اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

الفيل الأزرق: أين ينتهي المرض النفسي وتبدأ الخرافة؟

مستشفى العباسية للصحة النفسية في القاهرة المرتبط بعالم فيلم الفيل الأزرق
مستشفى العباسية للصحة النفسية في القاهرة. تصوير: Ashashyou، عبر Wikimedia Commons، بترخيص CC BY-SA 4.0.
حين تصبح الهلوسة دليلًا: قراءة في نائل والوشم والحبة الزرقاء والعالم الغامض الذي يبتلع يحيى راشد

يدخل يحيى راشد مستشفى العباسية بوصفه طبيبًا نفسيًا، أي بوصفه رجلًا يفترض أن تكون مهمته الفصل بين الحقيقة والوهم. لكنه، كلما تقدم في حكاية صديقه شريف الكردي، يفقد القدرة نفسها التي تمنحه مهنته معناها: القدرة على أن يقول بثقة إن هذا مرض، وهذه هلوسة، وهذا واقع.

وهنا تكمن اللعبة الأكثر إثارة في «الفيل الأزرق». فالفيلم لا يسألنا فقط إن كان شريف مريضًا نفسيًا أو واقعًا تحت تأثير قوة غامضة، بل يضع الطبيب نفسه داخل المختبر. يصبح يحيى هو الحالة التي نراقبها، ويصبح عقل المشاهد بدوره ساحة للصراع بين تفسيرين: تفسير يبحث عن اضطراب نفسي وعقاقير وهلوسات، وتفسير آخر يقود إلى السحر والجن والوشم والرموز القديمة.

لهذا لا تكمن قوة الفيلم في السؤال البسيط: هل نائل موجود فعلًا؟ وإنما في سؤال أكثر إزعاجًا: ماذا يحدث لعقل الإنسان عندما يعجز عن التمييز بين ما يحدث خارجه وما يحدث داخله؟

ومن هذه المنطقة الرمادية صنع المخرج مروان حامد والكاتب أحمد مراد واحدًا من أشهر أفلام الغموض النفسي في السينما المصرية الحديثة، مقتبسًا من رواية مراد التي حملت الاسم نفسه. لكن الفيلم، مثل الرواية، لا يبقى طويلًا داخل حدود الطب النفسي؛ إنه يبدأ من المستشفى، ثم يفتح بابًا يقود إلى عالم آخر تمامًا.

تنبيه: تتضمن الأجزاء التالية كشفًا لأحداث رئيسية من الفيلم ومناقشة لنهايته.

قبل الخرافة: هناك مكان حقيقي اسمه «8 غرب»

أول ما يستحق الفصل فيه بين الواقع والخيال أن مستشفى العباسية للصحة النفسية ليس اختراعًا روائيًا. إنه مكان حقيقي في القاهرة، والصورة التي تتصدر هذه المقالة للمستشفى نفسه.

والأكثر إثارة أن «8 غرب»، القسم الذي تنطلق منه الحكاية، له أصل واقعي أيضًا. فقد أوضح أحمد مراد أن العنبر موجود بالفعل في مستشفى العباسية، وأنه القسم المرتبط بتقييم الحالات النفسية للأشخاص المتهمين بجرائم. لكنه أكد في الوقت نفسه أن شخصيات الرواية ليست نقلًا عن أشخاص حقيقيين.

وهذه المسافة بين المكان الحقيقي والشخصيات المتخيلة شديدة الأهمية لفهم العمل. فمراد لا يبني عالمه في قلعة مسكونة أو بيت مهجور منذ القرن التاسع عشر؛ إنه يبدأ من مؤسسة طبية حقيقية، ومن طبيب، وملفات مرضى، وفحوص، وتقارير، ثم يسمح للغرائبي بأن يتسلل إلى هذا العالم بالتدريج.

وبذلك لا يقف العلم والخرافة منذ البداية على طرفي المسرح. الخرافة تدخل من باب المكان الذي يفترض أنه مخصص للعقل والعلاج والتشخيص. ومن هنا يبدأ القلق.


يحيى راشد: هل يمكن للطبيب الجريح أن يكون شاهدًا موثوقًا؟

لو كان يحيى طبيبًا مستقرًا تمامًا، يعيش حياة منتظمة ويتمتع بصفاء نفسي كامل، لأصبح انتقال الفيلم إلى العالم الخارق أكثر سهولة وأقل إثارة. لكن العمل يتعمد أن يجعل شاهده الرئيسي شخصًا لا نستطيع الوثوق بإدراكه ثقة كاملة.

يحيى يعود إلى عمله بعد سنوات من الانقطاع، مثقلًا بمأساة شخصية وبإحساس عميق بالذنب. يعيش في عزلة، ويشرب، ويتعاطى مواد تؤثر في الوعي، ويقامر، ويبدو كأنه يؤجل مواجهة نفسه بكل وسيلة ممكنة.

وهذه ليست مجرد صفات أضيفت إلى الشخصية كي تبدو غريبة أو متمردة. إنها جزء من الآلة السردية للفيلم.

فعندما يبدأ يحيى برؤية أشياء غير مألوفة، لا يستطيع المشاهد أن يقول فورًا إن ما يراه حقيقة موضوعية. الرجل الذي ينقل إلينا العالم ليس كاميرا محايدة. وعيه نفسه متصدع، وذاكرته مثقلة، وحالته النفسية تجعل الشك ممكنًا منذ البداية.

بعبارة أخرى، اختار الفيلم راوياً بصريًا غير مضمون تمامًا. نحن نرى كثيرًا مما يحدث من خلال تجربة يحيى، لكننا لا نملك دائمًا أداة مستقلة للتحقق مما يراه.

شريف الكردي: المريض الذي يهدد تعريف المرض

عندما يجد يحيى صديقه القديم شريف الكردي في القسم المخصص لتقييم المتهمين بجرائم، يبدو السؤال في البداية طبيًا وقانونيًا: هل كان شريف مسؤولًا عن أفعاله عندما وقعت الجريمة؟ وهل يعاني اضطرابًا نفسيًا يمكن أن يفسر سلوكه؟

لكن شريف لا يبقى «حالة» يمكن وضعها داخل ملف. شيئًا فشيئًا تظهر شخصية أخرى من خلاله، شخصية نائل، ويتحول السؤال من التشخيص إلى الهوية: من الذي يتحدث الآن؟ شريف أم شخص آخر؟ وهل «الشخص الآخر» بناء نفسي داخل عقل شريف، أم حضور مستقل استولى عليه؟

هذه النقطة هي المفصل الحقيقي للفيلم.

فالطب النفسي يعرف حالات واضطرابات يمكن أن تتغير فيها خبرة الإنسان بذاته وإدراكه للواقع، كما يمكن للهلاوس والأوهام والمواد ذات التأثير النفسي أن تنتج تجارب شديدة الإقناع لمن يعيشها. لكن وجود هذه الظواهر الطبية لا يعني أن الفيلم يقدم تشخيصًا سريريًا دقيقًا لشريف، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره درسًا في الطب النفسي.

«الفيل الأزرق» يستخدم لغة المرض النفسي بوصفها أحد مفاتيح الحكاية، ثم يغادر الواقعية الطبية إلى الرعب والخيال الخارق.

أين ينتهي المرض النفسي وتبدأ الخرافة؟

ربما تكون الإجابة الأكثر دقة هي أن الفيلم يتعمد، في جزء كبير منه، ألا نعرف مكان الخط الفاصل.

في البداية نستطيع بناء تفسير عقلاني لما يحدث. شريف متهم بجريمة عنيفة ويخضع للتقييم النفسي. يحيى نفسه يعيش أزمة نفسية ويستهلك الكحول والعقاقير. ثم تدخل الحبة الزرقاء إلى المشهد، فتزداد مشكلة الإدراك تعقيدًا.

لكن الفيلم لا يكتفي بذلك.

كلما تقدم السرد، تتراكم تفاصيل يريد منا الفيلم أن نقرأها بوصفها أدلة على وجود عالم يتجاوز التفسير النفسي وحده: الوشم، نائل، السحر، انتقال المعلومات، وتحول التجربة من اضطراب فردي محتمل إلى شبكة تبدو أقدم وأوسع من وعي شريف ويحيى.

وهنا يتخذ الفيلم قراره الفني الأساسي: لا يريد أن يبقى دراما واقعية عن المرض النفسي. إنه يستخدم الطب النفسي بوابةً إلى الرعب الماورائي.

ولهذا سيكون من الخطأ، في المقابل، قراءة كل ما يحدث بوصفه تصويرًا واقعيًا للمرض النفسي. الفيلم نفسه لا يلتزم بهذا الشرط؛ بل يخلط عمدًا بين المعرفة الطبية والموروث الشعبي والسحر والرعب والهلوسة ليصنع عالمه الخاص.

ما «الفيل الأزرق» أصلًا؟ ولماذا الحبة هي مفتاح الفيلم؟

الحبة الزرقاء ليست مجرد وسيلة لإضافة مشاهد هلوسية مبهرة. وظيفتها السردية أعمق من ذلك بكثير.

قبل تناولها يستطيع يحيى أن يحتفظ بمسافة بينه وبين شريف. إنه الطبيب، والآخر هو الحالة. هناك طاولة وملف وتشخيص محتمل وحدود مهنية تفصل بين الشخصين.

لكن الحبة تحطم هذه المسافة.

بدل أن يراقب يحيى العالم الغامض من الخارج، يدخله. تصبح المعرفة تجربة جسدية وبصرية. لم يعد يبحث فقط عما حدث لشريف؛ بل يعرض وعيه نفسه للاختلال كي يصل إلى الحقيقة.

ومن هنا تأتي دلالة «الفيل الأزرق» بوصفه رمزًا. إنه بوابة عبور، لكنه ليس بابًا آمنًا. وما يراه الإنسان بعد العبور قد يكون كشفًا، وقد يكون هلوسة، وقد يكون مزيجًا يستحيل فصل عناصره.

وهذه المفارقة ذكية: يحيى يبحث عن الحقيقة بواسطة شيء يجعل إدراك الحقيقة أقل موثوقية.

إنه يريد أن يرى بصورة أوضح، فيتناول مادة تغير طريقة رؤيته للعالم.

لماذا اختير الفيل رمزًا؟

لا يمنح الفيلم قاموسًا نهائيًا يقول إن الفيل يعني شيئًا واحدًا محددًا، ولذلك ينبغي الحذر من تحويل كل تفصيل إلى شفرة ذات جواب وحيد.

لكن الفيل داخل بنية الفيلم يكتسب قوته من اقترانه بالحبة وبالعبور إلى منطقة مختلفة من الوعي. لذلك يصبح، في القراءة النقدية، علامة على الشيء الضخم المختبئ داخل العقل؛ الشيء الذي قد يكون حاضرًا أمامنا ومع ذلك نعجز عن تسميته.

ويمكن قراءة اللون الأزرق نفسه في أكثر من اتجاه: لون البرودة والعمق والليل النفسي، لكنه أيضًا لون الحبة التي تفصل بين مستويين من الإدراك. غير أن هذه قراءة رمزية وليست «حقيقة» يعلنها الفيلم صراحة.

وهنا تحديدًا يجب التفريق بين الرمز وما نحمّله نحن للرمز. العمل يضع الفيل والحبة في مركز عالمه البصري؛ أما تحديد معنى نهائي مغلق لهما فيظل فعلًا تأويليًا.

الوشم: حين يصبح الجسد كتابًا

إذا كانت الحبة تفتح باب الوعي، فإن الوشم ينقل الغموض إلى الجسد.

الوشم في «الفيل الأزرق» ليس زينة. إنه نص بصري، علامة ينبغي قراءتها، ودليل يجعل الجلد نفسه جزءًا من التحقيق. بدل أن توجد الحقيقة في الملف الطبي أو شهادة الشهود فقط، تصبح مكتوبة على الجسد.

وهذه فكرة شديدة الملاءمة لعالم الفيلم: ما يخفيه العقل يظهر على الجلد.

لكن الوشم يؤدي وظيفة أخرى أكثر رعبًا. إنه يزعزع فكرة أن الإنسان يملك جسده بالكامل. فإذا كانت العلامة مرتبطة بقوة تستطيع العبور أو السيطرة، فإن الجسد لا يعود حدودًا آمنة للذات، بل يتحول إلى مكان يمكن أن يحتله آخر.

ومن هنا يصبح الرعب في الفيلم رعب هوية أكثر منه مجرد خوف من كائن غامض. السؤال ليس: ماذا سيحدث لي؟ بل: هل سأظل أنا إذا حدث؟

نائل: جني أم الوجه الذي لا يستطيع الإنسان الاعتراف به؟

داخل منطق الحكاية، يدفعنا الفيلم تدريجيًا نحو التعامل مع نائل بوصفه أكثر من مجرد اسم لحالة نفسية. لكن نائل يظل، على المستوى النقدي، قابلًا لقراءة أخرى بالتوازي مع القراءة الخارقة.

يمكن النظر إليه بوصفه تجسيدًا لذلك «الآخر» الذي يحمله الإنسان في داخله ثم ينسب إليه ما يخشاه في نفسه: العنف، والرغبة، والعدوان، والعار، وفقدان السيطرة.

حين يقول الإنسان، بصورة أو بأخرى، «لم أكن أنا»، تظهر إحدى أقدم مشكلات المسؤولية الأخلاقية: إذا لم أكن أنا، فمن كان؟

«الفيل الأزرق» يعطي هذا الآخر اسمًا ووجهًا وحضورًا: نائل.

لكن قوة الشخصية تأتي من أن الاسم لا يلغي السؤال النفسي. حتى إذا قبلنا داخل عالم الفيلم بوجود قوة خارقة، تبقى فكرة الانقسام بين الذات وما تخفيه قائمة. نائل مخيف لأنه غريب، لكنه أكثر إخافة لأنه يتكلم من داخل جسد إنسان نعرفه.

المرآة: من الذي ينظر إلى من؟

تتكرر في عالم «الفيل الأزرق» فكرة النظر إلى الذات، مباشرة أو بصورة رمزية. والمرآة هنا ليست مجرد قطعة ديكور مناسبة لأفلام الرعب؛ إنها أداة اختبار للهوية.

نحن عادة ننظر إلى المرآة كي نتأكد من صورتنا. لكن الرعب يبدأ حين لا تعود الصورة ضمانًا لذلك.

في الفيلم تصبح الحدود بين «أنا» و«الآخر» قابلة للاختراق. لذلك تحمل المرآة سؤالًا يتجاوز شكل الوجه: هل الشخص الذي أراه هو الشخص الذي أعرفه؟

وهذا يفسر لماذا يبدو الرعب النفسي في الفيلم أكثر فاعلية عندما يقترب من الجسد والوجه والعين والوشم، لا عندما يعتمد فقط على المفاجأة. الخوف الحقيقي هو فقدان السيادة على الذات.

لبنى: الحب بوصفه طريقًا إلى الماضي

وسط كل هذه الرموز توجد لبنى، التي يمكن بسهولة التعامل معها بوصفها خطًا عاطفيًا جانبيًا. لكن علاقتها بيحيى تؤدي وظيفة أعمق.

لبنى تربطه بالعالم الذي هرب منه.

عودته إلى المستشفى ليست عودة إلى وظيفة فقط، ولقاؤه بشريف ليس مجرد قضية مهنية. كلاهما يعيدان فتح ماضٍ حاول يحيى دفنه. وظهور لبنى يجعل التحقيق في حالة شريف تحقيقًا في حياة يحيى نفسه.

وهكذا تتقاطع ثلاثة خطوط: إنقاذ الصديق، واستعادة الحبيبة، ومواجهة الذات.

ولهذا لا يعود ممكنًا الفصل بسهولة بين الطبيب والرجل. كل معلومة يكتشفها يحيى تمسه شخصيًا، وكل خطوة نحو شريف تعيده إلى جزء من حياته كان يظن أنه تركه خلفه.

لماذا تبدو الصورة البصرية كأنها جزء من عقل يحيى؟

لا يحكي مروان حامد القصة بالحوار وحده. الصورة والإضاءة والممرات والألوان والموسيقى وحركة الكاميرا كلها تعمل على جعل المشاهد يشعر بأنه لا يقف خارج اضطراب يحيى، بل يتحرك داخله.

المستشفى مكان واقعي، لكن تصويره يتيح له أن يتحول إلى متاهة. الغرف والممرات والأبواب تفصل بين عوالم متجاورة، وكأن الانتقال من غرفة إلى أخرى يمكن أن يكون انتقالًا من مستوى في الوعي إلى مستوى آخر.

ومع دخول الهلوسة، تفقد الصورة التزامها بالواقعية تدريجيًا. لا يعود السؤال فقط «ماذا حدث؟»، وإنما «هل ما أراه حدث بالطريقة التي أراه بها؟».

وهذه إحدى نقاط القوة في الفيلم: الشكل البصري لا يشرح اضطراب الإدراك؛ بل يحاول أن يجعل المشاهد يختبره.

هل يقدم «الفيل الأزرق» صورة دقيقة للمرض النفسي؟

هنا ينبغي وضع حد واضح بين السينما والطب.

الفيلم ليس مرجعًا في الطب النفسي، ولا ينبغي استخدام شريف أو يحيى نموذجًا لتشخيص أشخاص حقيقيين. كما أن الربط بين المرض النفسي والعنف أو القوى الخارقة يمكن، إذا نُقل خارج السياق الخيالي، أن يعزز صورًا نمطية غير دقيقة عن الأشخاص الذين يعيشون مع اضطرابات نفسية.

في الحياة الواقعية، الاضطرابات النفسية حالات صحية معقدة لها تشخيصات وأساليب علاج وبحوث متخصصة، ولا يجوز اختزالها في صورة «الجنون» أو الجريمة أو المس.

أما الفيلم فيستخدم المستشفى والطب النفسي باعتبارهما فضاءً دراميًا، ثم يدخل عليهما عناصر الرعب والسحر والماورائيات. نجاح هذا المزج سينمائيًا لا يجعله وصفًا علميًا للمرض.

وهذا التفريق مهم تحديدًا لأن الفيلم بارع في جعل الحدود ضبابية. ما يصلح داخل الحكاية بوصفه مصدرًا للغموض لا ينبغي أن يتحول إلى اعتقاد عن المرض النفسي في الواقع.

لماذا يحتاج الفيلم إلى الخرافة أصلًا؟

كان من الممكن كتابة «الفيل الأزرق» بوصفه فيلمًا نفسيًا خالصًا عن طبيب محطم يحقق في جريمة ارتكبها صديقه. وكان يمكن أن يظل كل شيء قابلًا للتفسير من خلال الصدمة النفسية والمواد المؤثرة في الوعي واضطراب الإدراك.

لكن أحمد مراد ومروان حامد اختارا طريقًا آخر.

الخرافة هنا توسع مساحة السؤال. فحين يعجز الطب داخل الحكاية عن تقديم الإجابة الكاملة، يعود الإنسان إلى مخزون أقدم من العلم: الجن، والسحر، والعلامات، والتلبس، والقوى غير المرئية.

وهذا الصراع ليس جديدًا في الثقافة الإنسانية. قبل نشوء الطب النفسي الحديث، فسرت مجتمعات كثيرة السلوكيات غير المفهومة بتفسيرات دينية أو سحرية أو ماورائية. ولا تزال هذه التفسيرات تتجاور في مجتمعات عديدة مع المعرفة الطبية الحديثة.

الفيلم يستثمر هذا التوتر بقوة. المستشفى يمثل المؤسسة الحديثة التي تصنف وتفحص وتكتب التقارير، بينما يمثل نائل عالمًا لا يعترف بهذه اللغة أصلًا.

وبين العالمين يقف يحيى.

شرح نهاية «الفيل الأزرق»: هل انتصر يحيى فعلًا؟

تبدو النهاية للوهلة الأولى وكأنها تمنح الحكاية نوعًا من الإغلاق. لقد خاض يحيى الرحلة، اقترب من حقيقة شريف، واجه العالم الذي كان يرفض تصديقه، ودفع ثمن المعرفة.

لكن «الفيل الأزرق» لا يريد نهاية مريحة تمامًا.

لأن السؤال الذي بدأ مع شريف ينتقل إلى يحيى نفسه: هل يستطيع الإنسان أن يدخل هذا العالم ثم يخرج منه كما كان؟

وهنا تصبح فكرة الانتقال أهم من فكرة الانتصار. نائل ليس مجرد خصم ينبغي التخلص منه، وإنما احتمال دائم لاختراق الحدود بين الذات والآخر. والوشم والعلامات البصرية يعيدان إلينا الفكرة التي بنى عليها الفيلم كثيرًا من رعبه: الجسد الذي نظنه آخر حصون الهوية قد لا يكون حصنًا مغلقًا.

لذلك لا ينبغي قراءة النهاية بوصفها مجرد مفاجأة أعدت لإخافة المشاهد في اللحظة الأخيرة. إنها تعيد صياغة الفيلم كله.

لقد بدأ يحيى طبيبًا ينظر إلى رجل آخر ويحاول تحديد ما إذا كان مريضًا أم مسؤولًا عن أفعاله. وفي النهاية يصبح السؤال نفسه قابلًا لأن يوجَّه إلى يحيى.

الطبيب اقترب من الحالة إلى درجة أنه لم يعد يقف خارجها.

هل كل ما رأيناه كان هلوسة؟

هذا تفسير جذاب، لكنه لا يفسر بسهولة كل ما يقدمه الفيلم.

يمكن تفسير أجزاء من تجربة يحيى نفسيًا: حزنه، وشعوره بالذنب، وتعاطيه، واضطراب حياته، ثم دخوله المتعمد في حالات وعي غير طبيعية. وهذه كلها تجعل رؤيته للأحداث موضع شك.

لكن الفيلم نفسه يضع أمام المشاهد عناصر تتجاوز تجربة يحيى الذاتية، ويدفع في مراحله المتقدمة باتجاه قبول وجود العالم الخارق داخل منطقه الحكائي.

لذلك فإن القول إن «كل شيء مجرد هلوسة» يغلق مساحة أبقاها الفيلم مفتوحة فترة طويلة، كما أن القول إن الطب النفسي لم يكن سوى خدعة وأن كل شيء سببه الجن يختزل النصف الآخر من العمل.

الأكثر ثراءً هو رؤية المستويين يعملان معًا.

الفيلم يبدأ بالشك العلمي، ثم يسمح للخرافة بأن تكتسب أدلتها داخل عالمه. لكنه يفعل ذلك عبر بطل لا يزال عقله نفسه موضع سؤال. وهكذا لا تختفي المنطقة الرمادية حتى عندما يميل السرد إلى تفسير خارق.

الرواية والفيلم: لماذا كان الانتقال إلى السينما مناسبًا لهذه الحكاية؟

رواية أحمد مراد سبقت الفيلم، ووصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2014. وهي تقوم في جوهرها على رحلة يحيى إلى مستشفى العباسية ولقائه بصديقه في «8 غرب»، قبل أن تتحول محاولة فهم الحالة إلى رحلة في ذاته.

لكن السينما منحت هذه الفكرة أداة لا تمتلكها الرواية بالطريقة نفسها: الصورة المتحركة.

الهلوسة في الرواية تُروى، أما في الفيلم فنحن نراها. والوشم لا يوصف فقط، بل يتحول إلى علامة بصرية. والانتقال بين مستويات الإدراك يمكن أن يحدث بالمونتاج والإضاءة والصوت وحركة الكاميرا.

لذلك وجد عالم «الفيل الأزرق» في السينما بيئة طبيعية. فموضوعه الأساسي ليس ما يفكر فيه الإنسان فقط، وإنما ما يراه، وهل يستطيع أن يثق بما يراه.

لماذا بقي الفيلم في ذاكرة الجمهور؟

ربما لأن «الفيل الأزرق» لم يطلب من الجمهور أن يحل لغز جريمة فحسب. لقد أعطاه مجموعة من الأشياء التي تواصل العمل في الذاكرة بعد انتهاء العرض: الحبة، والفيل، والوشم، ونائل، والمستشفى، والممرات، والمرآة.

هذه الأشياء سهلة التذكر لأنها لا تؤدي وظيفة واحدة. الحبة مخدر وبوابة. الوشم صورة ودليل وتهديد. نائل شخصية واحتمال لوجود «آخر» داخل الذات. والمستشفى مكان حقيقي يتحول في المخيلة إلى مدخل لعالم غير واقعي.

لكن الأهم أن الفيلم يمس خوفًا أقدم من الخوف من الأشباح: الخوف من ألا نستطيع الوثوق بعقولنا.

يمكن للإنسان أن يهرب من بيت مخيف. ويمكنه إغلاق باب في وجه شخص يهدده. لكن ماذا يفعل إذا كان الشيء الذي يخشاه موجودًا داخل الطريقة التي يرى بها العالم؟

الفيل الأزرق بين العقل والخرافة

قد يبدو للوهلة الأولى أن الفيلم يقيم معركة بين الطب النفسي والخرافة، لكن هذه القراءة تفوّت شيئًا من تركيبته. فالمواجهة الأعمق ليست بين طبيب وجني، وإنما بين الإنسان وحاجته إلى تفسير ما لا يفهمه.

نحن لا نحتمل الفراغ بسهولة. عندما يحدث شيء مرعب نبحث عن اسم له. التشخيص اسم. السحر اسم. الجن اسم. الهلوسة اسم. وكل اسم يمنحنا شعورًا بأن الفوضى أصبحت قابلة للفهم.

لكن «الفيل الأزرق» يسحب منا هذه الطمأنينة مرارًا.

يبدأ بمكان حقيقي، ثم يقودنا إلى عالم متخيل. يبدأ بطبيب، ثم يشكك في إدراك الطبيب. يبدأ بمريض يخضع للفحص، ثم يجعل الفاحص نفسه موضع الفحص. ويبدأ بالسؤال عن عقل شريف، ثم ينتهي بنا أمام عقل يحيى.

وهنا تكمن، ربما، أكثر أفكار الفيلم بقاءً: الإنسان الذي ينزل إلى أعماق عقل شخص آخر بحثًا عن الحقيقة قد يكتشف أن الباب الذي فتحه لا يؤدي إلى الآخر وحده، بل يعود إليه هو أيضًا.

إذا كنت مكان يحيى راشد، وشاهدت ما شاهده وعرفت ما عرفه، فهل كنت ستقول إنك اقتربت من حقيقة خارقة فعلًا، أم أنك ستظل تشك حتى النهاية في أن العقل قادر على صناعة أكثر الأشباح إقناعًا؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق