اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...
‏إظهار الرسائل ذات التسميات علي طه النوباني،. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات علي طه النوباني،. إظهار كافة الرسائل

تحليل قصيدة الشهيد وذبالة المريد لعلي طه النوباني: بين نور الشهادة وقلق المريد

صورة رمزية لقصيدة الشهيد وذبالة المريد لعلي طه النوباني

لا يدخل علي طه النوباني إلى قصيدته "الشّهيد، وَذُبالَةُ المُريد" من باب اليقين السهل؛ فالكلمة الأولى في النص هي "وجلاً"، ثم يظهر المخاطَب في صورة مسافة تطفو على الأغلال. ومن هذا التوتر تبدأ قصيدة طويلة تجمع المرثية بالتأمل في معنى السير بعد الفقد: من هو الذي غاب؟ ومن الذي ظلّ يحمل نوره؟ وهل يكفي تمجيد الشهيد، أم أن الامتحان الحقيقي يقع على عاتق من بقي حيًا؟

نُشرت القصيدة في "الدستور الثقافي" في 13 كانون الأول 2024، وتتيح نسختها التي قدمها الشاعر قراءة امتدادها الكامل في ثمانية وستين بيتًا. غير أن طولها ليس مجرد سعة في الرثاء؛ فالصوت يتحول خلاله من مخاطبة "أنت" إلى اعتراف "أنا"، ثم إلى "نحن" والجماعة والأطفال، قبل أن يعود إلى الطريق في النهاية. هذا التبدل هو أحد مفاتيحها: الشهادة هنا لا تقف عند مصير فرد، بل تثير سؤال الذاكرة والمسؤولية.

عنوان يجمع الوهج والهشاشة

يضع العنوان "الشهيد" إلى جانب "ذبالة المريد". والذبالة خيط الفتيلة الذي يستبقي النار في المصباح، وقد يبدو صغيرًا أمام صورة الشهيد بما فيها من رفعة وامتلاء. أما المريد فهو طالب الطريق؛ لا يملك اكتمال من يطمئن إلى غايته، بل يتعلمها في سيره. وعلى هذا النحو لا يختزل العنوان العلاقة في بطل وتابع حيث يمكن أن يُقرأ الشهيد بوصفه أثرًا مضيئًا، والمريد بوصفه ذاتًا معرضة للخبو تحاول أن تحفظ ذلك الأثر. هذه قراءة يساندها ورود الذبالة في مطلع النص، ثم ظهور المريد قرب ختامه، من غير أن تقفل القصيدة الرمز على معنى واحد.

وَذُبالَةٌ في العَتمِ تَحسَبُ أَنَّها / قَبَسٌ مِن التَّعْجيلِ والإِمهالِ

في قول الشاعر إن الذبالة "تَحسب" أنها قبس، مسافة خفيفة بين ما تراه الذات في نفسها وما تملكه فعلًا. والاقتران غير المتوقع بين "التعجيل والإمهال" يجعل الإضاءة مترددة: تشتعل، لكنها لا تلغي العتمة دفعة واحدة. هذا التردد أنسب لحال المريد من صورة نار منتصرة على نحو مطلق؛ فالسائر يحتاج إلى شعلة تكفيه للخطوة التالية، حتى حين لا يرى نهاية الدرب.

تأويلات في مسارات الحصان لعلي طه النوباني قراءة في صراع المعنى بين الجرح والانبعاث

بورتريه للشاعر الأردني علي طه النوباني بخلفية داكنة، مرفق بمقالة تحليل قصيدة "تأويلات في مسارات الحصان".

بقلم: الورّاق الجزائري

تبدأ قصيدة "تأويلات في مسارات الحصان" من سرّ ذائع، وتنتهي بدرب يهيئه الله حين يضيع الدرب الأول. وبين البدء والنهاية تتحرك ذات مثقلة بالأسئلة، تلاحق معنى لا يستقر في صورة واحدة، وتعبر فضاءات متباعدة تجمع الميناء والروابي والأدغال والجنائن والأسوار والغبار. لا يقدّم علي طه النوباني حكاية يمكن تلخيصها في حادثة، ولا يبني اعترافًا عاطفيًا يتقدم في خط واضح، بل يضع القارئ داخل تجربة تتشابك فيها المحبة بالخذلان، والغياب بالحضور، والموت بالحياة. لذلك يبدو عنوان القصيدة دقيقًا؛ فالنص لا يتحدث عن حصان ظاهر يقف في مركز المشهد، وإنما عن مساراته، أي عن الأثر الذي تتركه الحركة وهي تشق طريقها في اللغة والذاكرة والوجدان.
تقوم القصيدة على توتر مستمر بين الرغبة في الإفصاح والخوف من اكتمال القول. المطلع يأمر اثنين غامضين بأن ينثرا ما يجمعان، ثم يترك هويتهما معلقة. ومن هذا التعليق ينشأ سؤال القراءة الأول: من هما؟ أهما الحلم والألم، أم الحب والغياب، أم الشاعر وقرينه، أم قوتان متنازعتان في داخله؟ لا يحسم النص الإجابة، لكنه يوزع إشارات تسمح بكل احتمال من غير أن تمنح أيًّا منها السيادة الكاملة. وعلى هذا الأساس لا يعود الغموض ستارًا يخفي المعنى، بل يصبح طريقة لبنائه؛ فكل صورة تفتح بابًا، ثم تمنع الباب من أن يتحول إلى ممر وحيد.

عنوان يؤجل ظهور الحصان

يحضر الحصان في العنوان ثم يغيب عن معظم أبيات القصيدة، وهذا الغياب من أهم حيلها الفنية. فالقارئ يدخل النص وهو ينتظر الحيوان المسمّى، لكنه لا يجده في وصف جسدي ولا في مشهد فروسية مألوف. لا لون للفرس، ولا سرج، ولا حوافر تضرب الأرض، ولا فارس يعلن انتصاره. الذي يتكرر بدلًا من ذلك هو معجم الطريق والحركة: الأرض، الموانئ، الأفق، الدروب، الارتقاء، العود، النأي، المدار، الغبار، الأسوار، العنان. هكذا يتوزع الحصان في مفردات القصيدة قبل أن يظهر اسمه، كأنه طاقة كامنة تسري في أعضائها ولا تحتاج إلى جسد مستقل.
يفتح العنوان كذلك علاقة بين "التأويلات" و"المسارات". التأويل بطبيعته انتقال من ظاهر العبارة إلى احتمالها، والمسار انتقال في المكان من نقطة إلى أخرى. حين يجمع الشاعر الكلمتين، يجعل فعل القراءة شبيهًا بالرحلة؛ فالمعنى لا ينتظر قارئه ساكنًا، وإنما يراوغه ويستدرجه إلى منعطفات متتابعة. أما إضافة المسارات إلى الحصان فتمنح هذه الرحلة سرعة واندفاعًا وكبرياء، لكنها تحتفظ أيضًا بإمكان التعثر والجموح وشد العنان. الحصان هنا رمز للحرية، غير أن حريته ليست مضمونة؛ إذ يمكن للطريق أن يضيق به، وللفارس أن يكبحه، وللغبار أن يحجب وجهته.
لا يصل الاسم المنتظر إلا قرب نهاية القصيدة، في لحظة تتخذ طابع الوصية الشعرية:
واتركِ التأويلَ يجري
في مساراتِ الحصانِ
كصهيلٍ مستديرٍ
نامَ في حضنِ الأغاني
في هذا الموضع يتضح أن الحصان ليس موضوعًا للقصيدة بقدر ما هو صورة لطريقتها في إنتاج الدلالة. فالتأويل "يجري" كما يجري الفرس، والصهيل يتحول من صوت ينطلق في الفضاء إلى شكل "مستدير"، ثم ينام في الأغاني. يجمع المقطع بين الحركة والسكون، وبين المسموع والمرئي، وبين اليقظة والنوم. والاستدارة توحي بأن الطريق لا يمضي إلى نهاية قاطعة؛ إنه يعود إلى نفسه، أو يحيط بتجربة لا تستنفدها قراءة واحدة. لذلك لا تُغلق الخاتمة ما فتحه المطلع، بل تمنح القارئ حق متابعة الجري بعد انقضاء الأبيات.

ضمير المثنى وبناء السر

تستند البنية العميقة في القصيدة إلى ضمير المثنى. منذ "تكتمان" و"تجمعان" يتشكل حضور كائنين لا نعرفهما، ثم يخاطبهما الشاعر مباشرة: "أنتما حيث التقينا في دروبي تعبثان". ويعود إليهما بصيغة الغائب في قوله: "وهما في كل حال جمرة تكوي كياني"، قبل أن تظهر ثنائيات أخرى مثل العود والنأي، والنار والدخان، والوجد والتفاني. هذا الإلحاح النحوي ليس زينة صوتية؛ إنه الطريقة التي يصوغ بها النص انقسام التجربة. فالمتكلم لا يواجه شعورًا مفردًا، بل قوتين متلازمتين، كل واحدة منهما تستدعي نقيضها.
قد يكون الاثنان شخصين أو قيمتين أو صورتين للذات، لكن القصيدة تتعمد إبقاء المرجع مرنًا. وإذا حاولنا تثبيته في معنى واحد، سنصطدم بتحول الضمائر وبانتقال الخطاب من "أنتما" إلى "هما" ثم إلى "أنت والأحلام" و"أنت والأشواك". كأن المثنى وعاء تتبدل محتوياته، بينما تبقى العلاقة نفسها: اقتران لا يبلغ تمام الوحدة، وافتراق لا يستطيع أن يصير قطيعة. وهذا ما يفسر اجتماع عبارات مثل "حبل القران" و"دون لمس أو تدان"، فالنص يختبر قربًا روحيًا يشتد بقدر ما يتعذر اكتماله في الواقع.
في عبارة "وهما وجد قديم وهما مستدركان" تتكثف هذه المفارقة. الوجد قديم، أي إن أصله سابق للحظة القول، لكن الطرفين "مستدركان"، كأنهما يأتيان لاحقًا لتصحيح ما فات أو لاستكمال معنى ناقص. يلتقي القدم بالاستدراك، فتغدو التجربة ذكرى تتجدد ولا تنتهي. ولعل ذلك يفسر شيوع صور الرسوم والخيالات والأسماء؛ فما لا يتحقق حضورًا كاملًا يعود أثرًا، وما لا يمكن امتلاكه في الزمن يُستعاد باللغة.
إن الغموض المرجعي يمنح القصيدة اتساعًا، لكنه يحمّل القارئ عبئًا واضحًا. ففي بعض المواضع تتراكم الضمائر قبل أن يتوافر سياق كاف يضبط علاقاتها، فيصبح الانتقال بينها أقرب إلى الومض منه إلى البناء المتدرج. غير أن هذا العبء ينسجم، في جانب كبير منه، مع موضوع القصيدة؛ فالنص يتحدث من قلب ارتباك وجداني وفكري، ولا يدّعي أن العالم مرتب بحيث يمكن تسمية كل قوة فيه منذ السطر الأول.

الشاعر علي طه النوباني: حداثة التيه وانهيار العالم في قصيدة "باقة من حكايات التيه"

 

بورتريه بالألوان المائية للشاعر والروائي الأردني علي طه النوباني، تحيط به رموز مستوحاة من قصيدة "باقة من حكايات التيه"، تشمل النهر والغربان وعقارب الساعة وأجواء الغربة والتيه.


   بقلم: الورّاق الجزائري   

حين تفقد الحروف أسماءها

لا تبدأ قصيدة "باقة من حكايات التيه" للشاعر والروائي الأردني علي طه النوباني من حادثة يمكن تحديدها، ولا تتجه نحو خاتمة تستعيد فيها الأشياء نظامها. إنها تدخل منذ السطر الأول في عالم وقع فيه الخلل أصلًا، ولم يعد السؤال فيه: ماذا حدث؟ بل: ماذا بقي من الإنسان بعد أن حدث كل شيء؟ ولهذا يبدو العنوان نفسه مفتاحًا أوليًا للقراءة؛ فـ"الباقة" توحي بالتعدد والجمع، بينما تحيل "حكايات التيه" إلى شظايا سردية متفرقة، تتجاور من غير أن تنتظم في حكاية تقليدية واحدة. إننا أمام أصوات ضائعة أكثر مما نحن أمام شخصيات، وأمام ذاكرة مكسورة أكثر مما نحن أمام وقائع.

هذه البنية هي المدخل الأهم إلى حداثة القصيدة. فالحداثة هنا لا تتحقق بمجرد استخدام قصيدة النثر أو الصورة الغريبة، وإنما في تفكيك مركز الحكاية، وتشظية الصوت، واضطراب الزمن، وتحويل اللغة نفسها إلى جزء من المأساة. الصبي والعجوز والشاب والفتاة والشرطي والخطيب لا يروون قصصًا مكتملة؛ كل واحد منهم يحمل قطعة من عالم محطم، ثم يضعها إلى جوار قطع الآخرين. وما يتشكل في النهاية ليس صورة مكتملة، وإنما فسيفساء للضياع.

 

القافلة التي لا تصل

يفتتح النوباني النص بعبارة شديدة الكثافة:

"على بُعد قافلة من الغربة"

ثم تعود العبارة في مواضع لاحقة، فتغدو أشبه بلازمة بنائية ونفسية. اللافت أن الشاعر لا يقيس المسافة بالمتر أو بالزمن، بل بـ"قافلة". وهكذا تتحول المسافة من مقدار هندسي إلى تجربة بشرية. فالقافلة حركة وانتقال وانتظار وتعب، وقد تحمل في ذاكرتها الصحارى والهجرات والنزوح والبحث عن مكان آخر. لكن المفارقة أن هذه القافلة لا تحقق الوصول. إنها تتحرك داخل التيه نفسه:

شربنا حَبَّةَ المَلَل الأخيرة
رسمنا طلاسمنا على ذاكرة الرمال

الملل هنا ليس حالة نفسية عابرة، فقد تحول إلى "حبة" تُشرب، بينما تحولت الرمال إلى ذاكرة تُكتب عليها الطلاسم. ومنذ البداية تتخلى الأشياء عن وظائفها المألوفة: الرمل يتذكر، والملل يُشرب، والسنابل تبكي، والشوارع والمدارس تدخل دائرة الألم، والكروم تئن:

لماذا تبكي السنابلُ
والشوارع
والمدارس
لماذا تئنُّ الكروم في مقصلة الألم

هذه الأنسنة ليست زينة بلاغية. فالألم بلغ من الاتساع حدًا لم يعد معه الإنسان وحده قادرًا على حمله، ولذلك يتوزع على الموجودات. وحين تبكي المدرسة والشارع والسنبلة والكرمة، يصبح الخراب خراب عالم لا مصيبة فرد.

"هل جاء غدًا؟": الزمن بوصفه مأساة

ومن أجمل مفاتيح النص سؤال الصبي:

"هل جاءَ "غدًا"؟"

إن وضع "غدًا" بين علامتي تنصيص يزعزع دلالتها المعتادة. لم تعد الكلمة مجرد ظرف زمان، بل صارت شيئًا منتظرًا، وربما وعدًا سياسيًا أو اجتماعيًا أو إنسانيًا طال تأجيله. وحين يجيب العجوز:

لقد جاء "غدًا"
لكنه فقد العروسَ التي تُوظِّبُ شعره

تحدث واحدة من أكثر انزياحات القصيدة دلالة. المستقبل الذي انتُظر طويلًا وصل أخيرًا، لكنه وصل ناقصًا ومشوهًا وجائعًا. فقد العروس، وجاع في الطريق، ولم يأكل سوى: "خيطٍ من لهيب الشمس"! إنه مستقبل استهلكته الرحلة قبل أن يصل. وبذلك يقلب النوباني التصور التقليدي للغد بوصفه أفق الخلاص؛ فالغد هنا ليس وعدًا بالنجاة، وإنما ناجٍ آخر من الكارثة.

وتتكرر أزمة الزمن لاحقًا مع الساعة والعقارب. يقول الصبي: "ماذا تريد مني الساعة؟"

وفي المقطع الرابع:

"العقاربُ لاذتْ بالفرار إلى هيكلٍ آخر"

ثم تنتهي القصيدة بالانتظار:

"ولننتظر عقارب الساعة"

وبهذا تتشكل دائرة دلالية لافتة، فالزمن لم يعد إطارًا تجري فيه الأحداث؛ لقد أصبح شخصية مضطربة داخل النص: العقارب تفر، والمحطات تُتجاوز، والأمطار تأتي بعد موت الزرع، والباب يُغلق بعد فوات اللحظة. كل شيء يحدث، لكن في التوقيت الخطأ.

 

الشاعر علي طه النوباني: من جنازة حمورابي إلى الحقل المحترق تحولات الشعرية ورؤية العالم

 بورتريه فني بأسلوب الألوان المائية للشاعر الأردني علي طه النوباني، بملامح هادئة وخلفية تجريدية بألوان ترابية وزرقاء ناعمة، ضمن أجواء تأملية تناسب تجربته الشعرية.

بقلم: الورّاق الجزائري

ليس من السهل وضع تجربة علي طه النوباني الشعرية تحت عنوان واحد مغلق. فهي تجربة تمتد زمنًا طويلًا، وتتحرك بين القصيدة العمودية والتفعيلة وقصيدة النثر، وبين التاريخ والأسطورة والواقع السياسي والتجربة الذاتية والحب والموت والمكان والاغتراب. وإذا كانت مجموعاته الأولى، منذ "جنازة حمورابي الأخيرة"، قد كشفت مبكرًا انشغالًا واضحًا بمصير الإنسان في عالم العنف والقهر، فإن وصول التجربة إلى "الحقل والأرانب" يوضح أن هذا السؤال لم يختف، بل تغيرت اللغة التي يُطرح بها، وأصبحت أكثر غرابة وأشد توترًا وأكثر ميلًا إلى المفارقة والعبث.

لهذا لا يمكن قراءة "الحقل والأرانب" باعتبارها مجرد امتداد لما سبقها، ولا باعتبارها قطيعة معه. إنها استمرار وتحول في آن واحد. فالإنسان المهدد الذي ظهر في "جنازة حمورابي الأخيرة" و"دورة تشرين" و"الدرب والحكايات" و"شارع آخر" و"عندما نقمت علينا الريح" ما يزال موجودًا، لكن العالم الذي يتحرك فيه أصبح أكثر التباسًا؛ لم يعد الظالم دائمًا ظاهرًا في هيئة نمرود أو دكتاتور، ولم يعد السجن مجرد جدران، ولم يعد الطريق يؤدي بالضرورة إلى مكان يمكن الوصول إليه. فالأشياء نفسها أصبحت غير موثوقة: الحقل قد يُحرَق، والأرنب قد يُقتل باسم الخوف عليه، والطريق قد يفقد ذاكرته، والقطار قد يقود إلى اغتراب آخر، والمرآة قد تعيد للإنسان وجهًا لا يعرفه.

 

الشعر قبل القصيدة: الذاكرة الأولى للصوت

لفهم هذه الرحلة من المفيد العودة إلى البدايات التي يرويها النوباني نفسه في مقدمة أعماله الشعرية الكاملة. فقد نشأ الشعر لديه في فضاء البيت قبل أن يتحول إلى ممارسة ثقافية واعية. كان الأب ينشد القصائد في حوش الدار تحت الدالية، وتتغير نبرة الإنشاد باختلاف النوع الشعري، بينما كان الطفل يراقب الصوت والانفعال والحضور الجماعي للشعر. ومن هذه التجربة السمعية المبكرة يمكن فهم العلاقة العميقة بين شعر النوباني والموسيقى، حتى حين يكتب قصيدة النثر. فقد عرف الشعر أولًا بوصفه صوتًا، لا بوصفه وزنًا مكتوبًا فحسب.

ومع اتساع قراءاته انتقل من الشعر العمودي إلى التفعيلة ثم إلى قصيدة النثر، لكنه لم يهجر أي شكل سابق. وقد صاغ موقفه بوضوح حين رفض الصرامة في الثبات على شكل واحد، ورأى أن الحالة الشعورية هي التي تستدعي بنيتها المناسبة، وأن التنوع والتجريب قادران على إغناء الشعر العربي. هذه الفكرة ستصبح أكثر وضوحًا عندما نصل إلى "الحقل والأرانب"، حيث تتجاور القصيدة الموزونة مع النص المفتوح والقصيدة المشهدية والمقطع الذي يكاد يكون قصة قصيرة أو حلمًا أو مونولوجًا داخليًا.

 

الشاعر الأردني علي طه النوباني: قراءة نقدية في قصيدة «الحقل والأرانب»

 

الشاعر والروائي علي طه النوباني في صورة شخصية، جالسًا أمام حقل ممتد تحت سماء الغروب.


الجريمة التي يرتكبها اليأس باسم الحب
            بقلم: الورّاق الجزائري


          مدخل: قصيدة تبدأ بالجريمة ولا تمنحنا براءة الحكم

تضعنا قصيدة "الحقل والأرانب" لعلي طه النوباني منذ سطرها الأول أمام فعلين صادمين لا تمهيد لهما ولا محاولة لإخفائهما: إحراق الحقل وقتل الأرانب. لا يبدأ المتكلم بوصف المكان، ولا باستعادة ماضٍ سعيد، ولا بشرح الأزمة التي دفعته إلى فعله؛ بل يدخل مباشرة في الاعتراف:

أشعلتُ الحقلَ لأنَّ القمحَ يُطيلُ العمر
وقتلتُ الأرانبَ لأنَّها متحمسةٌ جدًّا

إنها بداية حادة تحرم القارئ من مسافة الأمان. فنحن لا نقف أمام راوٍ يراقب كارثة وقعت للآخرين، بل أمام الفاعل نفسه، يعترف بما ارتكب ويقدم أسبابه. غير أن هذه الأسباب لا تفسر الفعل بقدر ما تزيده غموضًا: لماذا يصبح إطالة العمر سببًا لإحراق القمح؟ وكيف تتحول الحماسة إلى تهمة تستحق الأرانب بسببها القتل؟

من هذه المفارقة الأولى تنبثق البنية العميقة للقصيدة كلها. إننا أمام ذات انقلبت لديها العلاقات بين الأسباب والنتائج، والحب والعنف، والخلاص والفناء، والبراءة والجريمة. وهي ذات لا تقتل لأنها تكره الحياة بالضرورة، بل ربما لأنها أرادت حياة مطلقة النقاء، وحين لم تجدها أصدرت حكمها على الحياة الناقصة بالإعدام. لذلك، فإنَّ هذه القصيدة ليست رثاءً بسيطًا لحقل احترق وأرانب قُتلت. إنها تحقيق شعري في اللحظة التي يتحول فيها الجريح إلى جارح، والعاشق إلى قاتل، والحالم إلى مخرّب، والباحث عن الحقيقة إلى إنسان يعبر نفقها وحيدًا بعد أن دمّر كل ما كان يمكن أن يرافقه.

وتنبع أهمية النص من أنه لا يمنح قارئه جوابًا أخلاقيًا جاهزًا. نستطيع أن نتعاطف مع المتكلم، لأن صوته مثقل بالحزن والاختناق والخوف، لكننا لا نستطيع تبرئته. ونستطيع أن نفهم دوافعه النفسية، لكن الفهم لا يلغي فداحة الفعل. وبهذا تحتفظ القصيدة بتوترها حتى النهاية: هل المتكلم ضحية قادها اليأس إلى الجنون، أم جلاد تعلم أن يسمي تدميره حبًا وحمايةً وحقيقة؟

 

العنوان: براءة رعوية تنقلب إلى مشهد احتراق

يحمل عنوان «الحقل والأرانب» إيحاءً رعويًا هادئًا. فالحقل يوقظ في الذاكرة صور القمح والخصوبة والعمل والحصاد ودورة الفصول، بينما تستدعي الأرانب الرقة والخفة والبراءة والحيوية. يوحي العنوان، قبل قراءة النص، بعلاقة طبيعية بين مكان يمنح الغذاء وكائنات صغيرة تعيش في كنفه. لكن القصيدة لا تلبث أن تنقلب على أفق الانتظار هذا. الحقل لا يُزرع بل يُحرق، والأرانب لا تَقفز في العشب بل تُقتل، والعصافير لا تُزقزق، والغيمة لا تمطر، والحصاد لا يَتم، والطريق يَمشي فوق الجثث. فالعالم الرَعوي لم يختفِ كليًا، لكنه تَحوَّلَ إلى أنقاض مَشهد كان يمكن أن يكون جَميلًا. وتتضاعف دلالة العنوان حين ندرك أنه يجمع بين رمز المكان ورمز الكائن الحي. الحقل هو الحاضنة، والأرانب هي الحياة التي تنمو داخلها. إحراق الأول وقتل الثانية يعنيان القضاء على الشرط والثمرة معًا؛ على المكان وإمكاناته، وعلى البراءة التي تسكنه.

لهذا لا يكون العنوان مجرد تحديد لموضوع القصيدة، بل يُصبح اسمًا لعالم مفقود. (الحقل والأرانب) هما ما كان يمكن أن يستمر، لولا أن المتكلم قرر إنهاءه. وعندما نعود إلى العنوان بعد القراءة، لا نراه صورة ريفية بريئة، بل شاهد قبر مختَصرًا للحقل وسكانه.

 

الشاعر علي طه النوباني: حين يسكن الطاغية في الحرف - الطقس الأورفي ودائرة الاستبداد في "مشاهد من طقوس الطغيان"

الشاعر والروائي علي طه النوباني في صورة شخصية، مرتديًا نظارة وقميصًا فاتحًا، وخلفه أعمدة مبنى كلاسيكي.


مدخل: من إدانة الطاغية إلى اكتشافه في الذات

          بقلم: الورّاق الجزائري

في قصيدة "مشاهد من طقوس الطغيان" للشاعر علي طه النوباني لا يظهر الطغيان حادثةً سياسية عارضة، ولا سلوكًا فرديًا يمكن اختزاله في حاكم مستبد، بل يتجلى نظامًا دائريًا شاملًا، يتسلل إلى السلطة والمجتمع واللغة والذاكرة، ثم يبلغ أعماق الإنسان نفسه. ولهذا لا تكتفي القصيدة بتوجيه إصبع الاتهام إلى الطاغية، وإنما تنتقل إلى السؤال الأكثر إيلامًا: ماذا يحدث للمظلوم حين يطول به المقام في عالم الظلم؟ وهل يبقى بريئًا من البنية التي سحقته، أم يعيد إنتاجها في علاقاته وسلوكه ووعيه؟

يختصر المطلع هذه الرؤية في عبارة تبدو بسيطة، لكنها تحمل البذرة الدلالية للنص كله:

ظَلَمونا
ثمَّ تَظالمنا
فتساوى المظلومُ مع الظالمْ

لا تقيم العبارة مقابلة تقليدية بين ظالم ومظلوم، بل تكشف حركة التحول من وقوع الظلم على الجماعة إلى تسرّبه داخلها. فالفعل "ظلمونا" يحدد عدوًا خارجيًا، أما “تظالمنا” فينقل مركز المأساة إلى الداخل؛ إذ يصبح ضحايا الطغيان مشاركين، بوعي أو بغير وعي، في إعادة إنتاج منطقه. وحين يقول الشاعر: “فتساوى المظلوم مع الظالم”، فإنه لا يبرئ السلطة الأولى، بل يكشف نجاحها الأخطر: تحويل الظلم من مؤسسة خارجية إلى ثقافة داخلية.

من هنا تتجاوز القصيدة الاحتجاج السياسي المباشر لتصبح بحثًا في أنطولوجيا الطغيان؛ أي في الطريقة التي يوجد بها داخل الإنسان والتاريخ واللغة. وهي لا تقدم هذا البحث في صورة خطاب فلسفي مجرد، بل تبنيه عبر طقس شعري تتكرر فيه اللازمة والصور والحركات والإيقاعات، كأن الشاعر يستحضر الظاهرة مرة بعد مرة لكي يحيط بأقنعتها المتبدلة.

 

العنوان وبنية المشاهد

يحمل العنوان، “مشاهد من طقوس الطغيان”، مفتاحًا أساسيًا لقراءة النص. فاختيار كلمة “مشاهد” يشير إلى أن القصيدة لا تقوم على حكاية خطية واحدة، وإنما تتكون من لوحات متعاقبة، لكل منها فضاؤها وصورها وشخصياتها وإيقاعها. أما كلمة “طقوس” فتنقل الطغيان من مستوى الفعل المنفرد إلى مستوى الممارسة المتكررة التي تحتاج إلى أدوار وشعارات وجمهور وكاهن وأضحية.

فالطاغية لا يعمل منفردًا؛ إنه يظهر محاطًا بالمصفقين والخائفين والكهنة والحمقى والمخدوعين. والجميع يؤدون أدوارهم داخل مشهد تتكرر بنيته مهما تغيرت أسماء الحكام والأزمنة. ولذلك لا يسعى النص إلى رسم صورة طاغية تاريخي بعينه، بل إلى القبض على “طقس الطغيان” نفسه: كيف يتشكل، وكيف يستمر، وكيف يجدد لغته، وكيف يجد دائمًا من يبرره أو يستجدي منه النجاة.

ويعزز التقسيم بالنجوم طبيعة القصيدة المشهدية. فكل مقطع يمثل دورة جديدة حول المركز ذاته، لكنه لا يكرر المقطع السابق حرفيًا؛ بل يغير زاوية النظر. نرى الطغيان مرةً من خلال سيزيف، ومرةً من خلال تعدد أقنعة الطغاة، ومرةً من خلال السيف والأوراق، ومرةً من خلال الحرف والقيثارة، ومرةً في هيئة مشهد جماهيري ساخر، وأخيرًا في صورة كائن فجّ يسرق ضحكة الطفل ويطفئ الأسماء.

وبذلك يتحول البناء من تسلسل قصصي إلى بناء دائري: تعود القصيدة إلى النقطة نفسها، لكنها تعود إليها محملةً في كل مرة بطبقة دلالية جديدة.

 

دموع فينيس لعلي طه النوباني: جمال المدينة وصرخة الإنسان المخنوق

 

الشاعر والروائي علي طه النوباني في صورة شخصية، جالسًا أمام قناة مائية تحيط بها مبانٍ قديمة.


قراءة نقدية في البنية والسلطة والرمز والمكان والجسد واللغة

بقلم: الورّاق الجزائري

تقوم رواية (دموع فينيس) لعلي طه النوباني على مشروع سردي يتجاوز حدود الحكاية الاجتماعية المباشرة؛ فهي لا تروي فقط سيرة أسرة أردنية تواجه الفقر والمرض والفساد والعجز، ولا تستعيد جراسا الرومانية لمجرد الاحتفاء بتاريخ جرش وجمالها القديم؛ بل تبني عالمًا روائيًا مزدوجًا يجعل الماضي مرآة للحاضر، ويجعل الحاضر طبقة جديدة من تاريخ طويل للقهر الإنساني.

تتحرك الرواية بين مسارين يفصل بينهما نحو ألفي عام. يدور الأول في جرش الحديثة، ويتمحور حول وهيب وأسرته، ولا سيما ابنته سناء، فيما يدور الثاني في جراسا القديمة حول فينيس ودوروتيو وكايروس ونيرفا، في عالم تحكمه العبودية والطبقية وتحالف المال والدين والسلطة. ومع تقدم القراءة يتبين أن المسارين ليسا حكايتين متجاورتين، وأن الانتقال بينهما لا يقوم على الرغبة في التنويع الزمني، بل على ضرورة فنية وفكرية: ثمة أشياء لا يستطيع الحاضر أن يقولها باسمه، فيستعير لها وجوه الماضي وأسماءه وأساطيره.

ومن هنا تنفتح الرواية على مفتاح قرائي أساسي: إنها لا تتحدث عن القمع في مضمونها فقط؛ بل إن شكلها نفسه يحمل آثار القمع. فالاختزال، والتلميح، والرمزية، والانقسام بين زمنين، وتعدد الرواة، والاختفاء خلف الشخصيات التاريخية والأسطورية، ليست بالضرورة نواقص ناشئة عن التردد في القول، وإنما قد تكون وسائل قول فرضتها بيئة تجعل البوح المباشر بالدين والجنس والسياسة محفوفًا بالخطر.

في هذا السياق، لا تكون جراسا القديمة هروبًا من جرش الحديثة، بل تصبح لغة بديلة للحديث عنها. ولا تنتمي فينيس إلى الماضي وحده؛ إنها قناع فني تستطيع من خلاله الشخصية المعاصرة أن تنطق بما لا يسمح لها محيطها بالنطق به. وبذلك لا تكتفي الرواية بتصوير الإنسان المخنوق، وإنما تجعل بنيتها وصورها وانقطاعاتها وأصواتها تحمل آثار ذلك الاختناق.

 

الرواية بوصفها خطابًا محاصرًا

في البيئات التي تتعدد فيها مراكز الرقابة، لا يعود الكاتب في مواجهة سلطة واحدة واضحة يمكن تحديدها والاحتجاج عليها. السلطة في (دموع فينيس) ليست جهازًا منفردًا، وإنما شبكة متراكبة تتداخل فيها الدولة والمؤسسة الدينية والعشيرة والأسرة والرأي العام وموازين المال والسمعة. فالدولة تراقب المجال السياسي، وتحدد عمليًا حدود الاعتراض المقبول. وتحدد المؤسسة الدينية مجال التفكير في المقدس والجسد والشك والرغبة. وتراقب البنية العشائرية والاجتماعية السلوك والسمعة والزواج والعلاقات الشخصية. أما الأسرة فتعيد إنتاج هذه السلطات داخل البيت، أحيانًا بقصد الحماية، وأحيانًا خوفًا من المجتمع، وأحيانًا من دون أن تدرك أنها تواصل عمل القوى الخارجية.

ومع الزمن لا يبقى الرقيب خارج الإنسان. تتحول الرقابة الخارجية إلى رقيب داخلي، فيخشى الفرد كلامه قبل أن ينطق به، ويعيد ترتيب ذاكرته عند البوح، ويخفي رغبته حتى عن نفسه، ويتعلم أن يقول نصف الحقيقة أو أن يضعها في حكاية شخص آخر. وعند هذه النقطة يبلغ القمع أكثر مراحله رسوخًا؛ لأن السلطة لا تعود في حاجة إلى الحضور الدائم، بعدما استقرت داخل الوعي واللغة والجسد.

قراءة في قصيدة "عندما نقمت علينا الريح" لعلي طه النوباني

لوحة بورتريه بأسلوب الألوان المائية للشاعر والروائي علي طه النوباني، جالسًا بملابس كاجوال وقميص رمادي فوق قميص أبيض، وينظر بهدوء إلى الكاميرا على خلفية فاتحة.

 

حين يصير التشظّي طريقةً لرؤية العالم 

بقلم: الوراق الجزائري

منذ سطرها الأول، لا تمنح قصيدة "عندما نقمت علينا الريح" قارئها أرضًا ثابتة يقف عليها. نحن قرب إشارة حمراء، في مكان مألوف من المدينة، لكن ما نراه هناك لا ينتمي إلى نظام الحياة اليومية المألوف: قرد يلعق الزفت، ولافتات تمسخ الألوان، ورجل بلا ملامح، وأنثى صارخة، وملك قديم يشتري البطاطا المقلية. كأن الواقع، بدل أن يُقدَّم لنا كما نعرفه، دخل مرآةً مشروخة وأخذ يستعيد نفسه في صور متنافرة.  وهذه الغرابة ليست زينة تضاف إلى القصيدة من الخارج. إنها طريقتها في النظر. فعالم النص نفسه مختل العلاقات: الأشياء باقية، لكنها لم تعد تؤدي وظائفها القديمة؛ الطريق لا يوصل، والساعة تنسى عقاربها، والمخدة تصعق، والنافذة تعوي أو تغوص في زيت محرك محروق، وشاشة الحاسوب تتحول إلى ترحال مميت. حتى الحب والأسطورة والتاريخ لا تنجو من هذا الاضطراب: الملك يصبح زبونًا، وإلهة الحب تعد النقود، وصورة الغازي التتري تظهر خلف مقود سيارة أجرة.

لا تسرد القصيدة حكاية يمكن ترتيب وقائعها من البداية إلى النهاية. مقاطعها الثمانية أقرب إلى لوحات متتابعة تجمعها حالة شعورية واحدة. الصورة لا تشرح ما قبلها ولا تمهد بالضرورة لما بعدها؛ إنها تصدمها، تنحرف عنها، أو تفتح فيها شقًا جديدًا. ومع ذلك لا تبدو القصيدة، عند إعادة قراءتها، مجموعةً اعتباطية من المشاهد. خلف التباعد الظاهر تتكرر أسئلة بعينها: أين الطريق؟ أين الملامح؟ هل يستطيع البيت أن يحمينا؟ هل تصل اللغة إلى ما تريد قوله؟ وهل يمكن للإنسان أن يعرف صوته في عالم تمسخ فيه الإعلانات الألوان؟

 

العنوان: جملة تنتظر جوابها

يبدأ العنوان بأداة زمن: "عندما". وهذه الأداة تجعل القارئ ينتظر تتمة لم تأتِ بعد. ماذا حدث عندما نقمت علينا الريح؟ يتوقف العنوان عند لحظة النقمة، ثم تأتي القصيدة كلها كما لو كانت جوابًا طويلًا ومتشظّيًا. أما الفعل "نقمت" فلا يساوي "غضبت" تمامًا. الغضب انفعال، في حين تحمل النقمة إيحاء بالسخط والعقاب والاقتصاص. تبدو الريح غاضبة في ظاهر العبارة، لكن آثارها داخل القصيدة تجعل غضبها أقرب إلى عقوبة غامضة: ينكسر الزجاج، وتغيب الحقائب والأغاني، ويضيع الطريق، ويُقتلع الوطن من روح الشجرة. ومع ذلك لا أظن أن من المفيد استبدال الريح برمز واحد مغلق. ليست هي الحرب وحدها، ولا المنفى، ولا الزمن، ولا انهيار الحب، وإن كانت تستطيع ملامسة هذه المعاني جميعًا. قوتها في أنها لا تظهر بوجه محدد. نحن نعرفها من أثرها، مثلما نعرف العاصفة من الأشياء التي قلبتها بعد مرورها. وحين تتكرر عبارة العنوان في المقطع الخامس تبلغ القصيدة نقطة شديدة الكثافة:

 نقمت علينا الريح 

 فانكسر الزجاج 

 لا حقائب 

 لا أغاني 

 لا قماشًا نلوّنه فنعرف صوتنا

الزجاج وسيط للرؤية، ولذلك لا يبدو انكساره حادثًا ماديًا عابرًا. حين ينكسر الزجاج تنكسر معه صورة العالم، أو على الأقل تفقد وحدتها. ولعل هذا ما تفعله القصيدة نفسها: لا تصف الزجاج المكسور فقط، بل تنظر من خلاله. صورها شظايا رؤية، وما يبدو تباعدًا بينها هو الشكل الذي اتخذه العالم بعد الانكسار.

قراءة في اختلال العالم وانهيار الثقة في قصيدة "شارع آخر" لعلي طه النوباني

الشاعر والروائي علي طه النوباني في صورة شخصية، جالسًا في أحد الأزقة القديمة وقت المساء.


الشوارع التي لا تؤدي إلى العدالة

بقلم: الوراق الجزائري

ليست الشوارع في قصيدة "شارع آخر" أمكنةً محايدة نعبرها للوصول إلى غاياتنا، وليست مجرد خلفية لوقائع متناثرة أو صور سريالية غريبة؛ إنها صيغ متعددة لعالم واحد مختلّ. في كل شارع يواجه المتكلم وعدًا من وعود الحياة: العدالة، والدين، والميلاد، والجمال، والانتماء إلى الجماعة، ثم يكتشف أن وراء كل وعد صدعًا عميقًا. وحين يعجز عن التصديق، لا يجد أمامه سوى الفرار إلى شارع آخر. لكن الانتقال لا يقوده إلى الخلاص. فالشارع الآخر ليس فردوسًا بديلًا، بل محطة جديدة في رحلة فقدان الثقة. وهكذا تتحول القصيدة إلى مطاردة مريرة بين إنسان يبحث عن مكان يستطيع أن يؤمن به، وعالم يبدّل أقنعته من دون أن يتغير جوهره.

منذ المشهد الأول تضعنا القصيدة أمام انقسام حاد بين شخصين وعالمين:

مرَّ من هنا
شعشع الأبيض من مركبته المسحورة
كان الرب إلى جواره

ثمة شخص يمرّ في مركبة "مسحورة"، يلمع البياض من حوله، ويخرج الذهب من ألق زجاجها. لا نعرف اسمه ولا صفته ولا تاريخه، ولا تحتاج القصيدة إلى تعريفه؛ لأنه ليس فردًا محددًا بقدر ما هو نموذج للمحظوظ الذي تبدو الحياة مهيأة لاستقباله. إنه الإنسان الذي لا تعترضه الأشياء، بل تتعاون على إسعاده. المركبة، والزجاج، والذهب، والمقاعد الطرية، وأشعة الشمس، كلها تدخل في دائرة امتيازه.

أما العبارة المركزية في هذا المشهد فهي: "كان الرب إلى جواره". فالرب، وفق الإحساس المأساوي الذي تبنيه القصيدة، يقف إلى جوار ذلك العابر وحده، لا إلى جوار المتكلم ولا إلى جوار التعساء الذين سيظهر عالمهم لاحقًا. لا تقدم العبارة حكمًا لاهوتيًا مباشرًا، بقدر ما تجسد شعور المقهور حين يرى الحظ يفيض على بعض الناس، بينما يُترَك آخرون للبؤس. عندئذ يبدو له أن المصادفة ليست مصادفة، وأن الانحياز أكبر من أن يكون اجتماعيًا أو اقتصاديًا؛ كأن القدر نفسه قد اختار فريقه. إنها لحظة احتجاج مضمرة على توزيع السعادة في العالم. لماذا يُمنح شخص كل هذا الضوء؟ ولماذا تستجيب له الأشياء بحنان لا يعرفه الآخرون؟ لا تسأل القصيدة السؤال بصيغته التجريدية، بل تحوله إلى مشهد مرئي: رجل يمرّ في مركبته، والذهب يلمع، والجلد الطري يحيط به، والشمس تبتسم.

يتكرر فعل الابتسام حتى يصبح أكثر من وصف لحالة نفسية:

كان يبتسم
جلد المقاعد الطرية حوله
كان يبتسم
وأشعة الشمس أيضًا
كانت تبتسم

لا يبتسم الرجل وحده؛ يبتسم العالم معه. حتى الشمس، التي يفترض أنها تضيء للجميع، تدخل في دائرة المحظوظ وتبدو كأنها تخصّه بابتسامتها. وبهذا يصنع النص مفارقة قاسية: الأشياء التي ينبغي أن تكون عامة ومحايدة تتحول إلى عناصر في امتياز شخصي. الضوء ليس موزعًا بالتساوي، والجمال ليس مشاعًا، والطمأنينة ليست حقًا إنسانيًا؛ إنها كلها محتشدة حول عابر واحد.