بقلم: الورّاق الجزائري
تبدأ قصيدة "تأويلات في مسارات الحصان" من سرّ ذائع، وتنتهي بدرب يهيئه الله حين يضيع الدرب الأول. وبين البدء والنهاية تتحرك ذات مثقلة بالأسئلة، تلاحق معنى لا يستقر في صورة واحدة، وتعبر فضاءات متباعدة تجمع الميناء والروابي والأدغال والجنائن والأسوار والغبار. لا يقدّم علي طه النوباني حكاية يمكن تلخيصها في حادثة، ولا يبني اعترافًا عاطفيًا يتقدم في خط واضح، بل يضع القارئ داخل تجربة تتشابك فيها المحبة بالخذلان، والغياب بالحضور، والموت بالحياة. لذلك يبدو عنوان القصيدة دقيقًا؛ فالنص لا يتحدث عن حصان ظاهر يقف في مركز المشهد، وإنما عن مساراته، أي عن الأثر الذي تتركه الحركة وهي تشق طريقها في اللغة والذاكرة والوجدان.
تقوم القصيدة على توتر مستمر بين الرغبة في الإفصاح والخوف من اكتمال القول. المطلع يأمر اثنين غامضين بأن ينثرا ما يجمعان، ثم يترك هويتهما معلقة. ومن هذا التعليق ينشأ سؤال القراءة الأول: من هما؟ أهما الحلم والألم، أم الحب والغياب، أم الشاعر وقرينه، أم قوتان متنازعتان في داخله؟ لا يحسم النص الإجابة، لكنه يوزع إشارات تسمح بكل احتمال من غير أن تمنح أيًّا منها السيادة الكاملة. وعلى هذا الأساس لا يعود الغموض ستارًا يخفي المعنى، بل يصبح طريقة لبنائه؛ فكل صورة تفتح بابًا، ثم تمنع الباب من أن يتحول إلى ممر وحيد.
عنوان يؤجل ظهور الحصان
يحضر الحصان في العنوان ثم يغيب عن معظم أبيات القصيدة، وهذا الغياب من أهم حيلها الفنية. فالقارئ يدخل النص وهو ينتظر الحيوان المسمّى، لكنه لا يجده في وصف جسدي ولا في مشهد فروسية مألوف. لا لون للفرس، ولا سرج، ولا حوافر تضرب الأرض، ولا فارس يعلن انتصاره. الذي يتكرر بدلًا من ذلك هو معجم الطريق والحركة: الأرض، الموانئ، الأفق، الدروب، الارتقاء، العود، النأي، المدار، الغبار، الأسوار، العنان. هكذا يتوزع الحصان في مفردات القصيدة قبل أن يظهر اسمه، كأنه طاقة كامنة تسري في أعضائها ولا تحتاج إلى جسد مستقل.
يفتح العنوان كذلك علاقة بين "التأويلات" و"المسارات". التأويل بطبيعته انتقال من ظاهر العبارة إلى احتمالها، والمسار انتقال في المكان من نقطة إلى أخرى. حين يجمع الشاعر الكلمتين، يجعل فعل القراءة شبيهًا بالرحلة؛ فالمعنى لا ينتظر قارئه ساكنًا، وإنما يراوغه ويستدرجه إلى منعطفات متتابعة. أما إضافة المسارات إلى الحصان فتمنح هذه الرحلة سرعة واندفاعًا وكبرياء، لكنها تحتفظ أيضًا بإمكان التعثر والجموح وشد العنان. الحصان هنا رمز للحرية، غير أن حريته ليست مضمونة؛ إذ يمكن للطريق أن يضيق به، وللفارس أن يكبحه، وللغبار أن يحجب وجهته.
لا يصل الاسم المنتظر إلا قرب نهاية القصيدة، في لحظة تتخذ طابع الوصية الشعرية:
واتركِ التأويلَ يجري
في مساراتِ الحصانِ
كصهيلٍ مستديرٍ
نامَ في حضنِ الأغاني
في هذا الموضع يتضح أن الحصان ليس موضوعًا للقصيدة بقدر ما هو صورة لطريقتها في إنتاج الدلالة. فالتأويل "يجري" كما يجري الفرس، والصهيل يتحول من صوت ينطلق في الفضاء إلى شكل "مستدير"، ثم ينام في الأغاني. يجمع المقطع بين الحركة والسكون، وبين المسموع والمرئي، وبين اليقظة والنوم. والاستدارة توحي بأن الطريق لا يمضي إلى نهاية قاطعة؛ إنه يعود إلى نفسه، أو يحيط بتجربة لا تستنفدها قراءة واحدة. لذلك لا تُغلق الخاتمة ما فتحه المطلع، بل تمنح القارئ حق متابعة الجري بعد انقضاء الأبيات.
ضمير المثنى وبناء السر
تستند البنية العميقة في القصيدة إلى ضمير المثنى. منذ "تكتمان" و"تجمعان" يتشكل حضور كائنين لا نعرفهما، ثم يخاطبهما الشاعر مباشرة: "أنتما حيث التقينا في دروبي تعبثان". ويعود إليهما بصيغة الغائب في قوله: "وهما في كل حال جمرة تكوي كياني"، قبل أن تظهر ثنائيات أخرى مثل العود والنأي، والنار والدخان، والوجد والتفاني. هذا الإلحاح النحوي ليس زينة صوتية؛ إنه الطريقة التي يصوغ بها النص انقسام التجربة. فالمتكلم لا يواجه شعورًا مفردًا، بل قوتين متلازمتين، كل واحدة منهما تستدعي نقيضها.
قد يكون الاثنان شخصين أو قيمتين أو صورتين للذات، لكن القصيدة تتعمد إبقاء المرجع مرنًا. وإذا حاولنا تثبيته في معنى واحد، سنصطدم بتحول الضمائر وبانتقال الخطاب من "أنتما" إلى "هما" ثم إلى "أنت والأحلام" و"أنت والأشواك". كأن المثنى وعاء تتبدل محتوياته، بينما تبقى العلاقة نفسها: اقتران لا يبلغ تمام الوحدة، وافتراق لا يستطيع أن يصير قطيعة. وهذا ما يفسر اجتماع عبارات مثل "حبل القران" و"دون لمس أو تدان"، فالنص يختبر قربًا روحيًا يشتد بقدر ما يتعذر اكتماله في الواقع.
في عبارة "وهما وجد قديم وهما مستدركان" تتكثف هذه المفارقة. الوجد قديم، أي إن أصله سابق للحظة القول، لكن الطرفين "مستدركان"، كأنهما يأتيان لاحقًا لتصحيح ما فات أو لاستكمال معنى ناقص. يلتقي القدم بالاستدراك، فتغدو التجربة ذكرى تتجدد ولا تنتهي. ولعل ذلك يفسر شيوع صور الرسوم والخيالات والأسماء؛ فما لا يتحقق حضورًا كاملًا يعود أثرًا، وما لا يمكن امتلاكه في الزمن يُستعاد باللغة.
إن الغموض المرجعي يمنح القصيدة اتساعًا، لكنه يحمّل القارئ عبئًا واضحًا. ففي بعض المواضع تتراكم الضمائر قبل أن يتوافر سياق كاف يضبط علاقاتها، فيصبح الانتقال بينها أقرب إلى الومض منه إلى البناء المتدرج. غير أن هذا العبء ينسجم، في جانب كبير منه، مع موضوع القصيدة؛ فالنص يتحدث من قلب ارتباك وجداني وفكري، ولا يدّعي أن العالم مرتب بحيث يمكن تسمية كل قوة فيه منذ السطر الأول.