اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

ثلاثية نجيب محفوظ: هل كان السيد أحمد عبد الجواد شخصية حقيقية؟

مشهد توضيحي لرب أسرة مهيب داخل بيت قاهري قديم مع أفراد عائلته في الخلفية
صورة توضيحية أصلية تستلهم عالم الأسرة والسلطة والحياة القاهرية في ثلاثية نجيب محفوظ.
من جارٍ شامي إلى أبٍ روائي لا ينسى: كيف مزج محفوظ الذاكرة بالخيال حتى صارت أسرة عبد الجواد أقرب إلى السيرة الحقيقية؟

هل كان السيد أحمد عبد الجواد، الرجل الذي عرفه القراء باسم "سي السيد"، شخصًا حقيقيًا رآه نجيب محفوظ في طفولته ثم نقله إلى صفحات الثلاثية؟ السؤال يبدو بسيطًا، وخصوصًا لأن الشخصية مكتوبة بدرجة من التفصيل تجعل من السهل أن نتخيل أن محفوظ لم يخترعها، بل تذكرها فقط.

الرجل له متجر وأصدقاء وعادات يومية ومزاج متقلب، له صوت داخل البيت وصوت آخر خارجه، يخشاه أبناؤه وتطيعه زوجته، ثم نراه في السهرات شخصًا مختلفًا تمامًا: محبًا للغناء والنكتة والنساء والصحبة. وحين تمتد الحكاية من "بين القصرين" إلى "قصر الشوق" ثم "السكرية"، لا يعود أحمد عبد الجواد مجرد بطل روائي، بل يبدو واحدًا من رجال القاهرة الذين عاشوا فعلًا ثم دخلوا الأدب.

الجواب المختصر: لا نستطيع القول إن السيد أحمد عبد الجواد نسخة من شخص حقيقي واحد. نجيب محفوظ نفى بوضوح أن يكون قد صاغ الشخصية على صورة والده، وقال إن الجار الشامي الذي عاش قبالة أسرته في بيت القاضي كان أقرب إلى نموذج "سي السيد"، بينما أخذ من والده، على الأرجح، حب الفن والطرب. وتذكر روايات أخرى أشخاصًا إضافيين تركوا ملامح في الشخصية. لذلك تبدو الحقيقة الأدق أن أحمد عبد الجواد شخصية مركبة: بدأت من أشخاص حقيقيين، ثم أعاد الأدب صنعهم حتى أصبح الرجل الروائي أكبر من أي واحد منهم.

وهذا الفارق بين "شخص حقيقي" و"شخصية لها جذور حقيقية" هو مفتاح قراءة الثلاثية كلها. فمحفوظ لم يكن يكتب محضرًا عن أسرته أو جيرانه. كان يفعل شيئًا أكثر تعقيدًا: يأخذ مادة عاشها أو سمعها أو شاهدها، ثم يفصلها عن أصحابها الأولين ويعيد تركيبها داخل عالم روائي مستقل.


هل كان والد نجيب محفوظ هو سي السيد؟

هذه هي الرواية الأكثر إغراء، وربما الأسهل انتشارًا. نجيب محفوظ نشأ في أسرة مصرية محافظة في الجمالية، والثلاثية تدور حول أسرة مصرية محافظة يقودها أب شديد الهيبة، ولذلك بدت القفزة من السيرة إلى الرواية منطقية: لا بد أن أحمد عبد الجواد هو والد محفوظ.

لكن محفوظ نفسه عارض هذا الربط. ففي أحاديثه عن طفولته وصف أباه بصورة تختلف عن صورة الأب المستبد في "بين القصرين". تحدث عن رجل تقليدي بطبيعة الحال، لكنه يتصف في البيت بقدر من الهدوء والتسامح، ولم يكن يعيش الانقسام الصارخ نفسه بين طاغية منزلي ورجل لهو ليلي.

كان هناك شيء واحد أقر محفوظ بأنه انتقل من والده إلى أحمد عبد الجواد: الميل إلى الفن والطرب. وهذه التفصيلة مهمة لأنها تكشف طريقة صناعة الشخصية. الروائي لا يحتاج إلى نقل إنسان كامل. قد يأخذ من شخص ميلًا موسيقيًا، ومن آخر طريقته في السيطرة على بيته، ومن ثالث هيئته أو كلامه، ثم يضيف من خياله ما يجعل هذه الشظايا شخصية واحدة متماسكة.

وفي حوار شهير مع مجلة Paris Review سنة 1992، تحدث محفوظ عن قربه الشخصي من قطبين مختلفين في الثلاثية: كمال من جهة، وأحمد عبد الجواد من جهة أخرى. كمال يمثل جانبًا من جيله وأزماته الفكرية والنفسية، أما عبد الجواد فيمثل الجانب المحب للحياة والأصدقاء والفن والموسيقى. هذه الشهادة وحدها تكفي لتحذيرنا من القراءة التي تضع تحت كل شخصية اسم شخص حقيقي واحد. الشخصية الواحدة عند محفوظ يمكن أن تحمل جزءًا منه شخصيًا، وجزءًا من إنسان عرفه، ثم تستقل عنهما معًا.

ولذلك فإن البحث عن الأب الحقيقي لسي السيد قد يضللنا إذا تصورنا أن الرواية تخفي مفتاحًا سريًا من نوع: "هذا الرجل هو أحمد عبد الجواد". ما لدينا أكثر إثارة من ذلك.

الجار الذي أغلق النوافذ

حين تحدث محفوظ عن المصدر الأقرب لشخصية أحمد عبد الجواد، عاد بذاكرته إلى بيت القاضي، حيث عاش في طفولته. تذكر أسرة كانت تسكن في مواجهة بيت أسرته، ورجلًا شامي الأصل فرض نظامًا صارمًا على زوجته وبيته. كانت الزوجة تزور أم محفوظ أو تجلس معها، في حين كانت حركتها الاجتماعية مقيدة بسلطة الزوج.

في الرواية الأشهر التي نقلها رجاء النقاش عن محفوظ يظهر اسم "عم بشير". وترد في رواية أخرى مرتبطة بذكريات محفوظ تسمية "الشيخ رضوان". اختلاف الاسم هنا يستحق الانتباه، لأنه يمنعنا من تحويل الحكاية المتداولة إلى وثيقة أكثر صلابة مما هي عليه. الثابت في شهادات محفوظ هو صورة الجار الشامي والأسرة المقابلة وصرامة الرجل مع زوجته؛ أما التفاصيل الاسمية التي نقلتها مصادر مختلفة فليست متطابقة تمامًا.

وهذه نقطة صغيرة ظاهريًا، لكنها جوهرية في سلسلة "أسرار الأدب". فحين تتكرر قصة أصل شخصية أدبية عشرات المرات على المواقع، تختفي الفروق بين مصدر وآخر، ثم يصبح الاحتمال حقيقة، والحكاية وثيقة. هنا ينبغي أن نقلب المسار: نبدأ بما قاله محفوظ، ثم ننظر بحذر إلى ما أضافته الروايات اللاحقة.

وتشير بعض المواد التي تناولت النماذج الواقعية لشخصيات محفوظ إلى أن زوج إحدى شقيقاته كان هو الآخر من الرجال الذين عرف فيهم صورة الأب الخشن أو المتسلط. قد يكون شيء منه دخل في التكوين، كما دخلت ملامح من الجار ومن الأب نفسه. لكن هذه الاحتمالات لا تعني أن الشخصية عملية جمع حسابية يستطيع القارئ تفكيكها: أربعون في المئة من فلان، وثلاثون من آخر، والباقي من محفوظ.

ما إن تبدأ الرواية حتى تنقطع هذه النسب. يصبح أحمد عبد الجواد مسؤولًا عن نفسه داخل النص.

لماذا يبدو إذن حقيقيًا إلى هذه الدرجة؟

السبب الأول أن محفوظ لم يبن الشخصية من صفة واحدة. لو كان هدفه تقديم نموذج لـ"الرجل الشرقي المستبد"، كما اختزلته الثقافة الشعبية لاحقًا، لصنع شخصية أبسط بكثير: رجل قاسٍ في البيت وانتهى الأمر.

لكن أحمد عبد الجواد ليس كذلك. القارئ يراه مخيفًا ومحبوبًا، منافقًا ومخلصًا، مرحًا وصارمًا، شهوانيًا ومحافظًا، كريمًا وأنانيًا. بعض هذه الصفات يتناقض مع بعض، وهذا بالضبط ما يجعل الشخصية قابلة للتصديق.

الإنسان الواقعي لا يتحرك عادة وفق فكرة واحدة. وقد بنى محفوظ رب الأسرة بحيث يتغير وجهه بتغير المكان. في البيت تكاد خطواته نفسها تعيد ترتيب أجساد الآخرين. وجوده ينظم المائدة والكلام والزيارات ونبرة الصوت. وخارج البيت يتحرر الرجل الذي يمنع الآخرين من الحرية، ويطالب نفسه بما لا يسمح لأسرته به.

هذه الازدواجية ليست مجرد حيلة لكشف النفاق. إنها أيضًا بناء اجتماعي. السلطة التي يمارسها الأب ليست صفة نفسية معزولة، بل جزء من شبكة أوسع: الرجل يملك المال وحرية الحركة والفضاء العام، بينما تبقى أمينة وبناتها داخل الحدود التي يرسمها. لذلك يبدو بيت عبد الجواد حقيقيًا لأن قوانينه ليست مكتوبة على الورق فحسب، بل تظهر في من يستطيع الخروج، ومن يحتاج إلى الإذن، ومن يملك المعرفة، ومن ينتظر عودة الآخر.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الثلاثية إلى جانب "أولاد حارتنا" وما أثارته من أسئلة عن السلطة والنظام والتمرد. العملان مختلفان جذريًا في الشكل والعالم الروائي، لكن محفوظ في كليهما شديد الانتباه إلى الطريقة التي تتحول بها القوة إلى نظام يومي يقبله الناس أحيانًا حتى وهم يتألمون منه.

الأسرة ليست خلفية للرواية

السر الثاني في إحساسنا بأن عائلة عبد الجواد عاشت فعلًا هو أن محفوظ لا يستخدم أفرادها ككومبارس حول الأب. لكل فرد طريقته الخاصة في رؤية العالم.

أمينة ليست مجرد "الزوجة المطيعة". طاعتها نفسها لها تاريخ وعاطفة وخوف وإيمان بعالم يبدو لها طبيعيًا حتى حين يجرحها. ياسين لا يرث أباه بطريقة ميكانيكية، بل يأخذ جانبًا من شهواته من دون أن يملك سلطته أو تماسك صورته. فهمي يدخل السياسة والوطن إلى البيت. خديجة وعائشة لا تتشابهان لمجرد أنهما أختان. وكمال، الطفل الذي يراقب عالم الكبار ثم يصبح شابًا مثقلًا بالأسئلة، يغير مركز الثقل في الثلاثية كلما تقدمت.

قال محفوظ إن كمال يحمل كثيرًا من أزمة جيله ومن تجربته الفكرية الشخصية. وهذه المعلومة مهمة، لكنها لا تعني أن كمال هو نجيب محفوظ باسم مستعار. الفارق نفسه الذي طبقناه على أحمد عبد الجواد ينطبق هنا أيضًا: التجربة الشخصية تدخل الرواية، ثم تتغير حين تصبح جزءًا من بناء أكبر.

وهذا ما يجعل الأسرة تبدو غير مصنوعة. أفرادها لا يوجدون لخدمة "رسالة" واحدة، ولا يتفقون على معنى التاريخ الذي يمر فوق رؤوسهم. الحدث نفسه يدخل إلى كل شخصية من باب مختلف. السياسة عند واحد تضحية، وعند آخر ضجيج خارجي، وعند ثالث بداية لسؤال فكري طويل.

في الحياة العائلية الحقيقية لا يعيش خمسة أشخاص الحدث نفسه بالطريقة نفسها. محفوظ يعرف ذلك، ولذلك لا يقدم الأسرة كصوت جماعي بل كمجموعة وعي متجاورة ومتصادمة.

حين يصبح البيت طريقة لقياس التاريخ

تمتد الثلاثية عبر عقود من التحول المصري، من أجواء الحرب العالمية الأولى وثورة 1919 إلى تغيرات سياسية واجتماعية وفكرية عميقة لاحقة. وبدل أن يكتب محفوظ رواية تاريخية يكون فيها الزعيم والوزارة والمظاهرة هم الأبطال، يسمح للتاريخ بأن يدخل من باب البيت.

هذه واحدة من أهم أسباب واقعية العمل.

نحن لا نقرأ السنوات بوصفها قائمة أحداث، بل نشاهد ما تفعله في الناس: من يكبر، ومن يموت، ومن يتزوج، ومن يغير أفكاره، ومن يتمسك بعالم يختفي تدريجيًا. وهكذا تصبح الشيخوخة العائلية شكلًا آخر من أشكال التاريخ.

الأب الذي يبدو في البداية مركز الكون ليس خالدًا. سلطته التي تكاد تكون مطلقة في "بين القصرين" تدخل بدورها في الزمن. الأبناء يكبرون، والأحفاد يظهرون، والأفكار الجديدة تصل إلى البيت، وما كان يقينًا في جيل يصبح سؤالًا في الجيل التالي.

وهنا يتحول السؤال عن الشخص الحقيقي وراء سي السيد إلى سؤال أوسع: هل كان محفوظ يحتاج أصلًا إلى شخص واحد، ما دام يريد أن يكتب تحولات مجتمع كامل؟

ربما كانت الشخصية بحاجة إلى جار حقيقي يمنحها ملمسها الأول، لكن الرواية احتاجت بعد ذلك إلى شيء أكبر: أب يستطيع الزمن أن يصطدم به.

القاهرة الحقيقية تجعل الأسرة أكثر إقناعًا

حتى أسماء الأجزاء الثلاثة، "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية"، مرتبطة بأمكنة حقيقية في القاهرة التاريخية. وهذا الاختيار يفعل شيئًا خفيًا بالقارئ. الشخصيات متخيلة، لكن الأرض تحت أقدامها ليست كذلك.

حين تتحرك الأسرة في شوارع الجمالية والحسين والأحياء القديمة، يشعر القارئ بأن عالم الرواية يمكن السير إليه. المكان ليس زخرفة شرقية، بل ذاكرة جغرافية واضحة حملها محفوظ من طفولته.

ولد محفوظ وعاش سنواته الأولى في الجمالية، ولذلك لم يكن مضطرًا إلى اختراع العلاقة بين البيت والشارع من الصفر. كان يعرف معنى أن تكون نافذة البيت مطلة على عالم لا يملك كل سكان المنزل الحق نفسه في دخوله. يعرف الأزقة والمساجد والدكاكين والمقاهي وحركة الناس، ويعرف المسافة الصغيرة التي قد تفصل بين حياة داخلية محكومة وحياة عامة أكثر اتساعًا.

لكن هذا لا يجعل الثلاثية كتاب ذكريات. المكان الحقيقي يؤدي وظيفة روائية. إنه يمنح الشخصيات قيودًا ومسافات ومسارات. أمينة التي لا تخرج ليست امرأة محبوسة في فكرة مجردة؛ هناك شارع حقيقي قريب منها لا تستطيع أن تمشي فيه كما يشاء زوجها. والأب الذي يتنقل بين بيته وحياته الليلية يعبر فعليًا بين فضاءين أخلاقيين واجتماعيين.

بهذا المعنى، المكان يشارك في بناء الشخصية.

هل شوهت عبارة "سي السيد" شخصية أحمد عبد الجواد؟

حدث للشخصية أمر طريف بعد خروجها من الرواية إلى الثقافة الشعبية. تحول اسم "سي السيد" إلى وصف جاهز للرجل المتسلط الذي يطلب الطاعة من زوجته وأسرته.

هذا الاستخدام مفهوم، لكنه أفقر الشخصية.

أحمد عبد الجواد في الرواية أكثر تعقيدًا بكثير من المصطلح الذي بقي منه. فإذا تعاملنا معه بوصفه مجرد رمز للذكورية والاستبداد سنفقد المفارقة التي جعلته حيًا: قدرته على الضحك والحب والصداقة والتذوق الفني، خوف أبنائه منه، تعلقهم به، هشاشته مع الزمن، وحتى لحظات ضعفه.

الشخصية التي تستطيع الثقافة تحويلها إلى مثل دارج تكون قد نجحت في تجاوز النص، لكن نجاحها هذا قد يطمس تفاصيلها. ويحدث شيء مشابه مع شخصيات روائية أخرى: يختار الجمهور صفة واحدة سهلة التداول، بينما يكون الأدب قد بنى إنسانًا متناقضًا.

ولهذا من المفيد العودة إلى محفوظ نفسه بدل الاكتفاء بـ"سي السيد" الذي عاش في السينما والذاكرة العامة.

الطريقة نفسها تظهر في أعمال أخرى لمحفوظ، وإن بتقنيات مختلفة. ففي "اللص والكلاب" وقصة سعيد مهران بين الرواية والسينما نجد أيضًا نقطة انطلاق مرتبطة بالواقع، لكن محفوظ لا يحتفظ بالواقعة كما وجدها؛ يعيد تشكيلها حتى تصبح سؤالًا أدبيًا أوسع من أصلها الحقيقي.

الرواية كتبت الواقع ولم تنسخه

أنهى محفوظ كتابة الثلاثية قبل نشرها بسنوات، وقد اكتملت في صورتها الكبرى في مطلع الخمسينيات، بينما ظهر نشرها في صورتها المعروفة خلال 1956 و1957. وكانت في أصل تصورها عملًا واحدًا بالغ الضخامة قبل تقسيمه إلى "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية".

هذه المعلومة تساعدنا على فهم طبيعة البناء. نحن لا نتعامل مع ثلاث مغامرات منفصلة لشخصية ناجحة أعاد الكاتب استخدامها، بل مع مشروع عائلي وزمني واسع صمم كي نرى أبطاله وهم يتغيرون.

وهذا التغير هو ما يصعب نسخه مباشرة من الواقع.

الكاتب الذي يستعير جارًا من طفولته لا يعرف بالضرورة ما الذي فكر فيه ذلك الجار حين أغلق باب بيته، ولا ماذا كان يشعر وهو يمارس سلطته، ولا كيف كان سيرى شيخوخته بعد عقود. هنا يبدأ عمل الخيال. محفوظ يمنح الشخصية حياة داخلية ومسارًا وعلاقات لا يمكن للذاكرة وحدها أن توفرها.

بل إن التناقض بين المصادر حول بعض النماذج الواقعية يصبح أقل أهمية عندما نقرأ النتيجة. سواء دخلت في أحمد عبد الجواد ملامح من الجار الشامي وحده أو امتزجت بها سمات من والد محفوظ وزوج شقيقته ورجال آخرين عرفهم، لا يستطيع أي واحد منهم المطالبة بالشخصية كاملة.

أحمد عبد الجواد ليس صورة فوتوغرافية لإنسان. إنه تركيب روائي يبدو فوتوغرافيًا.

لماذا نصدق عائلة لم توجد بهذه الصورة؟

هنا نصل إلى الجزء الأهم من السؤال.

الرواية لا تقنعنا لأن كل تفصيلة فيها حدثت فعلًا، بل لأنها تحافظ على منطق الحياة. الشخصيات تتذكر وتنسى، تتغير ببطء، تقول شيئًا وتفعل نقيضه، تحمل آثار طفولتها وهي تكبر، وتكتشف أن السلطة والحب والخوف لا تبقى ثابتة.

كذلك يترك محفوظ مساحة واسعة للأشياء الصغيرة. الوجبات، الانتظار، العودة إلى البيت، جلسات الأسرة، النوافذ، الزيارات، أخبار الشارع، الغناء، الزواج، المرض. الأحداث الكبرى موجودة، لكن الذي يصنع الحقيقة الشعورية هو التكرار اليومي.

العائلة الواقعية لا تُعرف من حادثة واحدة عظيمة. نعرفها من العادات التي تتكرر حتى تصبح غير مرئية. محفوظ يفهم ذلك، ولهذا يشعر القارئ بعد مئات الصفحات بأنه لم "يتعرف إلى شخصيات"، بل عاش في بيتها.

ومن الحيل الدقيقة أيضًا أن الزمن لا يمر على الجميع بالسرعة النفسية نفسها. الطفل يرى الأب عملاقًا، ثم يكبر فيراه إنسانًا. الجيل الأول ينظر إلى قيمه باعتبارها نظام العالم، بينما يصل الجيل الثالث إليها بوصفها تاريخًا يمكن مناقشته أو رفضه.

هذه النسبية في النظر هي ما يمنع الثلاثية من أن تصبح ألبومًا حنينيا للقاهرة القديمة. محفوظ يحب المكان ويعرفه، لكنه يسمح للزمن بأن يهدم جزءًا من سحره.

الحقيقة التي لا يمكن العثور عليها في عنوان شخص واحد

إذا بحثنا عن "سي السيد الحقيقي" أمكننا الوصول إلى الجار الشامي، وإلى روايات عن رجال آخرين، وإلى نفي محفوظ أن يكون أبوه هو النموذج المباشر. هذه معلومات مهمة لأنها تصحح القصة السهلة التي تجعل الثلاثية سيرة عائلية متنكرة.

لكنها ليست نهاية البحث.

الأكثر دلالة أن محفوظ نفسه لم يبد متحمسًا لفكرة الفصل الحاد بين الواقع والاختراع. كان يرى أن كمال يحمل شيئًا من تجربته، وأن أحمد عبد الجواد يحمل جانبًا من حبه هو للحياة والفن والصداقة، وفي الوقت نفسه يذكر أشخاصًا من طفولته منحوه المادة الأولى للشخصيات.

هذا يعني أن الحقيقة في الرواية ليست وراء الشخصية فقط، بل داخل طريقة صنعها.

الجار الحقيقي قد يموت ويختفي اسمه أو يختلف الرواة عليه، لكن الشخصية الروائية تستمر لأنها لا تعتمد على معرفة القارئ بأصلها. ملايين القراء الذين لم يسمعوا بعم بشير يستطيعون فهم أحمد عبد الجواد، لأنهم يعرفون شيئًا عن السلطة داخل الأسرة، وعن الفرق بين الصورة العامة والحياة السرية، وعن الآباء الذين يبدون في طفولة أبنائهم أكبر من البشر ثم يصغرون مع مرور السنوات.

وهنا ينجح محفوظ في التحول من الخاص إلى العام من غير أن يمحو الخاص. تبدأ الشخصية من بيت مقابل لبيت أسرته في الجمالية، ثم تنتهي إلى أب يمكن لقارئ بعيد عن القاهرة أن يتعرف إلى شيء منه.

لم يكن سي السيد رجلًا واحدًا

إذن، هل كان السيد أحمد عبد الجواد شخصية حقيقية؟

كان وراءه بشر حقيقيون، نعم. وكان الجار الشامي الذي تذكره محفوظ من أوضح النماذج التي أشار إليها الكاتب بنفسه. لكن البحث عن شخص واحد يساوي أحمد عبد الجواد واحدًا إلى واحد يقود إلى إجابة مضللة.

لقد صنع محفوظ الشخصية بالطريقة التي تصنع بها الذاكرة كثيرًا من وجوه الماضي: ملامح من رجل، ونبرة من آخر، وعادة من الأب، ومشهد محفوظ منذ الطفولة، ثم إضافات لا تخص أحدًا سوى الرواية.

والأمر نفسه ينطبق على عائلة عبد الجواد. قد يكون أفراد منها قد استعاروا أسماء مشاعرهم أو بعض مصائرهم من أسر حقيقية عرفها محفوظ، لكن القوة الأدبية للثلاثية جاءت من اللحظة التي كفت فيها هذه الشخصيات عن كونها نسخًا من أشخاص معروفين وأصبحت قادرة على أن تولد وتتغير وتموت داخل زمنها الخاص.

ربما لهذا تبدو الأسرة حقيقية إلى حد يدفعنا بعد أكثر من نصف قرن إلى السؤال عن عناوين أصحابها الأصليين.

نجاح محفوظ لم يكن في إخفاء أسماء أشخاص حقيقيين داخل الرواية، بل في شيء أصعب: أن يجعل أشخاصًا لم يوجدوا بهذه الصورة يمنحوننا الإحساس بأنهم كانوا موجودين فعلًا.

وأنت، حين تفكر في السيد أحمد عبد الجواد، هل تراه مجرد صورة للأب المتسلط، أم أن تناقضاته هي التي جعلته واحدًا من أكثر شخصيات الثلاثية حياة؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق