اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

المدن تحت القصف: كيف تحولت المدينة إلى بطل في أدب الحرب وسينماها؟

آثار القصف في وسط مدينة كوفنتري صباح اليوم التالي للغارة الجوية الألمانية في نوفمبر 1940
وسط مدينة كوفنتري بعد الغارة الجوية الألمانية في نوفمبر 1940؛ حين لا تعود المدينة خلفية للحرب، بل تصبح إحدى شخصياتها وذاكرتها. تصوير رسمي لوزارة الحرب البريطانية، Taylor (Lt)، Imperial War Museums، ملكية عامة.
حين يصبح البيت والشارع والمقهى والنافذة شخصيات في الحكاية، لا يعود خراب المدينة مجرد خلفية للمعركة

متى تصبح المدينة بطلًا في حكاية الحرب؟ هل يحدث ذلك عندما نعرف اسمها ونرى أبنيتها، أم عندما نشعر أن إصابة شارع فيها تشبه إصابة جسد، وأن اختفاء مقهى أو مدرسة أو نافذة يغيّر حياة الشخصيات مثلما يغيرها موت إنسان؟

في كثير من الحروب القديمة كان التاريخ العسكري يستطيع أن يروي المعركة بأسماء الجيوش والقادة والجبهات. لكن الأدب والسينما اكتشفا شيئًا آخر: الحرب لا تقع في الخرائط وحدها. إنها تدخل البيت، وتعبر المطبخ، وتنتظر في محطة الحافلة، وتصعد الدرج مع السكان، وتغير معنى الطريق الذي كان الإنسان يسلكه كل صباح من دون أن يفكر فيه.

ولهذا تحولت مدن مثل وارسو وكوفنتري ودرسدن وهيروشيما وسراييفو إلى أكثر من أماكن شهدت الحرب. أصبحت لكل مدينة منها صورة ثقافية وذاكرة وسرديات متنافسة. وبعضها صار من الصعب أن يُذكر اسمه في الأدب والسينما من دون أن تحضر معه صورة الخراب، حتى لو أعيد بناء الشوارع واختفت الأنقاض منذ زمن طويل.

لكن اعتبار المدينة بطلًا لا يعني منح الحجر قيمة أكبر من الإنسان. العكس أقرب إلى الحقيقة. فالمدينة تصبح مهمة لأن البشر أودعوا فيها حياتهم. الجدار لا يحزن، والنافذة لا تتألم، والحجر لا يتذكر بالمعنى البشري، لكن الإنسان يتذكر من خلال هذه الأشياء. ولهذا يكون تدمير المدينة تدميرًا لشبكة من العلاقات والعادات والذكريات، وليس مجرد إسقاط مبانٍ من الإسمنت والحجر.


حين يتحول الهدف العسكري إلى عالم يسكنه البشر

الصورة التي تتصدر هذه المقالة التقطت في وسط كوفنتري في صباح أعقب واحدة من أشهر الغارات الجوية على المدن البريطانية في الحرب العالمية الثانية. في ليلة 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1940 تعرضت المدينة لهجوم جوي ألماني كثيف استمر ساعات طويلة. وكانت كوفنتري مركزًا صناعيًا مهمًا ارتبط بصناعة الحرب، ولذلك كان للهجوم هدف عسكري واضح، لكن القصف أصاب في الوقت نفسه النسيج الحضري والسكني للمدينة ودمر أو أضر بعشرات الآلاف من المنازل، كما أصاب كاتدرائيتها التاريخية إصابة جعلت أنقاضها فيما بعد جزءًا من ذاكرة المدينة نفسها.

هذه النقطة مهمة لأنها تمنع القراءة السهلة للحرب. فالمدينة في الحرب الحديثة قد تكون في اللحظة نفسها مركزًا للصناعة ومكانًا للسكن، عقدة مواصلات وحيًا للأطفال، موقعًا عسكريًا وسوقًا للخضار. والخريطة التي يراها المخطط العسكري على هيئة مصانع ومحطات وسكك حديدية يراها ساكن المدينة على هيئة بيت الجيران والمخبز والمدرسة والطريق إلى العمل.

هنا يبدأ الأدب في فعل شيء تعجز عنه الخريطة. يعيد الأسماء إلى التفاصيل. لا يقول إن منطقة سكنية تضررت فقط، بل يدخل شقة واحدة. يرى الكأس على الطاولة، والسرير الذي غادره صاحبه، والصورة العائلية التي انكسر زجاجها، والرسالة التي بقيت تحت الحطام.

بهذا المعنى لا ينافس الأدب كتب التاريخ. إنه يسأل سؤالًا مختلفًا: كيف كان شكل العالم من داخل حياة واحدة حين انهار؟

المدينة ليست الأبنية وحدها

نفهم المدينة عادة من خلال ما نراه: الأبنية، الشوارع، الجسور، الساحات. لكن الحياة الحضرية تتكون أيضًا من أشياء غير مرئية. هناك مواعيد وأصوات وروائح ومسارات متكررة وعلاقات بين الناس والأماكن. يعرف الإنسان أن المخبز في نهاية الشارع، وأن الحافلة تمر في السابعة، وأن المقهى يمتلئ بعد الظهر، وأن نافذة معينة يطل منها جار يعرفه منذ عشرين عامًا.

وحين تأتي الحرب، لا تدمر الحجر فقط. إنها تعيد تعريف هذه العلاقات.

يمكن للشارع الذي كان طريقًا إلى المدرسة أن يصبح منطقة خطر. يمكن للنافذة التي كانت مصدر الضوء أن تصبح مكانًا يخشى الإنسان الاقتراب منه. وقد تتحول ساحة المدينة من مكان للقاء إلى فضاء مكشوف، والمصعد إلى فخ عند انقطاع الكهرباء، والقبو من مساحة مهملة إلى ملجأ يشترك فيه سكان العمارة.

في سراييفو خلال حصار التسعينيات ظهرت هذه المفارقة بأشد صورها. لم تكن الحياة المدنية منفصلة عن الحرب، لأن القصف والقنص دخلا الأنشطة اليومية نفسها. وثقت أحكام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة تعرض مدنيين لإطلاق النار أو القصف أثناء السير وجلب الماء واستخدام وسائل النقل وممارسة تفاصيل الحياة المعتادة. لم تكن الجبهة، بهذا المعنى، تقع بعيدًا عن المدينة. لقد تسللت الجبهة إلى المدينة نفسها.

وهنا يتغير مفهوم البطولة أيضًا. ليس البطل بالضرورة من يهاجم موقعًا عسكريًا. قد يكون فعل الذهاب لجلب الخبز، أو تشغيل صحيفة، أو تقديم عرض موسيقي، أو عبور شارع، فعلًا يحتاج إلى شجاعة لم يكن يحتاج إليها قبل الحرب.

وفي هذه اللحظة يصبح استمرار الحياة اليومية شكلًا غريبًا من أشكال المقاومة. فالإنسان لا يقاوم فقط لكي يبقى حيًا، بل لكي يمنع الحرب من إعادة تعريف وجوده كله.

وارسو: حين يصبح الخراب جزءًا من السيرة

ربما تقدم وارسو واحدًا من أوضح الأمثلة على المدينة التي دخلت الأدب والسينما بوصفها شخصية. فقد مرت العاصمة البولندية خلال الحرب العالمية الثانية بمراحل متتابعة من الاحتلال والعزل والقتل والانتفاضات والتدمير. وبعد انتفاضة وارسو عام 1944 دمرت القوات الألمانية أجزاء واسعة من المدينة بصورة منهجية، حتى دخل مشهد وارسو المهدمة في الذاكرة البصرية لأوروبا بعد الحرب.

لكن الأرقام والصور الجوية لا تشرح وحدها لماذا تبدو المدينة قوية إلى هذه الدرجة في فيلم Roman Polanski الشهير The Pianist.

الفيلم مستند إلى تجربة الموسيقي البولندي اليهودي Władysław Szpilman، لكن وارسو فيه ليست مجرد المكان الذي يختبئ فيه الرجل. إنها تتغير معه. تبدأ مدينة مأهولة بالصوت والحركة والموسيقى، ثم تضيق، وتنقسم، وتُعزل، وتفرغ، وتتحول تدريجيًا إلى مساحة من الجدران المكسورة والنوافذ المفتوحة على الفراغ.

ولهذا يمكن مشاهدة الفيلم كسيرة رجل، لكن يمكن مشاهدته أيضًا كسيرة مدينة تفقد أجزاءها أمام أعيننا.

وقد لاحظت دراسات سينمائية تناولت الفيلم أن بولانسكي يستخدم فضاء وارسو بطريقة تجعل تدمير المكان نفسه جزءًا من السرد، مستعينًا بمواد تاريخية وبصرية في إعادة بناء صورة المدينة. ليس الخراب ديكورًا جميلًا أو خلفية مثيرة للمشهد. كل درجة إضافية من الخراب تقابل مرحلة جديدة من عزلة الشخصية.

حتى الموسيقى تتغير علاقتها بالمكان. البيانو الذي يفترض أن يُسمع يصبح أحيانًا شيئًا لا يستطيع العازف أن يلمسه خوفًا من أن يكشف صوته وجوده. وهكذا تتغير وظيفة الأشياء كما تتغير وظيفة المدينة: ما كان مصدرًا للحياة قد يصبح خطرًا، وما كان بيتًا قد يصبح مخبأً، وما كان شارعًا قد يصبح أرضًا لا يعرف المرء من يراقبها.

المدينة هنا لا تحتاج إلى الكلام لكي تكون شخصية. يكفي أن نراها تفقد قدرتها على أداء وظائفها.

درسدن: حين تصبح ذاكرة المدينة ساحة خلاف

إذا كانت بعض المدن المدمرة تتحول إلى رموز واضحة نسبيًا للضحية، فإن مدنًا أخرى تحمل ذاكرة أكثر تعقيدًا. ودرسدن مثال بارز على ذلك.

تعرضت المدينة الألمانية في فبراير/شباط 1945 لسلسلة غارات بريطانية وأميركية أحدثت دمارًا هائلًا وحرائق واسعة، وقتل فيها نحو خمسة وعشرين ألف إنسان وفق تقديرات لجنة تاريخية مستقلة شكلتها مدينة درسدن بعد عقود. وفي الوقت نفسه كانت ألمانيا النازية قد شنت حربًا مدمرة وارتكبت جرائم واسعة النطاق في أوروبا، وكانت درسدن نفسها جزءًا من دولة تخوض حربًا شاملة، وفيها مرافق نقل وصناعات مرتبطة بالمجهود الحربي.

هذه الحقائق المتجاورة جعلت ذاكرة القصف موضع جدل تاريخي وأخلاقي استمر طويلًا.

وهنا يأتي الأدب ليطرح سؤالًا مختلفًا عن سؤال المخطط العسكري: ماذا يعني أن يستيقظ مدني داخل مدينة تحترق؟

ارتبط اسم درسدن عالميًا برواية Slaughterhouse-Five لكورت فونيغت، الذي كان أسير حرب أمريكيًا في المدينة وقت القصف. لكنه لم يكتب بعد ذلك رواية تاريخية مستقيمة تعيد بناء الغارة دقيقة بدقيقة. صنع بدلًا من ذلك نصًا مكسور الزمن، يمزج الحرب بالخيال العلمي والسخرية والعبث.

وهذا الاختيار الفني ليس بعيدًا عن موضوعنا. فبعض التجارب لا تعود إلى الذاكرة في صورة قصة مرتبة ذات بداية ووسط ونهاية. الصدمة تقطع الزمن. تجعل لحظة قديمة تظهر داخل الحاضر، وتعيد الإنسان إلى حدث انتهى تاريخيًا ولم ينته نفسيًا.

لذلك لا يكون اضطراب السرد مجرد حيلة تجريبية. يمكن أن يصبح شكلًا يحاكي اضطراب الذاكرة نفسها.

وهذه الفكرة نجد لها صدى عربيًا في قراءة نشرها "الورّاق الجزائري" عن شعرية الحرب وتفكيك الخراب عند عبد المنعم المحجوب، حيث يتشظى العالم الشعري إلى صور ومقاطع لأن الحرب نفسها مزقت العلاقات الطبيعية بين الجسد والبيت والشارع والبحر والذاكرة. اختلاف المكان والتجربة لا يلغي التقاطع الفني: حين يصبح الواقع مفككًا، قد تفقد الحكاية هي الأخرى قدرتها على أن تظل مستقيمة.

هيروشيما: هل تستطيع المدينة أن تتذكر؟

في هيروشيما يصبح سؤال المدينة أكثر صعوبة، لأن حدث 6 أغسطس/آب 1945 ارتبط بنوع من الدمار لم يكن له سابقة في تاريخ الحرب: استخدام سلاح ذري ضد مدينة.

بعد الحرب ظهرت أعمال كثيرة تحاول الاقتراب من التجربة، لكن كتاب Hiroshima للصحفي والكاتب John Hersey ظل من أكثرها تأثيرًا. بدلاً من محاولة استيعاب الكارثة من أعلى، تابع هيرسي تجارب ستة ناجين. كانت تلك طريقة في إعادة الإنسان إلى حدث يمكن لحجمه أن يحول البشر بسهولة إلى رقم.

هذا الاختيار مهم. كلما ازدادت الكارثة اتساعًا، أصبح الخطر أكبر في أن تفقد الوجوه أسماءها. تأتي الشهادة لتعيد الاتجاه المعاكس: من العدد إلى الشخص، ومن الخريطة إلى الجسد، ومن المدينة المدمرة إلى إنسان محدد كان موجودًا في مكان محدد حين تغير العالم من حوله.

أما السينما فقد وجدت في هيروشيما سؤالًا آخر: كيف نصور مدينة تحمل حاضرًا طبيعيًا وماضيًا لا يمكن تجاوزه؟

في فيلم Hiroshima mon amour لألان رينيه، الذي كتب نصه مارغريت دوراس، لا تتحول هيروشيما إلى مسرح لإعادة تمثيل الانفجار بطريقة استعراضية. الفيلم منشغل بالذاكرة أكثر من انشغاله بإعادة بناء لحظة التدمير. يضع قصة شخصية وعلاقة عاطفية في مواجهة ذاكرة جماعية هائلة، ويجعل الماضي والحاضر يتداخلان بدل أن يبقيا زمنين منفصلين.

وهذا أحد التحولات الكبرى التي أحدثتها سينما ما بعد الحرب: لم يعد السؤال فقط "ماذا حدث؟"، بل "كيف يعيش ما حدث داخل من بقي حيًا؟".

فالمدينة يمكن أن تُبنى من جديد، لكن ذلك لا يعني أن الماضي اختفى. وقد تكون المدينة الحديثة اللامعة أكثر تعقيدًا في السينما من المدينة المهدمة، لأنها تحمل أثرًا لا يظهر دائمًا على واجهات الأبنية.

حين تتحول الأنقاض إلى صورة جميلة

هنا تظهر مشكلة أخلاقية لا تستطيع سينما الحرب الهرب منها.

الخراب قابل للتصوير بصورة جذابة. جدار منفرد أمام السماء، مبنى بلا واجهة، ضوء يدخل من سقف محطم، دخان يمر بين الأبنية. يستطيع المصور أن يصنع من الدمار تكوينًا بصريًا مدهشًا.

لكن متى يتحول الجمال إلى خيانة لما يصوره؟

لا توجد إجابة بسيطة. فالفن يحتاج إلى شكل، والصورة السينمائية لا تستطيع التوقف عن كونها صورة. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الدمار منفصلًا عن البشر الذين دفعوا ثمنه، وحين تتحول المدينة المهدمة إلى خلفية مثيرة لمغامرة البطل.

هناك فرق بين أن يستخدم الفيلم الخراب لكي يجعل المشاهد يفهم فقدان عالم، وبين أن يستخدمه لكي يمنح مشهد المطاردة مزيدًا من الإبهار.

ويزداد هذا السؤال تعقيدًا في زمن المؤثرات البصرية الحديثة. تستطيع السينما الآن تدمير مدينة كاملة في دقائق، ثم إعادة بنائها في اللقطة التالية. وقد تعود الجمهور على مشاهدة الأبراج وهي تنهار والشوارع وهي تنفجر في أفلام الترفيه حتى صار تدمير المدينة نفسه نوعًا بصريًا مألوفًا.

لكن المدينة الحقيقية ليست نموذجًا رقميًا. كل نافذة فيها تقود إلى حياة، وكل بناية تضم قصصًا لا تظهر في المشهد الواسع.

ولهذا قد تكون أكثر صور الحرب صدقًا أقلها استعراضًا: غرفة فارغة، لعبة على الأرض، باب لا يؤدي إلى شيء، رجل يبحث عن عنوان لم يعد موجودًا.

الشارع الذي يتذكر سكانه

من الخصائص الغريبة للمدينة بعد الحرب أنها تستطيع أن تجمع زمنين في المكان نفسه.

يقف الإنسان أمام مبنى حديث ويعرف أن مبنى آخر كان هناك. يعبر ساحة مزدحمة ويعرف أن أشخاصًا ماتوا في الموقع ذاته. يدخل محطة قطار ويقرأ لوحة صغيرة تخبره أن المكان كان شاهدًا على ترحيل أو حصار أو قصف.

تتحول المدينة هنا إلى أرشيف، لكنه أرشيف غير مكتوب كاملًا. بعضه في المتاحف واللوحات التذكارية، وبعضه في ذاكرة السكان، وبعضه في أسماء الشوارع، وبعضه يختفي مع موت آخر شاهد.

ومن هنا تأتي العلاقة الوثيقة بين المدينة وأدب الذاكرة. الكاتب لا يستعيد المكان لأنه يريد وصف العمارة، بل لأن الذاكرة تحتاج غالبًا إلى مكان لكي تتحرك. نتذكر الإنسان في الغرفة التي كان يجلس فيها، والأم في المطبخ، والصديق في المقهى، والطفولة في الحارة.

ولهذا يمكن أن يكون فقد المكان نوعًا ثانيًا من الفقد. يموت الإنسان مرة، ثم تختفي الأماكن التي كانت تثبت أنه عاش هنا.

في الكتابة العربية، يقدم محمود درويش مثالًا شديد الحساسية لعلاقة الحرب بالتفصيل اليومي والمكان. ففي ذاكرة للنسيان لا يدخل حصار بيروت من بوابة البيان العسكري، بل من تفاصيل مثل إعداد القهوة تحت القصف. وقد تناول "الورّاق الجزائري" هذه العلاقة بين السيرة والمكان والحصار ضمن مقال محمود درويش: حياته وشعره وأشهر قصائده.

اختيار القهوة ليس هامشيًا. الحرب تريد أن تجعل كل شيء استثنائيًا: الانفجار، الخوف، الموت، الانتظار. أما الإنسان فيتشبث بتفصيل عادي لكي يثبت أن حياته لم تتحول كلها إلى لغة الحرب.

أحيانًا يكون الدفاع عن العادي دفاعًا عن الإنسان نفسه.

المدينة بوصفها جسدًا

كثيرًا ما تستعير الكتابة عن المدن لغة الجسد. نقول قلب المدينة، وشرايينها، وروحها، ووجهها. وفي الحرب تصبح هذه الاستعارات أكثر حدة: شارع مقطوع، حي مبتور، مبنى جريح، مدينة تنزف.

قد تبدو اللغة مجرد مجاز، لكنها تكشف شيئًا حقيقيًا في إدراك الإنسان للمكان. نحن لا نعيش المدينة كمجموعة هندسية من الأبنية، بل كامتداد لحركتنا وعلاقاتنا.

حين يغلق جسر، تتغير صلة حي بحي. حين تدمر محطة، تتغير حركة آلاف الناس. حين يسقط سوق، لا تختفي بناية فقط؛ تختفي شبكة من البائعين والزبائن والعادات واللقاءات والروائح والأصوات.

لهذا لا تنتهي إعادة إعمار المدن بترميم الجدران.

يمكن بناء بيت جديد، لكن لا يمكن إعادة طفولة حدثت في البيت القديم. يمكن إعادة فتح شارع، لكن من نجا من قصف وقع فيه قد لا يعبره بالطريقة نفسها. ويمكن زرع شجرة مكان شجرة احترقت، لكن الشجرة الجديدة لا تحمل السنوات التي حملتها الأولى.

الهندسة تعيد المكان إلى العمل. الذاكرة وحدها تعرف ما الذي لم يعد.

لماذا تظل بعض المدن حاضرة في الأدب أكثر من المعارك؟

قد ينسى القارئ اسم معركة وتاريخها، لكنه يتذكر صورة مدينة.

السبب أن المدينة أقرب إلى تجربته من ساحة القتال. معظم الناس لم يقفوا في خندق ولم يقودوا دبابة، لكنهم يعرفون معنى البيت والشارع والمدرسة والمتجر والمستشفى. وحين يرى القارئ هذه الأشياء وقد خرجت من وظائفها الطبيعية، يستطيع أن يقيس حجم الكارثة على عالم يعرفه.

الحرب في الخندق قد تبدو تجربة تخص الجندي. الحرب في المطبخ تقول إن المسافة بين الجبهة والحياة اختفت.

ولهذا كانت صورة المدني واحدة من أهم التحولات في أدب الحرب الحديث. لم يعد الإنسان الموجود خارج المؤسسة العسكرية مجرد شخصية ثانوية تنتظر نتيجة المعركة. أصبح له سرد كامل: كيف يحصل على الماء؟ أين ينام؟ كيف يحمي أطفاله؟ كيف يعيش مع أصوات الانفجار؟ متى يقرر الرحيل؟ وماذا يحمل معه حين يعرف أن البيت قد لا يكون موجودًا عند عودته؟

هذه الأسئلة تحول المدينة إلى بطل لأنها تجعل مصير المكان مرتبطًا بمصير سكانه.

السينما والذاكرة: ماذا ترى الكاميرا بعد انتهاء الحرب؟

هناك فرق بين تصوير مدينة أثناء الحرب وتصويرها بعد سنوات.

الكاميرا التي تصل أثناء القصف تسجل الحاضر: دخانًا، سيارات إسعاف، سكانًا يهربون، مباني محترقة. أما الفيلم الذي يعود بعد عقود فإنه لا يصور الحدث نفسه، بل يصور ذاكرته.

وهنا يواجه المخرج خيارات صعبة. هل يعيد بناء الشوارع كما كانت؟ هل يستخدم المواد الأرشيفية؟ هل يمزج الوثيقة بالتمثيل؟ هل يعرض الجسد المصاب؟ هل يكفي أن يجعل الشخصية تنظر إلى مكان خالٍ؟

في الفيلم الوثائقي تحمل الصورة الأرشيفية سلطة خاصة لأنها تقول للمشاهد: هذا كان موجودًا أمام الكاميرا فعلًا. لكن حتى الوثيقة ليست بريئة تمامًا من الاختيار. هناك شخص اختار أين يضع الكاميرا، وماذا يصور، ومتى يبدأ التسجيل ومتى ينهيه.

أما الفيلم الروائي فيستطيع إعادة بناء ما لم تصوره الكاميرات، لكنه يدخل بذلك منطقة المسؤولية. كلما اقترب من حدث حقيقي، ازداد السؤال عن الحدود بين الضرورة الدرامية والادعاء التاريخي.

ليس مطلوبًا من الفيلم أن يصبح كتاب تاريخ، لكنه مسؤول عن ألا يجعل ما اخترعه يبدو وثيقة إذا كان الفرق مؤثرًا في فهم الحدث.

إعادة البناء لا تعني العودة

أكثر الأفكار إغراء بعد الحرب هي فكرة العودة إلى ما كان عليه العالم. يعاد فتح المدارس، تبنى الجسور، ترتفع البيوت، وتعود السيارات إلى الشوارع. ومن الخارج قد يبدو أن المدينة شفيت.

لكن الأدب يعرف أن الزمن لا يعمل بهذه البساطة.

المدينة التي أعيد بناؤها ليست المدينة نفسها تمامًا، لأن سكانها تغيروا. بعضهم مات، وبعضهم غادر، وبعضهم عاد وهو يحمل ذاكرة مختلفة، وبعض البيوت أصبحت تسكنها عائلات لم تعرف شكلها القديم.

حتى الأنقاض تطرح سؤالًا: هل نهدمها لكي تستمر الحياة، أم نبقي جزءًا منها لكي لا يصبح الإعمار نوعًا من النسيان؟

احتفظت كوفنتري، مثلًا، بأطلال كاتدرائيتها القديمة إلى جوار الكاتدرائية الجديدة، فتحول الدمار من شيء ينبغي إخفاؤه إلى جزء من ذاكرة المكان. وفي مدن أخرى تركت آثار الرصاص والقذائف على بعض الجدران عمدًا. وفي أماكن كثيرة أقيمت متاحف ونصب ولوحات تحمل أسماء من كانوا هناك.

هذه الأشياء لا تعيد الموتى، لكنها تقاوم فكرة أن المدينة تبدأ من تاريخ إعادة بنائها.

فالمدينة لا تتكون فقط مما بقي قائمًا، بل كذلك مما كان هنا واختفى.

من يملك حكاية المدينة؟

بعد كل حرب تقريبًا تبدأ حرب أخرى على الذاكرة.

تظهر الروايات الرسمية، وشهادات السكان، ومذكرات الجنود، وصور الصحفيين، وأفلام المنتصرين والمهزومين، ثم يأتي جيل لم يشهد شيئًا ويعرف المدينة من الكتب والصور.

وهنا لا يعود السؤال: ماذا حدث فقط؟ بل أيضًا: من يختار ما نتذكره؟

قد تحتفظ الدولة بمعركة وتهمش حيًا مدمرًا. وقد تحتفظ العائلة بصورة بيت لا يظهر في أي كتاب. وقد يجعل فيلم ناجح عالميًا شخصية واحدة الوجه الذي يعرف الجمهور من خلاله مدينة كاملة، مع أن آلاف القصص الأخرى بقيت بلا كاميرا.

لهذا لا ينبغي أن نطلب من رواية أو فيلم أن يمنحنا المدينة كلها.

كل عمل يفتح نافذة واحدة. والخطر يبدأ حين نعتقد أن النافذة هي المبنى بأكمله.

هذا ما يجعل القراءة النقدية ضرورية. نحترم قوة الفيلم والرواية، لكننا نميز بين ما توثقهما الذاكرة وما تصنعه الدراما، وبين تجربة الشخصية وتجربة المجتمع كله، وبين الرمز والواقعة.

حين تصبح المدينة هي الناجي

ربما يكون أغرب ما في المدن أنها تستطيع أن تنجو بطريقة لا يستطيعها البشر.

يموت جيل ويأتي جيل. تهدم بناية وتقوم أخرى. يتغير اسم الشارع، وتتحول المحطة، وتختفي السينما القديمة، لكن اسم المدينة يبقى.

لهذا يمكن للمدينة أن تحمل ذاكرة أشخاص لم يعد أحد منهم موجودًا.

ومع ذلك، فالمدينة لا تتذكر وحدها. البشر هم الذين يجعلونها تتذكر. يفعلون ذلك بالقصيدة والرواية والفيلم والصورة واللوحة التذكارية والحكاية التي يرويها الجد للحفيد. وإذا توقفت الحكايات، يصبح الجدار القديم مجرد جدار.

من هنا نفهم لماذا أصبح المكان أحد أهم أبطال أدب الحرب وسينماها. ليس لأنه يستطيع أن يتكلم، بل لأن البشر يتكلمون من خلاله.

وارسو تقول شيئًا من خلال البيوت التي اختفت وأعيد بناؤها. هيروشيما تتحدث من خلال التوتر بين المدينة المعاصرة وذاكرة اللحظة الذرية. سراييفو تتحدث من خلال الشوارع التي كانت في وقت من الأوقات جزءًا من حياة مدنية تحت القصف والقنص. كوفنتري تحتفظ بأطلال كاتدرائية إلى جانب مبنى جديد. ودرسدن ما زالت تجعل مؤرخيها وكتابها وسكانها يناقشون معنى الدمار وكيف ينبغي تذكره.

لكن هذه المدن لا تقول شيئًا واحدًا.

وهذا ربما أهم ما ينبغي أن نتعلمه من أدب الحرب. لا توجد ذاكرة واحدة للمدينة. هناك ذاكرة الطفل الذي اختبأ في القبو، والجندي الذي مر بها، والمرأة التي فقدت بيتها، والمصور الذي سجل الخراب، والمهاجر الذي عاد بعد أربعين عامًا، والجيل الذي وُلد بعد الحرب ولم ير منها إلا الآثار والصور.

وحين يجمع الأدب والسينما هذه الأصوات، لا يعيدان بناء المدينة كما كانت. هذا مستحيل.

إنهما يفعلان شيئًا آخر: يمنعان المدينة القديمة من الاختفاء الكامل.

الخاتمة: الحرب تهدم المكان مرتين

تهدم الحرب المدينة مرة حين تسقط الجدران، وقد تهدمها مرة ثانية حين تختفي حكايات الذين عاشوا بين تلك الجدران.

الخراب الأول تراه الكاميرا. أما الثاني فقد يحدث بصمت.

لهذا لم تصبح المدن أبطالًا في أدب الحرب وسينماها بسبب ضخامة أبنيتها أو شهرة أسمائها، بل لأنها تكشف ما تفعله الحرب بحياة الإنسان حين تصل إلى أكثر الأماكن اعتيادًا. عندها لا يعود السؤال متعلقًا بمن تقدم في الجبهة ومن تراجع فقط. يصبح السؤال: ماذا حدث للبيت؟ ماذا حدث للشارع؟ أين ذهب الجيران؟ كيف تغير معنى النافذة والمطبخ والمدرسة والمقهى؟

المدينة في زمن السلم تمنحنا وهم الاستمرار. نمر في الشارع نفسه ونظن أنه سيبقى هناك غدًا. نترك كتابًا على الطاولة ونحن واثقون تقريبًا أننا سنعود إليه. نغلق باب البيت كما لو أن البيت وعد.

الحرب تكسر هذا الوعد.

ومن هنا تأتي قوة المدينة في الفن. إنها تجعل الكارثة قابلة للإدراك من خلال الأشياء التي نعرفها. فبدل أن تكون الحرب فكرة بعيدة أو رقمًا في كتاب، تصبح بابًا لم يعد موجودًا، ومقعدًا فارغًا، وطريقًا لا يستطيع الطفل عبوره، وبيانو لا يجرؤ صاحبه على العزف عليه.

قد يعيد المهندسون بناء المدينة، وقد تعود المقاهي والحافلات والأشجار. لكن الأدب والسينما يحتفظان بالسؤال الذي لا تستطيع العمارة الإجابة عنه: ماذا كان هنا قبل أن يصبح كل هذا ذاكرة؟

إذا كان بالإمكان إعادة بناء كل حجر تهدم في مدينة بعد الحرب، فهل يمكن حقًا إعادة المدينة نفسها، أم أن جزءًا منها يبقى إلى الأبد في ذاكرة الذين عرفوها قبل الخراب؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق