بقلم: الورّاق
الجزائري
تقوم التجربة
الشعرية في النصوص المختارة لخلود المعلا على سمة بارزة هي البحث الوجودي عن
اليقين؛ فالذات الشاعرة لا تتعامل مع العالم بوصفه واقعًا واضحًا ومستقرًّا،
بل تراه فضاءً ملتبسًا، تكثر فيه الأبواب والأسئلة والاحتمالات. ومن هذا الالتباس
تولد حركة داخلية متواصلة، تبدأ بالحيرة والشك، ثم تحاول أن تبلغ الدهشة والمحبة
والصدق بوصفها وسائل لمقاومة العدم.
في قصيدة "مفتاح
من زجاج" يتجسد هذا القلق الوجودي من خلال صورة مفارقة ومكثفة:
مفتاحٌ من زجاج
وألفُ باب
فالمفتاح رمز
للقدرة على الفتح والوصول، لكنه مصنوع من الزجاج؛ أي إنه هشّ، شفاف، وقابل للكسر.
أما الأبواب فكثيرة إلى حدّ يعطّل الاختيار. هكذا تمتلك الذات وسيلةً للخروج،
لكنها لا تعرف الباب الذي ينبغي أن تستخدمها فيه، وربما تخشى أن ينكسر المفتاح قبل
أن تصل. ومن هذه المفارقة تنشأ مأساة النص: ليست المشكلة في غياب الإمكانات، بل في
تعددها وغموضها.
وتزداد الحيرة
عمقًا في قول الشاعرة: "لا داخلَ ولا خارج" حيث تلغي هذه
العبارة الحدود المألوفة بين المكانين، فتحوّل الوقوف أمام الأبواب إلى حالة نفسية
ووجودية. فالذات ليست داخل عالم تطمئن إليه، ولا خارجه بحيث تستطيع تأمله من مسافة
آمنة. إنها عالقة في منطقة وسطى، ويؤكد وحدتها قولها: "ليس في المكان سواي".
حتى الظل والصوت والخطوة تتحول إلى أطراف في حوار الذات مع نفسها؛ فالخطوة "تتردّد"
ثم "تسأل: أي باب؟". وبذلك تمنح الشاعرة فعل الحركة وعيًا مستقلًّا،
فيصبح الجسد نفسه مترددًا أمام مصير لا يعرفه.
هذا التردد لا
يقتصر على قصيدة "مفتاح من زجاج"، بل يعود في قصيدة "غاية"
بصورة يومية أبسط. تريد الذات أن تخرج من سأمها، وتستعيد أدواتها وفرشاة الرسم،
وأن "تلوّن الجدران بالبهجة"، لكنها تتوقف عند سؤال اللون المناسب:
لكنّني ما زلتُ
أفكّرُ
أيُّ الألوان أختارُ لليلةٍ كهذه؟
يتكرر البناء
القائم على الرغبة ثم التعطل: في النص الأول يوجد مفتاح، ولكن لا يُعرف أي باب
يُفتح؛ وفي النص الثاني توجد الفرشاة وإرادة البهجة، لكن اللون لم يُحسم. إن
الاختيار لدى خلود المعلا ليس تفصيلًا عابرًا، بل امتحان للوعي؛ لأن كل اختيار
يحدد شكل العلاقة بالعالم. لذلك تظل الذات على العتبة، تفكر قبل أن تخطو أو تفتح
أو تلوّن. وتؤدي النافذة وظيفة
مشابهة في قصيدة "أمام نافذة بيتنا تهب الريح". فالنافذة حدّ فاصل بين
الذات والعالم، مثل الباب تمامًا، لكنها تتيح الرؤية ولا تتيح النجاة الكاملة. ومن
خلالها ترى الشاعرة الحياة وهي "تتشابك" وتلتف على رئتها، فتغدو الحياة
قوة ضاغطة تكاد تمنع التنفس. غير أن الحب يمنح الذات مركزًا ثابتًا وسط هذا
الاضطراب:
كلُّ ما أعرفه أنَّك
بقلبي
لا يهمُّ ما يحدث غدًا
تكشف عبارة "كل
ما أعرفه" عن حاجة شديدة إلى معرفة يمكن الوثوق بها. فإذا كان الغد مجهولًا
والعالم متشابكًا، يصبح حضور الآخر في القلب يقينًا عاطفيًّا مؤقتًا. والحب هنا
ليس زينة وجدانية، بل وسيلة لمواجهة الخوف من المستقبل.
أما قصيدة "هكذا
أحيا أسطورتي" فتمثل انتقال الذات من سؤال الطريق إلى محاولة صياغة منهج
للحياة. تتكرر أفعال المضارع المتصلة بضمير المتكلم: "أسكن"، "أرى"،
"أخاف"، "أحب"، "أتوق"، "أتحول"، "أتتبع"،
"أتجنب". ويمنح هذا التكرار النص إيقاعًا قائمًا على الحركة والإصرار.
لم تعد الذات واقفة تمامًا أمام الأبواب، بل أخذت تبني أسطورتها الشخصية من خلال
مجموعة من الاختيارات الروحية والأخلاقية.
وعلى الرغم من
قولها: «أخاف اللغة الملونة»، فإن عالمها الشعري يمتلئ بالشمس واللون واللوحات
والوميض والعتمة. ولا يمثل ذلك تناقضًا بقدر ما يكشف موقفًا نقديًّا من الزخرفة؛
فالشاعرة لا ترفض اللون في ذاته، بل تخشى اللغة التي تستخدم الألوان لإخفاء
الحقيقة وإرباك النظر. إنها تبحث عن اللون الدال، مثل "اللون الواحد"
الذي يتكرر في لوحات الفنان، لأنه يقودها إلى فؤاده. فالفن الحقيقي، في تصور النص،
ليس كثرةً في الزينة، وإنما علامة تكشف النواة الداخلية للإنسان.
يتجلى هذا التوجه
أيضًا في الرغبة في الوصول إلى "حقيقة الأشياء" و"نواة الحياة".
فالشاعرة لا تكتفي بسطح العالم، بل تريد رؤية القلوب "من مركزها"، وتبحث
عن الروح التي تضيء العتمة. ومن هنا تتكرر ثنائية النور والظلام: الشمس تدخل
البيوت، والروح تضيء العتمة، والذات تتحول إلى وميض. إن الضوء في هذه النصوص رمز
للمعرفة والكشف، لكنه ليس معرفة عقلية مجردة؛ إذ يتحقق عن طريق الصدق والصداقة
والمحبة ووعي الحواس.
وفي مواجهة العدم
تتخذ الذات موقفًا فاعلًا:
أتحوّلُ إلى حقولِ
محبةٍ في مواجهة العالم
كلّما أزلتُ العدمَ من حولي
وملأتُ خواءَه بالصدق والأصدقاء
تختزل هذه الصورة
رؤية خلود المعلا إلى الوجود. فالعدم لا يُهزم بفكرة فلسفية مجردة، بل بامتلاء
إنساني تصنعه المحبة والصدق والأصدقاء. كما أن التحول إلى "حقول" يوسع
الذات ويخرجها من عزلتها؛ فبعد أن كانت وحيدة أمام ألف باب، تصبح مساحة خصبة قادرة
على المنح والنمو.
لغويًّا، تميل
الشاعرة إلى الجملة البسيطة والصورة الشفافة، وتبتعد غالبًا عن التعقيد البلاغي.
غير أن هذه البساطة تخفي توترًا دلاليًّا عميقًا؛ فالمفتاح الزجاجي، والأبواب،
والنافذة، والفرشاة، واللون، والوميض أشياء مألوفة، لكنها تتحول إلى رموز لأسئلة
الهوية والحرية والاختيار. كذلك يؤدي الاستفهام دورًا محوريًّا؛ إذ تنتهي قصيدتا "مفتاح
من زجاج" و"غاية" بسؤال، وكأن النهاية لا تغلق النص، بل تفتحه أمام
القارئ.
ومع ذلك، فإن النزعة
التأملية تصبح في بعض مواضع "هكذا أحيا أسطورتي» مباشرة، ولا سيما عند
التصريح بقيم مثل الصدق والمحبة واليقين والعدم. وتكون التجربة الشعرية أكثر
توهجًا حين تجسد هذه المعاني في صورة حسية، كما في "مفتاح من زجاج" و"حقول
محبة"، وأقل كثافة حين تقدمها في عبارات تقريرية. لكن تتابع الأفعال وصدق
النبرة يحافظان على الحيوية، ويجعلان القصيدة أقرب إلى بيان شخصي تعيد الذات من
خلاله ترتيب علاقتها بالحياة.
إن السمة الأبرز في
هذه النصوص، إذن، هي تحويل الحيرة الوجودية إلى رحلة نحو يقين إنساني. تبدأ الرحلة بمفتاح هشّ وأبواب كثيرة،
وتمر بسؤال اللون والنافذة التي تهب أمامها الريح، ثم تنتهي بقرار معاودة المسير
والاتكاء على الحواس والمحبة. ولا تدّعي الشاعرة الوصول إلى يقين نهائي؛ فاليقين
عندها أثر يُتتبَّع، لا حقيقة جاهزة تُمتلك. ولهذا تبدو قصائدها مفتوحة على
الاحتمال: إنها تمسك مفتاحها الزجاجي بحذر، وتواصل البحث عن الباب الذي يقودها إلى
نواة الحياة.
اقرأ قصائد خلود المعلا على موقع الديوان انقر هنا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق