسماءً كانت بعيدة عن الذاكرة العامة تعود إلى التداول بعد أكثر من قرن.
لقد أخذ الفيلم شخصيات بقيت منها في المصادر صفحات قليلة، ومنحها أجسادًا وأصواتًا ووجوهًا ومخاوف وعلاقات. بعض هذه التفاصيل من التاريخ، وبعضها من الأدب، وبعضها ولد أمام الكاميرا.
وهنا تظهر المفارقة التي تصاحب كل دراما تاريخية ناجحة: الخيال الذي قد يبعدنا عن الحقيقة في بعض التفاصيل هو نفسه الذي يعيدنا إلى البحث عنها.
بعد الفيلم لم يعد أحمد كيرة مجرد اسم قديم، ولم يعد عبد القادر شحاتة سطرًا في قصة تنظيم سري، ولم تعد دولت فهمي هامشًا في قضية رجل آخر. عاد هؤلاء، ولو من بوابة السينما، إلى مساحة السؤال.
وربما تكون هذه هي الوظيفة الأجمل للفن حين يقترب من التاريخ: ألا يقول لنا «هكذا حدث كل شيء»، بل أن يجعلنا نشعر بأن وراء الرواية الرسمية بشرًا عاشوا وخافوا وأخطأوا وضحوا، ثم تركوا وراءهم فراغات لا تزال تنتظر من يقرأها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق