اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

صورة المرأة في شعر نزار قباني بين تحرير الأنثى وسلطة الجسد

بورتريه مائي للشاعر نزار قباني جالسًا، تحيط به خلفية تجريدية بدرجات الوردي والأزرق، يناسب مقالة عن صورة المرأة في شعره.

بقلم: الورّاق الجزائري


قلّما ارتبط اسم شاعر عربي حديث بصورة المرأة كما ارتبط اسم نزار قباني بها. فمنذ ديوانه الأول "قالت لي السمراء"، دخل إلى منطقة كان الشعر العربي يزورها عادة من وراء ستار من المجاز والاحتشام، وجعل الحب والجسد والرغبة موضوعات يومية قابلة للكلام. بدا ذلك، في أربعينيات القرن العشرين وما بعدها، خروجًا صريحًا على لغة اجتماعية تريد من المرأة أن تكون حاضرة في القصيدة وغائبة عن حقها في التعبير عن نفسها. ومع اتساع شهرته، صار يُقدَّم تارة بوصفه محررًا للمرأة، وتارة أخرى بوصفه شاعرًا أعاد إنتاج النظرة الذكورية إليها، وإن غلّفها بموسيقى رقيقة وصور آسرة. وبين الصورتين تقع تجربة أكثر تعقيدًا من أن تختصرها كلمة إنصاف أو إدانة.
السؤال، إذن، ليس هل أحب نزار المرأة أو دافع عنها؛ فهذا ظاهر في جانب كبير من شعره ونثره. السؤال الأهم هو: أي امرأة صنعها في قصيدته؟ هل منحها ذاتًا تفكر وتختار وترفض، أم منحها فقط حرية أن تكون جميلة ومشتهاة؟ وهل كان حديثه عن الجسد كسرًا للمحظور الذي يحاصر المرأة، أم أن الجسد نفسه تحول، في بعض النصوص، إلى إطار لا تستطيع أن تظهر خارجه؟ لا تقدم دواوينه جوابًا واحدًا. ففيها المرأة المتكلمة والمتمردة، وفيها الحبيبة التي تختزلها التفاصيل الجسدية، وفيها الأم والزوجة والمدينة والوطن، وفيها كذلك كائن شعري يتغير بتغير عمر الشاعر وتحولات العالم من حوله. لذلك تقتضي قراءته أن نفصل بين جرأة الموضوع وعمق التحرير؛ فليست كل كتابة جريئة عن المرأة كتابة من منظورها، كما أن حضور الجسد لا يعني بالضرورة إلغاء الروح أو العقل.

حين فتح نزار باب الغرفة المغلقة

ظهر شعر نزار قباني في مجتمع عربي كانت العلاقات العاطفية فيه محكومة بمسافة واسعة بين ما يعيشه الناس وما يعلنونه. لم يكن الحب غائبًا عن التراث، بل إن العربية تمتلك واحدًا من أغنى الموروثات في الغزل، غير أن المرأة الحديثة، التي تتعلم وتخرج إلى المدينة وتريد أن تختار مصيرها، لم تكن قد وجدت بسهولة لغة تجمع خبرتها الجديدة بحياتها الحميمة. هنا جاءت قصيدة نزار قريبة، شفافة، قليلة الحواجز البلاغية، تتحدث عن موعد ورسالة وثوب وعطر وغيرة وخصام. وبهذا نقل الحب من المثال البعيد إلى التفاصيل التي يعرفها القارئ في حياته، وأعاد إلى الرغبة اسمها بعد أن طال اختباؤها تحت أسماء أخرى.
كانت لهذه النقلة قيمة تحررية حقيقية. فالمرأة في جانب من شعره ليست موضوعًا صامتًا ينتظر وصف الشاعر، بل شخص يطالب بحق الحب والاختيار، ويواجه الزواج القسري وسلطة العائلة والرقابة الأخلاقية غير المتكافئة. وفي "يوميات امرأة لا مبالية" يتبنى الشاعر ضمير امرأة تتكلم من داخل بيت يراقب خطواتها وجسدها ومستقبلها. لا ينتظر الصوت الأنثوي فيه أن يمنحه الرجل إذنًا بالكلام، بل يكشف التناقض بين مجتمع يطلب من المرأة الطاعة، ثم يحملها وحدها أعباء الشرف والخطيئة. وكانت مخاطرة نزار مضاعفة: فهو لم يكتف بالدفاع عن المرأة من الخارج، وإنما حاول أن يتكلم بلسانها، واضعًا القارئ الذكر في موقع من يسمع احتجاجًا كان معتادًا على حجبه.
ومع ذلك، فإن استعارة صوت المرأة لا تجعل القصيدة أنثوية بالضرورة. فالذي يبني هذا الصوت ويختار مفرداته وحدود تمرّده شاعر رجل، ومن ثم تظل المرأة المتكلمة محاطة بخياله عنها. قد تقول ما لا يسمح لها المجتمع بقوله، لكنها تقول أحيانًا ما يتمنى الرجل المتحرر أن يسمعه منها: اعترافًا بالرغبة، واحتفاءً بالحب، ورفضًا للقيود. أما خبرتها خارج العلاقة العاطفية ــ في العمل والمعرفة والسلطة والاقتصاد والأمومة المعقدة والشيخوخة ــ فتظل أقل حضورًا بكثير. لقد فتح نزار باب الغرفة المغلقة، وهذه فضيلة لا يصح إنكارها، لكنه لم يخرج دائمًا بالمرأة إلى العالم الواسع الذي يقع وراء الغرفة.

الجسد بوصفه حقًا وبوصفه مرآة

لا يمكن فهم كثافة الجسد في شعر نزار بمعزل عن المجتمع الذي كتب فيه. لقد كان الجسد الأنثوي محجوبًا في الخطاب العام، لكنه حاضرًا في الواقع بوصفه موضعًا للمراقبة والمنع والمقايضة. وحين سمّاه الشاعر، واحتفى بالحواس والملمس والرائحة وتفاصيل الزينة، بدا كأنه يستعيد للمرأة جزءًا صادره النفاق الاجتماعي. فالجسد هنا ليس مادة فاضحة في ذاته، بل حياة حسية يعترف بها الشعر، وحق في الحب لا ينبغي أن ينفرد الرجل بتعريفه. ولذلك استقبلت قارئات كثيرات شعره بوصفه لغة تقول علنًا شيئًا كن يشعرن به ولا يجدن طريقًا إلى قوله.
لكن التحرر من الصمت لا يساوي التحرر من النظرة. ففي عدد غير قليل من القصائد، تتكون المرأة من أجزاء يلتقطها بصر العاشق: شعر وعينان ويدان وفم وثياب وعطر. تتكرر صفات النعومة والطول والبياض والطفولة والدلال، فينشأ نموذج جمالي محدد، تبدو قيمته متصلة بمقدار اقترابه من رغبة الشاعر. عند هذه النقطة يتحول الجسد من حق للمرأة إلى مرآة للرجل؛ لا نعرف منه ما تشعر به هي، بل ما يراه هو وما يثيره فيه. حتى المبالغة في تقديس الجمال قد تخفي نوعًا من الاختزال، لأن تحويل المرأة إلى معجزة أو قصيدة أو لوحة لا يضمن الاعتراف بها إنسانة لها تناقضاتها ورغباتها المستقلة.
ليس الإنصاف النقدي في تجاهل هذه النزعة ولا في جعلها مفتاحًا وحيدًا للتجربة. فالشعر الغزلي يقوم أصلًا على الانتقاء والتكثيف، والعاشق لا يكتب سيرة اجتماعية كاملة لمن يحب. غير أن التكرار يكتسب دلالة تتجاوز القصيدة المفردة: عندما يصبح الجمال المدخل الغالب إلى المرأة، تضيق صور النساء اللواتي يستطعن دخول العالم الشعري. أين المرأة التي لا توافق مقاييس الفتنة؟ أين الجسد المتعب أو المختلف أو المتقدم في العمر؟ وأين المرأة حين لا تكون حبيبة؟ إن غياب هذه الصور لا يبطل جرأة نزار، لكنه يكشف حدودها؛ فقد حرر الجسد المرغوب فيه أكثر مما حرر اختلاف الأجساد كلها.

صوت المرأة أم صدى رغبة الرجل

حقق نزار إنجازًا فنيًا مهمًا حين جعل ضمير المؤنث مركزًا لبعض نصوصه. كان انتقاله من الحديث عن المرأة إلى الحديث بلسانها محاولة لتغيير موقع الكاميرا، إذا جاز التعبير، بحيث لا تبقى الأنثى منظورة فقط. وفي تلك النصوص نسمع احتجاجًا على التربية التي تميز بين الابن والبنت، وعلى خوف العائلة من الحب، وعلى الزواج الذي يعامل المرأة كملكية تنتقل من بيت إلى بيت. وتكتسب البساطة اللغوية هنا وظيفة اجتماعية؛ فالقصيدة لا تتوجه إلى نخبة نقدية ضيقة، وإنما تتسلل إلى ذاكرة قارئات وقارئين يستطيعون ترديدها وفهم ما تعنيه من غير وسيط.
غير أن ضمير المتكلم قد يصنع وهمًا بالاستقلال لا استقلالًا كاملًا. فالمرأة النزارية، حتى حين تتحدث، تظل في كثير من الأحيان منشغلة بالرجل: تنتظره، تعاتبه، تهجره، تشتاق إليه، أو تعلن حقها في أن تحبه. إنها أكثر جرأة من المرأة الصامتة في خطاب تقليدي، لكنها لا تتحرر دائمًا من جعل العلاقة العاطفية مركز وجودها. وإذا قورنت هذه الشخصية بأصوات شاعرات عربيات كتبن أجسادهن وحياتهن من خبرة شخصية، يظهر فرق مهم بين منح المرأة كلامًا داخل مخيلة شاعر، وبين إنتاجها لغتها وهي مسؤولة عن تعقيد تجربتها ونتائجها.
لا يعني ذلك أن الرجل عاجز مبدئيًا عن تخيل صوت امرأة، ولا أن قيمة النص تتحدد بجنس صاحبه. الأدب كله يقوم على القدرة على عبور حدود الذات. ولكن نجاح هذا العبور يُقاس باتساع الشخصية ومقاومتها لرغبات مؤلفها، لا بمجرد استخدام ضمير المؤنث. وفي أفضل نصوص نزار، تفاجئ المرأة الشاعر وتراجعه وترفض أن تكون تابعة. أما في النصوص الأضعف، فإنها تبدو نسخة محسنة من حلمه: امرأة متحررة بما يكفي لكي تحبه بلا خوف، لا بما يكفي لكي تختار حياة لا يكون هو مركزها.

من الحبيبة إلى بلقيس والمرأة الوطن

لم تبق صورة المرأة عند نزار ثابتة. فقد دفعته التجربة الشخصية والسياسية إلى توسيعها، ولا سيما بعد مقتل زوجته بلقيس الراوي في تفجير السفارة العراقية في بيروت سنة 1981. في قصيدة "بلقيس" لا تقف المرأة أمام عين عاشق مأخوذ بجمالها فحسب، بل تدخل بوصفها زوجة وبيتًا وذاكرةً وحضورًا أخلاقيًا مزقه العنف. يمتزج الرثاء بالغضب، وينتقل الفقد من الخاص إلى العام؛ فموت امرأة واحدة يصبح دليلًا على عالم عربي يهدر أبناءه ثم يحول مأساتهم إلى خطب. هنا يتراجع الجسد الموصوف ليظهر الجسد المقتول، وتصبح الكتابة اعترافًا بعجز اللغة أمام الخسارة.
ومع هذا الاتساع، تظل بلقيس معرضة لأن تتحول إلى رمز أكبر من حياتها الفردية. فالشاعر يجعلها العراق وبيروت والحضارة والقصيدة والأنوثة الجريحة، وبذلك يمنحها مكانة عالية، لكنه يحمل صورتها أيضًا أوزانًا يضعها الرثاء والوعي السياسي فوقها. الرمز يخلد الشخصية، لكنه قد يبتعد بها عن تفاصيل الإنسان الذي كان له صوت يومي وعالم خاص. هذه مفارقة تتكرر في شعر نزار: حين يرفع المرأة إلى مرتبة الوطن أو المدينة أو القصيدة، يبدو أنه يكرمها، غير أن التكريم الرمزي قد يجردها بدوره من فرديتها، مثلما يفعل الاختزال الجسدي بطريقة مختلفة.
لكن الفرق بين المرحلتين لا يجوز إغفاله. فالحب في القصائد الناضجة أقل ثقة بامتلاك موضوعه، وأكثر إحساسًا بالزمن والموت والفقد. لم تعد المرأة مجرد مناسبة لاحتفال الحواس، بل صارت شريكة في بناء البيت والمعنى، وحضورًا يمكن أن ينهار العالم بغيابه. حتى اللغة، مع احتفاظها بوضوحها، تحمل جرحًا سياسيًا لا ينفصل عن الجرح الشخصي. وبذلك تتطور صورة الأنثى من جسد يوقظ القصيدة إلى إنسانة يكشف غيابها هشاشة الشاعر نفسه، وإن بقي ميله إلى تحويلها رمزًا شاملًا حاضرًا.

هل كان نزار شاعرًا نسويًا

تغري شهرة نزار بوصفه "شاعر المرأة" بتحويل اللقب إلى حكم نقدي، مع أن اللقب يصف مركزية الموضوع أكثر مما يحدد طبيعة الموقف منه. لقد وقف بلا شك ضد منظومة اجتماعية تمنع المرأة من الحب والاختيار، وفضح ازدواجية تسمح للرجل بما تعاقب عليه المرأة، وكتب عن قضايا كانت تعد محرمة. كما ساعدت لغته القريبة على نقل هذه الأسئلة من الكتب المتخصصة إلى المجال العام، وهذا أثر اجتماعي لا يقلل منه اختلافنا اليوم مع بعض صوره. فمن الظلم أن نحاكم جرأته الأولى بمعايير حاضر لم يكن ليصل إليها بالسهولة نفسها لولا تراكم أصوات شارك هو في فتح الطريق أمامها.
وفي المقابل، لا تكفي معاداة القمع لكي يصبح الخطاب نسويًا بالمعنى الكامل. فالنسوية لا تدافع عن حق المرأة في الحب والجمال فقط، بل عن كونها ذاتًا سياسية واقتصادية ومعرفية، وعن حقها في تعريف نفسها بعيدًا عن توقعات الرجال، سواء كانت تلك التوقعات محافظة أم رومانسية. ومن هذه الزاوية يبدو مشروع نزار جزئيًا: لقد ثار على الأب والحارس والواعظ، لكنه لم يتحرر دائمًا من موقع العاشق الذي يجعل نظرته مقياسًا. نقل المرأة من بيت الطاعة إلى حديقة الحب، غير أن الحديقة بقيت في نصوص كثيرة مصممة وفق ذوقه.
الأدق، لذلك، أن نصفه بأنه شاعر أسهم بقوة في تحرير خطاب الحب والأنوثة، لا بأنه أنجز تحرير المرأة في الشعر. والأول إنجاز لغوي وثقافي كبير يمكن تتبع أثره، أما الثاني فادعاء أوسع من قدرة شاعر واحد، بل أوسع من قدرة الشعر نفسه. لقد منح المرأة مساحة وصوتًا، لكنه لم يلغ المسافة بين صوتها الحقيقي والصوت الذي صاغه لها. وتكمن حيوية تجربته في أن هذا التناقض ظاهر فيها: فالرجل الذي يحتج على سجن الأنثى هو نفسه الذي يعود أحيانًا إلى رسمها داخل إطار الجمال والرغبة.

لماذا ما زالت صورته للمرأة تثير الجدل

استمرار الجدل لا يعود فقط إلى شعبية نزار، بل إلى أن التوتر الذي حمله شعره ما زال قائمًا في الثقافة العربية. فما زال الجسد الأنثوي ساحة تتنازعها الرقابة والاستغلال التجاري، وما زالت المرأة تجد نفسها بين خطاب يريد إخفاءها وخطاب يعرضها بكثافة، بينما قد يغيب صوتها في الحالتين. قصائد نزار تقف في المنطقة الواقعة بين هذين الطرفين: تقاوم الإخفاء، لكنها لا تنجو دائمًا من العرض؛ تحتفي برغبة المرأة، لكنها قد تعيد صياغتها وفق خيال الرجل. لهذا يستطيع قارئ اليوم أن يجد فيها خطوة تقدمية وأثرًا أبويًا في اللحظة نفسها.
كما أن سهولة لغته، وهي أحد أسرار انتشاره، جعلت أحكامه وصوره تدخل الذاكرة العامة وتتحول إلى عبارات تُستعمل أحيانًا خارج سياقها. وما يفعله التداول الجماهيري بالصورة الشعرية مهم هنا؛ فالمرأة التي كانت داخل قصيدة مركبة قد تصبح في الاقتباس السريع عينين وشعرًا وعطرًا، بينما تضيع احتجاجاتها وأسئلتها. ليس الشاعر مسؤولًا وحده عن هذا الاختزال، لكن قابلية بعض صوره للاختزال تكشف القوة التي امتلكها النموذج الجمالي في كتابته. وبالمقابل، فإن نصوصه التي تدين القهر الأسري وتطالب بحق الاختيار ما زالت قادرة على لمس قارئات يواجهن قيودًا مشابهة، فلا يجوز محو هذا الأثر باسم قراءة واحدة.
ربما تكون أفضل طريقة لقراءة نزار اليوم هي ألا نطلب منه شهادة براءة أو قرار إدانة. نقرأه تاريخيًا لنفهم مقدار ما كسره من صمت، ونقرأه نقديًا لنرى ما بقي في لغته من سلطة النظرة الذكورية. عندئذ لا تعود المفاضلة بين شاعر محرر وشاعر يحول المرأة إلى جسد مفاضلة قاطعة؛ فالصورتان تتجاوران وتتداخلان، وقد تظهران أحيانًا في القصيدة نفسها. إنه يحرر المرأة حين يجعل رغبتها قابلة للقول، ويختزلها حين يجعل جمالها شرط حضورها، ويقترب من إنسانيتها حين يعترف بأنها لا تُمتلك، ثم يبتعد عنها حين يحولها إلى رمز كامل يلبي حاجته إلى المعنى.

خاتمة

لم تكن المرأة في شعر نزار قباني صورة واحدة، ولذلك لا يصح أن يكون الحكم عليه جملة واحدة. لقد أحدث نزار انقلابًا في لغة الحب العربية، وواجه الخوف من الجسد، ومنح الأنثى في نصوص بارزة حق الكلام والرفض والاختيار. لكنه ظل ابن ثقافة وموقع ورؤية ذكورية تظهر آثارها في مركزية الجمال، وتجزئة الجسد، وربط حضور المرأة بعلاقتها بالرجل. ومن هنا لا يتناقض الاعتراف بفضله مع مساءلته؛ بل إن القراءة التي تراه كاملًا أو تلغيه كاملًا تفقد أكثر جوانب تجربته دلالة.
لقد حرر نزار مساحة واسعة حول المرأة، لكنه لم يحررها نهائيًا من صورته عنها. وربما كان هذا هو سبب بقاء شعره حيًا وقابلًا للنقاش: إنه يسجل لحظة انتقال لم يكتمل فيها الخروج من المجتمع القديم، ولم تتضح بعد كل ملامح المجتمع الجديد. في قصيدته نسمع بابًا يُفتح وصوتًا يتقدم، لكننا نرى أيضًا عين الشاعر وهي تختار زاوية الضوء. وبين الصوت والعين تولد امرأة نزار: أكثر جرأة من صورتها الموروثة، وأقل حرية من المرأة التي تكتب نفسها بنفسها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق