المشكلة التي يضعنا أمامها فيلم «شيفرة دافنشي» ليست في معرفة من ارتكب الجريمة فقط. فبعد دقائق قليلة من البداية يصبح السؤال أكبر من جثة في متحف اللوفر، وأكبر من سلسلة رموز تركها رجل يحتضر. ماذا لو كانت بعض الأفكار التي تعاملنا معها بوصفها حقائق مستقرة قد بُنيت على رواية واحدة للتاريخ؟ وماذا لو كان خلف اللوحات والكنائس والوثائق تاريخ آخر جرى إخفاؤه؟
هذا السؤال هو سر جاذبية The Da Vinci Code. غير أن قوة السؤال لا تجعل الإجابة التي يقدمها الفيلم صحيحة تاريخيًا. وهنا بالضبط تكمن متعة العمل وخطورته معًا: إنه يأخذ أماكن حقيقية، ولوحات حقيقية، وشخصيات تاريخية حقيقية، ونصوصًا دينية موجودة فعلًا، ثم يصل بينها بخيط روائي شديد الإقناع حتى يشعر المشاهد أن الخيال ربما يكون وثيقة ضائعة.
صدر الفيلم سنة 2006، وأخرجه رون هوارد عن رواية دان براون الشهيرة، وكتب السيناريو أكيفا غولدسمان. يؤدي توم هانكس شخصية روبرت لانغدون، أستاذ علم الرموز، وتؤدي أودري توتو دور صوفي نوفو، خبيرة فك الشيفرات. ومن خلال جريمة تقع في متحف اللوفر، ينطلق الاثنان في مطاردة تمتد من فرنسا إلى بريطانيا، وتتحول تدريجيًا من تحقيق جنائي إلى بحث عن سر يُفترض أنه قادر على زعزعة رواية دينية وتاريخية عمرها قرون.
لماذا تبدو «شيفرة دافنشي» حقيقية إلى هذا الحد؟
لو اخترع الفيلم كنيسة لا وجود لها، ولوحة لفنان متخيل، وجمعية سرية باسم مبتكر، لكان من السهل أن نتعامل معه باعتباره مغامرة خيالية. لكنه يفعل العكس تمامًا. يضع جريمته في متحف اللوفر، ويستدعي ليوناردو دافنشي، ويجعل «الموناليزا» و«العشاء الأخير» جزءًا من شبكة الألغاز، ويتحدث عن فرسان الهيكل ومجمع نيقية والأناجيل غير القانونية ومريم المجدلية.
كل اسم تقريبًا يوقظ في ذهن المشاهد ذاكرة ثقافية سابقة. وهكذا لا يبدأ الخيال من الصفر، بل يستعير سلطة التاريخ.
إنها حيلة سردية شديدة الفاعلية: خذ حقيقة صغيرة يمكن التحقق منها، ضع بجانبها فرضية مثيرة، ثم انتقل منهما إلى استنتاج أكبر. ومع تكرار العملية يصبح من الصعب على المشاهد، ما لم يتوقف للبحث، أن يعرف أين عبر من المعلومة الموثقة إلى التخمين ثم إلى الاختراع الروائي.
لهذا فإن السؤال الصحيح عن الفيلم ليس: هل «شيفرة دافنشي» حقيقية أم كاذبة؟ فهذه صيغة مبسطة أكثر مما ينبغي. السؤال الأدق هو: أي أجزاء الحكاية تنتمي إلى التاريخ، وأيها يقوم على تأويل مختلف عليه، وأيها صُنع أصلًا لخدمة الرواية والإثارة؟
لوحة «العشاء الأخير»: هل المرأة الجالسة قرب المسيح هي مريم المجدلية؟
هذه واحدة من أشهر أفكار «شيفرة دافنشي»، وربما كانت الصورة التي بقيت في أذهان كثير من المشاهد بعد انتهاء الفيلم.
ينظر العمل إلى الشخصية الجالسة إلى جوار المسيح في «العشاء الأخير» ويركز على ملامحها الناعمة وشعرها الطويل، ثم يقترح أنها ليست يوحنا، كما يقول التفسير الفني التقليدي، وإنما مريم المجدلية. ومن هنا يبدأ بناء سلسلة من الدلالات: الفراغ بين الشخصيتين، الهيئة التي يمكن أن توحي بحرف V، وفكرة «المؤنث المقدس» التي يحتل حضورها مكانًا مركزيًا في الحكاية.
المشهد مقنع بصريًا، خصوصًا عندما يعيد الفيلم ترتيب ما نراه ويطلب منا أن ننظر إلى لوحة مألوفة كأننا نراها للمرة الأولى. لكن الإقناع البصري ليس دليلًا تاريخيًا.
الشخصية التي يصورها ليوناردو إلى جوار المسيح تُعرَّف تقليديًا بأنها الرسول يوحنا. كما أن تصوير الشبان بملامح رقيقة وشعر طويل لم يكن أمرًا غريبًا في فن عصر النهضة. لا توجد وثيقة معروفة من ليوناردو تقول إن هذه الشخصية مريم المجدلية، ولا يقدم الفيلم دليلًا تاريخيًا مستقلًا يثبت ذلك.
هنا ينجح العمل فنيًا أكثر مما ينجح تاريخيًا. إنه لا يكتشف امرأة مخفية داخل اللوحة بقدر ما يعلم المشاهد كيف يمكن لتغيير السؤال أن يغيّر ما نعتقد أننا نراه.
وماذا عن الكأس المقدسة؟
في المخيلة الأوروبية التقليدية ارتبط الكأس المقدسة غالبًا بالوعاء الذي استُخدم في العشاء الأخير، ثم أحاطت به عبر القرون حكايات وأساطير متشعبة. لكن «شيفرة دافنشي» تقلب المعنى رأسًا على عقب.
الكأس في الفيلم ليست كأسًا بالمعنى المادي. إنها رمز لمريم المجدلية، وللأنوثة، وللسلالة التي تفترض الحكاية أنها نشأت من علاقة بينها وبين المسيح.
وهذا التحويل من «شيء» إلى «إنسان» واحد من أذكى مفاتيح الرواية والفيلم. فالبحث الذي يبدو في البداية بحثًا عن أثر أثري يتحول إلى بحث عن جسد وذاكرة ونسب.
لكن ينبغي الفصل هنا مرة أخرى بين الرمز الروائي والحقيقة التاريخية. أساطير الكأس المقدسة نفسها تطورت على مدى قرون، وخاصة في الأدب الأوروبي في العصور الوسطى. أما ربط الكأس بمريم المجدلية بوصفها حاملة لسلالة المسيح فليس حقيقة تاريخية أثبتتها وثائق قديمة؛ إنه جزء من منظومة الأفكار الحديثة التي وظفتها الرواية ثم جعلها الفيلم قلب لغزه.
هل تزوج المسيح من مريم المجدلية؟
هنا نصل إلى أكثر ادعاءات الفيلم إثارة للجدل.
لا خلاف جديًا على أن مريم المجدلية شخصية مبكرة ومهمة في التقليد المسيحي. تظهر في المصادر المسيحية القديمة بوصفها من أتباع المسيح، ولها حضور بارز في روايات الصلب والقيامة. كما أن بعض النصوص المسيحية غير القانونية التي ظهرت في القرون الأولى منحتها مكانة لافتة، وهو ما جعل علاقتها بالمسيح وموقع المرأة في المسيحية المبكرة موضوعين مهمين للبحث التاريخي.
لكن الانتقال من هذه المكانة إلى القول إن مريم كانت زوجة المسيح وأنهما أنجبا طفلًا هو انتقال لا تسنده الأدلة التاريخية المتاحة.
لا توجد وثيقة معاصرة معروفة تثبت زواجهما، ولا يوجد دليل تاريخي موثوق على وجود ابنة لهما أو على استمرار سلالة بشرية منهما. بعض النصوص المتأخرة تصور مريم بوصفها تلميذة متميزة أو صاحبة معرفة خاصة، لكن ذلك شيء، وإثبات الزواج والإنجاب شيء آخر تمامًا.
وهنا يعمل الفيلم وفق منطق الرواية البوليسية: غياب الدليل يتحول أحيانًا إلى دليل على نجاح عملية الإخفاء. وهذه آلية سردية جذابة، لكنها تضعنا أمام مشكلة منطقية؛ لأن أي نقص في الوثائق يمكن عندئذ تفسيره باعتباره برهانًا على المؤامرة التي أخفت الوثائق.
هل أخفت الكنيسة حقيقة مريم المجدلية؟
السؤال أكثر تعقيدًا من إجابة بنعم أو لا.
تاريخ صورة مريم المجدلية شهد بالفعل تحولات وتأويلات مختلفة، كما أن دراسة المسيحية المبكرة تكشف تنوعًا أكبر في الجماعات والنصوص والأفكار مما قد يتخيله القارئ غير المتخصص. وقد كانت هناك خلافات حقيقية حول السلطة والعقيدة والنصوص التي اكتسبت لاحقًا مكانة قانونية.
لكن وجود خلافات وتنوع تاريخي لا يثبت تلقائيًا القصة التي يقدمها «شيفرة دافنشي». فالفيلم يجمع أجزاء من تاريخ شديد التعقيد في قصة واحدة ذات خصم واضح وسر واضح وخطة إخفاء مستمرة عبر القرون.
التاريخ الحقيقي أقل أناقة من ذلك. تتصارع فيه المؤسسات والأفكار والجماعات، وتضيع نصوص وتنجو أخرى، وتتغير القراءات بمرور الزمن. أما المؤامرة الروائية فتحتاج إلى مركز قادر على معرفة السر وحمايته أو محوه قرنًا بعد قرن.
والفارق بين الاثنين أساسي: إثبات أن التاريخ شهد صراعًا على السلطة والتفسير لا يعني إثبات وجود المؤامرة المحددة التي يبني عليها الفيلم حبكته.
مجمع نيقية: هل صوّت المجتمعون على ألوهية المسيح؟
يستفيد «شيفرة دافنشي» من اسم تاريخي حقيقي آخر: مجمع نيقية الذي انعقد سنة 325 للميلاد في عهد الإمبراطور قسطنطين.
المجمع حدث تاريخي حقيقي ومهم، وكانت طبيعة المسيح وعلاقته بالله في قلب جدل لاهوتي حاد في ذلك العصر. لكن تصوير المسألة وكأن المسيح كان يُنظر إليه عمومًا قبل نيقية باعتباره مجرد إنسان، ثم قرر قسطنطين ومجموعة من رجال الكنيسة تحويله إلى إله بقرار سياسي، يختزل تاريخًا أكثر تعقيدًا بكثير.
الاعتقاد بمكانة إلهية للمسيح موجود في نصوص وتقاليد تسبق مجمع نيقية بمدة طويلة. الخلاف الذي واجهه المجمع لم يبدأ من سؤال بسيط: «هل المسيح إله أم إنسان؟»، بل دار حول قضايا لاهوتية دقيقة تتعلق بطبيعة العلاقة بين الابن والآب.
كان لقسطنطين دور سياسي مهم في عقد المجمع والسعي إلى إنهاء الخلاف، لكن الفيلم يمنح تلك اللحظة التاريخية وظيفة درامية أكبر: يجعلها نقطة التحول التي تستطيع من خلالها السلطة إعادة كتابة الماضي.
مرة أخرى نجد الأسلوب نفسه: حقيقة تاريخية موجودة، لكن معناها يعاد تشكيله حتى يخدم بنية السر.
هل اختار قسطنطين الأناجيل الأربعة وأحرق البقية؟
هذه أيضًا من الأفكار التي يسهل أن تبقى في ذاكرة المشاهد لأنها تقدم تاريخ الكتب المقدسة كأنه اجتماع سري لاختيار الرواية الرسمية.
كانت هناك بالفعل كتابات مسيحية كثيرة لم تدخل في العهد الجديد، وبعضها معروف اليوم بفضل مخطوطات واكتشافات أثرية ودراسات تاريخية. لكن تكوّن قانون العهد الجديد كان عملية طويلة ومعقدة سبقت قسطنطين واستمرت في جوانب منها بعده.
ولم يكن مجمع نيقية اجتماعًا لاختيار الأناجيل الأربعة من بين عشرات الكتب بناء على رغبة الإمبراطور، كما قد يفهم من البناء الدرامي للحكاية.
هذه نقطة مهمة لأنها تكشف الطريقة التي يعمل بها الفيلم: وجود أناجيل وكتابات مسيحية غير قانونية حقيقة؛ وتحويل وجودها إلى دليل على عملية منظمة لإخفاء زواج المسيح ومريم المجدلية هو الاستنتاج الروائي.
أين تدخل «أخوية صهيون» في الحكاية؟
ربما تكون هذه النقطة أوضح مثال على المسافة بين الوثيقة الظاهرة والحقيقة التاريخية.
في عالم «شيفرة دافنشي»، تبدو Priory of Sion، أو «أخوية صهيون»، جمعية سرية قديمة امتدت عبر القرون وتولى قيادتها عدد من كبار رموز الثقافة الأوروبية، ومن بينهم ليوناردو دافنشي. ومهمتها الكبرى حماية السر المتعلق بمريم المجدلية والسلالة المقدسة.
أما خارج عالم الرواية، فالصورة مختلفة جذريًا.
المنظمة التي حملت هذا الاسم في فرنسا تعود إلى القرن العشرين، وترتبط ببيير بلانتار. أما الوثائق التي استُخدمت لبناء تاريخ قديم للجماعة وربطها بشخصيات شهيرة، فقد انكشف أنها جزء من خدعة حديثة، ووصل الأمر إلى إقرار بلانتار نفسه باختلاق عناصر أساسية من القصة.
وهذا يعني أن أحد الأعمدة التي تبدو في الفيلم كأنها دليل على مؤامرة قديمة هو في الحقيقة جزء من أسطورة حديثة سبقت دان براون، ثم وجد فيها مادة مثالية للرواية.
والأمر مثير أدبيًا: خدعة حديثة تحولت إلى «تاريخ»، ثم دخلت رواية خيالية، ثم وصلت عبر السينما إلى ملايين البشر، فأصبحت لدى بعضهم أكثر حضورًا من القصة الحقيقية للخدعة نفسها.
ليوناردو دافنشي: فنان يخفي الأسرار فعلًا؟
لا يحتاج ليوناردو إلى دان براون كي يبدو غامضًا. الرجل نفسه يكفي لصناعة عشرات الأساطير: رسام وعالم ومهندس ومراقب دقيق للجسد والطبيعة، ترك دفاتر هائلة مليئة بالرسوم والملاحظات، واستخدم الكتابة المعكوسة في جانب كبير منها.
ومن الطبيعي أن يغري هذا كله الثقافة الشعبية بالبحث عن رسائل مخفية.
لكن هناك فرقًا بين وجود رمزية وتعقيد في أعمال ليوناردو وبين الادعاء بأنه ترك منظومة سرية تثبت قصة مريم المجدلية والسلالة المقدسة.
الفن العظيم يسمح بتعدد القراءات. وقد يستطيع الباحث أن يختلف مع باحث آخر حول إيماءة أو توزيع الشخصيات أو البنية الهندسية أو المعنى الرمزي. لكن تعدد التأويلات لا يعني أن كل تأويل حقيقة تاريخية.
وهنا يلعب الفيلم لعبة ذكية مع عين المشاهد: بعد أن يخبرك بوجود سر، تصبح مستعدًا للعثور عليه. تنظر إلى المساحات بين الأجساد، واتجاه الأيدي، وأشكال الحروف المتخيلة، وتبدأ اللوحة في إنتاج الأدلة التي تبحث عنها.
لكن السؤال النقدي الضروري هو: هل كان الدليل موجودًا قبل النظر، أم أن الفكرة التي دخلنا بها إلى اللوحة هي التي صنعت الدليل؟
روبرت لانغدون: المحقق الذي يقرأ الثقافة بدل البصمات
على المستوى السردي، كان اختيار بطل متخصص في الرموز ضروريًا لنجاح الحكاية. فالمحقق التقليدي يبحث عن البصمات والسلاح والشهود، بينما يبحث روبرت لانغدون عن معنى النجمة والخط واللوحة والاسم والرقم.
إنه محقق داخل مكتبة الحضارة.
وهذا ما يمنح الفيلم شخصيته الخاصة. الجريمة لا تقع في مكان فحسب؛ إنها تقع داخل شبكة من النصوص والصور والرموز. ولكي يصل البطل إلى القاتل أو السر عليه أن يقرأ الثقافة نفسها باعتبارها مسرح الجريمة.
أما صوفي نوفو فلا تعمل مجرد مرافقة للانغدون. اسمها نفسه يستدعي «الحكمة»، وموقعها في الحكاية يتحول تدريجيًا من خبيرة تحاول فك رموز جدها إلى إنسانة تكتشف أن اللغز يتعلق بهويتها هي.
وهنا تنتقل الحكاية من سؤال معرفي إلى سؤال وجودي. في البداية تريد صوفي أن تعرف: ماذا كان جدي يحاول أن يقول؟ وفي النهاية يصبح السؤال: من أنا؟
لي تيبنغ: حين يصبح العالم أسير النظرية التي يحبها
تكتسب شخصية السير لي تيبنغ، التي يؤديها إيان ماكيلين، أهمية تتجاوز دورها في دفع الحبكة إلى الأمام. فهو رجل معرفة، يملك الكتب والوثائق والحجج، ويقدم نفسه بوصفه قادرًا على رؤية ما عجز الآخرون عن رؤيته.
لكن الفيلم يقلب موقعه تدريجيًا.
المعرفة التي يفترض أن تحرر الإنسان يمكن أن تتحول إلى سجن حين يصبح صاحبها غير قادر على تصور أن نظريته قد تكون خاطئة. لم يعد تيبنغ يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن كل ما يؤكد الحقيقة التي قررها مسبقًا.
ومن هنا تصبح الشخصية مفتاحًا لقراءة الفيلم نفسه. فـ«شيفرة دافنشي» يتحدث عن المؤامرات، لكنه يتحدث في مستوى أعمق عن إغراء نظرية المؤامرة: المتعة الهائلة التي يشعر بها الإنسان عندما يعتقد أنه ينتمي إلى أقلية ترى ما لا يراه الآخرون.
لماذا نحب فكرة السر الكبير؟
ربما لا تكمن شعبية «شيفرة دافنشي» في مريم المجدلية أو ليوناردو أو فرسان الهيكل وحدهم. هناك رغبة إنسانية أقدم من كل ذلك: الاعتقاد بأن العالم الظاهر ليس العالم كله.
نحن ننجذب إلى الباب المغلق، والوثيقة المفقودة، والغرفة التي لا يسمح لنا بدخولها. وحين تخبرنا قصة بأن عددًا قليلًا من الناس يعرفون الحقيقة بينما يعيش الملايين داخل الوهم، فإنها تقدم لنا إغراء نفسيًا قويًا: فرصة الانتقال من الجمهور إلى دائرة العارفين.
لهذا لا تكفي الحقائق وحدها أحيانًا لهزيمة الأسطورة. الحقيقة تقول: المسألة أكثر تعقيدًا. أما الأسطورة فتقول: هناك سر واحد يفسر كل شيء.
والسر الواحد أكثر إثارة من ألف وثيقة متعارضة.
المرأة التي تحولت إلى ساحة للصراع
بعيدًا عن صحة الادعاء التاريخي المتعلق بزواج المسيح، يطرح الفيلم سؤالًا ثقافيًا يستحق التفكير: كيف كُتبت صورة المرأة داخل التاريخ الديني؟ ومن يمتلك حق تفسير حضورها؟
يستعيد «شيفرة دافنشي» فكرة «المؤنث المقدس» ويجعل إقصاء المرأة جزءًا من روايته عن السلطة. وقد تكون التفاصيل التاريخية التي يستخدمها لإثبات هذه الأطروحة غير موثوقة، لكن السؤال نفسه لا يفقد قيمته بسبب ضعف بعض الأدلة التي تسنده في الفيلم.
فتاريخ المؤسسات الدينية، مثل تاريخ المؤسسات السياسية والثقافية، يمكن أن يُقرأ أيضًا من زاوية السلطة والجندر ومن يملك حق الكلام والتفسير والقيادة.
وهنا يجب ألا نقع في الخطأ المعاكس. رفض الادعاء بأن مريم المجدلية كانت زوجة المسيح لا يعني إنكار أهميتها التاريخية. بل ربما يكون من المفارقات أن اختزالها مرة أخرى في سؤال: «هل كانت زوجة رجل؟» يحجب سؤالًا أكثر إثارة: ماذا تخبرنا المصادر فعلًا عن مكانتها هي؟
الحقيقة والخيال: أين نرسم الخط؟
يمكن تلخيص طريقة الفيلم في ثلاث طبقات.
الطبقة الأولى حقيقية بوضوح: ليوناردو دافنشي شخصية تاريخية، و«العشاء الأخير» لوحة موجودة، ومريم المجدلية شخصية حاضرة في النصوص المسيحية المبكرة، ومجمع نيقية حدث بالفعل، وهناك كتابات مسيحية قديمة خارج العهد الجديد، وفرسان الهيكل جماعة تاريخية حقيقية.
الطبقة الثانية تتعلق بالتفسير: ما دلالة بعض النصوص؟ ما حجم الدور الذي أدته مريم في الجماعات المسيحية المبكرة؟ كيف تشكلت السلطة الدينية؟ وكيف ينبغي قراءة الرموز الفنية؟ هنا توجد أسئلة بحثية حقيقية ومساحات للنقاش.
ثم تأتي الطبقة الثالثة: زواج المسيح من مريم وإنجابهما سلالة استمرت سرًا، وحماية أخوية قديمة لهذه السلالة عبر القرون، وانتماء ليوناردو إليها، وتركه إشارات فنية مقصودة تكشف السر. هنا ندخل قلب البناء الروائي الذي لا تملك الأدلة التاريخية المتاحة ما يكفي لإثباته.
عبقرية «شيفرة دافنشي» أنها لا تضع حدودًا واضحة بين الطبقات الثلاث. إنها تمر من الواحدة إلى الأخرى بسرعة، حتى يشعر المشاهد أن قوة الحقيقة الأولى انتقلت تلقائيًا إلى الفرضية الثانية ثم إلى الحكاية الثالثة.
النهاية: لماذا يعود لانغدون إلى اللوفر؟
في النهاية يكتشف لانغدون المعنى الذي ظل يطارده، ويعود إلى باريس. ومن خلال تفسير جديد للرموز يصل إلى قناعة بأن المكان الذي يبحث عنه موجود تحت الهرم الزجاجي المقلوب في اللوفر.
يركع في المشهد الأخير، بينما تنتقل الكاميرا إلى ما تحت الأرض، حيث يقدم الفيلم صورة توحي بأن سر مريم المجدلية يرقد تحت المتحف.
إنها نهاية شديدة الذكاء بصريًا؛ لأنها تعيدنا إلى نقطة البداية، ولكن بعين مختلفة.
دخلنا اللوفر في أول الفيلم بسبب جثة. ونعود إليه في النهاية بسبب قبر.
في البداية كان المتحف مكانًا لحفظ الفن، وفي النهاية يصبح مكانًا لحفظ السر. وما بين الجثة والقبر مررنا عبر تاريخ كامل من الرموز والكتب والكنائس والدم والمطاردات.
لكن الأهم أن الفيلم لا يحتاج في لحظته الأخيرة إلى إثبات تاريخي. لقد وصل إلى منطقة الرمز الخالص. لانغدون يركع، والصورة تقول ما لا تستطيع الوثائق قوله.
هل أفسدت الأخطاء التاريخية قيمة الفيلم؟
ليس بالضرورة، إذا شاهدناه بوصفه عملًا روائيًا وسينمائيًا لا كتاب تاريخ.
الفن لا يُلزم بأن يكون أطروحة أكاديمية. من حق الكاتب أن يغير ويخترع ويجمع بين الوقائع والأساطير ليصنع عالمه. المشكلة تبدأ عندما تتحول المتعة السردية في ذهن المتلقي إلى شهادة تاريخية.
بل إن جزءًا من القيمة الثقافية للفيلم يأتي من قدرته على دفع الجمهور إلى السؤال. ملايين المشاهدين الذين ربما لم يهتموا سابقًا بليوناردو أو تاريخ المسيحية المبكرة أو مريم المجدلية أو مجمع نيقية وجدوا أنفسهم يبحثون عنها.
لكن البحث الحقيقي يبدأ في اللحظة التي ينتهي فيها الفيلم.
وهذه ربما أفضل طريقة لمشاهدة «شيفرة دافنشي»: لا أن نسأله أن يخبرنا بما حدث في التاريخ، بل أن نراقب كيف يستطيع السرد أن يأخذ قطعًا متناثرة من التاريخ ويصنع منها حقيقة بديلة شديدة الإغراء.
السر الحقيقي في «شيفرة دافنشي»
قد لا يكون السر الأكبر الذي كشفه الفيلم متعلقًا بمريم المجدلية أو بالكأس المقدسة أو بلوحات ليوناردو.
السر الأكثر إثارة هو شيء يخصنا نحن.
نحن نريد أن نصدق أن وراء العالم بابًا سريًا. نريد أن تكون اللوحة أكثر من لوحة، وأن يكون الفراغ بين شخصيتين حرفًا مشفرًا، وأن يكون الخطأ في الوثيقة أثرًا لمؤامرة، وأن تكون الصدفة علامة. فالعالم الذي تحكمه شيفرة خفية يبدو، بطريقة غريبة، أكثر احتمالًا من عالم تحكمه الفوضى والتناقض والمصادفة.
ولهذا بقي «شيفرة دافنشي» في الذاكرة الثقافية. ليس لأنه أثبت أن التاريخ الذي نعرفه مزيف، بل لأنه أظهر مدى سهولة إعادة بناء التاريخ في مخيلتنا عندما تمتزج الحقيقة بالرمز، والوثيقة بالأسطورة، والمعرفة بالرغبة.
وربما يكون دافنشي نفسه أقل غموضًا من العين التي تنظر إلى لوحته بحثًا عن شيء قررت مسبقًا أنه لا بد أن يكون مختبئًا فيها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق