حين يصبح الجرح نهرًا
بقلم: الورّاق الجزائري
يدخل ديوان
"قوارير من نهر آخر" للشاعرة الأردنية ميسون طه النوباني إلى تجربته
الشعرية من باب الاعتراض. فقصيدته الأولى "لا يرضيني" لا تكتفي بالإفصاح
عن ضيق عابر، بل تؤسس صوتًا لا يريد مصالحة العالم كما هو، ولا يقبل أن تتحول
الحياة إلى تكرار بلا معنى. تقول الشاعرة:
لا يُرضيني
هذا العتبُ المرسومُ على هيئةِ بركان
صوتي
صوتُك
زفراتُ البحثِ عن الطرفِ الآخَرِ للفكرةِ
منذ هذا المطلع
يتضح أن الذات المتكلمة لا تبحث عن تسوية هادئة مع الواقع، وإنما تريد "الطرف
الآخر للفكرة": ذلك الجانب المخفي الذي لا تمنحه المشاهدة السطحية، ولا تكشفه
اللغة المألوفة. ولذلك لا تتجه قصائد الديوان إلى وصف الأشياء بقدر ما تعيد ترتيب
العلاقات بينها؛ فالماء يشتعل، والصمت يتفجر ينابيع، والضوء يُشرب، والقمح يتحول
إلى أسئلة، والجرح يصير أصيصًا أو نافذة، والرماد يخرج من عيون الشمس.
هذه الانزياحات
ليست زينة لغوية طارئة، بل هي أساس الرؤية الشعرية في الديوان. إن الشاعرة لا ترى
العالم مجموعة من الموجودات المنفصلة، وإنما شبكة من العناصر التي تتبادل وظائفها
ودلالاتها. وقد يكون هذا التبادل هو المقصود الأعمق بعبارة "نهر آخر":
نهر لا تجري فيه المياه وحدها، بل تجري فيه الذاكرة والفجيعة والأسئلة والإيمان
والحب.
العنوان بوصفه مفتاحًا للرؤية
يجمع عنوان الديوان
بين "القوارير" و"النهر"، أي بين الوعاء المحدود والماء
المنساب. القارورة تحيط بالماء وتمنحه شكلًا، بينما يرفض النهر الثبات في شكل
واحد. ومن التوتر بين الاحتواء والانسياب تتكون طبيعة التجربة: تحاول القصيدة أن
تحفظ لحظة أو ذكرى أو ألمًا في بنية لغوية، غير أن التجربة تظل أوسع من العبارة،
وأشد حركة من أن تُحاصر نهائيًا.
ولا تأتي كلمة
"آخر" في العنوان لتصف مكانًا مجهولًا فحسب، بل تشير إلى اختلاف المنبع
نفسه. إن ماء هذا الديوان ليس الماء المحسوس، بل ماء المعرفة والتطهر والحنين
والانبعاث. وفي ختام القصيدة التي تحمل عنوان المجموعة، تبلغ الصورة مركزها حين
تقول الشاعرة:
فجَّرتُ ينابيعَ
الصَّمتِ
لأكشفَ سرَّ الماء
لبَّيْتُ نداءَ الشّوقِ المحفورِ
على أرجاءِ الكهفِ
كنافذةٍ للنّور
ثم تنتهي القصيدة
إلى الصورة التي يستمد منها الديوان اسمه:
وفنائي يشحذُ
للسرِّ طريقًا
ويعودُ
قواريرًا تنهلُ من نهرٍ آخر
الفناء هنا ليس
محوًا للذات، بل عبور بها من ظاهر الأشياء إلى سرها. وحين تعود الذات
"قوارير"، فإنها لا تعود فارغة؛ إنها أوعية امتلأت من مصدر آخر للمعرفة.
وبهذا يصبح العنوان صياغة مكثفة لمسار يتكرر في معظم القصائد: جرح أو فقد أو سؤال،
ثم عبور في العتمة، يعقبه ظهور نافذة أو نور أو ماء جديد.
الماء: من دلالة الحياة إلى مأزق العطش
الماء هو أكثر
عناصر الديوان حضورًا وقدرة على التحول. يظهر بحرًا ونهرًا وغيمًا وندى وينبوعًا
وموجًا ومطرًا وبئرًا، لكنه لا يؤدي معنى واحدًا. أحيانًا يكون طريقًا إلى
المعرفة، وأحيانًا يصبح شاهدًا على استحالة الارتواء. وقد تجمع الصورة الواحدة بين
الوفرة والحرمان، كما في قول الشاعرة:
لا يُرضيني
هذا الماءُ المالحُ
يتساقطُ من جزرِ الغيم
والعطشُ المسكوبُ على أرصفةِ المدنِ الهشَّة
محفورًا فوق جبيني
والمفارقة هنا
واضحة فالماء يتساقط، لكن العطش يظل قائمًا، وليست الأزمة إذن غياب الماء، وإنما
فساده أو عجزه عن أداء وظيفته. ويمنح تركيب "العطش المسكوب" العطش صفات
الماء نفسه؛ فكأن الحرمان صار هو المادة المتدفقة في المدن. ويتكرر هذا القلب الدلالي في قصيدة "سحاب زادني عطشًا":
وجهُ الحبيبِ سحابٌ
زادَني عطشًا
وجَفْنُ عيني إذا ما مرَّ ما رمشا
السحاب الذي يُنتظر
منه المطر لا يروي، بل يزيد العطش. وكذلك الحب في الديوان: يمنح الذات أسباب
الحياة، لكنه يكشف في الوقت نفسه مقدار افتقارها. وكلما اقترب المحبوب بدا أكثر
قدرة على إنتاج المسافة.
وفي نصوص أخرى يصل
التحويل إلى حد إشعال الماء:
أشعلْتَ
الماءَ فكانَ الماءُ دمي
وتعود العبارة
بصيغة قريبة في قصيدة "تعال كما كنت":
ها قد أشعلتُ
الماءَ
وعدتُ كأمواجِ البحرِ
أقلِّدُ صوتَكَ
إشعال الماء تركيب
ينقل التجربة من التناقض البلاغي إلى الحالة النفسية؛ فالوجدان لا يحتكم إلى
قوانين المادة. الماء هنا قابل للاحتراق لأن الحب والفقد جعلا العنصر الذي يطفئ
النار جزءًا منها. ومن خلال هذه المفارقة يكتسب المعجم المائي توتره: إنه معجم
الارتواء المستحيل بقدر ما هو معجم الخصب.
الأرض والأم: البحث عن حضن يعيد تفسير العالم
في قصيدة
"قوارير من نهر آخر" تخاطب الشاعرة الأرض بعبارة متكررة:
ضُمّيني
كي أعرفَ أكثر
ليست الأرض موضوع
تأمل خارجي، وإنما كائن أمومي يُطلب منه الاحتواء والمعرفة معًا. والمعرفة هنا
جسدية وحميمية؛ فالذات لا تقول للأرض "علّميني"، بل "ضميني".
كأن الحقيقة لا تُكتسب بالعقل وحده، بل بالعودة إلى الأصل الذي خرج منه الجسد. ويزداد هذا التداخل بين
الأرض والأم وضوحًا حين تنتقل القصيدة إلى الأم الراحلة:
منذُ وُلِدْتُ
وأمّي
تسرقُ من عينيَّ الحزنَ
تُفتِّحُ أبوابًا للنورِ لعلّي
أسبقُ أقدامي
ماتَتْ
قبلَ شروقِ الشمسِ
كانت الأم تؤدي
الوظيفة التي سيؤديها النور لاحقًا في الديوان: انتزاع الحزن وفتح الأبواب. وحين
تموت قبل الشروق، يصبح غيابها انقطاعًا في دورة الضوء. لذلك تبدو مناجاة الأرض
محاولة للعثور على أم كونية تعوض الحضن الفردي المفقود. غير أن الفقد يظهر بصورة أكثر حرارة وأقل
تجريدًا في "أصيص الجرح". ففي هذه القصيدة تستحضر الشاعرة تفاصيل البيت
والأشياء الصغيرة، فتقترب اللغة من الحياة اليومية:
أنا الآنَ وحيدةٌ
يا أمّي
(السجادةُ الحمراءُ) الّتي زرعتِها
في أصيصِ الجرحِ
ونمَتْ حولَها الأعشاب
ماتَتْ
ثم تستدعي الخزانة
والسنديانة والقمصان ومرود الكحل. وهذه التفاصيل أكثر من بقايا منزل؛ إنها أجزاء
من هوية كانت الأم تمسك بخيوطها. ومن أجمل التحولات في النص قول الشاعرة عن مرود
الكحل:
صار متَّشحًا
بالدّموع
ويُعلنُ السّوادَ
كلَّما مرَّ بينَ أجفاني
الكحل أسود في
أصله، لكن السواد هنا لم يعد لونًا تجميليًا؛ أصبح إعلان حداد. لقد غيّر الموت
معنى الشيء من غير أن يغير شكله. وهذه من النقاط التي يحقق فيها الديوان أثرًا
عاطفيًا قويًا من خلال تفصيل ملموس، لا من خلال تعميم الحزن.
من الفقد الشخصي إلى سؤال العنف
لا يبقى الألم حبيس
التجربة الذاتية. فالذات في الديوان ترى جراحها متصلة بجراح الآخرين، ولهذا تتكرر
صور الطفل المقتول والجائع والطلقة والسكين والقيد والحراس. في القصيدة المركزية
تقول الشاعرة:
كم كانَ الخبزُ
طريًّا
في صورِ الجوعى
والشّاةُ تُحدّثُ سكينًا
عطشى
عن يدِها المقطوعةِ من شجرٍ
كان لها يُثمر
تجمع الصورة بين
الخبز والجوع، ثم بين الشاة والسكين والشجرة. السكين "عطشى"، لكنها لا
تشرب الماء بل الدم، واليد التي كانت تثمر تُقطع ثم تُعلّق الشاة على الغصن نفسه.
هنا لا يُقدَّم العنف حادثة منفردة، بل دورة تقلب عناصر الحياة إلى أدوات موت:
الشجر الذي يعطي الثمر يتحول إلى موضع تعليق، واليد المنتجة تُبتر، والخبز لا يظهر
إلا في صورة الجائع.
وفي "هل
أقنعكم؟" تنتقل الشاعرة إلى خطاب ساخر يواجه اللغة التي تحاول تجميل المأساة:
هل أقنعكم؟
إن قلتُ بأنّ الخوفَ سراب
وبأنَّ الطلقةَ في جوفِ الصدرِ
سراب
وبأنَّ الموتَ على أعتابِ العمرِ سيبقى
محضَ عتاب
السؤال لا يطلب
جوابًا، بل يفضح استحالة التصديق. وحين تتابع:
ودماءُ الصورةِ
قلمٌ أحمرُ
يطمِسُه الوقتُ غبارًا
ويقال: ضباب
فإنها تشير إلى
آلية تحويل الدم إلى وصف محايد، والمجزرة إلى "ضباب"، وتصبح التسمية
نفسها موضع اتهام، لأن اللغة قد تخفي الجريمة حين تستبدل حقيقتها الحادة بعبارة
قابلة للنسيان. ويؤدي التكرار في هذه
القصيدة وظيفة احتجاجية. إنَّ "هل أقنعكم؟" ليست لازمة موسيقية فقط، بل
محاكمة للمتلقي: هل يمكن للكلمات المخففة أن تقنعه بأن الرصاصة سراب؟ وهنا يخرج
الصوت الشعري من حدود المناجاة ليكتسب نبرة عامة.
"ريّان": الواقعة العابرة بوصفها رمزًا وجوديًا
في قصيدة
"(ريّان)" تستدعي الشاعرة الطفل المغربي ريان الذي سقط في البئر وتحولت
محاولة إنقاذه إلى مأساة تابعها الناس. لكنها لا تعيد سرد الحادثة، بل تنقلها إلى
فضاء رمزي:
يخطرُ لي
أن أشربَ من بئرِ الغيب
لأعودَ بصورةِ (ريّان)
كيفَ نجا متَّشحًا بالخضرةِ؟
استخدام فعل
"نجا" لا يدل على النجاة الجسدية المعروفة، بل على انتقال الطفل من
محدودية الجسد إلى اتساع الرمز. لقد "تجلّى روحًا"، وصار النور الذي
وحّد قلوب الناس. ومع ذلك لا تسمح القصيدة لهذه الروحانية بأن تمحو مأساة الموت،
فتقول:
في البئرِ سقوطٌ
أعمقُ
من موتِ الإنسان
ورغيفُ النورِ يجوعُ لمَن تُقصيه العتمةُ
السقوط الأعمق هو
سقوط الإنسان أخلاقيًا حين يقصي الآخر في العتمة. ومن هنا تنتقل القصيدة من رثاء
طفل بعينه إلى مساءلة قدرة البشر على رؤية بعضهم. البئر حفرة حقيقية، لكنه أيضًا
عزلة وخوف ونسيان.
القصيدة بوصفها مقاومة للتماثل
في افتتاح الديوان
تطفئ الذات مصابيح البيت، وتعد خرافًا "تحمل ذات اللون وذات الشكل وذات
الفكرة". تبدو الصورة في ظاهرها إحالة إلى محاولة النوم، لكنها تتجاوز ذلك
إلى نقد التشابه:
واحد
اثنان
ثلاثة
رقمٌ يتلو رقمًا
ونهايتها لا تعنيني
إنها لا ترفض
الخراف ذاتها، بل ترفض عالمًا تتطابق فيه الألوان والأشكال والأفكار. ومن هنا يمكن
فهم كثافة المفارقات في الديوان بوصفها تمرّدًا على اللغة المتوقعة. الماء لا يبقى
ماء، والصبح له جيوب، والقمح يُخبأ فيها، والأشجار تصغي، والغيمة تلسع الأرض بصمت
الماء.
ويتجلى هذا الرفض
للهوية المفروضة في "موسيقى الغرباء"، حيث تتأمل الذات صورة لا تشبهها:
كانتْ ترسمُ لي
وجهًا لا يُشبهني
وتقولُ أفيقي
تلكَ الرحلةُ لم تبدأْ بعدُ وأنتِ رحاها
أنتِ الجوقةُ
أنتِ الصوتُ
وأنتِ الأصداء
يتحوّل الاغتراب
هنا من حالة سلبية إلى نداء للاستيقاظ. فالذات ليست صوتًا مفردًا فحسب، بل الجوقة
والصوت والأصداء معًا. إنها منشأ التجربة ومستقبلها، وهو إعلان ضمني عن حقها في
إعادة رسم وجهها بعيدًا عن الصورة التي يرسمها الآخرون.
الحب بين الحضور والتجلي
الحبيب في عدد كبير
من قصائد الديوان ليس شخصية مكتملة الملامح. إنه يُرى في الشمس والفجر والغيم
والمدن والماء، ويكاد يتحول من شخص إلى مبدأ كوني. تقول الشاعرة في "مفاتن
الغروب":
كأنَّكَ من مفاتنها
غروبٌ
تَوَسَّدَهُ الحنينُ على الجبالِ
ثم تقول:
فما أدركتُ وصلَكَ
غيرَ حلمٍ
ولا أيقنتُ إلّا في ارتحالي
الوصل لا يتحقق إلا
حلمًا، واليقين لا يأتي من الوصول بل من الارتحال. ولذلك لا تتأسس قصيدة الحب هنا
على الامتلاك، وإنما على المسافة التي تجعل المحبوب قابلًا للتخييل المستمر.
وتبلغ هذه النزعة
ذروتها في قولها:
أنا أهواكَ من فيضِ
التّجلّي
وأفنى في شُروقِكَ والزّوالِ
يجمع البيت بين
المعجم العاطفي والمعجم الصوفي. فالحبيب يشرق ويزول، والذات تفنى في الحالتين. غير
أن هذا التداخل يجعل ضمير المخاطب مفتوحًا على أكثر من تأويل: قد يكون محبوبًا
إنسانيًا، وقد يكون صورة للغائب، وقد يرتقي في بعض النصوص إلى دلالة روحية. وهذا الانفتاح يثري التجربة حين تظل القصيدة
قادرة على حمل المستويات المختلفة، لكنه يؤدي أحيانًا إلى ضبابية المرجع. فكثرة
مخاطبة "أنت" من غير علامات فارقة تجعل عددًا من قصائد الحب والتجلي
متقاربة في مسارها، ولا سيما حين تتكرر مفردات النور والشمس والخضرة والبحر.
الروحانية: من الحيرة إلى الرجاء
تشغل التجربة
الروحية مساحة واسعة من الديوان، لكنها لا تقوم دائمًا على اليقين المطمئن. إنها
تبدأ كثيرًا من السؤال والتعب والعطش، ثم تبحث عن طريق إلى الله. في "قمح
الأسئلة" تقول الشاعرة:
وأُطعمُ قمحَ
أسئلتي
لطيرٍ في السّما دانِ
وأنهلُ منكَ معرفتي
كأنَّ الضّوءَ عنواني
الأسئلة قمح، أي
إنها مادة قابلة للإنبات والإطعام، وليست خطيئة ينبغي دفنها. وتكمن قيمة الصورة في
أنها لا تجعل الإيمان إلغاءً للسؤال، بل تحوّل السؤال نفسه إلى زاد في الطريق.
وفي "نبض
الشمس" تقول:
عفوتُ عن الظلام
بما لديّا
أعي جرحي وأوقدُ منه ضيّا
لا يأتي الضوء من
غياب الجرح، بل من الوعي به وإيقاده. وهذه العبارة تكاد تلخص فلسفة الديوان: تحويل
الإصابة إلى مصدر رؤية. واللافت أن الشاعرة تقول "عفوت عن الظلام"،
فتتعامل معه كخصم يمكن تجاوزه، لا كقدر نهائي.
أما قصيدة
"جيوب الملامة" فتقدم خطابًا أكثر مباشرة:
إلهي لستُ أحصيها
ذنوبي
ولا طمعي بعفوكَ من عيوبي
وهي تنتقل من الرمز
الكثيف إلى مناجاة واضحة تقوم على الاعتراف والرجاء. في هذا المستوى يجاور الديوان
بين الشعرية التأملية والإنشاد الديني، ولا يحاول صهرهما دائمًا في أسلوب واحد.
بين قصيدة التفعيلة والبناء العمودي
تكتب ميسون طه
النوباني في أكثر من شكل. فبعض النصوص يقوم على السطر الحر والصورة المتتابعة
والتكرار، مثل "قوارير من نهر آخر" و"هل أقنعكم؟"
و"موسيقى الغرباء" و"أصيص الجرح". وبعضها ينتظم في بناء عمودي
يعتمد وحدة البيت، مثل "مفاتن الغروب" و"حصاد الريح"
و"كحل في عيون المرايا" و"على خطى الرسول". وبين الطرفين تظهر
نصوص غنائية قصيرة تقوم على إيقاع واضح ولازمة قابلة للإنشاد.
هذا التنوع يمنح
المجموعة اتساعًا صوتيًا، لكنه يكشف أيضًا عن تفاوت في درجة نجاح القصائد. ففي النص
الحر تتحرر المخيلة غالبًا، وتظهر الصور الأكثر خصوصية وحرارة، ولا سيما حين تتصل
بأشياء البيت والأم والطفولة والعنف. أما بعض القصائد العمودية فتقترب من الحكمة
والموعظة والمديح، فتغدو الفكرة أكثر وضوحًا، لكن الصورة أقل مفاجأة.
في "كيما يلمع
الفناء"، مثلًا، تقول الشاعرة:
ما العمرُ إلّا
سؤالٌ ملّهُ الكلِمُ
ولا جوابٌ سوى ما قالهُ العدمُ
يتمتع البيت بوضوح
تأملي وإيقاع محكم، غير أن القصيدة تميل لاحقًا إلى التقرير الأخلاقي المباشر.
وعلى النقيض، تفتح عبارة مثل: "جفنانِ يشيخانِ على جرفِ العينِ"
في قصيدة "نهر الجمر" مجالًا أوسع للتخييل؛ إذ تتحول العين إلى أرض لها
جرف، ويتحول مرور الوقت إلى شيخوخة تحدث على حافتها. ولا يعني ذلك أن الشكل العمودي عاجز عن إنتاج
الصورة، فالديوان يقدم فيه صورًا موفقة، من بينها:
أخبّئُ
في جيوبِ الصّبحِ قمحًا
لكن القصائد الحرة
تبدو، في المجمل، أكثر اتصالًا بالصوت الخاص للشاعرة، لأنها تسمح لها بتركيب
الأشياء المتباعدة من غير أن تضطر إلى استكمال المعنى وفق مقتضيات القافية.
الصورة الشعرية: عالم تتحرك فيه العناصر
تعتمد الشاعرة
بكثافة على التشخيص، فالأشياء في قصائدها لا تظل ساكنة. الأرض تضم، والموج يحمل
الأقمار، والبحر يحدّث، والشمس لها عيون، والوقت يقلم أظفار الصمت، والألوان تثقل
اللوحة، والأيام تكتب، والطريق يعرف ضياء المدن. ومن الصور اللافتة في الديوان قولها:
أطلقتُ عصافيرَ
المعنى
كي تبنيَ لي عُشًّا
من قشِّ الرّوح
والمعنى هنا ليس
فكرة مجردة، بل سرب يمكن إطلاقه، والروح ليست جوهرًا بعيدًا عن المادة، بل قش
يُبنى منه العش. وتنجح الصورة لأنها تجمع التجريد والحس في تركيب متماسك. ففي "الشجرة التي
كانت لنا" تقول:
أوراقُها المجدولةُ
على خضرةِ الرّصيف
طيورٌ تتسلَّلُ من بينِ أغصانِها
ضحكاتٌ تُراوغُ النّدى
هنا تستعيد الشجرة
زمنًا مشتركًا، ويصبح المكان مخزنًا للذاكرة. غير أن الخاتمة تعيد قياس المسافة:
أُدركُ أنَّ كلَّ
هذا الفراغ
لا يتعدّى خطوتين
فالفراغ النفسي
شاسع، لكن المسافة المادية خطوتان فقط. وبذلك تنجح القصيدة في تجسيد الفرق بين
هندسة المكان وهندسة الفقد.
معجم الخضرة والقمح والنور
في مقابل الموت
والعطش والرماد، يبني الديوان معجمًا مضادًا قوامه الخضرة والقمح والنور. وهذه
العناصر الثلاثة ليست مستقلة؛ فالخضرة أثر الماء، والقمح حصيلة الأرض، والنور شرط
الرؤية والنمو. وحين تقول الشاعرة:
يُرضيني
أن تخضرَّ يدايَ ليورقَ قلبي
زيتونًا يبتلُّ بنورِ المشكاة
فهي تجمع الرموز
الثلاثة في صورة واحدة تقريبًا: اليد تخضر، والقلب يورق، والزيتون يبتل بالنور.
والنور هنا يأخذ صفة الماء، كما سبق للماء أن أخذ صفة النار. ويتكرر القمح بوصفه رمزًا للأسئلة والعيش
والخصب. لكنه لا يظهر في فضاء ريفي مطمئن، بل في علاقة متوترة مع الجوع والمرارة.
تقول في "جيوب الصبح":
أخبّئُ في جيوبِ
الصّبحِ قمحًا
يُخالفني وينطقُ: جئتِ بعدي
القمح أقدم من
الذات ومن زهدها، وهو حقيقة الحياة الأساسية التي تسبق التأملات الفردية. أما في
"قمح الأسئلة" فيصبح السؤال نفسه قابلًا للزرع والإطعام، فتنتقل المعرفة
من العقل المجرد إلى دورة الطبيعة.
الأنا الأنثوية بين الهشاشة والقدرة
لا تصوغ الشاعرة
ذاتها باعتبارها ضحية مكتملة العجز، على الرغم من كثافة صور الجرح والوحدة. إنها
ذات مجروحة، لكنها تملك الفأس والإزميل وتطلق عصافير المعنى وتفجر ينابيع الصمت.
وفي "سراب الحزن" تخاطب نفسها:
أفيقي وافتحي
للنورِ بابًا
لعلّ الشمسَ تُشرقُ من عُراكِ
ثم تقول:
"وطلّي
من شقوقِ الجرحِ فجرًا"
الفجر لا يأتي من
خارج الذات وحدها؛ إنه يطل من شقوق الجرح. وبذلك يتحول موضع الانكسار إلى منفذ
للضوء.
وفي "موسيقى
الغرباء" تقول:
أنتِ الجوقةُ
أنتِ الصوتُ
وأنتِ الأصداء
إنها صيغة لاستعادة
السيادة على الحكاية. فالمرأة ليست موضوعًا يُرسم، بل مركز الرحلة وأداتها وصداها.
وهذه النزعة تتقاطع مع قصيدة "جرار ظمأى"، حيث تظهر النساء في مشهد
يختلط فيه العطش بالقيد والطاعة:
أتراهنَّ يملنَ على
وقعِ عصا
تتخبّطُ في كفِّ الرّاعي؟
أم أنَّ الوقتَ يقلِّمُ أظفارَ الصمتِ
السؤال يضع
احتمالين متقابلين: استمرار الخضوع أو بدء تحلل سلطة الصمت. ومع أن القصيدة لا
تقدم جوابًا صريحًا، فإن فعل السؤال نفسه يزعزع المشهد الموروث.
التكرار بين بناء الهوية واستنفاد الصورة
يعتمد الديوان على
مجموعة معجمية شديدة الحضور: الماء، النهر، البحر، الشمس، الضوء، النور، الخضرة،
القلب، الروح، الجرح، العتمة، الصمت، النافذة، الطير، القمح، الغيم. وقد نجحت
الشاعرة من خلال هذه المفردات في بناء عالم يسهل التعرف إليه؛ فعندما يقرأ المتلقي
"نافذة للماء" أو "قمح الأسئلة" أو "ينابيع الصمت"،
يشعر أنه داخل معجم شعري مترابط.
لكن هذه القوة تحمل
مأزقها أيضًا. فكثرة ورود المفردات نفسها، وبالعلاقات المتقاربة أحيانًا، تجعل بعض
الصور تفقد عنصر المفاجأة. يتكرر خروج النور من الجرح، وتحول القلب إلى فضاء أخضر،
واتصال الحبيب بالشمس والغيم، حتى تتقارب نصوص كان يمكن أن تحتفظ كل واحدة منها
بلون أكثر استقلالًا. ولا تتعلق المسألة
بالتكرار اللفظي وحده، بل بتكرار حركة القصيدة: تبدأ بالعطش أو الغياب، ثم تستدعي
الماء أو الضوء، وتنتهي إلى الرجاء أو التجلي. هذا المسار يمنح الديوان وحدته،
لكنه حين يتكرر كثيرًا يصبح متوقعًا. وكان يمكن لمزيد من الحذف والانتقاء أن يجعل
الصور المركزية أشد توهجًا، لأن الرمز يزداد قوة حين يُتاح له فراغ كافٍ من حوله.
كما تميل بعض
النصوص إلى تراكم الإضافات المجازية: "قمح الشوق"، "جزر
الغيم"، "رغيف النور"، "قش الروح"، "حصاد
الريح"، "جيوب الصبح"، "قمح الأسئلة". وبعض هذه التراكيب
مبتكر وفعال، غير أن اجتماع عدد كبير منها قد يجعل المجاز طريقة شبه ثابتة في
صناعة العبارة. وتبلغ تجربة الشاعرة ذروتها حين يرتبط المجاز بتفصيل حي ومحدد، كما
في مرود الكحل وخزانة الأم والشجرة القديمة والطفل الذي يمشي خلف أبيه المقتول، لا
حين يبقى في فضاء العناصر الكونية وحدها.
لغة تبحث عن الموسيقى
تقوم موسيقى
الديوان على مصادر متعددة. ففي القصائد العمودية تحضر الأوزان والقوافي حضورًا
مباشرًا، بينما تعتمد النصوص الحرة على التكرار والتوازي وتجاور الأصوات. في
"قوارير من نهر آخر" تتكرر عبارة "ضمّيني كي أعرف أكثر"،
فتمنح القصيدة نقطة ارتكاز وسط تدفق الصور. وفي "لا يرضيني" تتحول
العبارة المتكررة من إعلان رفض إلى بنية تنظم مقاطع النص، قبل أن تنقلب في النهاية
إلى "قد يرضيني" ثم "يرضيني". وهذا التحول من النفي إلى الإثبات مهم؛ فالديوان لا يقيم في
الاعتراض نهائيًا. يبدأ بعدم الرضا عن العالم، لكنه لا ينتهي إلى العدم، بل يقترح
إمكانًا للخلاص:
يُرضيني
أن تخضرَّ يدايَ ليورقَ قلبي
أما في
"موسيقى الغرباء"، فتدخل الموسيقى في موضوع القصيدة نفسها، وتتحول
الأغصان إلى آلة عزف:
كانتْ أغصاني تعزفُ
بالورقِ الأخضر
موسيقى الغرباء
ويمنح تكرار
الأصوات المفتوحة والعبارات القصيرة النص نبرة أقرب إلى الأداء الشفهي. وتبدو بعض
قصائد المجموعة مؤهلة للإنشاد، ولا سيما النصوص القصيرة ذات اللازمة والإيقاع
الواضح.
وحدة الديوان وتعدّد أصواته
لا يسير
"قوارير من نهر آخر" في خط موضوعي واحد. إنه ينتقل من الأم إلى الحبيب،
ومن الرثاء إلى الابتهال، ومن الاحتجاج الاجتماعي إلى التأمل الوجودي، ومن قصيدة
السطر الحر إلى العمود. ومع ذلك لا يبدو مجموعة نصوص متنافرة تمامًا، لأن شبكة
الرموز المتكررة تعيد جمعها.
الذات التي تقول
"لا يرضيني" هي نفسها التي تسأل الأرض أن تضمها، وتفتش عن المحبوب في
الفجر، وتخاطب أمها، وترى الطفل في البئر، وتحاول أن تطعم طيور السماء من قمح
أسئلتها. وما يجمع هذه الأصوات هو رفض الاكتفاء بظاهر التجربة. كل شيء ينبغي أن
يُنقل إلى "الطرف الآخر للفكرة": الموت إلى سؤال في الحياة، والجرح إلى
منفذ للفجر، والعطش إلى نهر، والصمت إلى موسيقى.
ومع ذلك تظهر داخل
الوحدة نبرتان أساسيتان. الأولى ذاتية حميمة، وتكون أكثر تأثيرًا حين تقترب من
التجربة الشخصية وتفاصيلها. والثانية خطابية تأملية أو دينية، تميل إلى الحكمة
والوعظ والمخاطبة العامة. وأفضل قصائد الديوان هي التي لا تفصل النبرتين، بل تجعل
الفكرة الروحية تولد من المشهد الإنساني نفسه.
خاتمة: الكتابة من شقوق القلب
"قوارير
من نهر آخر" ديوان يصدر عن حساسية ترى العالم في حالة تحول دائم. فلا شيء
يحتفظ بوظيفته الأولى: الماء قد يشتعل، والرماد قد يكتب، والصمت قد ينفجر ينابيع،
والعتمة قد تكون مادة للعفو، والجرح قد ينبت فجرًا. ومن خلال هذا التحول تحاول
ميسون طه النوباني أن تنتزع من الفقد معنى لا يلغيه، ومن الألم ضوءًا لا ينكر
قسوته.
تكمن قوة الديوان
في صدق انفعاله، وفي قدرته على إقامة جسور بين التجربة الشخصية والأسئلة الإنسانية
العامة، وفي بناء معجم رمزي تتساند داخله عناصر الماء والنور والقمح والخضرة. كما
تتجلى خصوصيته بوضوح حين تلتفت الشاعرة إلى التفاصيل الصغيرة التي تحمل ذاكرة
كاملة: سجادة الأم، مرود الكحل، الخزانة المحترقة، الشجرة القديمة، جفن يشيخ على
جرف العين.
أما موطن حاجته إلى
مزيد من الصقل فيتمثل في كثافة الصور المتشابهة وتواتر المفردات الرمزية نفسها،
وفي ميل بعض القصائد إلى التقرير المباشر أو إلى تحميل البيت العمودي فكرة أكثر
مما يحتمل. غير أن هذه الملاحظات لا تحجب حقيقة أن الديوان يمتلك عالمًا لغويًا
واضح الملامح وصوتًا يسعى بإصرار إلى تحويل المحنة إلى معرفة.
إن "النهر
الآخر" ليس مكانًا تصل إليه الشاعرة في نهاية الرحلة، بل طريقة في رؤية
الأشياء. إنه النهر الذي يتدفق تحت سطح العالم المألوف، ولا يُرى إلا حين تنكسر
القشرة الخارجية للحياة. أما القصائد فهي القوارير التي تحاول أن تحمل شيئًا من
مائه؛ قد لا تحتوي النهر كله، لكنها تمنح القارئ فرصة أن يتذوق مرارته وعذوبته،
وأن يرى كيف يمكن للذات، وهي تعترف:
عينايَ نافذتانِ لا
تُدركانِ المسافةَ بينَنا
إلّا من شقوقِ القلب
أن تجعل من هذه
الشقوق نفسها طريقًا إلى الضوء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق