اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

هل الراوي يعبر عن رأي الكاتب؟ كيف نميز صوت المؤلف من صوت الشخصية في الرواية؟

كاتب أمام مخطوط تتشكل منه أصوات وشخصيات ترمز إلى استقلال الراوي عن المؤلف
الكاتب يصنع الصوت السردي، لكن الصوت الذي نسمعه داخل الرواية لا يساوي بالضرورة صوت صاحبه.
حين يقول الراوي "أنا"، أو يحكم على الناس والعالم، هل نسمع المؤلف فعلًا أم نسمع شخصية صنعها لكي نرى الرواية من خلالها؟

يقرأ شخص رواية بضمير المتكلم، فيجد الراوي غاضبًا من المجتمع، أو متشائمًا من الحياة، أو متعصبًا لفكرة، أو قاسيًا في حكمه على امرأة أو مدينة أو طبقة اجتماعية. بعد صفحات قليلة قد يقول: هكذا يفكر الكاتب. وقد يذهب أبعد من ذلك، فيبحث في سيرة المؤلف ليثبت أن الشخصية التي تقول "أنا" ليست سوى صورته المقنعة.

هذا الاستنتاج يبدو طبيعيًا، لأن الكلمات خرجت في النهاية من قلم الكاتب. لكنه قد يكون من أكثر الاختصارات تضليلًا في قراءة الرواية. فالروائي يستطيع أن يخلق رجلًا جبانًا من غير أن يكون جبانًا، ومتعصبًا من غير أن يتبنى التعصب، وطفلًا محدود المعرفة من غير أن تكون معرفته محدودة، وشخصية تكذب على الآخرين أو على نفسها من غير أن يكون هو صاحب الكذبة التي ترويها.

الراوي لا يمثل رأي الكاتب تلقائيًا. الكاتب الحقيقي شخص يعيش خارج النص ويصنع الرواية، أما الراوي فهو الصوت الذي اختاره النص لكي تصل الحكاية من خلاله. وقد تتفق بعض أفكار الراوي مع المؤلف، وقد تختلف عنه، وقد لا نستطيع إثبات العلاقة أصلًا. لذلك لا ننسب رأيًا إلى الكاتب لمجرد أن الراوي أو إحدى الشخصيات قالته؛ بل ننظر إلى الرواية كلها وإلى الطريقة التي تعامل بها النص مع ذلك القول.

المسألة إذن ليست مجرد فرق اصطلاحي بين "الكاتب" و"الراوي". السؤال الأهم هو: كيف نعرف أثناء القراءة أن النص يضع مسافة بينهما؟ ومتى نكون أمام صوت يريد منا أن نصدقه، ومتى يكون الراوي نفسه جزءًا من المشكلة التي ينبغي للقارئ أن يكتشفها؟

ثلاثة أشخاص قد نخلط بينهم وهم ليسوا شخصًا واحدًا

البداية الأسهل أن نفصل بين ثلاثة مستويات: الكاتب الحقيقي، والراوي، والشخصية. الكاتب الحقيقي هو صاحب العمل الموجود في العالم خارج الكتاب، وله سيرة وحياة وتجارب وآراء قد نعرف بعضها وقد لا نعرفها. أما الراوي فهو الذي يتولى عملية الحكي داخل النص. والشخصية هي أحد الكائنات التي تعيش في عالم الرواية.

أحيانًا تجتمع وظيفتا الراوي والشخصية في شخص واحد. حين يقول الراوي: "دخلت الغرفة ورأيت الرسالة فوق الطاولة"، فهو في الوقت نفسه شخصية داخل الأحداث وصوت يرويها. لكن هذا لا يجعله الكاتب الحقيقي.

وقد يكون الراوي خارج الحكاية تمامًا، فيقول: "دخل سامر الغرفة ورأى الرسالة". عندئذ لا يظهر بوصفه شخصية، لكنه ما يزال الصوت الذي يقدم لنا الأحداث. ولهذا فإن معرفة الفرق بين أنواع الراوي في الرواية وكيف تعمل وجهة النظر تساعدنا على طرح السؤال الصحيح قبل البحث عن رأي المؤلف: من الذي يتكلم الآن؟ وما مقدار ما يعرفه؟

مثال توضيحي:

كنت الرجل الوحيد في الحي الذي فهم ما كان يحدث. الآخرون جميعًا كانوا يخافون الحقيقة، ولذلك كرهوني.

يمكن أن نقرأ الجملة بسرعة فنصدق المتكلم: إنه أذكى من الجميع وضحية لأنهم لم يفهموه. لكن الرواية قد تكشف بعد صفحات أنه يسيء فهم الآخرين، وأنهم ابتعدوا عنه لأسباب مختلفة تمامًا. عندها يتغير معنى الجملة الأولى. الكلمات لم تتغير، لكن موقعها داخل الرواية تغير: لم تعد شهادة موثوقة عن الواقع، بل أصبحت شهادة عن الطريقة التي يرى بها الراوي نفسه.

هنا تبدأ القراءة السردية الحقيقية. فنحن لا نسأل فقط: ماذا قال؟ بل نسأل أيضًا: ما الذي جعلتني الرواية أعرفه مما لا يعرفه هو؟

إذا قال الراوي "أنا"، فهل يعني ذلك أن الكاتب يتحدث عن نفسه؟

لا. ضمير المتكلم يخبرنا بأن هناك صوتًا يقول "أنا"، لكنه لا يمنحنا بطاقة هوية صاحبه خارج الرواية. وقد يستعير الكاتب لذلك الصوت عمره أو مدينته أو مهنته أو ذكرى حقيقية من حياته، ومع ذلك يبقى الراوي بناءً أدبيًا.

السبب بسيط: السيرة المتشابهة لا تعني التطابق. يمكن للروائي أن يبدأ من واقعة عاشها ثم يغير النتائج والشخصيات والدوافع. ويمكن أن يمنح الراوي شيئًا من لغته، ثم يجعله يتصرف بطريقة لا يقبلها هو. ويمكن أن يوزع أجزاء من تجربته على عدة شخصيات متعارضة، فلا يستطيع القارئ جمعها والقول إن واحدة منها هي المؤلف.

حتى الروايات التي تبدو شديدة القرب من السيرة الذاتية تحتاج إلى هذا الحذر. فوجود تشابه بين حياة الكاتب وحياة الراوي يسمح لنا بدراسة العلاقة بين النص والسيرة إذا كانت لدينا أدلة، لكنه لا يسمح بالقفز مباشرة من "الشخصية قالت" إلى "المؤلف يؤمن".

الأمر يشبه الممثل الذي يؤدي دورًا مقنعًا جدًا. معرفتنا بأن صوته الحقيقي هو الذي نسمعه لا تعني أن كل ما تقوله الشخصية التي يؤديها يمثل آراءه الشخصية. في الرواية المسافة أكثر تعقيدًا، لأن الكاتب هو الذي صنع الكلمات والشخصية والموقف معًا، لكنه يستطيع أن يصنع صوتًا لكي يعرضه للنقد لا لكي يعلن من خلاله موقفه.

كيف تعرف أن الرواية لا تطلب منك تصديق الراوي؟

لا توجد علامة واحدة تصلح لكل الروايات. الرواية فن قادر على المراوغة، وقد تتعمد إبقاء المسافة غامضة. ومع ذلك توجد إشارات عملية يستطيع القارئ مراقبتها.

حين تناقض الوقائع ما يقوله الراوي

لنفترض أن الراوي يكرر طوال الرواية أنه أب مثالي، لكننا نراه يهمل أبناءه، ويغيب عنهم، ولا يعرف شيئًا عن مخاوفهم. ليست المشكلة هنا أن شخصية أخرى وصفته بأنه أب سيئ؛ فالآراء قد تتصارع. العلامة الأقوى أن الأحداث التي يعرضها النص نفسه لا تنسجم مع الصورة التي يقدمها عن ذاته.

كلما اتسعت الفجوة بين ما يقوله الراوي عن نفسه وما تكشفه أفعاله صار من الضروري أن نفصل صوته عن المعنى الذي تبنيه الرواية ككل.

حين يعرف القارئ أكثر مما يعرف الراوي

قد يكون الراوي صادقًا تمامًا، لكنه محدود المعرفة. الطفل الذي يحكي حدثًا عائليًا يمكن أن يصف ما يراه بدقة، بينما يفهم القارئ البالغ من الإشارات شيئًا لا يستطيع الطفل فهمه. في هذه الحالة لا نحتاج إلى وصف الراوي بالكاذب. إنه يخبرنا بالحقيقة كما يستطيع رؤيتها، لكن الرواية تتيح لنا أن نرى حول رؤيته.

وهذه من أجمل إمكانات السرد: يستطيع المؤلف أن يجعل الصوت الذي يروي أقل فهمًا من القارئ الذي يستمع إليه.

حين تكشف اللغة تحيزًا لا تؤيده الأحداث

قد يصف الراوي شخصًا بأنه كسول أو حقود أو ضعيف، ثم نكتشف في المشاهد أن تلك الشخصية تتصرف بطريقة مختلفة. هنا علينا أن نفرق بين الوصف وبين الحقيقة الروائية. فكلمة "جبان" التي يطلقها راوٍ غاضب ليست تقريرًا محايدًا لمجرد أنها وردت في النص.

الرواية ليست محكمة تضع الخلاصة في فم أول صوت نسمعه. كثيرًا ما تكون مهمتنا أن نلاحظ التوتر بين الكلمات والأفعال.

حين يسخر النص من الراوي من وراء ظهره

يستطيع الراوي أن يقول شيئًا جادًا تمامًا بينما تجعلنا الرواية نراه بصورة ساخرة. قد يتباهى بذكائه ثم يقع باستمرار في أخطاء واضحة. وقد يتحدث عن شجاعته ثم يهرب عند أول اختبار. هو لا يمزح، لكن ترتيب المواقف يجعل كلامه مفارقًا لما نراه.

في هذه الحالة تصبح المفارقة واحدة من أوضح العلامات على المسافة بين الصوت الذي يتحدث والبناء الأوسع للعمل.

الراوي غير الموثوق لا يعني الراوي الكاذب فقط

من المفاهيم التي تساعد على فهم هذه المسافة مفهوم "الراوي غير الموثوق". وقد ارتبط المصطلح بصورة أساسية بالناقد الأمريكي واين بوث في كتابه The Rhetoric of Fiction الصادر أول مرة سنة 1961.

لكن وصف الراوي بأنه غير موثوق لا يعني بالضرورة أنه يجلس متعمدًا اختراع الأكاذيب. قد يكون كاذبًا فعلًا، لكن قد يكون أيضًا مخدوعًا، أو محدود الخبرة، أو متحيزًا، أو غير قادر على فهم نفسه، أو واقعًا تحت ضغط ذاكرته ورغباته.

مثال توضيحي:

لم أكن أغار من أخي قط. كنت فقط أريد أن يفهم أبي أنني الأحق بإدارة العمل، ولذلك اضطررت إلى كشف أخطاء أخي كلما ارتكبها.

ربما يكون الرجل مقتنعًا فعلًا بأنه لا يشعر بالغيرة. لكن طريقة تبريره لأفعاله قد تجعل القارئ يشك في معرفته بنفسه. هنا عدم الموثوقية نفسي قبل أن يكون كذبًا متعمدًا.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن القارئ الذي يبحث فقط عن "الكذبة" قد يفوته نوع أكثر تعقيدًا من السرد: شخص يقول ما يعتقد أنه الحقيقة، بينما تكشف الرواية أن إدراكه نفسه ناقص.

وماذا عن الشخصية؟ هل كلامها يمثل الكاتب؟

الخطأ نفسه يحدث مع الشخصيات التي لا تروي الرواية. تقول شخصية رأيًا حادًا، فيُقتطع من سياقه ويُنسب إلى صاحب الكتاب.

لكن الرواية تقوم أصلًا على إمكانية وجود أصوات متعارضة. يستطيع روائي أن يضع في الصفحة نفسها رجلًا مؤمنًا بفكرة، وآخر يسخر منها، وثالثًا مترددًا بينهما، من دون أن يكون مضطرًا إلى أن يكتب تحت الحوار: "هذا هو رأيي الشخصي".

ولو اضطر كل روائي إلى جعل جميع شخصياته تتحدث بما يؤمن به هو، لفقدت الرواية جزءًا أساسيًا من قدرتها على خلق بشر مختلفين عنه وعن بعضهم.

ولهذا فإن فهم عناصر الرواية وعلاقة الشخصيات والراوي والحبكة بعضها ببعض يمنعنا من اقتطاع صوت واحد من هذا النظام المركب والتعامل معه باعتباره بيانًا شخصيًا للمؤلف.

لكن هل يعني ذلك أن الكاتب غير موجود في روايته؟

لا ينبغي أن نقع في الخطأ المعاكس. القول إن الراوي ليس الكاتب لا يعني أن المؤلف لا أثر له في النص، أو أن الرواية ظهرت وحدها بلا اختيارات بشرية.

الكاتب هو الذي اختار هذا الراوي دون غيره. وهو الذي قرر ماذا يعرف، وماذا يجهل، ومتى يتكلم، ومتى يصمت، وأي شخصية سيقترب منها، وأي حدث سيُروى وأي حدث سيبقى خارج الصفحة. حتى حين يكون الراوي متحيزًا، فإن وضع هذا التحيز داخل الرواية اختيار فني.

لذلك السؤال الأكثر دقة ليس: "هل المؤلف موجود أم غائب؟"، بل: كيف تظهر اختياراته في تنظيم الأصوات، من غير أن نساوي بينها وبين تصريحاته الشخصية؟

هذا الفرق يسمح لنا بأن نقرأ الرواية بوصفها بناءً لا اعترافًا. فالمؤلف قد يكشف رؤيته من خلال العلاقات بين الأحداث، أو النتائج التي تصل إليها الشخصيات، أو المفارقات التي يصنعها، أو الأصوات التي يضعها في مواجهة بعضها، لا من خلال جملة واحدة يقولها راوٍ.

الكاتب الحقيقي والكاتب الضمني: لماذا ظهر مصطلح آخر؟

هنا يدخل مصطلح نقدي أكثر تعقيدًا هو "الكاتب الضمني" أو Implied Author. اقترحه واين بوث لكي يميز بين الإنسان الحقيقي الذي كتب الكتاب وبين الصورة التي يستنتجها القارئ عن القيم والاختيارات التي تنظم العمل.

يمكن تبسيط الفكرة هكذا: نحن لا نعرف الكاتب الحقيقي كاملًا من خلال الرواية. لكننا، ونحن نقرأ، نشعر أن هناك عقلًا اختار أن يبدأ من هذا المشهد، ويمنح هذه الشخصية مساحة أكبر، ويسخر هنا، ويتعاطف هناك، ويرتب النهاية على نحو معين. الصورة التي نبنيها لهذا المبدأ المنظم سمّاها بوث الكاتب الضمني.

لكن المصطلح ليس قاعدة متفقًا عليها بين جميع نقاد السرد. بعض الدارسين وجدوه مفيدًا، وخصوصًا في تفسير المسافة بين الراوي والقيم التي يبدو أن العمل ككل يتبناها. وآخرون رأوا أنه يضيف كيانًا نظريًا يمكن الاستغناء عنه أو يصعب تحديده بدقة.

لذلك من الأفضل استخدامه أداةً للفهم لا شخصًا خفيًا نتخيله واقفًا خلف الراوي. الكاتب الضمني، في هذا المعنى، ليس صوتًا آخر يتحدث داخل الرواية، وليس نسخة سرية من المؤلف الحقيقي؛ إنه اسم لطريقة نستدل بها من مجموع اختيارات النص على صورة معينة للقيم والرؤية التي ينظم بها العمل نفسه.

المستوى ما المقصود به؟ أين يوجد؟
الكاتب الحقيقي الشخص الذي ألّف الرواية خارج النص وفي العالم الواقعي
الراوي الصوت الذي يروي الحكاية داخل البنية السردية
الشخصية شخص يعيش ويتصرف داخل عالم الرواية داخل الحكاية
الكاتب الضمني صورة يستنتجها القارئ من مجموع اختيارات العمل وقيمه مفهوم نقدي يستخلص من النص ككل

تعدد الأصوات يجعل البحث عن "رأي الكاتب" أصعب

تصبح المسألة أكثر وضوحًا في الروايات التي توزع الحكاية بين عدة أصوات. إذا روى الحدث ثلاثة أشخاص، فقد يراه الأول خيانة، والثاني ضرورة، والثالث سوء فهم. لا نستطيع أن نختار أحدهم اعتباطًا ونقول إنه المتحدث الرسمي باسم المؤلف.

اختلاف الأصوات قد يكون هو المعنى نفسه. فالرواية تقول لنا أحيانًا إن الحقيقة لا تصل إلى الإنسان كاملة، وإن الحدث الواحد يتغير بحسب موقع من عاشه وذاكرته ومصلحته وخوفه.

ويمكن ملاحظة أهمية توزيع المعرفة بين الأصوات في قراءة رواية "دموع فينيس"، حيث تقوم بنيتها على الانتقال بين الأزمنة وتوزيع الحقيقة بين أكثر من صوت وتجربة. هنا لا تصبح القيمة في العثور على شخص واحد نقول إنه يحمل "كلام الكاتب"، بل في رؤية ما ينشأ من الحوار والتوتر بين الأصوات المختلفة.

