حين تقول الكلمات شيئًا وتقودنا إلى شيء آخر
إذا قال شخص: "ابتسم الصباح"، فنحن لا نتوقف عادة لنسأل أين فم الصباح أو كيف ارتسمت الابتسامة على وجهه. نفهم فورًا أن العبارة لا تريد أن تخبرنا بحقيقة جسدية، بل تنقل إلينا إحساسًا بالإشراق والبداية والبهجة. هذه القفزة الصغيرة التي تقوم بها اللغة من معناها المباشر إلى معنى آخر هي المدخل الأبسط لفهم المجاز.
لكن كلمة "المجاز" أوسع مما توحي به الأمثلة المدرسية المحفوظة. فالمسألة ليست البحث عن كلمة "غير حقيقية" ثم وضع اسم بلاغي عليها، وإنما فهم الطريقة التي تقيم بها اللغة علاقة بين معنيين. أحيانًا تقوم العلاقة على المشابهة، فنكون قريبين من الاستعارة. وأحيانًا تقوم على السببية أو الجزئية أو المكان أو غير ذلك، فنكون أمام المجاز المرسل. وقد تبقى الكلمات نفسها على معانيها المألوفة، لكن التجوز يقع في إسناد الفعل إلى من لم يفعله مباشرة، وهنا يظهر ما سماه البلاغيون المجاز العقلي.
الجواب المختصر: المجاز في البلاغة العربية هو استعمال اللفظ أو التركيب بطريقة تتجاوز معناه المباشر إلى معنى آخر تربطه به علاقة، مع وجود ما يدل على أن المعنى الحرفي ليس هو المقصود. فإذا كانت العلاقة قائمة على المشابهة دخلنا في الاستعارة، وإذا كانت قائمة على علاقة أخرى ظهر المجاز المرسل، أما إذا وقع التجوز في إسناد الفعل أو الصفة إلى غير من هي له أصلًا فنحن أمام المجاز العقلي.
هذا التعريف مفيد، لكنه لا يكفي وحده. الأهم أن نعرف كيف نلاحظ المجاز عندما نلتقيه في قصيدة أو رواية أو خطاب يومي، وأن نميز بين أنواعه من غير أن نحول القراءة إلى مطاردة للمصطلحات.
ما الذي يتغير عندما تتحول العبارة من الحقيقة إلى المجاز؟
كلمة "الحقيقة" في اصطلاح البلاغيين لا تعني أن المتكلم صادق أخلاقيًا، كما أن "المجاز" لا يعني أنه يكذب. المقصود بالحقيقة هنا استعمال اللفظ في المعنى الذي جرى وضعه أو استعماله له مباشرة، بينما يتحرك المجاز باللفظ أو بالعلاقة إلى جهة أخرى.
إذا قلنا: "فتح الرجل الباب"، فليس في العبارة ما يجبرنا على البحث عن معنى غير مباشر. أما إذا قلنا: "فتح العلم أبواب المستقبل"، فالأبواب لم تعد أبوابًا خشبية أو معدنية. بقيت في ذهننا صورة الباب، لكنها انتقلت لتدل على الفرص والطرائق والإمكانات.
ولكي يحدث هذا الانتقال يحتاج القارئ إلى إشارة تمنعه من حمل الكلام على معناه الحرفي، ويسمي البلاغيون هذه الإشارة "القرينة". قد تكون كلمة داخل الجملة، وقد تكون الموقف كله.
مثال: "رأيت أسدًا يدافع عن رفاقه."
إذا كنا في غابة فقد يكون الأسد حيوانًا حقيقيًا. أما إذا كان الحديث عن رجل في ساحة معركة، فالسياق يدفعنا إلى فهم "الأسد" بوصفه صورة للشجاعة والقوة. السياق هنا جزء من القرينة التي تجعل القراءة الحرفية غير مقصودة.
ومن هنا تظهر قاعدة مهمة: لا نستطيع دائمًا اكتشاف المجاز من الكلمة وحدها. الكلمة لا تحمل بطاقة تقول إنها مجازية؛ الذي يحسم الأمر هو استعمالها داخل السياق.
المجاز ليس نوعًا واحدًا
تختلف كتب البلاغة في بعض تفاصيل التصنيف، وفي عدد العلاقات وأسمائها وطريقة ترتيبها، لكن التقسيم التعليمي الأكثر فائدة للقارئ يبدأ بالتمييز بين المجاز اللغوي والمجاز العقلي.
في المجاز اللغوي يقع الانتقال داخل استعمال الكلمة أو العبارة نفسها. ويمكن أن تكون العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المقصود قائمة على المشابهة، فنصل إلى الاستعارة، أو قائمة على علاقة أخرى غير المشابهة، فنصل إلى المجاز المرسل.
أما المجاز العقلي فلا يشترط أن تكون هناك كلمة قد غادرت معناها المعجمي. التجوز يحدث في العلاقة بين أجزاء الجملة، وخصوصًا في إسناد الفعل إلى فاعل ليس هو المنفذ المباشر للفعل.
| النوع | أين يقع التحول؟ | السؤال الذي يساعدك |
|---|---|---|
| الاستعارة | في اللفظ، مع علاقة مشابهة | ما الصفة المشتركة التي سمحت بنقل الاسم؟ |
| المجاز المرسل | في اللفظ، بعلاقة غير المشابهة | ما الصلة بين المعنى المذكور والمعنى المقصود؟ |
| المجاز العقلي | في الإسناد بين أجزاء الجملة | هل الفاعل المذكور هو الذي قام بالفعل حقيقة؟ |
متى يصبح المجاز استعارة؟
الاستعارة ليست شيئًا منفصلًا تمامًا عن المجاز في التصنيف البلاغي الشائع، بل هي أحد أبرز أنواعه. الفارق الحاسم أن العلاقة فيها تقوم على المشابهة.
عندما نقول "رأيت أسدًا يقود الجنود"، لا نعني أن حيوانًا خرج من الغابة ليتولى القيادة. لقد رأينا في الرجل صفة تشبه ما ارتبط بالأسد من قوة وجرأة، فنقلنا إليه اسم الأسد.
لكن المشابهة ليست دائمًا بهذه البساطة. قد تعمل الاستعارة داخل جملة كاملة، وقد تصبح جزءًا من الطريقة التي نرى بها فكرة مجردة. نقول مثلًا: "أكل الحزن سنواته". الحزن لا يملك فمًا، لكن العبارة تجعل الزمن المستنزف شيئًا يمكن افتراسه. لم تعد الصورة زينة تضاف إلى المعنى بعد اكتماله؛ إنها الطريقة نفسها التي صُنع بها المعنى.
ولهذا فإن سؤال "أين الاستعارة؟" أقل فائدة أحيانًا من سؤال: ماذا جعلتني هذه الاستعارة أرى بطريقة لم تكن العبارة المباشرة قادرة على إظهارها؟
ويمكن رؤية هذه الوظيفة بوضوح في الشعر الحديث، حيث تتجاور الاستعارة والرمز والتناص ولا تبقى الصورة البلاغية مجرد تمرين قابل للفصل عن النص. في قراءة قصيدة "جدارية" لمحمود درويش، مثلًا، لا تعمل صور الموت والبياض والاسم منفردة، بل تتكرر وتتغير حتى تصبح شبكة دلالية تتحرك معها القصيدة كلها.
المجاز المرسل: حين تكون العلاقة غير المشابهة
هنا يقع أكثر الالتباس. فالدارس يحفظ عادة قائمة طويلة من السببية والمسببية والجزئية والكلية والمحلية والحالية وغيرها، ثم يبدأ في البحث عن الاسم المناسب لكل جملة. لكن فهم المنطق الذي وراء العلاقات أسهل من حفظ القائمة.
لنأخذ قولنا: "شربت الكأس". من الواضح أننا لم نأكل الزجاج أو المعدن ولم نبتلع الوعاء؛ المقصود هو ما في الكأس. لقد ذكرنا المكان أو الوعاء وأردنا الشيء الموجود فيه. العلاقة هنا ليست تشابهًا بين الكأس والشراب، ولذلك لا نسميها استعارة.
الجزء والكل: عندما يذكر المتكلم الجزء وهو يريد الكل، أو يذكر الكل ويريد جزءًا منه، ينتقل المعنى بسبب علاقة بنيوية واضحة بين الاثنين.
ومن الأمثلة القرآنية المشهورة قوله تعالى: "يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ". الذي يدخل في الأذن عمليًا أطراف الأصابع، لا الأصابع كلها، ولذلك يقرأ البلاغيون هذا المثال على أنه إطلاق للكل وإرادة الجزء.
السبب والنتيجة: في المثال البلاغي القديم "رعت الماشية الغيث"، لا ترعى الماشية المطر نفسه، بل ترعى النبات الذي نشأ بسببه. ذُكر السبب، وهو الغيث، وأريد ما نتج منه.
المكان ومن فيه: نقول أحيانًا: "صفق المسرح للممثل". المسرح بوصفه جدرانًا وخشبة لا يصفق، وإنما الحاضرون فيه. انتقل الاسم من المكان إلى من يشغله.
هذه العلاقات توضح أن المجاز المرسل لا يقوم على القول إن شيئًا يشبه شيئًا آخر. إنه يعمل عبر القرب والسبب والجزء والمكان والزمان وما إلى ذلك. اللغة تختصر مسافة بين شيئين مرتبطين في الواقع أو في تصورنا للواقع.
ولا ينبغي القلق إذا اختلف كتابان في تسمية بعض الأمثلة. الحدود البلاغية ليست دائمًا ميكانيكية، وبعض الشواهد القديمة نفسها خضعت لأكثر من تحليل. الغرض من التصنيف أن يكشف كيفية عمل العبارة، لا أن يجعل النص رهينة خانة واحدة.
وما المجاز العقلي؟
إذا قلنا: "بنى الملك القصر"، فقد لا يكون الملك قد حمل الحجارة أو وضعها بيده. هو صاحب الأمر والمشروع والقدرة التي أدت إلى البناء، بينما نفذ البناؤون العمل. الكلمات "بنى" و"الملك" مفهومة في ذاتها، لكن العلاقة بين الفعل ومن أُسند إليه ليست هي العلاقة المباشرة التي نجدها في قولنا "بنى العامل الجدار".
هنا يقع المجاز في الإسناد نفسه. ولهذا ميّز عبد القاهر الجرجاني بين مجاز يقع في الكلمة ومجاز يقع في الحكم الذي تقيمه الجملة.
والأمر أقرب إلى استعمالنا اليومي مما يبدو. نقول:
"افتتحت الجامعة مستشفى جديدًا."
"أصدرت الصحيفة تحقيقًا."
"أيقظت المدينة ذاكرتي."
في بعضها يمكن تفسير الإسناد تفسيرًا مؤسسيًا عرفيًا، وفي بعضها يظهر البعد المجازي بوضوح. المهم أن نسأل: إلى من أسند الفعل؟ وهل هو الفاعل المباشر، أم أن بينه وبين الفعل علاقة سببية أو مكانية أو زمنية أو غير ذلك؟
ولهذا يصعب أحيانًا رسم خط صلب بين المجاز وما استقر في الاستعمال العادي. فالتعبير المجازي إذا تكرر كثيرًا قد يصبح مألوفًا إلى درجة أننا لا نشعر بصورته الأولى.
هل كل تعبير غير حرفي مجاز؟
في الاستعمال العام نميل إلى تسمية معظم التعبير غير الحرفي "مجازًا"، لكن علم البيان يضع فروقًا أدق بين التشبيه والاستعارة والمجاز المرسل والكناية.
في التشبيه نقول مثلًا: "الجندي كالأسد في الشجاعة". الطرفان حاضران، والعلاقة معلنة بأداة التشبيه. أما "الجندي أسد" أو "رأيت أسدًا يقتحم الصفوف" فتتغير البنية ويقترب الكلام من الاستعارة.
أما الكناية فليست مجرد استبدال معنى بآخر مع قرينة تمنع المعنى الأصلي بالضرورة. قد يكون المعنى المباشر ممكنًا، لكن المتكلم يريد أن يقودنا منه إلى معنى ملازم. لهذا يحتاج التفريق بينها وبين المجاز إلى أكثر من البحث عن عبارة جميلة أو غير مباشرة.
والرمز أوسع من كلمة مجازية مفردة في كثير من الأعمال الأدبية. قد يصبح البحر أو النافذة أو الطريق عنصرًا يعود مرات كثيرة حتى تتراكم حوله دلالات لا يمكن اختصارها في علاقة بلاغية واحدة. ومن هنا كانت قراءة المجاز داخل النص أهم من استخراج المثال وعزله.
هذا واضح في قصائد كثيرة لنزار قباني؛ فالصورة قد تبدأ من استعارة، ثم تدخل في نظام من الرموز والمبالغات والمفارقات. وفي تحليل "خبز وحشيش وقمر" يمكن ملاحظة كيف يتحول القمر من عنصر طبيعي إلى جزء من رؤية اجتماعية تتجاوز المعنى المعجمي للكلمة.
كيف أعرف أن العبارة مجازية؟
يمكن للقارئ أن يبدأ بأربع خطوات، لا بوصفها قانونًا صارمًا، وإنما طريقة للفحص.
أولًا، اقرأ العبارة حرفيًا. اسأل ماذا تعني الكلمات لو أخذتها على معناها المباشر.
ثانيًا، اختبر إمكان المعنى الحرفي. عندما نقول "صرخ الجدار"، هل يمكن للجدار نفسه أن يصرخ؟ عندما نقول "شربت الكأس"، هل المقصود ابتلاع الوعاء؟
ثالثًا، ابحث عن المعنى الذي يدفع إليه السياق. ربما يدل الجدار الصارخ على آثار حرب أو على كتابة تحتج بصمت، وربما تكون الكأس اسمًا لما تحتويه.
رابعًا، اسأل عن العلاقة. إذا كانت مشابهة، فكر في الاستعارة. إذا كانت سببًا أو جزءًا أو مكانًا أو غير ذلك، فأنت أقرب إلى المجاز المرسل. وإذا بقيت الكلمات في معانيها لكن الفعل أُسند إلى غير فاعله المباشر، فافحص احتمال المجاز العقلي.
اختبار سريع: لا تبدأ بالسؤال "ما اسم هذا النوع؟". ابدأ بـ"ماذا تعني العبارة هنا، ولماذا لم يستخدم الكاتب العبارة المباشرة؟". عندما تفهم حركة المعنى، يصبح الاسم البلاغي أسهل.
لماذا لا يكفي أن نقول إن المجاز يجمّل الكلام؟
من أكثر العبارات تكرارًا في الشروح المدرسية أن المجاز "يزين الكلام". وقد يفعل ذلك، لكن وصفه بالزينة وحدها يختزل وظيفته. المجاز يستطيع أن يضغط تجربة كاملة في صورة قصيرة، وأن يجعل المعنى المجرد محسوسًا، وأن يخلق مفارقة، وأن يكشف موقف المتكلم من العالم.
قولنا "الحزن شديد" يقدم معلومة. أما قولنا "الحزن يأكل البيت ببطء" فيمنح الحزن جسدًا وحركة وزمنًا، ويجعل أثره ممتدًا إلى المكان وأهله. لم نضع حلية فوق الفكرة نفسها؛ لقد غيرنا الطريقة التي يستطيع القارئ أن يتخيل بها الحزن.
والشاعر الجيد لا يبحث عن المجاز لأنه يريد إثبات قدرته على البلاغة. المجاز الناجح يبدو ضروريًا للنص، حتى يصعب استبداله بشرح مباشر من دون خسارة شيء من المعنى.
ولهذا يمكن أن نقرأ في دراسة شعرية المجاز والمفارقة والقلق عند محمد حسين هيثم المجاز داخل بناء تجربة شعرية كاملة؛ فالقيمة لا تأتي من اكتشاف أن هناك صورة بلاغية، بل من معرفة كيف تسهم الصورة في تشكيل رؤية الشاعر وقلقه وإيقاع نصه.
ثلاثة أخطاء تجعل فهم المجاز أصعب
الخطأ الأول هو مساواة المجاز بالكذب. العبارة المجازية لا تطلب منا غالبًا أن نصدق معناها الحرفي. عندما يقول شاعر إن الليل ابتلع المدينة، لا يقدم تقريرًا فلكيًا. إنه يعيد تنظيم الخبرة باللغة.
الخطأ الثاني هو اعتبار الاستعارة والمجاز شيئين متقابلين دائمًا. في التصنيف البلاغي الشائع، الاستعارة فرع من المجاز اللغوي لأنها تقوم على نقل المعنى بعلاقة المشابهة، بينما يقوم المجاز المرسل على علاقات أخرى.
الخطأ الثالث هو حفظ العلاقات من غير فهمها. قد يحفظ القارئ أسماء السببية والمسببية والجزئية والكلية، ثم يعجز عن تحليل مثال جديد. أما إذا فهم أن المجاز المرسل ينقلنا بين شيئين مرتبطين من غير أن يكون أحدهما شبيهًا بالآخر، فقد قطع نصف الطريق.
هل نستطيع دائمًا الاتفاق على التحليل؟
لا. وهذه نقطة مهمة في دراسة البلاغة خارج أسئلة الامتحان.
نشأت اصطلاحات المجاز عبر تاريخ طويل من النظر اللغوي والبلاغي، ولم يستعمل جميع العلماء الأقسام بالطريقة نفسها. كما أن بعض الأمثلة يمكن تفسيرها نحويًا أو دلاليًا بأكثر من وجه، وبعض التعبيرات التي كانت صورتها المجازية واضحة في زمن قد تصبح مألوفة بعد طول الاستعمال.
فعبارات مثل "رأس الجبل" و"عين الماء" و"رجل الكرسي" تثير سؤالًا مهمًا: هل ما زلنا نشعر بعملية انتقال حيّة من الجسد إلى الجبل أو الماء أو الأثاث، أم أن الاستعمال أصبح جزءًا مستقرًا من دلالة الكلمة؟ هنا نقترب من المنطقة التي تتغير فيها اللغة عبر الزمن.
وهذا يفسر لماذا لا ينبغي أن تتحول البلاغة إلى شرطي يبحث عن "الإجابة الوحيدة" في كل جملة. توجد أمثلة واضحة، لكن توجد أيضًا مناطق حدودية يصبح فيها تاريخ الكلمة والسياق وطريقة التحليل عوامل مهمة.
تجربة صغيرة: هل أصبحت ترى المجاز؟
تأمل الجمل الآتية قبل قراءة التحليل:
1. "فتح الصباح نافذته على المدينة."
2. "قرأت المدينة الخبر في صمت."
3. "شرب المسافر كأسًا ثم غادر."
4. "بنى الحاكم الجسر في عام واحد."
في الجملة الأولى لا يملك الصباح نافذة بالمعنى الحرفي؛ الصورة تمنحه هيئة كائن يفتح العالم على الضوء، ولذلك نتجه إلى الاستعارة.
في الثانية لا تقرأ الشوارع والأبنية. المقصود أهل المدينة، ولذلك انتقل الاسم من المكان إلى من فيه، وهو منطق المجاز المرسل.
أما الثالثة فقد تكون حقيقة كاملة: المسافر شرب ما في كأس. لكن إذا كان المقصود حرفيًا "شرب الكأس" بمعنى شرب محتواها، فنحن أمام إطلاق اسم الوعاء وإرادة ما فيه. السياق وطريقة تركيب العبارة هما اللذان يحددان القراءة.
وفي الرابعة قد يكون الحاكم هو صاحب المشروع والأمر والتمويل لا العامل الذي وضع حجارة الجسر؛ عندئذ يكون التجوز في إسناد فعل البناء إليه، ويظهر المجاز العقلي.
لاحظ أن الشكل الخارجي للجملة لم يكن كافيًا في أي منها. احتجنا في كل مرة إلى فهم العالم الذي تصنعه الجملة وعلاقة الكلمات بعضها ببعض.
من تسمية الصورة إلى قراءة الأدب
معرفة المجاز لا تبلغ غايتها حين يستطيع القارئ أن يقول: "هذه استعارة تصريحية" أو "هذا مجاز مرسل علاقته المحلية". هذه المعرفة تصبح أدبية عندما تساعده على السؤال عما فعلته الصورة بالنص.
لماذا اختار الشاعر البحر بدل أن يقول الاتساع؟ لماذا جعل الذاكرة بيتًا يمكن دخوله والخروج منه؟ لماذا أسند الغضب إلى المدينة كلها بدل أن ينسبه إلى مجموعة من سكانها؟ وماذا يحدث عندما يكرر النص المجاز نفسه ثم يغيره؟
هنا يغادر المجاز دفتر التعريفات ويدخل صميم القراءة. فالصورة لا تعكس الواقع كما تعكس المرآة وجهًا أمامها؛ إنها تختار علاقة معينة بين الأشياء، وباختيارها تعيد ترتيب العالم. من يقول إن الزمن "طريق" يفكر فيه بطريقة تختلف عمّن يجعله "نهرًا" أو "سجنًا" أو "جرحًا". كل صورة تفتح إمكانات وتغلق أخرى.
ولذلك عاش المجاز طويلًا في الشعر والخطابة والسرد والكلام اليومي. نحن لا نستخدمه فقط عندما تعجز العبارة المباشرة، بل لأن التجربة الإنسانية نفسها كثيرًا ما تحتاج إلى أن نفهم شيئًا بواسطة شيء آخر: الحزن ثقل، والأمل نافذة، والذاكرة بيت، والوقت طريق، والحياة رحلة.
وعندما نتعلم قراءة هذه التحولات لا يصبح هدفنا القبض على الكاتب متلبسًا بالمجاز، بل الانتباه إلى اللحظة التي تتجاوز فيها الكلمة حدودها الأولى وتبدأ في إنتاج عالم آخر حولها.
فإذا صادفت بعد ذلك عبارة مثل "نامت المدينة تحت جناح الليل"، فربما لن تسأل فقط عن اسم الصورة البلاغية، بل ستسأل السؤال الأهم: لماذا احتاج الكاتب إلى مدينة تنام، وليل له جناحان، كي يجعلني أرى هذا المشهد بهذه الطريقة؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق