آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

الجمعة، 7 أغسطس 2026

قراءة في اختلال العالم وانهيار الثقة في قصيدة "شارع آخر" لعلي طه النوباني

صورة الشاعر والروائي علي طه النوباني


الشوارع التي لا تؤدي إلى العدالة

بقلم: الوراق الجزائري

ليست الشوارع في قصيدة "شارع آخر" أمكنةً محايدة نعبرها للوصول إلى غاياتنا، وليست مجرد خلفية لوقائع متناثرة أو صور سريالية غريبة؛ إنها صيغ متعددة لعالم واحد مختلّ. في كل شارع يواجه المتكلم وعدًا من وعود الحياة: العدالة، والدين، والميلاد، والجمال، والانتماء إلى الجماعة، ثم يكتشف أن وراء كل وعد صدعًا عميقًا. وحين يعجز عن التصديق، لا يجد أمامه سوى الفرار إلى شارع آخر. لكن الانتقال لا يقوده إلى الخلاص. فالشارع الآخر ليس فردوسًا بديلًا، بل محطة جديدة في رحلة فقدان الثقة. وهكذا تتحول القصيدة إلى مطاردة مريرة بين إنسان يبحث عن مكان يستطيع أن يؤمن به، وعالم يبدّل أقنعته من دون أن يتغير جوهره.

منذ المشهد الأول تضعنا القصيدة أمام انقسام حاد بين شخصين وعالمين:

مرَّ من هنا
شعشع الأبيض من مركبته المسحورة
كان الرب إلى جواره

ثمة شخص يمرّ في مركبة "مسحورة"، يلمع البياض من حوله، ويخرج الذهب من ألق زجاجها. لا نعرف اسمه ولا صفته ولا تاريخه، ولا تحتاج القصيدة إلى تعريفه؛ لأنه ليس فردًا محددًا بقدر ما هو نموذج للمحظوظ الذي تبدو الحياة مهيأة لاستقباله. إنه الإنسان الذي لا تعترضه الأشياء، بل تتعاون على إسعاده. المركبة، والزجاج، والذهب، والمقاعد الطرية، وأشعة الشمس، كلها تدخل في دائرة امتيازه.

أما العبارة المركزية في هذا المشهد فهي: "كان الرب إلى جواره". فالرب، وفق الإحساس المأساوي الذي تبنيه القصيدة، يقف إلى جوار ذلك العابر وحده، لا إلى جوار المتكلم ولا إلى جوار التعساء الذين سيظهر عالمهم لاحقًا. لا تقدم العبارة حكمًا لاهوتيًا مباشرًا، بقدر ما تجسد شعور المقهور حين يرى الحظ يفيض على بعض الناس، بينما يُترَك آخرون للبؤس. عندئذ يبدو له أن المصادفة ليست مصادفة، وأن الانحياز أكبر من أن يكون اجتماعيًا أو اقتصاديًا؛ كأن القدر نفسه قد اختار فريقه. إنها لحظة احتجاج مضمرة على توزيع السعادة في العالم. لماذا يُمنح شخص كل هذا الضوء؟ ولماذا تستجيب له الأشياء بحنان لا يعرفه الآخرون؟ لا تسأل القصيدة السؤال بصيغته التجريدية، بل تحوله إلى مشهد مرئي: رجل يمرّ في مركبته، والذهب يلمع، والجلد الطري يحيط به، والشمس تبتسم.

يتكرر فعل الابتسام حتى يصبح أكثر من وصف لحالة نفسية:

كان يبتسم
جلد المقاعد الطرية حوله
كان يبتسم
وأشعة الشمس أيضًا
كانت تبتسم

لا يبتسم الرجل وحده؛ يبتسم العالم معه. حتى الشمس، التي يفترض أنها تضيء للجميع، تدخل في دائرة المحظوظ وتبدو كأنها تخصّه بابتسامتها. وبهذا يصنع النص مفارقة قاسية: الأشياء التي ينبغي أن تكون عامة ومحايدة تتحول إلى عناصر في امتياز شخصي. الضوء ليس موزعًا بالتساوي، والجمال ليس مشاعًا، والطمأنينة ليست حقًا إنسانيًا؛ إنها كلها محتشدة حول عابر واحد.

يقف المتكلم خارج هذا المشهد، يراه من مسافة، ثم يكشف عن عالمه المضاد:

كان الرحيل أشد تبكيتًا للضمير
وكانت الزهور الجميلة
مصنعًا للألم

في بضعة أسطر ينتقل النص من المقاعد الطرية إلى تبكيت الضمير، ومن ابتسام الشمس إلى صناعة الألم. ولا تعود الزهور علامة على الجمال أو الرجاء، بل تتحول إلى «مصنع». اختيار هذه الكلمة بالغ الدلالة؛ فالمصنع لا ينتج شيئًا عابرًا أو فرديًا، وإنما ينتج بصورة منظمة ومتكررة. كأن الألم لم يعد حادثًا في حياة المتكلم، بل صار نظامًا يعمل باستمرار.

ويبلغ التناقض ذروته حين يقترن المصنع بالزهور. فما يمنح الآخرين البهجة يوقظ في المتكلم الوجع. والجميل نفسه يصبح أداة للتعذيب؛ لأنه يذكّره بما حُرم منه، أو لأنه يكشف المسافة بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن بالفعل. لذلك يبدأ البحث عن شارع آخر.


الشارع بوصفه اختبارًا للثقة

يتكرر "الشارع الآخر" في القصيدة مثل لازمة، لكنه لا يحتفظ بالدلالة نفسها في كل مرة. في البداية قد يبدو احتمالًا للنجاة: إذا كان هذا العالم ظالمًا، فلعل وراءه عالمًا أكثر رحمة. غير أن كل انتقال يبدد شيئًا من هذا الأمل، حتى يصبح الشارع الآخر مرادفًا للفرار المستمر. والمتكلم لا يتجول طلبًا للمغامرة، بل لأنه لا يستطيع الإقامة في مكان فقد مصداقيته. وفي كل شارع يختبر سلطة أو قيمة أو وعدًا، ثم يقول:

لم أكن واثقًا
ووجدتني ألوذ بالفرار
إلى شارع آخر

عبارة "لم أكن واثقًا" هي القلب النفسي للقصيدة. إنها تتجاوز الشك العابر إلى أزمة وجودية شاملة. فالثقة لا تنهار في شخص واحد، وإنما تنهار تباعًا في العدالة والسلطة الدينية وقصة المجيء والجمال والجماعة واللغة. وكلما سقط ركن اتسعت عزلة المتكلم. والثقة هنا ليست فكرة ذهنية فحسب؛ إنها شرط للإقامة. ما دام المتكلم غير قادر على التصديق، فهو غير قادر على البقاء. ولذلك يقترن الشك دائمًا بالحركة: يرى، يتردد، يهرب. إن جسده يترجم أزمته الفكرية، فيغادر المكان الذي لا يستطيع أن يمنحه قلبه.


الكاهن وإغراء التقليد

في أحد الشوارع يظهر "الكاهن المعتّق" بلحيته التي تشبه غيمة في غسق الغروب. يبدو دخوله مهيبًا، وتحيط به صور توحي بالقِدم والسلطة والغموض:

أطلق الطيور من برجه المحدب
والتف مثل أفعى
وتدحرج فوق الجليد
أشار نحو الفراغ
ـ حاول أن تقلدني ـ

لا يظهر رجل الدين هنا في صورة معلم يمنح المعرفة، بل في صورة مؤدٍّ يقوم بحركات غريبة ثم يطلب من الآخر تقليده. والأكثر أهمية أنه يشير "نحو الفراغ". فليست هناك حقيقة واضحة عند نهاية الإشارة، ولا معنى يمكن للمتكلم أن يفهمه أو يختبره؛ هناك أمر بالتقليد فحسب. وتلتقط القصيدة في هذا المشهد جوهر التدين القائم على الاتباع الأعمى: افعل كما أفعل، ولا تسأل إلى أين تشير الحركة أو ماذا يوجد وراءها. فالمطلوب ليس اقتناع المتكلم، بل مطابقته للنموذج الذي يفرضه الكاهن.

وحتى الصور المحيطة بالكاهن تحمل ازدواجًا لافتًا. لحيته غيمة، والطيور تنطلق من برجه، وهي عناصر قد توحي بالسمو والتحرر، لكنه "يلتف مثل أفعى" ويشير إلى الفراغ. تجتمع القداسة والريبة، والانطلاق والخداع، والارتفاع والفراغ، فلا يعود المتكلم قادرًا على التسليم بما يراه. إنه لا يرفض الدين في ذاته بقدر ما يرفض أن يعطل وعيه كي يطيع. لذلك يحدق في "قطنه المبعثر"، في صورة توحي بتبعثر الداخل وهشاشته، ثم يعترف بعدم ثقته ويفرّ. لقد كان الشارع الأول شارع القدر المنحاز، وأصبح الثاني شارع السلطة التي تطلب الطاعة من دون فهم. وفي الحالتين لا يجد المتكلم مكانًا لكرامته أو عقله.


طفل يهدم حكاية المجيء

في الشارع التالي تبلغ القصيدة درجة أعلى من القسوة:

رأيت طفلًا في لفافة
يبول على قصة المجيء

هذه ليست صورة صادمة لمجرد الرغبة في الإدهاش. فالطفل يمثل عادةً البداية، والبراءة، والمستقبل، والمعنى المتجدد للحياة. لكنه هنا يبول على "قصة المجيء" نفسها. إن الكائن الذي يفترض أن يثبت جمال الولادة يقوم، بحركته الجسدية العفوية، بتدنيس الرواية المثالية التي تُنسج حولها. وثمة فرق بين المجيء بوصفه واقعة، و"قصة المجيء" بوصفها خطابًا. فالطفل لا يحتج على وجوده بوعي فلسفي، لكنه يكشف بجسده المسافة بين الواقع والحكاية. فالناس يروون عن الميلاد بوصفه بشارة، بينما يولد الإنسان في عالم لا يضمن له العدالة ولا الحماية ولا السعادة. ومن ثم تغدو الحركة الساخرة إدانة للقصة المزخرفة أكثر مما هي إدانة للحياة في ذاتها.

وحول الطفل يتصاعد الدخان في "غابة البكاء والضحك" حيث لا تفصل القصيدة بين النقيضين؛ فالعالم يضحك ويبكي في الوقت نفسه، وتختلط المأساة بالمهزلة حتى يصعب تحديد الوجه الحقيقي للأشياء. أما المتكلم فجائع، لكن جوعه لا يبدو جسديًا فقط. إنه جوع إلى معنى يمكن الوثوق به، وإلى عدالة تسند الوجود. وحين ينتزع من حلقه "صرة من الغصات والمراثي"، تبدو الآلام كأنها جسم عالق يمنعه من الكلام والتنفس. إنه لا يخرج خطابًا مرتبًا، بل يستخرج تراكمًا من الحزن. ومن بين الغصات تظهر "ربة الجمال والسعادة".

كان المتوقع أن تقدم هذه الربة تعويضًا عن الخراب السابق، غير أن القصيدة تفاجئنا:

كانت ساقها الوحيدة مثل مدخنة شاحبة

ربة الجمال ليست مكتملة، وربة السعادة عاجزة عن الوقوف بتوازن. إن الساق الواحدة ليست تفصيلًا جسديًا، بل علامة على اختلال المبدأ الذي تمثله. فلا جمال مكتمل في عالم ظالم، ولا سعادة تستطيع الثبات حين تقوم الحياة على توزيع غير عادل للحظ والألم. كما أن تشبيه الساق بمدخنة شاحبة ينزع عنها البهاء الأسطوري. وبدل الجسد الحي تظهر صورة صناعية باهتة، متصلة بالدخان والتلوث والاحتراق. لقد دخل المصنع إلى الزهور في بداية القصيدة، وها هي المدخنة تدخل جسد ربة الجمال. العالم الصناعي القاسي لا يشوه الواقع وحده، بل يصيب المثال نفسه؛ حتى الرموز التي اخترعها الإنسان لتعزيته أصبحت مبتورة وشاحبة.

وأمام هذا المشهد لا يناقش المتكلم ولا يعترض، بل يغمض عينيه ويفرّ. إن إغماض العينين هنا تعبير عن بلوغ الرؤية حدًا لا يُحتمل. لكنه حين يرفض المشهد لا يستطيع إبطاله، وكل ما يملكه هو الانتقال إلى شارع جديد.


الجماعة التي تسكب الكلام على الأشياء

بعد القدر والكاهن والميلاد والجمال، يصل المتكلم إلى الناس:

رأيتهم معًا
أحياءً وموتى
كانوا يجمعون الحجارة
يسكبون الكلام على أشيائهم
فتبدو مضيئة

يظهر الأحياء والموتى معًا، بما يوحي بأن ما تفعله الجماعة ليس طقسًا آنيًا، بل ميراث متصل تتناقله الأجيال. إنهم يجمعون الحجارة، ثم يسكبون الكلام على الأشياء كي تبدو مضيئة. والفعل "يسكبون" يجعل الكلام مادة سائلة تغطي الواقع من الخارج. لا يغيّرونه، وإنما يكسونه بطبقة لغوية تمنحه بريقًا مؤقتًا. وهنا تمارس القصيدة نقدًا عميقًا للبلاغة حين تتحول إلى قناع. فالكلام يستطيع أن يجعل الأشياء تبدو مضيئة، لكنه لا يمنحها نورًا حقيقيًا:

لكنها في أول الظلام
تخلع قناعها
ثم تغفو في النوافذ البليدة

يكفي حلول الظلام حتى تسقط فاعلية اللغة الزائفة. الأشياء نفسها تخلع القناع، كأنها تتعب من أداء الدور الذي فرضه عليها الكلام. وعندئذ لا يبقى من الوهج إلا نوافذ بليدة وواقع نائم. ومع ذلك تدعو الجماعة المتكلم إلى المشاركة:

تعال نزرع الكؤوس في مرافئ الرحيل
علّنا نتوهج مثل النجوم

وهي دعوة جميلة في ظاهرها، تجمع الزرع والكؤوس والمرافئ والنجوم. لكنها، عند التأمل، لا تقدم حلًا للاختلال؛ إنها تقترح نشوة مشتركة، أو احتفالًا لغويًا، أو هروبًا جماعيًا من ألم الرحيل. وهم لا يقولون إنهم سيغيرون العالم، بل يأملون أن "يتوهجوا" مثل النجوم. ما زالت المسألة متعلقة بالمظهر واللمعان، مثلما كان الكلام يجعل الأشياء تبدو مضيئة. وهنا يعود اعتراف المتكلم: "لم أكن واثقًا". لقد فقد ثقته بالحل الفردي الذي يمثله المحظوظ، وبالحل الديني القائم على التقليد، وبوعد الميلاد والجمال، ثم فقد ثقته بالحل الجماعي القائم على الكلام والكؤوس. لذلك يفرّ مرة أخرى. غير أن الشارع الأخير مختلف:

إلى شارع آخر
بلا حيز ولا شجر

لقد أخذت البدائل تتناقص حتى وصل المتكلم إلى مكان لا يكاد يكون مكانًا. لا حيز فيه، أي لا مساحة للإقامة، ولا شجر، أي لا حياة ولا ظل ولا جذور. كان "الشارع الآخر" في البداية وعدًا غامضًا، ثم أصبح في النهاية فراغًا. وكل فرار كان ينقذه مؤقتًا من وهم، لكنه كان يسلبه جزءًا من العالم أيضًا.


من "زيت على قماش" إلى "قماش فرّ من زيته"

تعتمد القصيدة بناءً دائريًا دقيقًا لا يظهر كاملًا إلا في الخاتمة. ففي البداية نقرأ:

زيت على قماش
نقش على جناح فراشة

تبدو الصورة مكتملة ومترفة، كأن مرور المحظوظ لوحة فنية. الزيت مستقر على القماش، والنقش مستقر على جناح الفراشة، والعناصر كلها منسجمة في مشهد من الضوء والجمال. لكن النهاية تقول: "قماش فرّ من زيته"؛ فتنقلب  العلاقة الأصلية. لم يعد الزيت مستقرًا على القماش، بل صار القماش نفسه هاربًا من مادته. إنها صورة تلخص حركة المتكلم في القصيدة: كما يفرّ الرجل من شارع إلى آخر، يفرّ القماش من الزيت، ويفرّ الوعاء من محتواه، ويفقد العالم قدرته على الاحتفاظ بصورته. وقد يكون القماش رمزًا للواقع، والزيت رمزًا للصورة التي رُسمت عليه. عندئذ تعني العبارة أن الواقع تمرّد على الصورة الجميلة التي حاولت الخطابات المختلفة فرضها عليه. ولم تعد اللوحة قادرة على إخفاء الاختلال، فانفصلت عناصرها وتفككت.

أما العابر المحظوظ فيظهر من جديد:

والذي مر من هناك
من كوكب آخر
كان يبتسم

تتكرر الابتسامة التي بدأت بها القصيدة، لكن وقعها في النهاية أشد مرارة. فبين الابتسامتين خاض المتكلم رحلته كاملة: واجه الألم، والكاهن، والطفل، وربة الجمال المبتورة، والجماعة التي تضيء الأشياء بالكلام، ثم انتهى إلى شارع بلا حيز ولا شجر. ومع ذلك ظل الآخر يبتسم. إنه "من كوكب آخر" لا لأنه مخلوق خيالي بالضرورة، بل لأنه يعيش في واقع منفصل عن واقع المتكلم. قد يمرّان في المدينة نفسها، لكنهما لا يعيشان العالم نفسه. أحدهما مسنود بالقدر، محاط بالضوء والنعومة، والآخر مطارد بالغصات والشكوك. المسافة بينهما ليست مسافة شارع، بل مسافة كوكبين.

وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: المتكلم هو الذي يعبر الشوارع ويختبر الأفكار ويواجه الخراب، ومع ذلك لا يصل. أما المحظوظ فلا يحتاج إلى البحث أصلًا؛ فالعالم جاهز لاستقباله، والرب إلى جواره، والشمس تبتسم له.

سريالية لها منطق داخلي

تستخدم القصيدة صورًا سريالية متلاحقة: روح تموء، وكاهن يلتف مثل أفعى، وطفل يبول على قصة، وغصات تُنتزع من الحلق في صرة، وربة جمال بساق تشبه المدخنة، وكلام يُسكب على الأشياء، وكؤوس تُزرع، وقماش يفر من زيته. لكن هذه الصور لا تنتمي إلى العبث المجاني؛ إنها تنشأ من واقع فقد منطقه الأخلاقي، ولذلك لا يمكن التعبير عنه بلغة مستقرة ومطمئنة. فحين يكون التفاوت فادحًا، ويبدو القدر منحازًا، ويتحول الدين إلى تقليد، وتصبح الولادة دخولًا إلى الشقاء، ويفقد الجمال توازنه، ويغطي الكلام الأشياء بدل أن يكشفها، يغدو التشويه الفني أكثر صدقًا من الوصف الواقعي المباشر. العالم نفسه غير منطقي، ومن ثم تأتي الصورة الغرائبية لتحاكي منطقه المكسور. ومع ذلك لا تتخلى القصيدة عن خيطها الناظم. تتعدد المشاهد، لكن السؤال واحد: أين يستطيع الإنسان الذي فقد ثقته أن يقيم؟ والجواب الذي تتقدم نحوه القصيدة هو: لا مكان. كل شارع يقدم صيغة جديدة من الوهم، وكل هروب يقود إلى فراغ أشد اتساعًا.


إيقاع الفرار

لا تقوم موسيقى القصيدة على وزن خليلي، بل على التكرار، والتوازي، وتوزيع الجمل القصيرة، وعودة الأفعال المركزية: "رأيت"، "لم أكن واثقًا"، "لذت بالفرار"، "كان يبتسم". وهذه الأفعال ترسم حركتين متقابلتين.

المتكلم يرى ويشك ويفر.
أما الآخر فيمر ويبتسم.

إنها مقابلة شديدة الاقتصاد والدلالة. الأول محكوم بالوعي؛ يرى الاختلال، ولذلك يتعذب. والثاني محكوم بالامتياز؛ لا يحتاج إلى السؤال، ولذلك يبتسم. كأن المعرفة نفسها أصبحت عبئًا، وكأن الشك هو الثمن الذي يدفعه الإنسان حين يرفض الأقنعة. وتمنح لازمة "إلى شارع آخر" النص إيقاعًا دائريًا حيث يتهيأ للقارئ في كل مرة أن القصيدة ستفتح أفقًا جديدًا، لكنه يكتشف أنها تعيد إنتاج المأزق. ومع تكرار العبارة تتبدل نبرتها: تبدأ برجاء خافت، ثم تصبح فعل نجاة مؤقتًا، وتنتهي باعتراف بالعجز عن العثور على مكان.


قصيدة عن العدالة قبل أن تكون قصيدة عن الضياع

يمكن وصف «شارع آخر» بأنها قصيدة عن الاغتراب أو الشك أو البحث عن المعنى، لكن هذه الأوصاف تظل ناقصة ما لم نضع في مركزها سؤال العدالة. فالمتكلم لا يفقد ثقته بالعالم من غير سبب؛ إن الشرارة الأولى هي رؤيته ذلك الشخص الذي خُصَّ بكل شيء، حتى بدا الرب نفسه واقفًا إلى جواره. من هذه اللحظة يبدأ الانهيار. وإذا كانت العدالة غائبة، فإن الوعود الأخرى تصبح موضع ريبة. ماذا يستطيع الكاهن أن يقول لإنسان يرى القدر منحازًا؟ ما قيمة قصة المجيء إذا كان الطفل يولد داخل غابة من البكاء والضحك؟ كيف تقف ربة السعادة في عالم فاقد للتوازن؟ وما جدوى أن نسكب الكلام على الأشياء إذا كانت ستخلع أقنعتها عند أول ظلام؟

إن أزمة المتكلم ليست في أنه لا يريد الإيمان بشيء؛ بل إنه يريد أن يثق، ولا يجد ما يستحق ثقته. ولو كان عدميًا مكتفيًا بعدميته لما واصل البحث. انتقاله من شارع إلى آخر دليل على أن لديه بقية أمل، مهما كانت ضعيفة. إنه يهرب لأنه لم يستسلم تمامًا، ويواصل النظر لأنه ما زال يتوقع أن يجد مكانًا أقل زيفًا. غير أن القصيدة لا تمنحه هذا المكان. تنتهي الرحلة، أو تكاد، في شارع "بلا حيز ولا شجر"، بينما تبقى ابتسامة المحظوظ معلقة في المشهد. لا تحدث مصالحة، ولا تستعاد العدالة، ولا يتلقى المتكلم مكافأة على وعيه ومعاناته. وهذه القسوة جزء من صدق النص؛ فالقصيدة لا تصنع عزاءً لغويًا بعد أن كشفت زيف التعازي الجاهزة.

"شارع آخر" قصيدة عن إنسان يبدل الأمكنة لأن الخلل أعمق من المكان. يهرب من شارع إلى شارع، فيما يسكن الظلم بنية العالم نفسه. وكلما ظن أنه تجاوز قناعًا، ظهر له قناع جديد: مرة في هيئة كاهن، ومرة في هيئة أسطورة، ومرة في هيئة جمال مبتور، ومرة في هيئة جماعة تتوهج بالكلمات. أما ذلك الذي مرّ في البداية، فلا يحتاج إلى شارع آخر. شارعه الأول كافٍ؛ لأن العالم قد رتّب مقاعده وذهبه وشمسه من أجله. ولهذا تصبح ابتسامته الأخيرة الخلاصة الأكثر إيلامًا في القصيدة: يظل المحظوظ سعيدًا، بينما يستهلك البائس عمره متنقلًا بين التفسيرات، باحثًا عن عدالة لا يجدها. وليس أشد قسوة من الألم إلا أن ترى شخصًا آخر محصنًا منه؛ وليس أشد إيلامًا من الظلم إلا أن يبدو الكون نفسه مبتسمًا إلى جوار الظالم أو المحظوظ. عند تلك اللحظة لا يبقى أمام الإنسان سوى أن يمضي إلى شارع آخر، ثم إلى آخر، ثم إلى آخر—حاملًا معه السؤال ذاته، لأن الشوارع تتغير، أما الاختلال فلا يتغير.

اقرأ قصيدة "شارع آخر" على موقع الديوان أنقر هنا

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شعرية التيه والتمرّد عند قاسم حدّاد

  قراءة في تحوّلات اللغة والذات والعالم بقلم: الورّاق الجزائري   تنبني التجربة الشعرية عند قاسم حدّاد على رغبة عميقة في تحرير القصيدة ...