الرواية المتعددة الأصوات تعلمنا شيئًا أساسيًا: الرأي الموجود داخل العمل ليس بالضرورة رأي العمل نفسه.

اختبار عملي: كيف تقرأ جملة مثيرة للجدل في رواية؟

لنفترض أنك وجدت في رواية جملة تقول:

الناس لا يفعلون الخير إلا عندما ينتظرون مقابله شيئًا.

قبل أن تقول "الكاتب يعتقد أن البشر أنانيون"، جرّب المرور بخمس خطوات.

أولًا: من قال الجملة؟
هل قالها الراوي؟ أم شخصية داخل حوار؟ وإذا كان الراوي هو القائل، فهل هو شخصية مشاركة في الأحداث أم صوت خارجي؟

ثانيًا: ما الذي نعرفه عن صاحب القول؟
ربما قيلت الجملة على لسان رجل تعرض للخيانة للتو. عندها تصبح العبارة تعبيرًا عن حالته النفسية بقدر ما هي حكم على البشر.

ثالثًا: هل تؤيد الأحداث كلامه؟
إذا كانت الرواية مليئة بشخصيات تساعد الآخرين بلا مقابل، فقد تكون الوقائع نفسها تفكك تعميمه.

رابعًا: هل توجد أصوات أخرى تعارضه؟
لا يكفي أن نعد الأصوات ونرى أيها أكثر عددًا، لكن وجود مواقف مختلفة يمنعنا من تحويل جملة واحدة إلى بيان للمؤلف.

خامسًا: ماذا يحدث للرأي داخل البنية الكاملة؟
ربما يبدأ الراوي مؤمنًا بهذا الحكم ثم تتغير رؤيته في النهاية. إذا اقتطعنا الجملة من الفصل الثاني، فقد ننسب إلى الرواية موقفًا قضت بقية الرواية في اختباره وتغييره.

هذه الخطوات لا تعطينا آلة تكشف "النية الحقيقية" للكاتب، لكنها تمنع الخطأ الأسهل: مساواة كل كلام في العمل بصاحبه.

أربع حالات يكثر فيها الخلط بين الكاتب والراوي

الحالة الأولى: التشابه السيري. الراوي يحمل مهنة الكاتب أو مدينته أو بعض أحداث حياته. التشابه يستحق الدراسة، لكنه دليل على علاقة محتملة لا على تطابق كامل.

الحالة الثانية: ضمير المتكلم. كلمة "أنا" شديدة الإقناع نفسيًا، لأنها تجعل الصوت يبدو حاضرًا أمامنا. لكنها أداة سردية قبل أن تكون إعلان هوية.

الحالة الثالثة: الراوي العليم. قد يظن القارئ أن الصوت الذي يعرف أفكار الشخصيات ويتحدث بثقة هو المؤلف نفسه. لكن المعرفة الواسعة وظيفة سردية أيضًا، ولا تحول الراوي تلقائيًا إلى الشخص التاريخي الذي ألّف الكتاب.

الحالة الرابعة: الرأي الصادم. كلما كان الكلام مثيرًا للجدل، زادت الرغبة في معرفة "هل هذا رأي الكاتب؟". لكن الصدمة لا تلغي قواعد القراءة. قد تكون الرواية تعرض رأيًا لكي تكشف نتائجه أو تناقضه أو تجعل صاحبه موضع مساءلة.

هل نستطيع أحيانًا أن نقول إن الرواية تتبنى موقفًا ما؟

نعم، لكن الطريق إلى ذلك أعقد من اقتباس جملة.

قد تتراكم في العمل إشارات تجعل قراءة معينة قوية: طريقة بناء الشخصيات، اتجاه المفارقة، نتائج الأفعال، تكرار صور بعينها، طبيعة النهاية، توزيع التعاطف، والبنية التي تضع بعض الأحكام تحت الاختبار وتمنح أحكامًا أخرى تأييدًا مستمرًا.

عندئذ يمكننا أن نتحدث بحذر عن القيم التي يبدو أن العمل ينتظم حولها. ومع ذلك يبقى الانتقال من "الرواية تبني موقفًا" إلى "المؤلف الحقيقي في حياته الشخصية يؤمن بهذا الموقف بكل تفاصيله" انتقالًا آخر يحتاج إلى أدلة خارج النص إذا أردنا إثباته.

الفرق هنا صغير في العبارة لكنه كبير في المنهج. النقد الأدبي يملك النص، أما حياة الكاتب ونواياه وتصريحاته فهي مادة أخرى ينبغي التحقق منها بوسائل أخرى.

وماذا إذا صرح الكاتب بأنه يشبه الراوي؟

تصريح الكاتب مهم، ولا ينبغي تجاهله، لكنه لا يمحو الفرق بين الشخصين. قد يقول الروائي إن الشخصية أخذت الكثير من تجربته، أو إن حادثة معينة حدثت له فعلًا. هذا يساعدنا على دراسة مصادر العمل، لكنه لا يجعل كل تفصيل متطابقًا.

بل إن الكاتب نفسه قد يغير تجربته حين يحولها إلى أدب: يختصر سنوات، يدمج شخصين في شخصية واحدة، ينقل حادثة من مدينة إلى أخرى، يخترع نهاية لم تقع، أو يمنح الراوي فهمًا مختلفًا لما حدث.

الأدب لا يصبح تقريرًا صحفيًا لمجرد أن مادته الأولى جاءت من الحياة.

لماذا يحتاج الكاتب أصلًا إلى صوت لا يشبهه؟

لأن الرواية لا تريد دائمًا أن تخبرنا بما يعرفه المؤلف. أحيانًا تحتاج إلى أن تجعلنا نعيش حدود شخصية ما.

لو كانت الرواية عن طفل وسط حرب، فقد يكون جهل الطفل بمعنى بعض الأحداث أكثر تأثيرًا من شرح المؤلف الكامل لها. ولو كانت عن رجل يخدع نفسه، فإن إعطاءه صوت السرد يسمح لنا بأن نعيش داخل منطقه قبل أن نكتشف عيوبه. ولو كانت عن جريمة، فقد يكون حجب المعلومات بواسطة راوٍ محدود المعرفة جزءًا أساسيًا من تجربة القراءة.

المسافة بين الكاتب والراوي ليست عقبة تعوق فهم الرواية؛ إنها واحدة من الأدوات التي تصنع الرواية.

ولهذا لا يكفي أن نسأل عمن يتحدث. ينبغي أن نسأل أيضًا: لماذا اختار الكاتب أن يجعل هذا الشخص بالذات يتحدث؟ ماذا كان سيختلف لو رُويت الحكاية على لسان شخصية أخرى؟ ماذا نرى بسبب هذا الصوت، وماذا يُحجب عنا بسببه؟

الخطأ ليس في البحث عن الكاتب، بل في البحث عنه في المكان الخطأ

من الطبيعي أن يثير العمل فضولنا تجاه صاحبه. وحياة الكتّاب قد تفتح أحيانًا أبوابًا مهمة لفهم التاريخ والسياق وتجربة الكتابة. المشكلة تبدأ عندما نختصر العلاقة المعقدة بين الحياة والنص في معادلة بسيطة: الشخصية = المؤلف، أو الراوي = المؤلف.

قد يكون أثر الكاتب أعمق بكثير من رأي مباشر يضعه في فم شخصية. قد يظهر في الطريقة التي رتب بها العالم الروائي، وفي الأشياء التي جعل شخصياته تخسرها، وفي اللحظات التي منحها الصمت، وفي الأصوات التي سمح لها أن تتعارض من غير أن يمنح أيًا منها الكلمة الأخيرة.

القراءة التي تميز بين الكاتب والراوي لا تبعد الإنسان الذي كتب الرواية عن نصه، بل تمنعنا من اختزاله في إحدى الشخصيات التي خلقها. وفي الوقت نفسه تمنح الراوي حقه بوصفه كائنًا فنيًا له ذاكرة ومصلحة وزاوية نظر وحدود.

عندئذ تصبح الجملة الروائية أكثر ثراءً. بدل أن نسأل فورًا "هل هذا رأي الكاتب؟"، نبدأ بسؤال أكثر دقة: من يقول هذا، ولماذا يقوله بهذه الطريقة، وما الذي تفعله الرواية بكلامه؟

وربما تكون إحدى علامات القارئ الذي تجاوز القراءة الأولى أنه لم يعد يصدق الصوت لمجرد أنه يتكلم بثقة، ولم يعد يتهم المؤلف بكل ما تقوله شخصياته، بل أصبح ينظر إلى المسافة بين الأصوات بوصفها جزءًا من المعنى.

فإذا أخبرك راوٍ في الصفحة الأولى أنه أكثر الشخصيات صدقًا في الرواية، ما أول شيء ستبحث عنه في الصفحات التالية قبل أن تصدقه؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق