اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

The Pianist – عازف البيانو: ما الحقيقة وراء قصة فلاديسلاف شبيلمان؟

فلاديسلاف شبيلمان عازف البيانو البولندي عام 1934 قبل الحرب العالمية الثانية
فلاديسلاف شبيلمان عام 1934، الموسيقي البولندي الذي استند فيلم The Pianist إلى مذكراته وتجربته في وارسو خلال الحرب العالمية الثانية. المصدر: Narodowe Archiwum Cyfrowe / Wikimedia Commons، بترخيص CC BY-SA 4.0.
حين تصبح الموسيقى شاهدًا على الخراب: أين تنتهي ذاكرة شبيلمان وأين تبدأ السينما؟

لا يحتاج فيلم The Pianist إلى اختراع مأساة كي يصنع مأساة سينمائية. فالرجل الذي نراه يتنقل بين البيوت المهدمة، ويختبئ من الموت، ويبحث عن شيء يأكله، ثم يجلس أخيرًا أمام البيانو في واحد من أشهر مشاهد الفيلم، لم يولد في خيال كاتب سيناريو. كان اسمه فلاديسلاف شبيلمان، وكان بالفعل عازف بيانو بولنديًا يهوديًا عاش في وارسو، وشهد انهيار عالم كامل من حوله، ثم كتب ما حدث له.

وهنا تكمن قوة الفيلم ومشكلته النقدية في الوقت نفسه. نحن لا نشاهد وثيقة تاريخية، بل عملًا سينمائيًا يستند إلى شهادة حقيقية. ولذلك يصبح السؤال الأكثر إثارة ليس: هل حدثت قصة عازف البيانو فعلًا؟ بل: كم بقي من شبيلمان الحقيقي داخل الشخصية التي جسدها أدريان برودي، وما الذي أعادت السينما تشكيله كي تحوّل الذاكرة الفردية إلى قصة يستطيع العالم مشاهدتها؟

تنبيه: تتناول المقالة أحداثًا رئيسية ونهاية الفيلم، ولذلك تتضمن حرقًا للأحداث.

من كان فلاديسلاف شبيلمان الحقيقي؟

وُلد فلاديسلاف شبيلمان سنة 1911 في بولندا لعائلة يهودية، ودرس الموسيقى في وارسو ثم في برلين، قبل أن يعود إلى بلاده في ثلاثينيات القرن العشرين. ولم يكن مجرد هاوٍ يجيد العزف؛ فقد أصبح موسيقيًا محترفًا وعمل عازف بيانو في الإذاعة البولندية ابتداءً من عام 1935.

هذه الحقيقة مهمة لفهم الفيلم. فالبيانو ليس تفصيلًا أضافه السيناريو كي يمنح بطله صفة شاعرية. الموسيقى كانت مهنة شبيلمان وهويته قبل الحرب، ثم أصبحت بعد ذلك شيئًا يشبه الخيط الرفيع الذي يصل الرجل الذي يحاول البقاء حيًا بالإنسان الذي كانه قبل أن ينقلب العالم.

حين هاجمت ألمانيا النازية بولندا سنة 1939، وجد شبيلمان نفسه داخل التحول الكارثي الذي أصاب وارسو. ومع إنشاء الغيتو وإجبار اليهود على العيش داخله، انتقل هو وأسرته إلى عالم تحكمه القيود والجوع والإذلال والخوف من الترحيل والموت.

ولم تكن المقاهي التي يعزف فيها في الفيلم اختراعًا سينمائيًا أيضًا. فقد عمل شبيلمان بالفعل عازفًا داخل غيتو وارسو، في وقت أصبحت فيه الموسيقى مفارقة قاسية: أصابع تعزف فوق المفاتيح بينما مجتمع كامل يُساق تدريجيًا نحو الكارثة.


هل أُرسلت عائلة شبيلمان فعلًا إلى تريبلينكا؟

نعم. وهنا يقترب الفيلم من واحدة من أكثر الحقائق التاريخية قسوة في حياة بطله.

في صيف عام 1942 بدأت عمليات الترحيل الجماعي من غيتو وارسو إلى مركز القتل في تريبلينكا. وخلال الفترة الممتدة من أواخر يوليو إلى سبتمبر رُحّل نحو 265 ألف يهودي من الغيتو إلى هناك. كانت عائلة شبيلمان ضمن الذين جُمِعوا للترحيل.

لكن شبيلمان نفسه نجا في اللحظة الأخيرة. فبينما كانت أسرته متجهة إلى القطار، فُصل عنها وأُخرج من صفوف المرحّلين. أما والده ووالدته وشقيقه وشقيقتاه فلم يعودوا.

يعرض الفيلم هذه اللحظة بقسوة تكاد تخلو من الخطابة. لا يمنح البطل وداعًا طويلًا ولا جملة أخيرة مصممة لإبكاء المشاهد. فجأة يصبح وحيدًا، وكأن الحرب لم تكتفِ بقتل الناس، بل قطعت حتى إمكانية الوداع.

البطل الذي لا يستطيع إنقاذ أحد

من أكثر ما يميز The Pianist أن بطله لا يشبه البطل التقليدي في أفلام الحرب. شبيلمان لا يقود كتيبة، ولا يضع خطة لتحرير المدينة، ولا يتحول فجأة إلى مقاتل خارق. وفي أجزاء طويلة من الفيلم لا يستطيع حتى إنقاذ نفسه من دون مساعدة الآخرين.

قد يبدو هذا للوهلة الأولى نوعًا من السلبية، لكنه في الحقيقة أحد أكثر اختيارات الفيلم صدقًا. ففي ظروف الإبادة لا تكون البطولة دائمًا فعلًا صاخبًا. أحيانًا تنكمش الحياة كلها إلى هدف واحد: أن يبقى الإنسان حيًا حتى الغد.

وهذا ما يجعل الجوع في الفيلم أهم من كثير من المعارك. قطعة خبز، علبة طعام، باب يمكن الاختباء خلفه، نافذة يجب ألا يقترب منها أحد، وصوت قد يسمعه شخص في الخارج؛ تتحول هذه التفاصيل الصغيرة إلى أحداث مصيرية.

إنه فيلم عن الإنسان حين تُسحب منه بالتدريج كل الأشياء التي كان يظن أنها طبيعية: البيت، والعمل، والأسرة، والملابس النظيفة، والطعام، والقدرة على السير في الشارع، بل وحتى الحق في إصدار صوت.

غيتو وارسو: حين تصبح المدينة سجنًا

لا يمكن فهم قصة شبيلمان من دون فهم المكان الذي جرت فيه. فقد كان غيتو وارسو أكبر غيتو يهودي في أوروبا الواقعة تحت الاحتلال الألماني، ووصل عدد المحصورين فيه في ذروته إلى أكثر من أربعمئة ألف إنسان.

لكن الفيلم لا يحول هذه الأرقام إلى درس تاريخي. إنه يفعل شيئًا أكثر تأثيرًا: يجعل المدينة تضيق أمام عين المشاهد. في البداية توجد شوارع وبيوت ومقاهٍ. ثم تظهر الجدران. ثم نقاط التفتيش. ثم الجوع والجثث. ثم الترحيل. وفي النهاية تتحول المدينة نفسها إلى ركام.

هكذا يصبح المكان شخصية داخل الفيلم. وارسو لا تقف خلف شبيلمان بوصفها خلفية تصوير، بل تتدهور معه. كلما خسر الرجل جزءًا من حياته، خسرت المدينة جزءًا من جسدها.

هل شاهد شبيلمان انتفاضة غيتو وارسو كما يصورها الفيلم؟

وقعت الانتفاضة بالفعل، لكنها تحتاج إلى تمييز مهم بين التاريخ والمنظور السينمائي.

بدأت انتفاضة غيتو وارسو الكبرى في 19 أبريل/نيسان 1943، عندما قاوم المقاتلون اليهود القوات الألمانية التي دخلت لاستكمال تصفية الغيتو. واستمرت المقاومة قرابة شهر رغم الفارق الهائل في السلاح والقوة، قبل أن تسحقها القوات الألمانية وتدمر أجزاء واسعة من المنطقة.

الفيلم لا يجعل شبيلمان قائدًا لهذه الانتفاضة ولا ينسب إليه بطولة لم تكن له. نراها في جانب مهم منها من موقع الإنسان المختبئ والمراقب، وهذا ينسجم مع الاستراتيجية السردية للعمل كله: التاريخ الضخم يحدث خارج النافذة، بينما لا يملك الفرد إلا أن يشاهده ويحاول ألا يموت.

وهنا تظهر إحدى نقاط القوة في الفيلم. فشبيلمان ليس مركز التاريخ، رغم أنه مركز الحكاية. الحرب لا تحدث من أجله، والمقاومة لا تنتظر قراره، والجيوش لا تتحرك كي تنقذه. إنه فرد صغير داخل كارثة هائلة.

هل الضابط الألماني الذي أنقذه شخصية حقيقية؟

ربما تبدو مقابلة شبيلمان بالضابط الألماني في الجزء الأخير من الفيلم مصممة بعناية أكثر مما ينبغي: يهودي يتضور جوعًا، وضابط في الجيش الألماني، وبيانو في بيت مهجور، ثم موسيقى شوبان تقف بين الرجلين.

لكن جوهر هذه الحادثة حقيقي.

كان الضابط هو فيلم هوزنفيلد (Wilm Hosenfeld). وقد اكتشف شبيلمان مختبئًا في وارسو في أواخر عام 1944. وعوضًا عن تسليمه أو قتله، ساعده، وجلب له الطعام وساهم في بقائه حيًا.

والأهم أن مساعدة هوزنفيلد لشبيلمان لم تكن، وفق السجل التاريخي المعروف عنه، فعلًا وحيدًا ظهر فجأة في نهاية الحرب؛ فقد ساعد أشخاصًا آخرين مضطهدين أيضًا. وهذا جانب لا يستطيع الفيلم التوسع فيه كثيرًا لأنه يلتزم أساسًا بمنظور شبيلمان.

لذلك فإن الضابط الذي يظهر أمامنا في الدقائق الأخيرة ليس اختراعًا هدفه منح الفيلم «نازيًا طيبًا» لتحقيق توازن عاطفي. إنه شخص تاريخي حقيقي، لكن السينما تختصر حياته في المساحة التي تقاطعت فيها مع حياة شبيلمان.

هل عزف شبيلمان للضابط الألماني فعلًا؟

نعم، اللقاء والعزف يستندان إلى شهادة شبيلمان نفسه، لكن السينما بطبيعتها أعادت بناء اللحظة بصريًا وموسيقيًا.

وهذا المشهد يكاد يلخص الفيلم كله. طوال أجزاء طويلة كان شبيلمان عازفًا لا يستطيع العزف. يختبئ في شقق تحتوي أحيانًا على بيانو، لكنه لا يجرؤ على لمس المفاتيح. وفي إحدى أكثر الصور دلالة يحرك أصابعه في الهواء وكأنه يعزف موسيقى لا يجوز لها أن تُسمع.

الصمت هنا ليس غياب الموسيقى؛ إنه الموسيقى التي مُنعت من الوجود.

وحين يجلس أخيرًا أمام البيانو في حضور هوزنفيلد، لا يعود العزف مجرد إثبات لمهنته. لقد بقي من الرجل جسد هزيل وملابس بالية ووجه أنهكه الجوع، ثم تأتي الموسيقى لتقول شيئًا لا تستطيع الصورة وحدها قوله: هذا الكائن الذي يبدو محطمًا ما يزال يحمل داخله عالمًا لم تستطع الحرب مصادرته.

شوبان: لماذا تبدو الموسيقى أكبر من الموسيقى؟

وجود شوبان في الفيلم ليس زينة ثقافية. فالموسيقى ترتبط بالهوية البولندية وبحياة شبيلمان السابقة، لكنها تؤدي وظيفة أخرى أكثر عمقًا: إنها تقيم مقارنة مستمرة بين قدرة الإنسان على خلق الجمال وقدرته على صناعة الخراب.

في المدينة نفسها يمكن أن يوجد البيانو والإعدام، وشوبان والجوع، والحفلة الموسيقية والقطار المتجه إلى الموت.

ولا يحاول الفيلم حل هذه المفارقة. الفن لا يوقف الرصاص. شبيلمان موسيقي بارع، ومع ذلك لا تستطيع موهبته إنقاذ أسرته. والبيانو لا يهدم جدار الغيتو. الموسيقى هنا ليست قوة سحرية تنتصر على الشر، بل دليل على أن الإنسان يمكن أن يبقى إنسانًا حتى حين يفشل الجمال في إنقاذ العالم.

ما الذي غيّره الفيلم عن الحقيقة؟

المصدر الأساسي للعمل هو مذكرات شبيلمان عن سنوات الاحتلال، ولذلك تظل البنية العامة للقصة قريبة بدرجة كبيرة من تجربته الحقيقية. لكن القول إن الفيلم «حقيقي بالكامل» سيكون مضللًا؛ فالسينما ليست نسخة مصورة من المذكرات.

هناك أولًا ضغط زمني لا مفر منه. سنوات من الاحتلال والاختباء والتنقل والخوف يجب أن تتحول إلى فيلم ذي زمن محدود. لذلك تُختصر بعض الفترات، وتُدمج التفاصيل، ويعاد ترتيب بعض الوقائع كي يبقى المسار السردي مفهومًا.

وهناك شخصيات ووظائف درامية لا تطابق المذكرات حرفيًا. شخصية دوروتا، على سبيل المثال، ليست شخصية واردة بهذه الصورة في كتاب شبيلمان، وهي من العناصر التي استخدمها الفيلم في بناء عالمه الدرامي.

كما أضاف رومان بولانسكي إلى الفيلم بعض التفاصيل المستمدة من ذاكرته الشخصية عن الاحتلال. وهذا أمر مهم؛ فالمخرج نفسه عاش الاضطهاد النازي في طفولته ونجا من غيتو كراكوف. لكن تجربته لا تصبح بسبب ذلك جزءًا من سيرة شبيلمان التاريخية. إنها مادة دخلت في النسيج السينمائي للفيلم، ويجب التمييز بينها وبين شهادة صاحب المذكرات.

ومن هنا ربما يكون الوصف الأدق للعمل أنه وفيّ للحقيقة الجوهرية أكثر من كونه إعادة تمثيل حرفية لكل دقيقة من حياة شبيلمان.

لماذا يبدو الفيلم باردًا أمام كل هذا الموت؟

ربما تكون هذه من أكثر خصائص The Pianist إثارة للانتباه. الفيلم لا يطلب من المشاهد أن يبكي في كل مشهد، ولا يملأ الشاشة بخطب عن الإنسانية. أحيانًا تقع أكثر الأحداث وحشية بسرعة تكاد تكون عابرة.

شخص يُقتل، ثم تستمر الحياة. جثة على الرصيف، ثم يمر الناس. أسرة تختفي، ثم يأتي يوم آخر.

هذه البرودة ليست بالضرورة نقصًا في التعاطف. إنها قريبة من النبرة التي وصف بها كاتب السيناريو رونالد هاروود مذكرات شبيلمان: شهادة تروي المعاناة من دون استدرار مستمر للعاطفة.

والمفارقة أن هذا الاقتصاد في الانفعال يجعل بعض المشاهد أكثر قسوة. فحين يرفض الفيلم أن يخبرنا متى ينبغي أن نبكي، يترك الحدث نفسه يعمل فينا.

أدريان برودي: جسد يتحول أمام الكاميرا

أدى أدريان برودي شخصية شبيلمان بطريقة تقوم كثيرًا على الجسد والصمت. ومع تقدم الأحداث تتضاءل المسافة بين الإنسان والظل: الوجه يهزل، الملابس تتسع، الحركة تصبح حذرة، والنظر من النافذة يتحول إلى فعل خطر.

ولا تعتمد الشخصية على حوارات طويلة تشرح ما يشعر به البطل. نحن نقرأ الخوف في طريقة فتح الباب، والجوع في النظر إلى الطعام، والعزلة في الصمت.

نال برودي عن الدور جائزة الأوسكار لأفضل ممثل، بينما فاز رومان بولانسكي بأوسكار الإخراج، وفاز رونالد هاروود بأوسكار السيناريو المقتبس. وكان الفيلم قد حصل قبل ذلك على السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 2002.

لكن الجوائز، على أهميتها في تاريخ الفيلم، لا تفسر وحدها سبب بقائه. فهناك أفلام كثيرة تفوز ثم تخفت. أما هذا الفيلم فيستمد قدرًا كبيرًا من استمراره من السؤال الذي يتركه داخل المشاهد: ماذا يبقى من الإنسان عندما يفقد كل شيء تقريبًا؟

النجاة ليست قصة انتصار

في أفلام كثيرة تنتهي الحرب فيبدأ الاحتفال. أما هنا فالبقاء نفسه يحمل طعمًا أكثر تعقيدًا.

شبيلمان نجا، لكن ماذا تعني كلمة «نجا» حين تكون أسرته قد اختفت؟ ماذا يعني أن يعود الإنسان إلى العزف بعد أن تحولت الشوارع التي عرفها إلى أنقاض؟

الفيلم لا يقدم النجاة باعتبارها جائزة أخلاقية يحصل عليها الأفضل أو الأشجع. الحظ حاضر بقوة. شخص يساعد شبيلمان هنا، باب يفتح هناك، جندي لا يراه، صديق يجد له مخبأ، وضابط يقرر ألا يقتله.

وهذه الفكرة مزعجة لأنها تحطم حاجتنا إلى نظام أخلاقي بسيط نستطيع من خلاله تفسير الكارثة. لم يمت الذين ماتوا لأنهم كانوا أقل استحقاقًا للحياة، ولم ينجُ الناجون لأنهم كانوا دائمًا أكثر بطولة. في الإبادة يمكن أن يصبح الفارق بين الموت والحياة سلسلة من المصادفات والقرارات التي لا يملك الفرد السيطرة عليها.

وماذا حدث لشبيلمان بعد الحرب؟

عاد فلاديسلاف شبيلمان بعد الحرب إلى الإذاعة البولندية وإلى الموسيقى. وبذلك اكتملت دائرة غريبة: الرجل الذي كان يعزف للإذاعة عندما كانت وارسو تتعرض للقصف عام 1939 عاد إلى المؤسسة نفسها بعد انتهاء الحرب.

كتب تجربته بعد الحرب بوقت قصير، وظهرت مذكراته في بولندا سنة 1946. وبعد عقود عادت القصة إلى جمهور عالمي واسع، ثم أصبحت الأساس الذي بُني عليه فيلم بولانسكي.

توفي شبيلمان في وارسو في يوليو/تموز 2000، قبل عرض الفيلم بعامين. ولهذا لم يشاهد النسخة السينمائية المكتملة من حياته.

حين لا يكون البيانو بطل الفيلم

من السهل القول إن الموسيقى هي بطلة The Pianist، لكن هذا التفسير ربما يكون جميلًا أكثر مما ينبغي.

فالموسيقى لم تنقذ والدي شبيلمان، ولم توقف القطارات، ولم تمنع تدمير الغيتو. وحتى شبيلمان نفسه عاش فترات طويلة لأنه تلقى مساعدة من أشخاص آخرين، ولأنه اختبأ، ولأن المصادفة أبقته في المكان الصحيح في لحظات حاسمة.

قيمة البيانو أعمق من فكرة «الفن ينتصر على الحرب». إنه يذكّرنا بأن الإنسان ليس مجرد جسد يريد البقاء. كان شبيلمان جائعًا وخائفًا ومطاردًا، لكنه كان في الوقت نفسه موسيقيًا يحمل ذاكرة وحساسية وماضيًا وهوية.

وحين يعود إلى المفاتيح لا يهزم النازية بمعزوفة. إنه يستعيد للحظات شيئًا حاولت النازية انتزاعه منه: حقه في أن يكون شخصًا، لا رقمًا ولا هدفًا ولا جسدًا مختبئًا.

الحقيقة التي تجعل الفيلم أكثر إيلامًا

ربما كانت معرفة أن The Pianist يستند إلى حياة حقيقية تجعل مشاهدته أصعب، لكنها في الوقت نفسه تمنعنا من التعامل معه باعتباره مجرد حكاية مثيرة عن النجاة.

خلف شبيلمان توجد مئات الآلاف من سكان غيتو وارسو، وخلف الأسرة التي تختفي في القطار عائلات لا حصر لها لم يعد منها أحد كي يكتب مذكراته، وخلف الناجي أصوات كثيرة لم تحصل على فرصة أن تروي ما حدث.

وهنا تتجاوز قيمة الفيلم قصة عازف مشهور. فشبيلمان يستطيع أن يشهد لأنه بقي حيًا، لكن شهادته تشير باستمرار إلى الغائبين.

ربما لهذا لا تكون الصورة الأشد بقاءً في الذاكرة هي صورة الرجل وهو يعزف، بل صورة المدينة من حوله: بيوت بلا سكان، نوافذ بلا وجوه، وشوارع تحولت إلى أطلال.

لقد نجا العازف، وعادت الموسيقى. لكن العالم الذي كان يعزف فيه قبل الحرب لم يعد موجودًا.

إذا كان شبيلمان قد نجا ليحكي قصته، فكيف نستطيع نحن أن نتذكر أيضًا قصص الذين دخلوا القطار نفسه ولم يبقَ منهم أحد ليحكي؟
```

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق