هناك روايات تبدو وكأنها تنتظر السينما. أما «العطر» لباتريك زوسكيند فتبدو، للوهلة الأولى، وكأنها كُتبت لتقاومها. فالمادة التي يقوم عليها عالم الرواية ليست اللون ولا الحركة ولا حتى الصوت، بل الرائحة؛ ذلك الحضور الذي يستطيع الكاتب أن يستدعيه بالكلمات، بينما تقف الشاشة أمامه عاجزة عن إطلاق رائحة واحدة إلى صالة العرض.
وهنا تبدأ المفارقة الحقيقية في فيلم Perfume: The Story of a Murderer، الذي أخرجه توم تيكفر عام 2006 عن رواية زوسكيند الشهيرة. السؤال ليس فقط: هل نجح الفيلم في نقل الرواية؟ بل سؤال أكثر إثارة: ماذا يحدث لعمل أدبي يقوم جوهره على حاسة لا تملك السينما وسيلة مباشرة لمخاطبتها؟
لقد استطاع الفيلم أن يصنع عالمًا بصريًا مدهشًا، وأن يمنح باريس القرن الثامن عشر جسدًا من الطين والعرق والدم والفاكهة والعطور. لكنه في اللحظة نفسها اضطر إلى تحويل تجربة داخلية شديدة الخصوصية إلى صور يستطيع الجميع رؤيتها. وربما كان هذا النجاح البصري نفسه هو موضع الخسارة.
من هو جان باتيست غرونوي؟
يولد جان باتيست غرونوي في أكثر الأماكن بعدًا عن الرومانسية: سوق للأسماك في باريس، وسط الروائح المتعفنة والقاذورات والموت. لكنه يمتلك منذ البداية قدرة تكاد تكون خارقة؛ يستطيع أن يشم العالم بدقة لا يملكها البشر العاديون.
بالنسبة إلينا، تتكون المدينة من الشوارع والوجوه والأصوات. أما بالنسبة إلى غرونوي، فهي خريطة من الروائح. يستطيع أن يميز الإنسان والماء والحجر والخشب والدخان والجلد والفاكهة، وأن يفصل الروائح المختلطة بعضها عن بعض كما يفصل الموسيقي أصوات الآلات داخل أوركسترا ضخمة.
لكن زوسكيند يمنح بطله مفارقة قاسية: الرجل الذي يستطيع شم كل شيء تقريبًا لا يملك هو نفسه رائحة بشرية خاصة به.
هذه ليست تفصيلة غرائبية فحسب. إنها مركز الشخصية كلها. فغرونوي قادر على إدراك العالم، لكنه عاجز عن أن يترك فيه العلامة الطبيعية التي يتركها كل إنسان. إنه موجود جسديًا، لكنه غائب على مستوى الرائحة؛ ولذلك تتحول رحلة البحث عن العطر إلى رحلة لصناعة هوية لم تمنحها له الطبيعة.
هل قصة فيلم العطر حقيقية؟
لا. جان باتيست غرونوي ليس قاتلًا متسلسلًا حقيقيًا استخرج عطورًا من أجساد ضحاياه، والقصة ليست إعادة بناء لملف جنائي فرنسي قديم. الفيلم مأخوذ عن رواية Das Parfum التي نشرها الكاتب الألماني باتريك زوسكيند في ثمانينيات القرن العشرين، وشخصيتها المركزية متخيلة.
لكن الخيال يتحرك داخل بيئة تاريخية لها أساس واقعي. فرنسا في القرن الثامن عشر، عالم الحرف والعطور، وأساليب استخلاص الروائح، ومكانة مدينة غراس في صناعة العطور، كلها تمنح الحكاية أرضًا تاريخية مقنعة. وهنا تكمن إحدى حيل الرواية والفيلم معًا: المستحيل الروائي يُزرع داخل عالم مادي شديد الإقناع، حتى يبدأ القارئ أو المشاهد بالتعامل معه كما لو أنه تاريخ سري كان من الممكن أن يقع.
المشكلة المستحيلة: كيف تصوّر رائحة؟
يستطيع زوسكيند أن يكتب عن الرائحة صفحات. يستطيع أن يدخل إلى وعي غرونوي ويجعل اللغة نفسها أنفًا. الكلمات لا تنتج الرائحة فعلًا، لكنها تستدعي ذاكرة القارئ الحسية؛ وحين يصف الكاتب الخشب الرطب أو السمك المتعفن أو جلد الإنسان أو زهرة مقطوفة حديثًا، يبدأ القارئ باستحضار روائح عرفها في حياته.
أما السينما فلا تستطيع ذلك بالطريقة نفسها. الشاشة يمكنها أن تعرض وردة، لكن الوردة على الشاشة بلا رائحة. ويمكنها أن تعرض سوقًا للأسماك، لكن المشاهد الجالس أمامها لا يشم شيئًا.
كان توم تيكفر واعيًا لهذه المشكلة، ولذلك لم يحاول حلها بطريقة حرفية. اختار أن يجعل الكاميرا تتصرف كما لو أنها أنف غرونوي. تظهر التفاصيل قبل المشهد الكامل أحيانًا؛ تقترب العدسة من الجلد والفاكهة والطين والشعر والعرق، ويتسارع المونتاج، وتدخل الموسيقى والمؤثرات الصوتية لتخبرنا بأن ما نراه ليس مجرد شيء، بل مصدر رائحة استولى على وعي البطل.
إنها حيلة سينمائية ذكية: بما أن المشاهد لا يستطيع أن يشم، فعلى الصورة أن تجعله يتخيل فعل الشم.
وهنا بالتحديد يخسر الفيلم شيئًا
في الرواية لا نرى الرائحة؛ ولذلك نضطر إلى صنعها داخلنا. أما الفيلم فيمنحها شكلًا جاهزًا.
وهذا فارق أكبر مما يبدو.
حين يقرأ شخصان وصفًا لرائحة امرأة أو شارع أو بيت قديم، فلن يصنعا في خيالهما الرائحة نفسها. لكل قارئ أرشيفه الحسي الخاص. قد تعيد جملة واحدة شخصًا إلى مطبخ طفولته، وتأخذ آخر إلى سوق قديم، ولا توقظ في ثالث أي ذكرى.
الرواية، إذن، لا تقدم الرائحة؛ بل تفتح فراغًا كي يصنعها القارئ.
الفيلم مضطر إلى إغلاق جزء من هذا الفراغ. حين يريد أن يقول إن غرونوي التقط رائحة معينة، يعرض لنا الوجه أو الجلد أو الشعر أو الزهرة أو الفاكهة. تتحول الرائحة غير المرئية إلى شيء مرئي. وبذلك ينجح الفيلم في شرح ما يشمه غرونوي، لكنه يفقد شيئًا من الغموض الذي يجعل الرائحة في الرواية قوة مستقلة عن الأشياء.
غرونوي الرواية وغرونوي الفيلم: هل هما الشخص نفسه؟
يقوم بن ويشو بمهمة شديدة الصعوبة؛ فهو مطالب بأن يجعلنا نتبع قاتلًا لا يمكن الدفاع أخلاقيًا عن أفعاله، وأن يجعل حضوره قابلًا للمشاهدة طوال فيلم طويل من دون تحويله إلى شرير كرتوني.
لكن الوجه الإنساني نفسه يغير علاقتنا بالشخصية.
في الكتاب يستطيع زوسكيند أن يجعل غرونوي فكرة بقدر ما هو إنسان: كائنًا طفيليًا، عبقريًا، منفصلًا عن الجماعة البشرية، يراقب الآخرين عبر حاسة لا يملكونها. السارد قادر على الاقتراب منه والابتعاد عنه والسخرية منه وإثارة الاشمئزاز منه في الوقت نفسه.
أما السينما فتعطينا وجه بن ويشو وعينيه وجسده وصمته. وحين يصبح للكائن وجه محدد، تبدأ علاقتنا به في التغير. نراه طفلًا منبوذًا، ثم شابًا غريبًا قليل الكلام، ونراقب دهشته أمام الروائح والجمال. هذا لا يبرر جرائمه، لكنه يمنحه هشاشة إنسانية أشد حضورًا مما تسمح به المسافة الساخرة والقاسية في أجزاء كثيرة من الرواية.
وبذلك تحدث إحدى أهم عمليات التحويل بين الوسيطين: غرونوي الذي كان يمكن أن نقرأه بوصفه كائنًا شديد النفور يصبح أمام الكاميرا شخصًا نستطيع، رغم الرعب، أن نلمح وحدته.
بالديني: حين تصبح العبقرية تجارة
يدخل صانع العطور جوزيبي بالديني، الذي يؤدي دوره داستن هوفمان، بوصفه النقيض الاجتماعي لغرونوي. غرونوي يمتلك الموهبة المطلقة تقريبًا ولا يعرف كيف يعيش بين الناس، بينما يمتلك بالديني الاسم والمحل والقواعد والمهنة، لكنه يحتاج إلى العبقرية التي يحملها ذلك الشاب الغريب.
العلاقة بينهما ليست مجرد مرحلة في تعلم صناعة العطور. إنها سؤال عن الفن نفسه: من يصنع الجمال؟ صاحب الموهبة أم صاحب المؤسسة التي تعرف كيف تعبئه وتبيعه؟
غرونوي لا يهتم كثيرًا بالمجد التجاري للعطر. ما يريده أكثر تطرفًا: معرفة الطريقة التي يستطيع بها الاحتفاظ بما يختفي.
ومن هنا تصبح صناعة العطر فلسفة للموت. فالزهرة تذبل، والرائحة تتبدد، والجسد يتحلل، والجمال يمر. وغرونوي لا يقبل هذا القانون. إنه يريد فصل الجمال عن الزمن، واستخلاصه من الكائن الحي وحفظه في قارورة.
غراس: من صناعة العطر إلى صناعة الموت
حين يصل غرونوي إلى عالم صناعة العطور في غراس، تنتقل الحكاية من العبقرية الغريبة إلى الجريمة المنظمة. لم يعد يريد تركيب روائح جميلة فقط؛ لقد اكتشف أن ما يبحث عنه يوجد في البشر أنفسهم، وخصوصًا في الرائحة التي يتخيلها جوهرًا للجمال الأنثوي.
وهنا يصبح فعل الاستخلاص مرعبًا؛ لأن التقنية التي استُخدمت للحصول على عطر الزهور تنتقل رمزيًا إلى الإنسان.
إنه لا يقتل لأنه يكره ضحاياه. وهذه الحقيقة تجعل جرائمه أكثر فظاعة، لا أقل. إنه يقتل لأنه يريد الاحتفاظ بما يحب فيهن.
بالنسبة إليه، الجسد وعاء مؤقت، أما الرائحة فهي الجوهر الذي يستحق البقاء. ومن هذا المنطق يولد أكثر أسئلة «العطر» قسوة: ماذا يحدث حين يحب الإنسان الجمال إلى درجة يرفض معها حق صاحبه في امتلاكه؟
المرأة بين الجمال والاختزال
يمكن قراءة الفيلم أيضًا من زاوية مقلقة تتجاوز حكاية القاتل. فالنساء اللواتي يطاردهن غرونوي يتحولن في وعيه إلى روائح. لا يهمه تاريخ الواحدة منهن ولا أفكارها ولا رغباتها؛ إنه ينتزع منها صفة واحدة ويجعلها حقيقتها كلها.
وهذه ليست مجرد طريقة قاتل غريب في النظر إلى ضحاياه. إنها صورة متطرفة لنزعة بشرية مألوفة: اختزال الآخر في الصفة التي نرغب فيها.
قد يكون الجمال، أو الجسد، أو الصوت، أو الموهبة، أو المكانة. وفي اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن رؤية الآخر بوصفه ذاتًا مستقلة، يمكن للإعجاب نفسه أن يتحول إلى شكل من أشكال الاستحواذ.
غرونوي لا يريد النساء؛ يريد ما تمثله رائحتهن بالنسبة إليه. ولهذا لا يمكن وصف ما يفعله بالحب، حتى حين يبدو مدفوعًا بانجذاب هائل إلى الجمال. الحب يعترف بوجود الآخر، بينما مشروع غرونوي يبدأ عمليًا بإلغائه.
العطر بوصفه سلطة
أخطر اكتشاف يصل إليه غرونوي ليس كيفية صنع أجمل عطر في العالم، بل معرفة أن البشر يمكن التحكم فيهم من دون أن يعرفوا أنهم خاضعون للتأثير.
الرائحة هنا تتحول من إحساس إلى سلطة.
فالإنسان الذي لا يحبه أحد ينجح في تركيب مادة تجعل الجميع يحبونه. لكنه يعرف أكثر منهم أن الحب الذي يحصل عليه ليس موجهًا إليه. الناس لا يرون غرونوي ثم يقررون محبته؛ العطر يتخذ القرار عنهم.
ومن هنا تتجاوز الحكاية عالم العطور لتدخل في سؤال أكثر حداثة مما يوحي به زمنها التاريخي: ما قيمة مشاعرنا إذا أمكن تصنيع الظروف التي تنتجها؟
الإعلان يفعل شيئًا من ذلك. الصورة تفعل. الموسيقى تفعل. الخطاب السياسي والديني والتجاري يستطيع أن يستثير الخوف والرغبة والحنين والانتماء. أما زوسكيند فيدفع الفكرة إلى أقصاها الخيالي: مادة صغيرة غير مرئية تستطيع إعادة تشكيل إدراك الجماعة كلها.
مشهد الإعدام: الانتصار الذي يكشف الهزيمة
يصل الفيلم إلى ذروته حين يُقاد غرونوي إلى الإعدام أمام جمهور يريد الانتقام منه، ثم يستخدم العطر الذي صنعه.
في لحظات، تتغير الحقيقة أمام الناس.
القاتل الذي جاؤوا لمشاهدة موته يتحول في أعينهم إلى كائن يستحق الحب والتبجيل. لا تتغير جرائمه، ولا تعود ضحاياه إلى الحياة، ولا تظهر أدلة جديدة على براءته. الشيء الوحيد الذي تغير هو إحساس الجمهور.
وهذه ربما أكثر أفكار «العطر» رعبًا: الحقيقة وحدها قد لا تكون كافية أمام قوة تستطيع التحكم في الطريقة التي نشعر بها تجاه الحقيقة.
ويتحول المشهد إلى احتفال جماعي جامح، في صورة تجمع المقدس بالجسدي، والسمو بالسخرية. لقد صنع غرونوي أخيرًا ما يشبه المعجزة؛ استطاع أن يجعل البشر يحبونه حبًا مطلقًا.
لكنه، في اللحظة التي يحقق فيها حلمه، يكتشف خواءه.
لماذا لم يسعد غرونوي عندما أحبه الجميع؟
لأن الجميع أحبوا العطر، لا صاحبه.
وهنا تنغلق الدائرة التي بدأت بغياب رائحته الشخصية. غرونوي الذي عاش بلا هوية عطرية صنع لنفسه أقوى هوية ممكنة، لكنها هوية مصطنعة.
يستطيع أن يجعل الناس يركعون أمامه، لكنه لا يستطيع أن يجعل شخصًا واحدًا يعرفه ثم يحبه كما هو.
لقد حصل على السلطة التي كان يمكن أن يحلم بها أي طاغية، لكنه اكتشف أن السيطرة على الحب لا تنتج الحب. فما يُنتزع بالكيمياء أو بالخداع أو بالقوة يظل شيئًا آخر مهما تشابهت أعراضه الخارجية مع العاطفة الحقيقية.
ماذا تعني نهاية فيلم العطر؟
يعود غرونوي إلى باريس، إلى العالم القذر الذي خرج منه، حاملًا معه العطر الذي يستطيع أن يجعله محبوبًا بصورة تكاد تكون إلهية.
ثم يسكبه على نفسه.
يندفع الناس إليه تحت تأثير الرائحة، ويبتلع الحب المصطنع صاحبه حرفيًا حتى لا يبقى منه شيء.
يمكن قراءة النهاية بوصفها عقابًا، لكنها أعمق من عقوبة أخلاقية تقليدية. غرونوي هو الذي يختار استعمال العطر على هذا النحو. لقد عرف أن قدرته المطلقة لا تستطيع إعطاءه الشيء الوحيد الذي افتقده: علاقة إنسانية حقيقية.
والمفارقة شديدة السواد. طوال الحكاية كان يقتل الأجساد كي يحتفظ بروائحها. وفي النهاية تصبح رائحته المصنوعة سببًا في اختفاء جسده هو.
لقد حاول الانتصار على الفناء، فانتهى بأن صار أكثر الكائنات فناءً: لم يترك حتى جثة.
الرواية أكثر رائحة، لكن الفيلم أكثر جسدًا
من السهل القول إن الرواية أفضل لأنها تستطيع الدخول إلى عالم الروائح بطريقة لا تستطيعها السينما. لكن المقارنة تصبح أكثر إثارة حين نسأل أيضًا: ماذا كسبت الحكاية عندما أصبحت صورة؟
كسبت الجسد.
الفقر والقذارة والازدحام والجلد والعرق والأسواق والأقمشة والزهور والألوان لم تعد مفردات يستدعيها القارئ، بل أصبحت كتلة حسية أمام العين. ويستفيد الفيلم بوضوح من التصوير والإضاءة وتصميم الإنتاج ليجعل العالم جميلًا ومقززًا في آن واحد.
وليس مصادفة أن يكون التصوير وتصميم الإنتاج من أكثر العناصر التي حظيت بالتقدير والجوائز. فالمهمة الأساسية للفيلم كانت بناء عالم يستطيع أن يعوض، بالصورة، بعض ما لا يمكن للشاشة أن تمنحه للأنف.
ومع ذلك يبقى ثمن هذا الجمال قائمًا: كلما أصبحت الأشياء أكثر وضوحًا أمام العين، تقلصت المساحة التي كانت الكلمات تتركها للخيال.
هل نجح الفيلم في تحويل رواية زوسكيند؟
إذا كان معيار النجاح هو نقل الرواية حرفيًا، فالسؤال نفسه غير عادل؛ لأن الوسيطين لا يمتلكان الأدوات ذاتها.
لم يكن بوسع توم تيكفر أن يجعل الشاشة تطلق روائح القرن الثامن عشر. ما فعله بدلًا من ذلك هو بناء لغة بصرية للرائحة: اللقطات القريبة، التفاصيل، حركة الكاميرا، المونتاج، الموسيقى، الصوت، والوجه المتوتر لغرونوي وهو يلتقط شيئًا لا يستطيع المشاهد التقاطه.
وفي أفضل لحظاته لا يحاول الفيلم أن يقول لنا كيف تبدو الرائحة، بل يجعلنا نشعر بأهميتها للشخص الذي يشمها.
لكن الرواية تحتفظ بأفضلية غريبة: الكلمات، مع أنها أقل حسية ظاهريًا من الصورة، تستطيع في هذه الحالة الوصول إلى الحاسة الغائبة بصورة أعمق. فالكاتب يقول «رائحة»، ثم يترك ذاكرتنا تكمل العمل. أما المخرج فيحتاج إلى وردة ووجه وشعر وفاكهة وضوء وموسيقى ومونتاج كي يقنع العين بما يعرفه الأنف.
لهذا لم يفشل الفيلم حين عجز عن أن يصبح الرواية. على العكس، أهم ما يكشفه هذا الاقتباس هو استحالة التطابق أصلًا.
ما الذي خسره «العطر» عندما أصبح صورة؟
خسر شيئًا من حرية الرائحة.
في الكتاب تتحرك الرائحة خارج حدود الشكل. تستطيع أن تكون ذكرى وإشارة وهوية ووجودًا وغيابًا في اللحظة نفسها. أما السينما فتحتاج غالبًا إلى ربطها بشيء نراه.
وخسر غرونوي شيئًا من غرابته المجردة عندما أصبح له وجه بشري نراقبه ساعتين ونصف تقريبًا. وخسر السارد الأدبي جزءًا من قدرته على الوقوف فوق الشخصية والسخرية من البشر ومن بطل الرواية معًا.
لكنه كسب في المقابل عالمًا بصريًا قويًا، وجسدًا وصوتًا وموسيقى ومدينة تتحرك أمامنا. ولهذا لا ينبغي التعامل مع الفيلم بوصفه نسخة مصورة من الرواية، بل بوصفه تجربة مستقلة تحاول حل مشكلة فنية تبدو شبه مستحيلة.
الرائحة التي لا تستطيع الشاشة أن تعرضها
ربما تكمن المفارقة الأخيرة في أن أفضل ما يفعله فيلم «العطر» هو تذكيرنا بما لا تستطيع السينما فعله.
نخرج من الفيلم ونحن نتذكر الزهور والقذارة والأسواق والوجوه والزجاجات، لكن الرائحة التي حركت كل تلك الأحداث لم تكن موجودة في الصالة لحظة واحدة.
لقد صنعها كل مشاهد في مكان ما داخل ذاكرته.
وهنا يلتقي الفيلم بالرواية من طريق غير متوقع. كلاهما لا يستطيع أن يمنحنا الرائحة الحقيقية. الكتاب يقدم كلمات، والفيلم يقدم صورًا وأصواتًا، ثم يحدث الجزء الأخير داخل المتلقي نفسه.
وربما لهذا بقيت «العطر» حكاية آسرة بعد انتقالها من الأدب إلى السينما. إنها لا تتحدث في النهاية عن الأنف بقدر ما تتحدث عن الرغبة البشرية القديمة في الإمساك بما لا يمكن الإمساك به: الجمال، والحب، والذاكرة، والجسد، واللحظة التي تمر ولا تعود.
غرونوي أراد أن يحبس كل ذلك في قارورة.
ونجح في صناعة العطر، لكنه فشل في صناعة الإنسان الذي كان يريد أن يكونه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق